الثلاثاء، 16 مارس، 2010

سيرة النسيان


سيرة النسيان

" أ . هل كنت مريضا ؟ هل شفيت ؟
ولكن من كان طبيبي ؟
كيف استطعت نسيان هذا ..!
ب . الآن فقط ، أظنك شُفيت .
لأن من ينسى ، في صحة جيدة يكون "

- نيتشه -

* * *

في أحايين كثيرة نرغب لو أن رؤوسنا خاوية من ذاكرة تسمم حياتنا كلها ، فتلسع أول ما تلسع القلب هذا العضو الحساس الدافق بأعصاب متمددة ، المرن بنبضات تجري حينا كالأرنب وتبطئ حينا آخر كالسلحفاة ، فالذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة إذ بمقدار ما تتيح له سفرا نحو الحرية فإنها تصبح سجنه .. على حد تعبير الروائي عبد الرحمن المنيف ..
قيد الذاكرة هذا يجعلنا نرغب لو نغدو كالمولودين الجدد ، أو كالقطط الذين ليس لهم مشاعر ولا ذاكرة ، نتمنى لو نستطيع أن نقفل كافة حواسنا الخمسة تجاه محسوسات العالم ؛ لئلا نشرع الذاكرة على مزيد من ويلات الذكرى التي تكون لربما مؤرقة تقرصنا بقية عمرنا ، وما أكثر الأمور التي نفشل في دحضها عن تاريخ الذاكرة المثقلة بخيبات أثقل ، ماذا عن مساحات جغرافية التي تحوي سيرة تفاصيلنا ، كلما نأينا عنها ازددنا قربا منها فتأنف عن النسيان ॥!

يقول فرويد : " إن الذاكرة خوانه " ..
فلا تشطب من حدودها سوى البقعة المعشبة بأنبل الذكريات التي كانت تمدنا روحا إلى أشخاص ، إلى أماكن ، إلى تفاصيل ، كان لها قسط من حفنة فرح ، بينما المساحات التي تربو على أقاص جرداء لا يهطل على أراضيها سوى حمم من ذكريات خائبة تحرق القلب وتكمد الجوارح ، فإنها حينئذ تحتفظ بالوفاء كوشم أبدي والذاكرة منها حادة كالمسامير ॥ !

وللهرب من دبابيس الذاكرة المؤلمة خصصت الكاتبة " أحلام المستغانمي " كتابا عن النسيان ، تخاطب فيها أولئك اللاتي قهرهن النسيان فعلق ذاكرتهن على سماء مثخنة بآلامها ، فتطالب بنات جنسها بمساواة أنفسهن مع الرجال في ذاكرة النسيان ؛ لأن المرأة بطبعها لا تنس بسهولة ، بينما الرجال على نقيض ؛ لأن النسيان يمهد لهم الطريق للبحث عن علاقة جديدة ، بينما الأنثى فهي تطرد النسيان عن وكرها ؛ لأنها تخشى خوض تجربة جديدة على أساس ذاكرة في اليد خير من نسيان على الشجرة كما وصفت ..!

والغريب أن الروائي " نيكوس كازانتراكيس " صاحب رواية زوربا ، يرى أن الرجل حبيس ذاكرته ، بينما المرأة تنسى بسرعة ولا يمكن أن تذكر أحدا من عشاقها القدامى ، وحين تكون معها يحمر وجهها خجلا وتضطرب كما لو أنها ترى رجلا لأول مرة في حياتها ، وفي كل علاقة تخرج عذراء الذاكرة والجسد ..!

يبدو أن النسيان سيقف وقفة محايدة ، بينما أجناس النساء والرجال تتعنصر حوله في اتجاهات معاكسة .. !
بينما يهمنا نحن هو شراء النسيان ، فمن يريده يتجه رأسا إلى المكسيك ، تحديدا عند السحرة المكسيكيين أو شامانيه كما حكى الروائي " باولو كويليو " ذات مرة .. فهم يقدمون وصفة تطبيقية في النسيان يعنونونها بـ " آلية النسيان " فحين تثقل عليهم الذاكرة التي تحمل أطناب حياتهم التي مروا بها ، يمضي السحرة أو الشامان أشهرا يستذكرون فيها أقل ما يمكن من تفاصيل لكل حدث في حياتهم ، وتقضي بعض التقاليد أن يمضي أحدهم ساعات في التحدث عن كل شيء مر ّ به بصوت عال أمام آخر وكوب ملئ بالماء ..
وبهذه الطريقة تغادر القصة ذاكرتهم وتذهب إلى الماء الذي يجب أن يرمى في النهر مباشرة بعد الكلام ، فهذا الفعل يُخلي فكرهم ليستطيعوا تعبئته بأشياء جديدة ..

بعد هذه الوصفة المدهشة لا نملك سوى أن نتنفس ملء ذاكرتنا لندلق النسيان في النهر نفسا بعد نفس ، لكن ماذا لو أن وصفة السحرة المكسيكيين كفيلة بالتدمير الشامل للمخ الذي يحتوي على جهازين للذاكرة ، جهاز خاص بالوقائع العادية وجهاز ثان خاص بالوقائع المشحونة عاطفيا .. ونخرج بعدها بذاكرة فقدت هويتها الأصلية ..؟
التجربة جديرة بالمغامرة ، خصوصا لأولئك المثقلين بكراكيب تستعصى على النسيان ..!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق