الأربعاء، 13 مارس 2013

حوار افتراضي مع " كارلوس ليسكانو " .. عن تجربته في السجن والكتابة


 
 
حوار افتراضي مع " كارلوس ليسكانو " 1..

عن تجربته في السجن والكتابة

 

نشر في آرميا الثقافي ...

 

" الكتابة عن الأدب ذريعة لكي لا اكتب عن الحياة ؛ حياتي فليس هنالك ما أكتبه عنها " هذه العبارة أقرّ بها الكاتب والروائي " كارلوس ليسكانو " وهو اعتراف ليس في محله قطعا ، فمذ السطر الأول من كتابه المعنون بــــ" الكاتب والآخر " تجد نفسك أمام قامة أدبية يحتشد فيها زخمان : زخم الأدب من ناحية وزخم الحياة من ناحية أخرى .. يتحفنا هذا الكاتب بعصارة تقشير لإنسانية الكاتب من القاع حيث تتلاقى روح الكتابة وروح السجين وروح الإنسان ..

" كارلوس ليسكانو " أحد أبرز أدباء أورغواي المعاصرين ولد في مونتيفيديو عام 1949م ويكتب القصة والشعر والرواية والمسرح والمقال الصحفي حائز على عديد من الجوائز وترجمت كتبه لغات عالمية .. إضافة إلى قامته الأدبية كان عسكريا وعضوا في حركة التوبمارو 2 .. وسجينا سياسيا ومعلما للغة السويدية بعد خروجه من السجن وعندما عاد إلى مونتيفيديو لم يعد غريبا على الآخرين لكنه ربما غدا غريبا على ذاته .. ربما كانت العودة طريقة لإعادة بناء الكاتب الذي ولدت موهبته عام 1981م في السجن حين كان منكبا وبشكل محموم اثنتي عشرة ساعة يوميا على الكتابة .. الكتابة التي كانت أشبه بلقاح أمان في حبسه ذاك عن اندفاعات الجنون والتعذيب الجسدي والتعري الروحي والعار ونضالات الحرية والكرامة والإنسان ..

 

ليلى : كارلوس ليسكانو تقول في صفحات كتابك الغائر في الجرح ككاتب وكسجين قضى ثلاثة عشر عاما أنك قبعت في غرفة واقعة تحت الأرض ما من شيء على الإطلاق ولا حتى الضوء .. صمت ورطوبة وقضبان حديدية تفصل بين السجين وباب السجن وثمة حفرة في زاوية جرة ماء والفراش الذي يعدونه مساء ويستعيدونه في السادسة إلا ربعا صباحا .. حين خرجت من هذه الغرفة الواقعة تحت الأرض كيف كان أمر الحياة حين خروجك  ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " حين خرجت من السجن كنت في درجة الصفر لم يكن في حوزتي كلمات لأصف بها ليلة 14 وصباح 15 آذار 1985م كنت لا شيء .. لا أحد .. لم يكن لي وظيفة وبيت ومال ووثائق رسمية .. لا أبوان ولا أطفال أو أي شيء يمكنني من العمل .. لا ملابس وأوراق أو أي علاقات .." .

 

ليلى : إذن لم تكن لديك وجهة معينة في هذه الحياة تعينك في الذهاب إليها ولا ثمة عائلة تنتظرك بكامل شوقها وتحتضنك بكامل دفئها يا لها من غربة فظيعة تلك التي أحاطت بعالمك وقتئذ ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " الشعور بالغربة هو ذاته على الدوام .. هو ذلك الذي أحسست به ليلة 14 آذار 1985م عندما اجتزت مونتيفيديو في المقطورة التي كانت تقل من خرجوا من السجن إلى بيوتهم .. عندما لم يكن لي وجهة ولا عمل ولا عائلة .. كنت على وشك أن اكتب " عندها لم يكن لي وجه " بدلا من " لم يكن لي وجهة " ثم تداركت يدي على الفور على هذا قد يكون تعريفا حسنا لما كنت عليه آنذاك لفرط ما لم أكن أملكه بسبب كل ما كان ينقصني لم أكن أملك في تلك الليلة حتى وجها .."

 

-       ليلى : هل فقدانك لوالديك أثناء فترة حبسك هي التي كانت وراء تلك الوجهة الغامضة أو ذاك الوجه الذي فقدت الإحساس عن وجوده ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " في سنوات السجن الأولى حاولت أن أعيد بناء نفسي قليلا لكن موت أمي في العام 1976م قذف بي في عالم من العزلة وبعد موت أبي في العام 1978م جعل القمع الحاصل في البلاد وضرورة الانحناء من أجل البقاء حيا ملاذي والقراءة مهربي الوحيد .."..

 

-       ليلى : إذن في سجنك من ضمن أهم القضايا التي كنت تناضل من أجلها " الحياة " وهي مضاد الموت ومن خلال اكتشاف الكاتب بداخلك والتشبث بهذا الاكتشاف كنت تتغلب على هذا الموت على نحو واعي ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " أن تكتب هو أن تريد أن تتجسد وأن تكون موجودا بعد أن يأتي الموت ؛ لأن الكاتب يريد أن يكون مختلفا.. أن يكون من هو وأن يكون آخر لأنه يطمع إلى خلق العمل العظيم الذي سيسمح له بالاستمرار في الوجود بعد الموت .. إنه ذلك الإحساس الغريب الذي ينبعث فيك حين تعرف أنه في هذه اللحظة في مكان ما وربما في لغة أخرى ثمة من يقرأ أحد كتبك وأنت لا تعرفه ولن تعرفه أبدا لأن الحديث إلى النفس يجري عبر الآخرين .. عبر القراء الذين نكتب من أجلهم ولا نعرفهم .."

 

-       ليلى : أنت من الكتاب الذين يعون بوجود قرائهم وأنهم جزء من عملية الكتابة .. دعني استعير عبارة بديعة كنت قد أطلقتها على القراء بوصفهم " أول من يعزز الابتكار هو القارئ " عبارتك الحميمية هذه تحمل دفئا تجاه كل قارئ خفي يقرؤك بل تتماشى مع عصر يقال إنه عصر القارئ بامتياز لكن ما دور الناقد في عصرنا هذا ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " أول من يعزز الابتكار هو القارئ ، إنه يبتكر كاتبه الخاص انطلاقا من الكتاب الذي يقرأ ثم يأتي النقاد ليواصلوا ابتكار مناظر طبيعية وصلات وطرقات في بلاد لا وجود لها ما لم يصفوها هم " ..

 

-       ليلى : ماذا عن دور الكاتب نفسه مع كتابه .. مع النص أو الحكاية التي يكتبها مع الحياة بمجملها ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " الكاتب دوما اثنان : ذلك الذي يشتري الخبز والبرتقال ويجري الاتصال الهاتفي ويذهب إلى عمله ويدفع فاتورة الماء والكهرباء ويحيي الجيران والآخر الذي يكرس نفسه للكتابة .. الأول يسهر على حياة المبتكر العبثية والانعزالية .. إنها خدمة يؤديها بكل سرور لكنه سرور ظاهري فقط ؛ لأن التوق إلى الاندماج يظل موجودا فأن تكون اثنين ليس أسهل من أن تكون واحدا .."

 

-       ليلى : أوافقك فيما ذهبت بلا شك .. ولا أبالغ حين اعترف بأني مبهورة من طريقة تقشيرك للكاتب من الداخل حيث هناك يقبع أكثر من كيان إلى ما أطلقت عليه " خادم " والآخر " المبتكر " .. يقبع كاتب هو إنسان في النهاية له صلات في الحياة والتزامات يومية وعلاقات مع الآخرين ..هذه الإزدواجية المدهشة هلاّ تمعن في وصفها لنا ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " شخصية الكاتب قد وجدت دون أن تعرف كيف حدث ذلك .. إنها اللحظة التي تدرك فيها أن ثمة من يعترف بهذا الصوت الذي يحكي فتتعرف إلى ذاتك في هذا الصوت الذي تم الاعتراف به وإذ ذاك فإن الآخر ذلك الذي يريد أن يصير كاتبا لا يعود موجودا ، فالشخصية المبتكرة تهيمن على كل شيء وما من حوار ممكن بين المبتكر والآخر .."

 

-       ليلى : أنت تعني أن وجود الكاتب في داخل الإنسان يبدأ على نحو واقعي حين تعترف به الأصوات الأخرى و بهذا الاعتراف الأدبي بعينه سوف يخلق العمل الأدبي نفسه ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " لأن الأمر يتعلق بخلق الكاتب لا بخلق العمل الأدبي إذا نجحت في خلق الكاتب فإن الكتاب يخلق وحده ؛ لأن الكاتب يخلق أثناء التأمل في فعل الكتابة والحياة التي يختارها لنفسه أكثر منه في أثناء الكتابة فأن تصبح كاتبا يعني أن تختار حياة وطريقة توجد بها في العالم وترى من خلالها الأشياء لأن الفرد إن لم يكتب لن يكون كاتبا لكن الكتابة وحدها لا تكفي في لحظة ما سيطرح عليه نشاطه الكتابي أن يتأمل متسائلا : ماذا ولماذا وما الفائدة ..؟ "

 

-       ليلى : هل هذه التساؤلات عن جدوى الكتابة تهجم على الإنسان حين يصل إلى مرحلة الشبع الكتابي أو حين يقف على سفح الإبداع متسائلا عن الغاية من كل ما يفعله أو الجدوى من كونه كاتبا ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " لقد كان ذلك زمن البراءة الأدبية حين كانت الكتابة تعنى المضي دوما دون أن أتساءل لماذا أمضي قدما وما فائدة ذلك ..؟ كان ذلك قبل الحكاية حين لم يكن الفرد قد انشطر بعد لم يكن ثمة مسافة بين الإنسان الفرد والكاتب ، فالكاتب لم يكن قد ابتكر بعد لكن ظهوره كان محتما في ضوء الإيمان بأن كل الأشياء ستتألف لإنجاز العمل المقدر سلفا بريئا وممتلئا بالأوهام .. اخترت طريقي وأخذت أتقدم فيه بلا حذر دون أن ألتفت إلى أنني كنت أمضي نحو الشك والقلق والحياة المزدوجة على الدوام .. لأننا في الأدب لا نتقدم أبدا نتعلم تقنيات .. نكتشف كمائن لكننا نبقى دوما في النقطة ذاتها نحفر الحفرة ذاتها ونبحث عما يعرف العالم أجمعه أننا لن نعثر عليه هناك .. مقتنعين بأن الشيء الوحيد الذي يستحق العناء هو أن نستمر في الحفر .."

 

-       ليلى : وهذا الحفر نفسه يكفلك كثيرا ككاتب مهنته ووظيفته الوحيدة في الحياة هي الكتابة وخلق شخوص لحكاياته .. هذا النبش عن آخرين يجبرك على حياة ذات نمط معين وعلى عزلة من نوع ما .. قد تكون عزلة مبالغة أشبه بعزلة الروائي " مارسيل بروست " الذي صنع لعزلته غرفة من الفلين واختار الفلين تحديدا لخمد حس الضجة من حوله تماما أو تكون عزلة أقل كتما للأنفاس .. بمعنى أوضح كيف هي عزلتك ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " الكتابة هي تشييد عزلة لا يمكن اختراقها .. ليست تلك العزلة التي تصل القارئ عبر العمل بل العزلة الأخرى الأكثر عمقا .. عزلة الحيوان المحكوم بالحوار مع ذاته بالتفكير وحيدا .. المحكوم بالتأرجح بين الاندفاع الطفولي والإحباط المدمر .."

 

-       ليلى : لكنك أشرت في كتابك " الكاتب والآخر " بأن من يجعل من الأدب مركز حياته لا يستوجب عليه أن ينعزل فهذا ليس ضروريا ، لأن الأدب بعينه سجن لا يمكن الخروج منه حيث تكون على الدوام حبيس زاوية نظر معينة يحددها الأدب  ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " من أجل الكتابة لابد من أن تكون في الحياة وخارجها في الوقت ذاته .. أن تراقب وتعيش في صمت إنهما حياتان .. إنها الإنسانية المبنية بطريقتين كل منهما مسلكا خاصا وفي هذا إفراط : أن تكون إنسانا بطريقتين مختلفتين وأن يكون لك في الحالتين حياة تامة ظاهرة للعيان .. الأولى حياة المواطن المستقيم كثيرا أو قليلا والثانية حياة الفنان الذي لا يظهر إلا عبر أعمال فنية والذي يمكن أن يعاد بناء حياته عبر هذه الأعمال أيضا .. إن له فكره الخاص ويمكننا أن نعرف إلى أي جوانب الواقع يوجه انتباهه ومدى إحاطته به .." .

 

-       ليلى : كونك كسجين عسكري أعادت ذاكرتي إلى كاتب عربي سوري له كتاب يروي فيه تفاصيل العذاب في السجون وتحويل الجلاد الضحية إلى حيوان .. يدعى كتابه " حيونة الإنسان " .. ترى ما الذي يجعل الآخر يحوّل البشر مثله إلى منزلة الحيوان أو تشييئه إلى أقل من الحيونة ..؟ ما هو غرض الجلاد وما هي مسوغاته للقتل بدم بارد .. ؟ هل للجلادين ضمائر أم هم مجرد عبيد مأمورين ..؟ !

 

-       كارلوس ليسكانو : " من الصعب أن تروي التعذيب ، لأنه شيء حميمي مثله في ذلك مثل الحياة الجنسية ما من داع للحديث عنها خارج الحياة الخاصة أو جلسات العلاج .. ما من داع للحديث عنها خارج الحياة ..ففي غير هذه اللحظات لا يكون الحديث عنها سوى بذاءة واستعراض ومرض ربما .. في التعذيب ثمة طرفان .. جسدان .. جسد المعذب وجسد الجلاد يتصادم الجسدان .. يتلامسان .. يتبادلان روائحهما ويصرخان .. ثمة دموع وشكوى وشتائم .. يشعر الجلاد بأن جسد الآخر ملك له وبما أنه يمتلكه فبوسعه أن يفعل به ما يشاء غير أنه لا يجد غضاضة في أن يبدي الآخر مقاومة الآخر ضده بل إنه يفضل أن يفعل ذلك .. لقد وجد الجلاد من أجل هذا ، من أجل أن يدفع الجسد إلى الاستسلام ودون مقاومة لا يكون هنالك استسلام .."

 

-       ليلى : مرة اعترف قناص أمريكي في حوار عن  مشاركته في حرب العراق أنه كان يقتل العراقيين كما لو أنه يمارس لعبة الجيم فلا ينظر إلى هؤلاء الناس الذين يقتلهم كبشر ولا يتساءل إذا كان لديهم أُسر ..!

 

-       كارلوس ليسكانو : " ذات ليلة اقتادوني إلى قاعة التعذيب كان ثمة سجين آخر لم أكن أعرفه وفي تلك الليلة لم أتمكن من رؤيته تكمن التسلية في دفع سجين إلى تحطيم سجين آخر كان هذا الأمر من أكبر البذاءات كما كان انتهاكا للجسد أيضا ولكن على نحو استعراضي هذه المرة .. امتزج الألم مع الخجل والشعور بالعار وبكونك مضطرا لإظهار ضعفك وبؤسك الشخصيين أمام رفيقك لم يخطر لنا عندها أن العجز عن الدفاع عن النفس كان عذرا كافيا كي لا نشعر بالعار .. لم نكن نشعر أن كوننا مكبلين ومقنعين يمكن أن يخفف من وطأة إحساسنا بالعار .." .

 

-       ليلى : منفّذ التعذيب يتم شحنه بفكر معين وعواطف وأحقاد خاصة ، يشعر معها أنه يؤدي خدمة خاصة للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها وهذه السلطة هنا هي الحكومة أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " شهور طويلة من القمع المدمر وتفتيش الزنزانة والعقاب والأعمال التعسفية .. كانت الوحشة التي تمارس في السجن ضد الأفراد مضاعفة لأنه كان سجنا عسكريا ليس لأن وجود الجنود في السجن العسكري يجعل حياة السجناء مستحيلة ؛ بل لأن الفظاعة والقسوة هي شرط العسكري ولأن العسكر ألفوا قهر البشر منذ بدء التاريخ فقد أصبح التعسف نظامهم حيث ما من طريقة لمعرفة ما إذا كانت الأوامر ستنفذ دوما في أي لحظة تحت أي ظرف فوحده التعسف يمكنه البرهنة على صلابة النظام وهذا كله يضاف إلى القسوة التي تتعرض لها المجموعة ووحشية الضباط الذين تم تأهليهم في قاعات التعذيب والذين لا يرون في أجساد الآخرين إلا مادة للقهر والإخضاع يكمل جو السجن .."

 

-       ليلى : لعل هذا الكم الهائل من التعذيب الجسدي والقمع لحرية الإنسان وإهانة كرامته كلها تجعل الروح المثقلة تتكئ على السخرية .. السخرية من كل شيء وكأن هذا الاستخفاف بالحياة بكل ما حولنا يبرأ الجرح المثقوب في كيانك كإنسان ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " السخرية طريقة لرؤية الذات تساعدك على ألا تحسب نفسك شيئا وألا تصاب بالجنون فلكي تقضي ساعات وساعات في الوحدة وأنت تكتب لابد من أن تصدق نفسك بقوة عليك أن تعتقد أن بإمكانك قول شيء ما وأن لديك شيئا ما تقوله للآخرين وأنك تمتلك أيضا من الأدوات ما يمكنك من القيام بذلك وحدها السخرية إذن تنقذ من الجنون والغرور الفاحش .." .

 

-       ليلى : افهم أن السخرية أسلوب نافذ لضخ روح المناعة من الجنون أو لتفتيت لعنة الوحدة التي أحاطت عالمك ككاتب سجين ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " إن السخرية تمنحك نظرة للعالم من الأعلى وتحميك من أن تصدق نفسك على عكس الآخرين الذين يميلون إلى تصديق أنفسهم ثم تمضي باحثا عن ملاذ .. عن حماية .. عن قليل من الدفء مثل الآخرين .. لا يجد الفرد خلاصا لكن لا وجود للخلاص أصلا كما نعرف منذ البداية وذلك هو واقع الكاتب كبيرا كان أم صغيرا ؛ لأن نضاله من أجل أن يكون يقوده على نحو مستمر من العظمة إلى البؤس .." .

 

-       ليلى : الكاتب مناضل .. يناضل من أجل غايات كثيرة ولعل أعظم نضالاته تكمن حول الحرية خاصة إذا ما كان حبيسا ولكن هل من الممكن أن تكون الحرية عبئا بعد امتداد زمن يقضيه الإنسان في بقعة يقرر عنه الآخرون كل شيء حتى أدق الأشياء الحميمية .. هذا يذكرني شخصيا بالزنوج حين نقلت لهم لجان حقوق الإنسان في أمريكا أنهم أصبحوا أحرارا وأن عصر العبودية ولىّ إلى الأبد ولهم حرية كاملة في فعل أي شيء في الحياة ولكن البعض منهم رفض هذه الحرية بل فضّلوا أن يبقوا عبيدا مقابل حفنة من طعام ..!

 

-       كارلوس ليسكانو : " خلال السنوات الثلاثة عشرة التي قضيتها في السجن ، كان كل شيء ينقصني .. هناك لم يكن الواحد منا يحتفظ حتى بشَعره .. ذات يوم استعدت حريتي وبدأت المشاكل فأن تكون حرا يعني أن تختار عند كل خطوة وفي كل يوم وأمام كل موقف ؛ لأن الحرية هي أن تضطلع بالمسؤوليات وهنا يمكن أن يصل بنا الأمر إلى الحنين إلى ذلك الزمن الذي كنا فيه محرومين منها إلى تلك الراحة التي كنا نعيش بها حين كان الآخرون يقررون بالنيابة عنا وعندها يبدأ كل شيء من جديد ، لأن الحرية هي بناء فردي طويل وشاق .. يتطلب كثيرا من الوقت والجهد والمعاناة لأننا نكون أحيانا أو حتى في كل لحظة على استعداد لأن نتنازل عنها من أجل أن نسلم أنفسنا إلى مؤسسة أو فرد أعلى يرينا الطريق ويشير علينا الحقيقة ويقول لنا أين الخير وأين الشر .."

 

-       ليلى : لكن تظل الحرية هي ربق الروح الناقصة .. تظل الحرية غاية النضال العظمى الذي يخوضه الإنسان في حياته ..

 

-       كارلوس ليسكانو : النضال من أجل الحرية لا ينتهي أبدا ، ففي كل لحظة وعند أقل غفلة يأتي أحد كي يحاول إخضاعنا .. يجب أن نكون حذرين طوال الوقت وهذا هو الأصعب .. الأدب هو أو يجب أن يكون هذا المزيج بين الحياة والانعزال بين الهذيان والتفكير بين السخرية والقلق .. نشوة أن أكون أنا .. ذلك الذي أعرف أن أكونه وأنا مستلق على فراشي وانظر إلى السقف فأرى وجهي .."

 

-       ليلى : كارلوس ليسكانو لعلك اليوم مدين لكل آلامك وأوجاع الحبس الطويل لثلاثة عشر عاما قضيتها في بقعة مظلمة مبللة برطوبة الخوف وامتداد الوحدة وجرح العزلة في تشكيلك ككاتب معروف له وزن .. روائي من طراز رفيع حصدت رواياته عدة جوائز .. ما شعورك تجاه هذه الشهرة العظيمة ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " حين نبدأ في البحث عن كيفية أن نكون أكثر شهرة من غيرنا نكون قد ابتعدنا كثيرا عن البدايات حين كان الفن وسيلة للبحث عن معنى اندهاشنا لوجودنا في هذا العالم .."

 

-       ليلى : الله .. الله .. عاجزة أنا عن وصف قامتك كمبدع .. مبدع حتى النخاع .. حتى قلب الكلمة  وروح الإنسان ..!

 

-       كارلوس ليسكانو : " نهوضك ذات أحد خريفي الساعة السابعة صباحا وريّك النباتات ودخولك إلى بيتك والخروج منه هو أيضا فعل إبداع .."

 

-       ليلى : كارلوس ليسكانو .. شكرا لكل ظروف الإبداع .. القمع .. النضال .. السجن . الإنسانية . الجمال التي جمعتني بك .. بمعنى أعمق ممتنة أنا كالعادة بـــ" حدسي " الذي قادني نحو كتابك الأروع " الكاتب والآخر " .. ممتنة .. ممتنة

 

-       كارلوس ليسكانو : " إن M  هو من ابتكرني وقد ابتكرتني في الظلمة " ..

 

-       ليلى : وممتنة لـــ" M " خاصتك بلا شك .. رفيقك الأوحد في ظلمات السجن ..!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 _ الحوار الافتراضي : إجابات الروائي كارلوس ليسكانو من كتابه " الكاتب والآخر " من إصدارات دار كلمة للترجمة ، الطبعة الأولى 2012م .. ترجمة نهى أبو عرقوب ..

 

2 – حركة التوبمارو : هي حركة تحرر ثورية يسارية اعتمدت النضال العسكري وحرب العصابات أهدافها بين العامين 1960م و1970م ويعود اسمها إلى " توباك أرمو " الهندي الذي قاد واحدة من أهم ثورات ضد الإسبان في العام 1780م في مملكة البيرو سابقا ..

 

 
ليلى البلوشي

الاثنين، 11 مارس 2013

125 جنيها لزياد الرحباني أم لعيالي ..؟!


 
 
125 جنيها لزياد الرحباني أم لعيالي ..؟!

 

الرؤية / العرب

 

اعترفت لي صديقة مصرية ذات مرة أن الشعب المصري يتغلب على ثقل الحياة ومتاعبها بخفة النكت اليومية التي يفرقعها في كل موقف التي أصبحت تتداول من جهاز هاتفي إلى آخر ، وإذا ما عبر يوم بلا زخم النكت فإن أمرا مهيبا و لابد قد عكّر مزاج الشعب المصري ..!

وهذا ما لمسته بنفسي في زيارتي لأم الدنيا حيث تشعر برغم الزحام المكتظ من البشر والأصوات والروائح إلا أن خلف كل تلك المظاهر تربض روح الخفة بقوة كروتين طبيعي في حياة كل مصري ، وفي ظل هذه الروح المحلقة بالخفة تقابلك روحا أخرى رفيقة لها مزدحمة بمتاعب الحياة وهمومها اليومية والتي تضاعفت تأثيراتها وحساسيتها مع ثورة الشعب المصري حيث تعانقت كافة الحواس التي أنعم الله بها عليهم لتصدي جبروت حكم دام ثلاثون عاما ، هذا الحكم الذي سقط ولكن لم تسقط متاعبه وفوق هذا وجد المصريون أنفسهم داخل جلباب حكم إخواني إسلامي يأمرهم بالطاعة العمياء تارة ويوعدهم بالديمقراطية ويمنيهم بالليبرالية وحكم مدني تارة أخرى .. وجدوا أنفسهم متورطين في داخل أزمة تناقض فاغرة وتحت ظل نظام غايته المثلى السيطرة عليهم ولفهم في جلباب المرشد الأعلى الذي وللآن لم تحقق ولا شبرا بسيطا من أحلامهم التي منوا أنفسهم بالحصول عليها بعد ثورة شهدها التاريخ بأنها عظيمة ..!

ولا يمكن أن ترى وجه مصر الحقيقي سوى في شوارعها التي تقطعها بقدميك أو بسيارتك الخاصة فتتكشف الحياة عن وجهها الحقيقي بلا رتوش حيث كل من في الشارع يعمل مهما كان عمره طفلا أو شابا أو عجوزا ويتحقق لنا وجه المساواة على بلاطة الواقع بلا عقد والتي ترتفع أوراها في بعض المجتمعات حيث يشترك الجنسين الرجل والمرأة لكسب قوتهم اليومي بأعمال نفسها يقوم بها الرجل وتقوم بها المرأة جنبا إلى جنب ، فالفقر لا يعرف عقد المجتمع ولا يؤمن بعقد رجال الدين الذين تثرثر خطبهم عن واقع لا يلامس الواقع الفعلي ..!

حين كنت صغيرة لامست جزءا من صعوبة الحياة عند زميلات الدراسة المصريات في المدرسة ، فقد كن غالبا بلا مصروف وفي أثناء فسح المدرسية كنا نحن بقية التلميذات نجري لنلملم ما يبيعه المقصف من أطعمة متنوعة ولكن الشلة المصرية كانت الوحيدة عادة التي تأتي بطعامها من البيت ويتشاركن في الأكل فكانت النظرات تحدق فيهم شذرا أو ترشقهم بالبخل فقد كان إحضار الطعام من البيت إلى المدرسة يعد فعلا معيبا في مجتمع مرفّه ، فيا للجهل والجفاء الذي كنا فيه والذي فصلنا عن فهم ظروف حياة غيرنا من الناس في جزء من هذا العالم ..!

و أشق وجه من وجوه الحياة في مصر حين تعبر شوارعها فتصادف عبر كل تقاطع وتصدمك عبر كل مسافة أطفالا صغارا يبيعون ما لا يخطر ببالك حتى ، فمنهم من يبيع محارم ورقية ومنها من تبيع ورودا ذابلة أو حزمة من النعناع قد جف عوده وتآكلت أطرافه ، وآخر يفترش الأرض مع ملابس رخيصة أو يحمل بين يديه صفا طويلا من الكتب الثقيلة التي تكون أطول من قامته وأثقل من وزنه ، مما اذكره طفلا صغيرا مر عبرنا ونحن جالسين في مقهى الفيشاوي ، فاستوقف اهتمامي بكامل حالته المتعبة كما استوقفني انتقاؤه لمشتريه فمن يشتري الكتب سوى أصحاب البذلات الأنيقة في زمن شاق كزمننا يطالب بعيش كي يستمر في الحياة وهنا تتأمل نفسك وأنت ترفل في ملابسك الأنيقة بمدى نعمة التي أسبغها الله عليك حين منحك ما يشبع بطنك لتجد من الفسحة والطاقة والبال ما يشبع عقلك ..!

لفتت كتبه نظري فانتشلت من محموله كتابا ثقيلا وهو المجموعة الكاملة للشاعر مظفر النواب وكنت سأمنحه السعر الذي يشاؤه عن الكتاب خاصة بعد أن قرّب يديه مني وطفق يشكو بصوت معبأ بحزن العالم البشع : " انظري إلى أصابعي كيف هي متشققة ومجروحة وملتهبة من حمل الكتب " ولكن أحببت أن أجادله قليلا في مسألة البيع والشراء كي أجس نبض خبرته و بعد أخذ وعطاء معه وجدتني أمام قامة مسؤولة رغم أعوامه العشر .. شعرت أني أمام رجل يجيد فن السوق لا صبي صغير يحلم بالحلوى ، وقد حز ذلك في نفسي ورحت استعرض فلسفات روحي عن ضياع أجمل أيام حياته بل أروع مراحلها " الطفولة " بسبب الحياة القاسية التي اضطرته للعمل في سن لم نكن نحن نحلم فيه سوى بالحلوى وبيت من الشوكولاته وتضاعف حزني حين استحضر ذاكرتي في الوقت نفسه عبارة للروائي المصري " نجيب محفوظ " عندما رأى في أحد هذه الشوارع نفسها طفلا يبيع الحلوى فعلق يومئذ بأسى : " أحلام الأطفال قطعة حلوى وهذا طفل يبيع حلمه ..!"

استحضرت عبارته وترحمت عليه وأنا على بعد خطوات من مقهى الذي كان يجالسه باستمرار .. في المقهى الذي كتب فيه سيل حكايات الحارات وشخوصها التي توجّته نوبل .. المقهى الذي أصبح يتاجر باسمه وبعالميته في خان الخليلي ..!

وأنت في مصر تذكر أن تضع لباس ولهجة وعادات بلدك خلف ظهرك وإلا ستدفع أضعاف ما تدفعه في بلدك ، وهذا أمر قد تجده نوعا من الاحتيال ، ولكن قد يغفره قلبك الطيب حين ترى وراء هذا الاحتيال رجل عاطل والشارع بيته وأسرته الكريمة فتسقط غضبك وتكتفي بلعن " ميكافيللي " في جزء من قلبك الشرير ..!

ولكن إن كنت سابق خبرة وبمجرد هبوط طائرتك في أرض مصر أصبحت بدورك مصري اللباس واللهجة والفؤاد فلن يجرؤ أحد أن يحتال عليك فأنت ابن بلده والحال - زي بعضوا - وهو أسلوب قد ينجح فيه الخليجي والعربي ولكن لن يفلح فيه بتأكيد الأوروبي أو الآسيوي الياباني والكوري ؛ فالشكل هي الهوية التي تفضحه وبالتالي تفتح شهية المصري للاحتيال عليه.. وتصادف أن دخلت في جدال وديّ مع بائع مصري في خان الخليلي حول بضاعة وجدتها بأسعار مبالغة فهمس لي كمن يلقي سرا : لو كنت خواجايه لرفعت الأسعار ولكنك مصرية بنت بلدي ..!

جلّ المواقف التي مررت بها لم تكن تخلو من روح الفكاهة المصري حتى وهو يؤدي خدمة أو على رأس وظيفته أو يطلب صدقة أو إحسانا ، حتى وهو يندب حاله بصوت الأسى أو لصديقه أو لأي عابر يفتح كامل حواسه لهمومه ، ولكن حين أعلن المصريون أن حفلا سيقيمه الفنان اللبناني " زياد الرحباني " الذي تقرر عقده في الحادي عشر من شهر مارس المقبل بقاعة النهر في ساقية عبدالمنعم الصاوي في الزمالك وذلك في إطار الدورة الثانية لوقائع مهرجان القاهرة الدولي للجاز ، وقد حددت إدارة ساقية الصاوي أسعار التذاكر للأعضاء ولغير الأعضاء بمئة وخمسة وعشرين جنيها ، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها سعر التذاكر في الساقية لهذا الرقم، حيث لم تتجاوز أسعار التذاكر من قبل الأربعين جنيها ؛ في هذه الحالة أرخت الفكاهة وجهها حيث نقل المصريون والمصريات على موقع التواصل الاجتماعي " تويتر " للفنان " زياد الرحباني " نقلوا له محبتهم ورغبتهم الكبيرة لحضور حفله قائلين بجدية حال لا يحضره الفكاهة : " احنا عايزين نحضر حفلتك بس 125 جنيه نجيبها منين .. يدوب نقدر ندفع 20 جنيه خاصة بعد ارتفاع أسعار معظم الأشياء في مصر.."!

يبدو أن كل شيء في مصر قابل للارتفاع ؛ فعدد الشعب يرتفع ، وعدد ضغط النفسي يرتفع ، وعدد الفقراء يرتفع ، وعدد العاطلين عن العمل يرتفع فأكثر من نصفه عاطل عن العمل رغم أن هذه المفردة لا وجود لها في الشارع المصري ؛ فالمصري و هو واقف يعمل وهو جالس يعمل وهو يتكلم يعمل وهو يأكل ويشرب ويتثاءب يعمل لأنه لو لم يفعل ذلك ولم يعمل على أربعة وعشرين ساعة فلن يجد قوت عيشه ، وهنا استحضر امرأة كانت تحمل طفلا ظهرت عليهما كل مظاهر الحياة المعدمة دنت من أختي بصوت يئن : " والنبي يحرسك ويديك مناك اديني نص قرش بس لابني ثمن العيش عشان نمشّي اليوم ده  " ..! هؤلاء الفقراء المعدمين الذين يعيشون يوما بيوم ماذا يطلبون من الحياة سوى " العيش " .. عيش حاف بلا مظاهر الفخفخة والبذخ ..!

ووفقا للحكومة المصرية وصل عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في العام المالي 2011م – 2012م إلى حوالي 25,2 في المئة من أصل 83مليون مصري مقارنة بــــ 21,6 في المئة خلال العام المالي 2008م-2009م ..

فمن يحضر حفل الفنان " زياد الرحباني " سوى أصحاب البذلات الأنيقة كالعادة ، أما بقية الشعب المصري سيستعير كلمات الفنان ويعزي حاله بها : " أنا مش كافر بس الجوع كافر/ أنا مش كافر بس المرض كافر/ أنا مش كافر بس الفقر كافر و الذل كافر/ أنا مش كافر لكن شو بعملك / أذا اجتمعوا فيي كل الإشيا الكافرين / أنا مش كافر".

ليلى البلوشي

الجمعة، 8 مارس 2013

جمهورية " الميم " وإمبراطورية " الواو " ..!


 
 
جمهورية " الميم " وإمبراطورية " الواو " ..!

 

نشر في الرؤية / العرب

 

يبدو أن حرف " الميم " هو أهم الحروف العربية وأكثرها انتشارا ، ولا يكاد يفرغ قانون أو لائحة دونها .. بها تدون الحقوق وتطالب بها الواجبات .. بها تحيى الشعوب وتموت : ممنوع الكلام .. ممنوع الكتابة .. ممنوع السماع .. ممنوع المشاهدة ... مممممممممنوووووع ....!

مذ استولى البشر على الأرض وحتى يومنا هذا وحرف " الميم " هو المتجسد في لوائح الأنظمة وقوانين ساكني المجتمعات التي تفتقد الديمقراطية ومبادئ الحرية والعدالة بين البشر ، ولكن يجب الإشارة أيضا إلى أن ثمة منافس له في الصدارة  وله مقدار عظيم في تلك المجتمعات وهذا الحرف هو حرف " الواو " ، لكن الفارق أن حرف " الميم " للدروايش . الفقراء . المعدمين .الذين لا في العير ولا النفير ، على نقيض  حرف " الواو " الذي تم اختراعه خصيصا لأصحاب الحظوظ والخيرات والمراكز الرفيعة ..!

مرت الأعوام الطويلة وجماهير حرف " الميم " مصابرة على مصيرها وما تستقبله من نتف يقذفهم عليهم أباطرة حرف " الواو " وكلما انطلقت شكوى عابرة  من جمهور في " ميم " أو تأفف كان أباطرة حرف " الواو " يعرفون جيدا كيف يلوون ذراعه أو يكسرون رجليه أو ربما يجدون حسبما حجم الشكوى استحقاقية اسكاته إلى أبد الآبدين كعقاب دنيوي على فعله الشنيع وتعديه على أسياده وهو وحده سبب كاف لمنحه صك الجحيم لما فيها من مخالفة لشرع الله تعالى وخروج عن العرف ناهيك عن مخالفته لقانون مقدس لم يحترم بنوده ..!

ولكن ظهر بعض المتمردين من جمهورية " الميم " الذين فكروا بوعي أن لهم أسماء ، ولهم حروفهم الخاصة ولهم هوياتهم ، ولهم جل التفاصيل استحقاق عيشهم بكرامة وعدل ككائنات بشرية حية من قلب وعقل ، فكروا وفكروا وتحاوروا مع أنفسهم وخرجوا بقرار حازم وشجاع يعبر عن نبذهم الحاسم لمجتمع صنفّهم إلى قسمين إلى عشيرتين .. إلى طبقتين .. إلى مستويين محصورين بين " ميم " و " واو " ..!

فكروا بوعي صامد أن كرامتهم الإنسانية لا يجب أن تداس ؛ كي يحيى أصحاب إمبراطورية " الواو " على أكتاف جمهورية " الميم "..!

وقد كبر احتجاجهم حتى ارتفع صوته بجسارة في دروب مجتمعهم متسائلين : هل من العدل أن يعيش " الواو " على أكتاف " الميم " ..؟! هل من العدل أن تستثنى طبقات بشرية من قوانين " الميم " أو أن يختص " الميم " لطبقة دون غيرها ..؟!

ولكن أباطرة حرف " الواو " لم يعجبهم تقلب أحوال جمهورية " الميم " فطوال قرون كانت السكينة طابعهم وكانوا مقتنعين تمام الاقتناع بما يرمونهم لهم ، بل احتاروا كيف يمكن لجماهيرية حرف " الميم " أن ينطقوا وهم لا يجيدون لغة الكلام أو التذمر أو الاحتجاج بل لم يسبق لهم أن فغروا أفواههم قط سوى للتهليلهم وإجلالهم ..!

 لهذا ذهب أباطرة حرف " الواو " أن لا بد من إصدار لوائح وقوانين طارئة تحميهم ومنافعهم ومراكزهم في حق كل جمهوري يحتج في " ميم " يهددونهم بالحبس والنفي والتعذيب والقتل إن لزم الأمر ..!

ومذ يومها الذي لا يكون ضمن تصنيفي " الميم " أو " الواو " يقع ضمن طبقة الشذوذ والخروج عن التقاليد ومخالفة المألوف وعصيان الدين والعرف وملاحق بلعنات المجتمع المخملي ..!

تعليق متمرد من جماهير مجتمعات الميم وإمبراطورية الواو : لا يساق الغنم إلا بـــ" الميم " ولا تُفضل عليهم النعاج إلا بــــــ" الواو " ... هذا معظم  الشعوب ..!

 

ليلى البلوشي

 

الاثنين، 25 فبراير 2013

رجال الشرطة والمثقفين ..!


 
 
رجال الشرطة والمثقفين ..!

 

نشر في جريدتي الرؤية / العرب

 

بإعادة شريط الثورات إلى خلف تحديدا إلى " تونس " إلى لحظة حرق محمد البوعزيزي جسده بعد أن أوقف رجال الشرطة عربة الخضار وقاموا بتحطيمها وحين وقف البوعزيزي – بائع الخضار - أمام إحدى شرطيات الدولة يدلق بغضبه وقهره كإنسان معدم لا حول له ولا قوة عوضا عن السماع له وفهم خلفيات قهره وظروف عوزه قامت بصفعه على وجهه صفعة أهانت كرامته كإنسان .. إنسان معدم لا يملك سوى لفيف كرامته فأهينت إهانة من الصعب أن تبرأ في روحه الحرة ..!

ولنقف قليلا على خلفيات أحداث الثورة في " مصر " إلى الذي فجر ربيعها " خالد سعيد " الشاب المصري الذي خطفته رجال الشرطة وقامت بتعذيبه بسادية حتى مات فيه النبض ، وتفجرت الدماء وانفجر الشعب بدوره صارخين " كلنا خالد سعيد " في ميدان التحرير في 25 من يناير ، ولم يكن هذا التاريخ على وجه اعتباط بل هو يوم عيد الشرطة ؛ عيد تحول إلى احتجاج واعتصام ومظاهرة حاشدة تنكأ بتصرفات رجال الشرطة التي تبدلت شعارها مع مرور الزمن والمصلحة والمنفعة السياسية من " في خدمة الشعب " إلى " قاتل الشعب " ..!

ثورات الربيع العربي في معظم الدول التي اشتعل أوارها جاءت تعلن بجسارة فقدان ثقتها في الشرطة بالمعنى الأدق في رجال السلطة الذين تحولوا إلى وكر للنهب والاستغلال والوحشية والقتل وإهانة كرامة البشر وإهدار حقوقهم حسبما تقتضي منافعهم ومصالحهم ومراتبهم مع إسقاط مصلحة وأمن الشعب وحقوقه ، مما خلّف أزمة عدم ثقة إلى وقتنا الحاضر ما بين الشعب والشرطة ، ولعل أبسط مثال هي الأحداث الأخيرة في " تونس " مع اغتيال الشهيد " شكري بلعيد " حيث روت صحفية وهي جارة تسكن في العمارة نفسها الذي سكن فيه " بلعيد " روت أنها شاهدت تفاصيل ما جرى ولكنها لم تستطع ولم تتشجع أن تخبر رجال الشرطة والأمن في الدولة وذلك لأنها ما عادت تثق بهم ..!

وكما حدث في " مصر " أيضا من وقت قريب حين تعرض فندق سميراميس إلى هجوم بلطجي وظلوا لساعات وهم ينهبون بعد أن زرعوا الرعب عند نزلاء الفندق وكان معظمهم سياح من دول خليجية وعربية ، ولكن الشرطة ظلت متفرجة رغم استمرار نداءات المواطنين والسياح لطلب الحماية منهم ولكنهم مع ذلك حظروا متأخرين وبعد أن تعرض الفندق لخسائر فادحة وعايش النزلاء وضعا نفسيا غاية في الصعوبة وانفلت الأمر من عقاله ..!

أما على صعيد تعامل رجال الشرطة مع المثقفين في المجتمع فإنه غالبا تعامل وحشي من باب استعراض القوة وفرض سلطة فوقية والأمثلة وفيرة لا تعد ولا تحصى والواقع المحلي والعام وحده سيد المشهد والموقف والوصف ..!

وجد رجال الشرطة لخدمة الشعب ولكن أساليبهم وتصرفاتهم تقول إنهم وجدوا لخدمة السلطة فقط على حساب الشعب ، ولهذا فإن أي احتجاج أو موقف أو مظاهرة تظهر من الشعب تجاه السلطة فإن رجال الشرطة والأمن يحولونه إلى قضية شخصية ولا يتناولونها على أنها قضية رأي عام ، لدرجة تصل بالبعض إلى إهانة المواطن وضربه متناسيا أن هناك قضاء ومحكمة تضع العقوبات حسبما الإدانة والقضية ، ولكن بعض رجال الشرطة نصبوا أنفسهم  سلطة قضائية أخرى .. سلطة استفعلت جبروتها ، لأن العدل معدوم ، ولأنهم على يقين تام بأن لهم سلطة قوة على المواطن .. سلطة قاموا باستغلالها على وجه خاص وشخصي مسقطين بذلك المصلحة العامة .. للأسف هذه هي أساليب الشرطة في معظم دولنا الخليجية والعربية ..!

ولكن إن تأملنا قليلا رجالات الشرطة والأمن في دول غربية ، سنجد منظومة مختلفة تماما ، ستبهرنا العلاقة ما بين رجال الشرطة والشعب ، الشرطة التي تقوم بخدمة الشعب والشعب الذي يثق بالشرطة ويثق في إمكانية توفيرها للأمن فهناك سلطة تحاسب تقصير الجميع وهناك القانون على الجميع بلا استثناءات ..

مما اذكره في عهد الرئيس السابق " جورج بوش " قبض رجال الشرطة على ابنتيه التوأم لأنهما كانتا تقودان السيارة وهما في حالة سكر وقد تكرر سقوطهما في يد الشرطة على هذه الحال ، الملفت للنظر أن رجال الشرطة قاموا بواجبهم دون أن يلتفتوا للحظة أنهم قبضوا على ابنتي رئيس دولتهم - رئيس أهم دولة في العالم - رجال الشرطة آمنوا بالمصلحة العامة .. بمصلحة الشعب لا مصلحة سلطة معينة أو سيادة أو مال ..!

أما على صعيد تعاملهم مع الكتاب والمثقفين ، فاذكر مثالا تعرضت له الروائية العالمية " أليس وولكر " التي اعتقلها رجال الشرطة الأمريكية حين تظاهرت أمام بيت الأبيض مع مجموع من الكتاب والمثقفين من النساء حيث جاء وقفتهم للاحتجاج على حرب العراق في " يوم العالمي للمرأة " وتصف " وولكر " لحظة اعتقالها على يد رجال الشرطة حين تقدم منها شرطي ونظر إليها وهو يقول : " أوه ، لسوف تقلتني زوجتي لو أني رجعت للبيت وقلت لها بأني اعتقلتك ..! " فقد كانت زوجة الشرطي تحب " أليس وولكر " وتقرأ لها كثيرا ..

وتتابع " وولكر " وصف الموقف : " والحق أنه حين خرجت من الحجز قام رجال الشرطة بمساعدتي في ربط حذائي لأنهم ينتزعون منك حذاءك .. وبدأنا نتحدث عن أطفاله وأراد أن يعرف إن كنت كتبت كتبا للأطفال وكنت كتبت فعلا وهكذا أتيحت لي فرصة إرسال بعض الكتب لأطفاله .."

الموقف يوضح لنا بوادر علاقة الطيبة ما بين رجال الشرطة والمثقفين في مجتمعهم ، حيث يحضون بتقدير واحترام كبيرين ، فإن تعرضوا للاعتقال فإنهم لا يسعون إلى تشويه سمعتهم ، أو التلصص على كل تفاصيل حياتهم وعناوينهم صغيرها وكبيرها ، أو حتى مهاجمتهم بألفاظ نابية وسوقية وضربهم بما يهين كرامتهم الإنسانية ، أو تلفيق التهم لهم لغايات لا يعلمها سوى الله ..!

رجال السلطة والأمن في الغرب يؤدون وظيفتهم وفق ما يمليه عليهم ضمائرهم ، لا وفق ما يمليه عليهم أي أحقاد شخصية أو أوامر فردية من سلطة ما ..!

ختمت الروائية " أليس وولكر " تجربة اعتقالها على يد رجال الشرطة بقولها : " كانت تجربة جميلة جدا ؛ لأني أدركت بأننا حتى لو فكرنا أحيانا بالشرطة كأعداء لنا إلا أنهم عائلتنا حقا وغالبا خاصة كالنسبة لأفرو أمريكيين " ..

عبارتها تشير إلى نظرتين مهمتين أولاها أن الناس عموما ومهما كانت ثقافتهم ينظرون إلى رجال الشرطة كأشرار وهي نظرة ساهم بخلقها رجال الشرطة أنفسهم من خلال ممارساتهم العنيفة واللاقانونية في بعض الأحيان .. أما النظرة الثانية وهي تتكاثف حول تبديل النظرة نحو رجال الشرطة وهي نظرة أيضا يساهم في تفعليها الشرطة وتصرفاتهم ؛ فالشرطة منظمة أمنية وجدت في خدمة الشعب وعلى أساس مسؤولية هذا الشعار كان وجودها ، أما الشرطة التي جعلت جل ممارساتها طوعا لخدمة سلطة معينة أو سيادة ما فإنها خاسرة لا محالة وساقطة كما سقطت من قبل مؤسسات ودول والواقع زاخر بالأمثلة وكذلك التاريخ زاخم ..!

 

ليلى البلوشي

الخميس، 21 فبراير 2013

حوار في مجلة نمساوية نسوية : الربيع العربي من وجهة نظر النساء ..


 
 
حوار في مجلة التضامن النسوي العدد 123 لمارس 2013.. أجرى الحوار الدكتورة / الشاعرة / الصحفية : إشراقة مصطفى حامد ..

 

حوار بعنوان: الربيع العربي من وجهة نظر النساء ..

 

الفرع الأول : وجهة نظرك عن الثورات العرب ودور النساء فيها ما قبل وبعد ..؟ بالطبع انطلاقا من الوضع فى بلاد أخرى على سبيل المثال فلسطين/ لبنان ...

 

يمكنني أن أعد أعوام ثورات الربيع العربي بأنها أعوام نساء ؛ فمن خلال هذه الثورات التي بدأت في تونس ثم مصر و اليمن و ليبيا و سوريا برزت إلى الشاشة دور الفاعل والحازم للنساء في شوراع الثورات خاصة في اليمن حيث إنه مجتمع متماهي في ذكوريته وغالبا دور النساء فيه غير ملموس ولكن ثورات الربيع أكدت للعالم أن المرأة كائن فاعل وحر .. ما أكثر النماذج في عالمنا العربي ..!

الشابة " إسراء عبدالفتاح " كانت مفجرة إضراب " 6 أبريل " 2008م ضد الغلاء والفساد وجاء اسمها ضمن قائمة 12 شابة أسهمن في تغيير العالم عام 2011م وذلك بعد جهودها في التغيير الحادث في مصر والذي انتهى بثورة 25 يناير ..

إلى اليمن السعيد الذي استحال إلى يمن تعيس في عهد نظام بائد استولى كالإخطبوط على شريان الدولة ، لكن الشعب اليمني أدرك إنهم سائرين إلى الحضيض وأن لابد من مقاومة ذاك التمدد السافر والظالم والمستبد وهنا برق نجم الناشطة " توكل كرمان " امرأة شقت لنفسها طريقا واضحا ومتوثبا في الشارع اليمني ، وهي مهمة شاقة في ظل مكانة المرأة الهامشية والمتغيبة في مجتمع اليمني ، ومن تلك التداعيات استحقت " توكل كرمان " جائزة نوبل للسلام كما صنفتها مجلة " تايم " ضمن أقوى 500 شخصية على مستوى العالم وضمن 7 نساء أحدثن تغييرا في العالم من قبل منظمة " مراسلون بلا حدود " ..

وحين حازت الناشطة اليمنية " توكل كرمان " على جائزة نوبل للسلام كانت رسالة للعالم الغربي والعربي بأن المرأة العربية امرأة فاعلة في مجتمعها وعلى الصعيد السياسي وهو حقل احتكره الرجال ..

السنوات الأخيرة هي أعوام النساء وهناك نساء كثيرات من دول الوطن العربي والخليجي برزن كمدونات كان لهن صوتهن المسموع في ساحات الوطن ..

المرأة العربية اليوم تكافح بجل طاقاتها وعلى أصعدة كافة وهو كفاح ناجم عن شعور عميق بالمسؤولية في الدرجة الأولى ، وللمشاركة في قرار بناء وطن يكفل حقوقها الإنسانية التي أسقطت لقرون بسبب معتقدات وآراء فرضها مجتمع ذكوري .. وشعارها أقرب لقول الشاعر إبراهيم نصر الله : " أنا لا أقاتل كي انتصر ، بل كي لا يضيع حقي " ..

هناك معتقدات جمة تريد المرأة العربية إجراء تغييرات عليها أو استبدالها إلى رؤى أكثر انفتاحا .. ولعل أبسط مثال عرضه الروائي " ممدوح عدوان " حين أشار في كتابه " حيونة الإنسان " بأن ثمة من قال إن السائر في الليل في شارع خال قد يحس يشعر بأن هناك خطوات تتبعه وأسباب هذا الخوف عديدة ، وهي مشتركة بين الرجال والنساء ولكن يضاف هذه الأسباب سببان متعلقان بالمرأة وحدها : الأول هو الخوف من خطر التعرض للاغتصاب والثاني لمجرد كونها امرأة ..!"

 

الفرع الثاني : هو كيف يمكن للنساء العربيات الاستفادة من تجارب النساء الأفريقيات في صناعة الثورات/ جنوب افريقيا , القرن الأفريقي /روندا / السودان .... الخ ؟

 

قلت مرة أن أكثر الأطفال تعاسة في العالم هو الطفل الأفريقي .. واليوم أضيف بأن أكثر النساء تعاسة في العالم هي المرأة الأفريقية ..!

رغم أن الظواهر تشير أن المرأة الأفريقية لها قسط من  الحرية ولكنها تدفع ضريبة حريتها باهضا ؛ فهذه الحرية جعل الرجل غالبا خاصة في بيئات يسودها المجاعة والحرب يعتمد كليا على المرأة كي توفر له طعامه وشرابه ..!

حرية المرأة الأفريقية هنا جاءت مضطرة فهي تخرج كي تعمل وكي توفر لقمة العيش وكي تشارك الرجل في حمل عبء الحياة القاسية والشاقة ..

وهذه الحرية نفسها تكون فارغة من الحقوق فكم من نساء يدفعن ثمن حريتهن حين يتعرضن للاغتصاب وللقتل على أيد رجال هم واثقون أن لا أحد يردعهم عن أفعالهم المشينة ..!

صراع المرأة الأفريقية بتأكيد هو تجربة عميقة وكبيرة في آن لكل نساء العالم خاص العربي منها ؛ حيث المرأة التي يسقط حقوقها مجتمع بطريريكي وهو ذات المجتمع الذي لا يكفل لها حرية تمنحها إنسانيتها ولا عدالة تكافئ إنسانيتها ولا كرامة تقدر إنسانيتها ..

يدور ببالي نموذج أفريقي المرأة السودانية " جليلة كوكو " في صراعها مع سلطات السودانية ؛ هذه المرأة الشجاعة تم اعتقالها من منزلها بحي الحملة بواسطة جهاز أمن المؤتمر الوطني في مارس الماضي بسبب توثيقها لجرائم حكومة المؤتمر الوطني في جنوب كردفان ومنطقة جبال النوبة، وما زالت حبيسة زنازين حكومة الجهل والقهر والجوع ..

الأم جليلة تقف في وجه ظلم النظام الديكتاتوري عارية اليدين لا تحمل سوى كلمتها التي يرتعد منها الجبناء وكأنها رصاصات تخترق قلوبهم..!

وما أكثر سجينات الرأي في أرجاء عالمنا العربي ؛ ففي سلطنة عمان هناك امرأة جسورتان كلتاهما سجنتا تحت نير الظلم والاستبداد هما الصحفية والناشطة " باسمة الراجحي " والمحامية " بسمة الكيومي " بسمتان جميلتان في قفص ضيق الأفق والحرية ..!

وفي السعودية كذلك نساء البريدة اعتقلن مع أطفال ؛ لأنهن عبرن عن رفضهن للاعتقالات التعسفية التي طالت أقرباؤهم ..! وكما في البحرين وسوريا وفلسطين إلى لا آخر مآسي الاعتقالات وتكميم أفواه ..!

هل نجعل الضوء يصرخ على معاناة تلك الطفلة اليمنية التي وئدت طفولتها في زواج مبكر فرض عليها من مجتمع متخلف أم على المرأة الأفغانية التي تساق في مجتمعها كما تساق الأتون ، منبوذة حتى من شأنها الأنثوي ، وأقل ما يقال للنساء العاملات هناك بلعنة الويل والتهديد  : " نحذرك بترك عملك في أسرع وقت ممكن ؛ وإلا فسنقطع أعناق أطفالك ونحرق ابنتك "! حتى وإن كانت هذه المرأة وحيدة بلا عائل تعيل أبناءها ..!

خصوصا - المتعلمات - وإن كن حفنة قليلة .. لا خشية على المرأة كما يعتقد ولا صونا لكرامتها ؛ بل خوف رجالهم من وصول المرأة لزمام السلطة!

ولكن ماذا عن مجتمع الإيراني حيث يرى أن تناول المرأة " الآيس الكريم " في الشارع جُرما تستحق عليه السجن وربما عقوبة الجلد ..؟! وفوق هذا قامت بإلغاء تخصصات جامعية في جامعات البنات كالهندسة والتاريخ واللغة الإنجليزية ..!

والإسلام الذي يزّجون قدسيته في أفعالهم براء منهم إلى يوم الحق ..! 

إنها السلطة الظلام التي لم تعي بعد أن المرأة العربية والأفريقية ما عادتا تابعات ومكسورات كما في عهود عتيقة .. عهود الظلم والاستبداد وتبعية مجتمع ذكوري اعتاد على إسقاط حقوق المرأة ..!

زمن كان قد اعتاد أن يغلق أفق المستقبل في وجوه النساء وهو يذعن بقسوة صارخة عبارته : ليس من اختصاص النساء ..!

 

 

ليلى البلوشي

الأحد، 17 فبراير 2013

" ديوجين " وهوامير تويتر ..!


 
 
 
" ديوجين " و هوامير تويتر..!

 

نشر في الرؤية / العرب ..

 

يقال إن الطبقية أول ما ظهرت في الهند كانت على يد ملك يدعى " مانو " هو من منح سمعة إلهية للطبقات في الهند كما تذهب افتراءاته التي صدقها الحمقى والجهلة في ذاك الوقت ، حيث ذهب إلى أن من فمه انبثق الكهنة ، ومن ذراعيه الملوك والمحاربون ، ومن فخذيه خرج التجار ، ومن قدميه الخدم والصناع .. ومنذ ذلك الحين شيد هرم الطبقات الإجتماعية في الهند الذي يتألف من ثلاثة آلاف طابق ..!

وكان الملك " مانو " ينصح بتصويب سوء السلوك في الطبقات ؛ فإذا استمع إنسان من طبقة دنيا إلى أشعار الكتب المقدسة يسكب رصاصا مذابا في أذنيه ، وإذا رتل تلك الأشعار يقطع لسانه ..!

وهناك في الهند من هم بلا طبقة يشكلون واحدا من كل خمسة هنود ، وهم أسفل من أشد السافلين يسمونهم " من لا يُلمسون " ؛ لأنهم ملعونين ينقلون العدوى ولا يمكنهم التكلم إلى الآخرين ، ولا السير على دروبهم ولا لمس أكوابهم أو أطباقهم ، رجالهم مهانون دائما بينما نساؤهم مشاريع اغتصاب لأي كان رغم أنهم من طبقة لا يُلمسون ..!

التاريخ زاخم بقصص وحكايات وقوانين كان مبعثها أثرياء متغطرسين في زمن من يملك ثروة يملك سلطة بل يملك كل شيء ، ومن حقه أن يهين أي كان فهو صاحب سيادة وزعامة والبشر الآخرين الذين لا سلطة لهم ولا مال فهم في مرتبة العبيد ..!

يبدو أن نفسية بعض البشر و إلى وقتنا الحاضر ما يزالون يقدسون كالعبيد كل صاحب زعامة أو مال أو سلطة ، ولعل أقرب مثال واقعي هو عالم " تويتر " الذي جاء كي يلغي الفوارق بين أصحاب السيادة والبشر ، والذي وجد كي يكسر سياسات الخوف ويسقط أقنعة النفاق ، ولكنك تجد حسابات لهوامير ما تزال تتعاطى بسياسة الفوقية والدونية .. بسياسة صاحب سلطة مطلقة وعبيد ، وهي حسابات تستهين بالعقل البشري فحين يأتي أحد الهوامير يصل حد تفاهته واستهزائه بالناس أن يضع نقطة ويعمل لها المتابعون آلاف الـــ" رتويت" إعادة تدوير  ، مما لا شك هذا التصرف يضعنا أمام فئتين : فئة الهامور الذي لا يحترم متابعيه ويسقطهم إلى أسفل السافلين وهو واثق تمام الثقة أنهم سيفعلون المستحيل من أجل إرضائه ، والفئة الأخرى تلك التي ارتضت أن تكون ضمن قائمة الأسفل السافلين ، وارتضت ببلاهة أن تهين عقلها الحرّ في هذا العالم وإنسانيتها لعين هامور من أجل غايات نفعية ..!

فهل هو توجه فكري أم توجه مصلحة ، توجه فضول أم توجه أسياد وعبيد ، أم حاكم ومحكوم أم مالك الأرض وعبيدها ..!

بتأكيد هي ليست علاقة موظف وجد لخدمة مواطني شعبه مثله مثل أي مواطن .. كما في دول أمريكا وأوروبا ..!

هذه المهزلة الإنسانية تجعلني أضع هنا قصة الفيلسوف " ديوجين " مع " إسكندر الأكبر " لعلها تكون مفتاحا لإنسانية إنسان حريص على كرامته وحريته التي فطرها عليه خالقه ودينه قبل كل شيء ..!

 الفيلسوف " ديوجين " الذي كان يردد في القرن الرابع الميلادي أنه ينبغي الحكم على الإنسان بما يملكه من صفات وليس بما يملكه من ثروات ؛ وذلك لأن الثروات الخارجية هي ثروات وهمية ، ويمكن للقدر أن يزيلها بضربة واحدة ، ولكن المهم هو الكنز الداخلي والذكاء باعتبارهما راسخين ولا يمكن لأحد انتزاعهما ..

وانطلاقا من ذلك لم يكن " ديوجين " يهتم بالمظاهر وعاش مثل متسول في أثينا الثرية ، ولم يكن يقتات سوى القدر اليسير من الخبز وحبوب العدس ..

وذات يوم شاهد " ديوجين " بعض الكهنة وهو يقبضون على لص سرق أشياء بسيطة فصاح : " انظروا إلى اللصوص الكبار الذين يقتادون لصا صغيرا " ..! وذات يوم طالب برؤية إنسان وقال بصوت عال : " أريد أرى إنسانا وليس بقايا بشر " ..!

عرف عن " ديوجين " جسارته في مجتمعه ، ولم يكن يخشى شيئا ، وقد كان معروفا في زمنه وحين سمع به " الإسكندر الأكبر " الذي كان على رأس إمبراطورية مترامية الأطراف أراد أن يلتقي به وذهب إليه حيث كان في كورنته ، فوجد الفيلسوف يتمتع بحمام شمسي وعندما استمع إليه الإسكندر نال إعجابه الشديد لما يملكه من شجاعة وحكمة فقال له : " ما الذي يمكن أن يجلب له المتعة والسعادة .."  أجاب " ديوجين " بجفاء : " أن تبتعد قليلا فإنك تحجب الشمس عني ..! " ..

 بتأكيد من الإجحاف أن يلقى اللوم كله على الأثرياء وأصحاب السيادة والزعامة بل يشترك الإنسان الذي ارتضى أن يهين كرامته في هذه المهزلة البشرية ..!

الإنسان الذي تسقط أمامه كرامته الإنسانية ويعامل كحيوان أو كشيء تافه لا قيمة له من قبل لفيف من السلطات أو أصحاب الثروات - ما من شك - هو شريك في إهانة نفسه .. شريك في تنزيل نفسه إلى مستوى هابط من الإنسانية .. وشريك في جعل نفسه مهرجا في سيرك الذي وظيفته تسلية الضاحكين عليه والمهينين له ..!

واختم مقالتي بعبارة الفيلسوف الألماني " إمانويل كانت " : " من يجعل من نفسه دودة ليس له أن يتذمر إذا ما داسته قدم ..!"

 

ليلى البلوشي