الأحد، 2 يناير، 2011

لصوص النوم


لصوص النوم

جيء ليلة لملك الفرس " كسرى أنو شروان " بإنسان متشرد فسأله : ماذا تفعل في هذا الليل ؟ فأجاب : أهيم على وجهي ..! فضحك كسرى وقال : الذي يسير وحيدا في الليل يكون عاشقا أو لصا ، فأيهما أنت ؟ فأجاب المتشرد : لا هذا ولا ذاك ..!
قال له كسرى : قل عاشقا تنج من العقاب ..!
فرد عليه : سمعا وطاعة ، أنا عاشق ..!
فقدم له كسرى مبلغا من المال قائلا له : اذهب إلى عشيقتك ومعك هذا المال ، فإذا لم تكن لك عشيقة اتخذها ، المرء لا يعيش دون عشيقة وإلا صار لصا ..!

* * *
في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " حكاية للفيلسوف " نيتشه " يفصل فيها حديثا عن النوم تحت مسمى " حول منابر الفضيلة " فيقول فيه :

" تجنبوا اللقاء مع الذين ينامون نوما سيئا ويسهرون الليل ..!"
" يخجل اللص في حضرة النوم ، فيتسلل بطيئا في الليل ، ولكن لا خجل عند حارس الليل ؛ فهو ينفخ بوقه بلا خجل " ..
" عشرات المرات يجب أن تتصالح مع نفسك كل يوم ؛ لأن التغلب على النفس يولد الاستياء ، والذي لم يتصالح مع نفسه ينام نوما سيئا " ..

هنالك فضائل كما يرى " نيتشه " يجب أن نأخذها بعين الاعتبار ، بل يجب أن نتصف بها ؛ كي ننام نوما جيدا ..

فيجب أن تتساءل حينما يجافيك النوم ليلا بنصل الأرق :

" هل خنت أحدا ؟ " " هل سمحت لنفسي أن أتمنى جارية قريبي ؟ "
فإن ذلك يمنع النوم الجيد ..
" عش بسلام مع ربك وجارك " ، " عش في سلام مع شيطان جارك ، وإلا سيزورك ليلا "
" احترم مديرك وأطعه ، حتى وإن كان مديرك أعرج ..! "
" اعتقد أن الراعي الأفضل هو الذي يرعى خرافه في المراعي الخصبة " وهو من شروط النوم الجيد ..
" إنني أفضل المجتمع الصغير على المجتمع الحقود ، ولكن حتى المجتمع الصغير يجب أن يأتي ويذهب في الوقت المحدد " فهذا من شروط النوم الجيد .

" يعجبني معدمو الروح ، فهم يساهمون في النوم الجيد " ..

هل النوم يحتاج إلى دعوة ..؟!

يتحدث " نيتشه " عن هذا بلباقة فيقول : " أتجنب دعوة النوم إلي ..!
فالنوم لا يريد أن ينادى ، وهو سيد الفضائل كلها ..! "
لكنه فكره لا يدعه لحاله ، فيمضغ تفكيره ويتساءل كصبر بقرة : " ما هي المرات العشر التي تغلبت فيها على نفسي خلال النهار ..؟ "

وخلال قيامه بهذه العملية مع أفكار متضاربة تكر وتفر ، كالمد والجزر ؛ فإذا بالنوم يحل عليه فورا ، الذي هو سيد الفضائل كلها ..

ويختمها باعتراف : " إن النوم يضربني على عيني ، فتثقل عيناي ، النوم يلامس ثغري ، فيبقى مفتوحا قليلا .. حقا ، يأتيني النوم بخطوات هادئة ، إنه الأفضل بين جميع اللصوص ، يسلب مني أفكاري لأقف غيبا كهذا المنبر ، ولكنني لا أطيل الوقوف في هذه الوضعية ، فأستلقي حينئذ " ..

* * *

أقول : " عين الظالم لا تنام " ..

إذن ، جلّ هذا العالم ساهر ؛ إلا أقلهم أولئك الذين في قلوبهم غصّة مَظْلمة ، لم يأذن الله تعالى لها أن تقضى بعد ..!


أقول : " العاشق يؤرقه النوم ، فليله طويل بطول عشقه " ..

إلى حيث ينام قلبه يكون حضوره يقظا ..


أقول : " إن المرأة إذا غاب بعلها ، هجم عليها سواد الليل ، السواد كله " ..

وقد انشد :

تطاول هذا الليـل واخضّل جانبه وأرقت أن لا خليـل ألاعبه
فو الله لولا الله لا رب غيـره لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصـدني وأكرم بعـلي أن تنال مراكبه


أقول : " الوحيد ، يعزله النوم ، فيكتنفه عزلتان ، عزلته وعزلة ليله " ..

إنه سائر وحيد في معترك الكون ، ما أكبر الكون من حواليه ، وما أصغر كونه الداخلي ، فهو وحيد بها .. !


أقول : " علة في الجسد ، تمنع النوم من الزيارة ، وإن زاره كان طيفا " ..

فالمريض لا يجد في نومه لذة ، الألم وحده يلتذ في جسده ، يسحقه سحقا هو وليله كله ، إنه خبير في أنس لياليه ..


أقول : " الغائب عن عيون الوطن ، رفيقه في غربته أرقه " ..

يهيم في الليل متأبطا ذكرى وطن حبيس في القلب ، والخطوات تنتشله في حنين طويل لا ينتهي ، فليله سرمدي كإحدى أغاني أم كلثوم ..
أقول : " الحزن صاحب الأرق " ..

ما أكثر الأوجاع هذا العالم ، فكيف بها إذن أن تفنى في خدعة النوم ، حتى للنوم منها نصيب في هيئة كابوس يستفيق ولا يتعب من استفاقاته المتكررة ، فالليل ليله ، وهو بصاحبه حر ..!


أقول : " الحالمون يرفضون النوم " ..

خشية أن تضيع أحلامهم في زحمة النوم ..!
وهي الحالمة التي لا تنام ، تعد النجوم في الليل بعدد أحلامها ، وما أتعس الذين لا يحلمون ، ما أتعس أولئك الحالمون ؛ حين تضيع أحلامهم في فوضى الحياة بغفلة سبات أو لحظة جبن ..!


أقول : " الجائع يمنعه قعقعة بطنه من النوم " ..

يستدعي الطعام بشتى الطرق ، ليس ارضاء للنوم بل ارضاء لنفسه الجائعة ، فما أسعد لياليه فلا تكاد تخلو من خلوات اللذة تلك ..!


أقول : " إن الشبعان ، لا ينفك يتقلب في فراشه مؤرقا " ..

فالنوم يبقى خفيفا كلما أكلت أكثر ، لكن الجوع فلا يتعب أبدا ..!


أقول : " المتعبد ، مؤتنس بظلمة ليله " ..

إنه ممتلئ بها ، روحه العظيمه تشتاق خلوات الليل ، فهل ثمة خلوة أحلى وألذ وأمتع من خلوة مع الله ..!

أقول : " وحدهم الأطفال ينامون ببراءة كبيرة " ..

ينامون بلا إنذار ، بلا خوف ، بلا حذر ، من تعب نهار مجهد باللعب إلى مخدة تخدرهم ببراءة عميقة ..
لنكن أبرياء إذن ؛ كي ننعم بنوم الأطفال ..!

* * *

في شذرات من يوميات " بودلير " يقول عن النوم :

" فيما يختص بالنوم ، تلك المغامرة الكئيبة لكل ليلة ، كان يمكن القول إن الناس ينامون يوميا بجرأة غير معقولة ، لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر " ..


" نوم أبيض " يقول عنه الشاعر " عباس بيضون " :

" لا أنام في سرير، لا أذهب إلى فراشي في الساعة نفسها تقريباً كما يفعل الجميع ، لا أذهب إلى فراشي بتاتاً ولا أفكر في أن أذهب ، لعلمي أنني إذا فعلت ذلك لا أنام ، إذا دعوت النوم وتحضرّت لن يحضر ، إذا دخلت تحت اللحاف وسوّيته فوقي ، بعد أن أكون خلعت ثيابي ووضبتها ولبست البيجاما ، إذا وضعت رأسي على الوسادة وأطفأت النور بعد أن أكون تأكدت من إغلاق النوافذ ، لن أنام ، لقد طردت النوم بكل هذه الحركات ، جعلته أبعد فأبعد حركة بعد حركة ، لو فعلت ذلك سيطير النعاس من عينيّ تماماً ، لن يأتي النوم بقدمه إلى هذا الفخ ، هذا الترتيب سيجعله يهرب ، ما أفعله حين أعود في ساعة غير محددة من الليل هو التمدد أمام التلفزيون بثيابي ، وفي الحر بثيابي الداخلية ، التمدد لا يخيف النوم فإن أتمدد غالباً وليس للرقاد وحده ، أضع رأسي على وسادة فوق ذراع الكنبة وأتطلع إلى التلفزيون وانظر في كتاب ، اللمبة مضاءة والبيت مشعشع والتلفزيون والع وأنا فقط أتفرج ، ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً ، بوسعه أن يخرج ويتسلل ، أنا لا انتظره لكني وسط الفيلم أدير رأسي على الوسادة ولا أعرف كيف أكون نمت ، أنا كمن لم ينم ، حتى وأنا غاف لست نائماً حقيقياً ، لا زلت في ثيابي ولست في فراشي ، لا بد أن التعب خطفني ، التعب فقط وإن كان نوماً .. "
والفنان الإسباني العبقري " خوان ميرو " كان يعشق النوم ، لدرجة قبل أن ينام كان يكتب على باب غرفته من الخارج : " الفنان يعمل ، فلا تزعجوه " ..

بينما يقول الكاتب " آلان لايتمان " في روايته " أحلام آينشتاين " :

" الضوء يخطط الحياة في هذا العالم ، ولذلك فإن الشخص الذي يولد عند الغروب يمضي النصف الأول من حياته في الليل ، يتعلم مهنا داخلية كالحياكة وصناعة الساعات ، يقرأ كثيرا ، يصبح مفكرا ، يأكل كثيرا ، يخاف من الظلمة الشاملة في الخارج ، يحرث الظلال ... أما الذي يولد عند شروق الشمس يتعلم مهنا خارجية كالزراعة والبناء ، يصبح قوي البنية ، يتجنب الكتب والمشاريع الذهنية ، يكون مشرقا ولا يخش أي شيء " ..

وأنا ولدت في الليل ، في منتصف ليلة شتوية ماطرة بالتحديد ؛ لكني لا أجيد الحياكة ولا صناعة الساعات ، ورغم لصوص النوم الحائمة من حولي غير أني أجيد النوم بشدة ؛ كأن بي عضة من " ذبابة تسي تسي " ؛ فقط حينما يكون دمي فقيرا ..

ولكن لمن يتناول حبوبا منومة من عيار قوي دون أن يغمض له جفن كبطل " ميلان كونديرا " في روايته " كائن لا تحتمل خفته " ؛ فما عليه و- على مسؤوليتي- سوى بكتاب " تأملات قبل النوم " لأوشو ؛ فإنه يبدد ليس فقط لصوص النوم ، بل أيضا لصوص الحسد والحقد والكذب والخيانة والخوف والجشع والاكتئاب .......
ونوما هنيئا مقدما ..



ليلى البلوشي

هناك 6 تعليقات:

  1. استمتعت بقراءة لصوص النوم بالامس في ملحق أشرعه .
    نقلتي انطباعات مميزة ومتمايزة أعجبتني .

    ردحذف
  2. .. هل أنا أحلم ..؟!
    أخيرا تنازلت مؤسسة مدونتي ، أهلا بك في بيتك يا مسقطية الهوى :)

    أنت المتابعة النهمة دائما أيتها النحلة ،

    كلما نشرت موضوعا في مدونتي ردد لسان حالي القول نفسه : الفضل يعود لمسقطية الهوى ..

    شكرا لك حقا ويبدو أنني مدينة لك

    ردحذف
  3. مبدعه ..
    قرأته في أشرعه ..

    لك كل الود استاذتي ..

    ردحذف
  4. هيلة ؛ ما ألطف اسمك :)


    نورتي وشكرا جدا على المتابعة /

    دمت بود

    ردحذف
  5. جميلة مثلك تدخل احساس عميقا للقراء اه كم اشتقت الى ذلك الى تاليف القصص ومدونات الشعر شكرا لك
    طام يومك <3 <3

    ردحذف
  6. هاه نسيت اخبارك انا اسمي زينة
    سررت بمعرفتك
    دمت بود

    ردحذف