الاثنين، 4 أبريل، 2011

هويتنا العربية ؛ والمجتمع ..! ( १ )



( مقالة من ضمن المقالات التي ستنشر في جريدة الرؤية ؛ كل اثنين أسبوعيا ) ..


هويتنا العربية ؛ والمجتمع ..! (1 )

" موقف الإنسان من الحياة هو في الحقيقة مزيج من الإرادة والظروف الخارجية ، إن بإمكانك أن تتدخل في تحديد مصيرك ، وبإمكانك أن تغير ظروفك ، وبإمكانك أن تحس بالحياة إحساسا جديدا غير الإحساس المفروض عليك " .. - الشاعر الإنجليزي وورد ثورث – * * * من البدهي جدا أن العربي اليوم ، لم يعد ذاك الإنسان المكلل بالبساطة ، الذي يعيش في كنف خيمة صحراوية مسربلة في تلالها المذهبة بشمس اللانهاية ، جدي وأجدادكم كانوا يتصافحون يدا بيد ؛ لا " موبايل بموبايل " يدردشون عبر زيارات اجتماعية واقعية من بيت إلى بيت ؛ لا افتراضية من " فيس بوك إلى فيس بوك " ، وكان غداؤهم اليومي يكاد يكون معدودا والأهم طازجا وليس مجمدا كأطعمة اليوم ، كما كانت الصناعات بكافة تنوعها القاصر تكاد لا تخلو من طابع محلي عربي ، لكن اليوم سلال الجمعيات التعاونية تشهد بغير ذلك تماما ، إنها خليط من دول لربما شاهدناها فقط من خارطة العالم وإن حالفنا الحظ بزيارة بعضها ، وأخرى ما تزل تكتفي بوقعها الجديد في ذاكرة أذاننا ..! و" الهوية " التي لا تعرف أين هي من هذا الانفتاح تطرح وتجمع وتضرب وتقسم على نفسها وعلينا سؤالا مصيريا لافتا : إلى أين مسيري ..؟! أضواء الاتهامات ستطال فئتين مهمتين يمثلان كيان كل عالم في جسد هذا الكون الذي خلق في سبعة أيام هما : " الفرد " و " المجتمع " ؛ هذان الثنائيان العلاقة بينهما سيامية الخلقة مهما تداعت أو ناهضت أحدهما عن الآخر ؛ فإن الأثر محتوم متوحد بينهما شئنا أم أبينا ؛ فلا فرد دون مظلة المجتمع ، ولا مجتمع دون أساس الفرد .. وإذا ما كانت الحياة نصفان نصف متجلّد ونصف ملتهب ؛ فإن " الفرد " المتصل بهذه الحياة يمكن تعريفه بإيجاز بليغ بأنه ذاك العضو الذي يتمتع بسمات إنسانية متباينة ، قد يكون خاملا أو نشيطا في مجتمعه ، لديه من المؤثرات ما يجعله قابلا للانفتاح على الآخر ، إما برغبة مطواعة منه في تطوير كيانه الطموح أو تقليدا أعمى ، وكلا العاملين غاية الأهمية في بوتقة التأثير .. أما بالنسبة " للمجتمع " إما أن يشرع سقفه بشفافية ليطل منها أفراده ما لدى العالم الآخر أو يكلف نجاّريه المتمرسين وعلى رأس الخدمة هم دائما بصنع قفل أسطوري خالد لا يصدأ ولا تهزّه كوارث التغيير ، وفي كلا الحالتين لا ينجو من تهمة التورط حسبما سعة الانفتاح لدى أفراده .. ضغوط الفرد والمجتمع في الوطن الواحد هو ما أفرز تسونامي الثورات العربية مهيجة مبتلعة معها كل شيء ، لدرجة أن المرء يضحي بنفسه أو فرد من أفراد عائلته ، دافعا بجسارة ذاك الثمن النفيس باستحقاق من أجل تغيير يطال " المجتمع " الذي يقيم فيه .. فالفرد العربي ليس بحاجة إلى انفتاح ؛ فهو أصلا منفتح قبل انفتاح مجتمعه الذي كان يراوح ما بين رجل للأمام ورجل للخلف ، وهو اعتراف اختزله بكبرياء كاشف كل القيادات الهامة التي كانت تشكل قطاعات المجتمع المختلفة ..! هنا فقط ، خلال ربيع الثورات أدرك جيدا معظم القادة أن عقلية ساعاتهم تشير إلى غير الزمن الذي اعتادوا عليه حتى تآلفا معا ، إلى زمن كهل طال أم قصر مدته عن واقع أفرادهم ، وهذا الإدراك المتخلف عن الركب التحضر شرع كافة المحسوسات المتأخرة عن شعورها إلى مدى خطورة تلك الصناعات والاختراعات والاكتشافات التي تنتمي إلى أدمغة أجنبية خام ، صدّرها لبلده ؛ بنيّة تعزيز مكانته في أفئدة الخارج قبل كل شيء .. عندما فغرت هذه الحقائق كاشفة عن نفسها بالتدريج من قبل الفرد والمباغتة غير المتوقعة من قبل المجتمع ، لم تجد بعض الدول بهويتها العربية سوى تمرير لصفقات شراء ما هو أجنبي ليغدو ملكية عربية وكان آخرها اقتراح سري لـ" شراء موقع الفيس بوك " من منشئه ؛ لا للانفتاح وهو شيء قد اعتاد عليه الفرد من مجتمعه ، بل لغايات أخرى لم تعد في اللحظة غامضة على القاصي والداني ؛ ولعل من أكثرها أهمية مصادرة الأيدي التي تكبس والألسنة التي تهتف ، وهو بمثابة اختراع لم يخطر ببال الكثيرين من " الهوامير " إلا في وقت أراه شخصيا - متأخرا جدا – كتخلف تلميذ ثريّ خانته ساعته الثمينة للوصول في الوقت المحدد لاختبار مهم ؛ ففاته تسجيل حضوره بعدما ذاع الجرس قراره الصارم رافضا دخوله لجان الاختبارات ؛ بينما لسان حاله الذي وجد نفسه وحيدا يحتج باجترار داخلي - لم يعتد عليه - بعد عهد ولّى من الصراخ و الوعيد ، لكن اليوم بنبرة خافتة يهمس بين جدرانه : كيف هذا و ساعتي عالمية الصنع وباهضة للغاية ..! والمثير هنا أن هذه الأيدي والألسنة تشكل هوية فردية نضجت على نحو مغاير وكثيف ؛ ولكن الأهم فالأهم أن هؤلاء لم يفكروا بتأهيل أدمغة عربية ؛ لتغدو قادرة على منافسة أدمغة غربية ، والسبب بسيط هي أن ثقتهم في أدمغتهم العربية قاصرة ، بل و يشوبها تخوف متشكك من أنها هي نفسها بعد تجارب الثورات المريرة فيهم تكون قنبلة مستحدثة تصوّب فوهتها إلى رؤوسهم في زمن ما إن استدعى الأمر ..! ليثقل كتف المجتمع بتهمة أخرى لا تقل خطورة عن التهم الأخرى وهي فضفضة أزمة الثقة التي همت تتزحزح ليس فقط من مساحتها شبرا شبرا ، دارا دارا ، زنقة زنقة ، حائطا حائطا ، بل فردا وحاكما عينا بعين وسنا بسن ، والهوية العربية مطرقة ما تزل في حضرة استفهامات متكاثرة عن حمم صراعات الأفراد والمجتمع في وطن واحد .. !

يتبع ........................................... ،


ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق