‏إظهار الرسائل ذات التسميات غيمة حكاءة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غيمة حكاءة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 أبريل 2013

شيطانيات .. ق. ق. ج


 
 
شيطانيات
 

قصص قصيرة جدا

 
نشرت في مجلة نزوى

 

شيطان

 

تعودت هي أن تطرقع أصابعها في أثناء الصلوات ، بينما كان هو فخورا جدا بنفسه وبإخلاصها له ..!

 

 

نميمة

 

كانت تلقي بذوري كل صباح في بيوتات الحي ، وتلتقطها أخرى فتحرص على سقيي جيدا ، وتأتي ثالثة فتتعهدني بعناية كبيرة ، ورابعة تضيف إليّ ما يشّد عودي لأطول حياة ، والبقية الباقية من النسوة الحي يجنين نصيبهن مما حصدت ..!

 

 

بصاق

 

مذ أخبرتها معلمة الدين في الصف الرابع عن نواياه السيئة عند صلاة الفجر تحديدا ، حرصت على تبديده عنها بمنبه من نوع قوي .. ولكن في الأيام التي يخذلها المنبه ذو السماعات الكبيرة في تبديده ، لا تنس أن تتقيأ كل ما في جوفها حتى لا تبقي له أثرا ، عندئذ فقط تشعر بقليل من الراحة ..

 

سقط سهوا

 

يتولمون حول مائدة الطعام كل يوم ، بينما يشاركهم هو بنفس شهية في الوجبات الثلاث بلا إحم ّ ولا دستور ..!

 

رمضان

 

ضاق به الملل ، كل الأبواب مقفلة في وجهه ، لكن حين تبقت أيام قليلة ، بدأ يعددها حتى نهاية الشهر بهمّة عالية معدا مفاجآت العيد ..!

 

 

 

عولمة 

 

استأنس بعرشه ، خاصة بعد أن اطمأن إلى تعمق جذور اتصالاته ، فأعوانه متمددون في بقاعات شتى ، وها هو في كل مرة يكتسب فنونا جديدة في التواصل معهم ..!

 

 

فتنة

 

حين عقد قرانه عليها ، أنجبا من صلبهما جيوشا ؛ يتناسلون حتى اليوم بأشكال ومسميات عدة ..!

 

 

ثالثهما

 

هو وهي ، وكان يحرص دائما على تأكيد حضوره بينهما..!

 


 

بسملة

 

كلما تناهت إلى سمعه في مكان ما ؛ فر ّ برعب مختفيا..!

 

 

لقيط

 

..! همّ بها وهمّت به ، ونتيجة سقوطهما كفّلا به الشارع

 

 

فكرة شيطانية

 

كان لديه أفكاراً جاهزة يقدمها للبشرية عن خبث خاطر ، مع الوقت تسمّت تلك الأفكار باسمه اعترافا بخبثه..!

 


 

توبة

 

طوال تلك السنوات كانت تتمرس الرقص والغناء في الكباريهات ، وحين غادر قلبها ، غادر معه الرقص والغناء والكباريهات..!

 

شيطان أخرس

 

الصمت المطبق من حواليه كان يضاعف من شعوره بالفخر حيال نفسه ، وها هو في كل مرة يسترخي على لسان جديد ..!

 

مرائي

 

كان من عادته أن يوزع الحسنات بيده اليمنى الظاهرة أمام أكبر حشد من الأعيان ، وبعد أن يطمئن إلى رؤيتهم ؛ يعود لاستردادها بيده اليسرى ولكن بخفية ..!


 

هاروت وماروت

 

سرعان ما أعلن ولائه لهما بعد أن عرف الطريق إليهما ، فعرفا بدورهما جيدا كيف يضاعفان من حجم ولائه لهما ،  فوضعوا الدنيا تحت يديه ، فأكل ، وتهندم ، وغدت ثروته تتضاعف يوما بعد يوم ؛ ولكن  حين ألقي القبض عليهما ، ضاعت الدنيا من يديه وعاد إلى حيث كان شحاذا

 

 

باب الشيطان

 

ضاقت الدنيا في عينيه ، كل ما مر ّ من باب أوصد في وجهه ، ولم يملك سوى أن يعرج إلى  طريق آخر ، فرأى بابا مفتوحا أمامه على مصراعيه..

 

شيطان الشعر

 

ظل لأيام وهو يحاول جاهدا أن يجر الفكرة من دماغه جرا ولكنها لا تلين .. راح في اليوم الأول من هذه المجاهدة يشغل موسيقى هادئة ؛ علّه يغريها بالمجيء ، ولكن بقيت ورقته بيضاء لا تشوبها شائبة ، وفي اليوم الذي يليه تجرع كؤوسا من الشراب ؛ ولكن سكرته تلك لم تفلح سوى في إرهاق عقله ، عندئذ استشاط غضبا ، ولم ير نفسه سوى يهم بقراءة كلمات سمعها مرة من ساحر كبير : " زعلق .. زحقل .. أحقل ..." .. لحظتئذ تداعى أمامه شيطان عملاق ، وهو يقول له بصورة آلية : " شبيك لبيك شيطانك بين يديك.."

 

 

ستربيتيز

 

لا تدري ماذا يحدث لها .. ؟! غير أنها في كل ليلة تقطع طريقها إلى درب ملتوي ، هناك حيث جو متلبد بالحرارة ، تنسى جسدها في رقصة مثقلة بالثياب ، لتنتهي كما ولدتها أمها .. بينما روحها يتفرج مع الحاضرين معقود الدهشة..!

 

 

شيطان صغير   

 

في يومه الأول حينما فتح عينيه على الدنيا أطلق ضحكة مهولة زلزلت أرض المشفى إلى نصفين ، وفي يومه الثاني حين وضعت أمه جزءا من جسدها في فمه لم يتوان عن قلعه بهمجية دامية ، وفي يومه الثالث بال على وجه والده حتى عميت إحدى عينيه ، وفي يومه الرابع حمله أخاه الكبير على كتفه فكسر عظمه ، وفي اليوم الخامس عزم أفراد عائلته قذفه في البحر بعد نصيحة أحد مشايخ الدين ، وفي اليوم الذي يليه اندفعت موجات هائلة من البحر فأغرقت المدينة بكل ما فيها

 

 

احتضار 

         

احتضر حبها في قلبه ، حين مات شيطانها فيه..!

 

 


ليلى البلوشي  

الثلاثاء، 4 مايو 2010

العباءة


العبــاءة

انفقأت قهقهاتها عند عتبة المحل المرأة السمينة التي حجبت جسد صاحبتها الضئيل خلفها ، كان وجهها لوحة متعرقة تسيح ألوانا يصعب على المرء تحديدها بالضبط ، سرعان ما انقبضت تقاطيعها ، وهي تأمر بصوت غليظ صاحب المشغل أن يستعرض أحدث ما عنده من منتوجات ، بينما الضئيلة اقتربت صوبنا انبسطت أسارير زميلاتي وأطلقن أنفاسا مبهجة .. هتفت المزركشة بخطوط حمراء من الدانتيلا بنزق : يبدو إنني سأغادركم اليوم ، فأنا ألائمها كثيرا ، بل إنني على مقاسها تماما .. زفرت التي بمحاذاتها بمكابرة ظاهرة ، وهي تتلألأ بقطع كبيرة من الكريستال منثور على جانبيها أشبه بليلة مثقوبة بنجوم براقة في آماد السماء : أتتخطى كل هذه الأضواء المبهرة التي تغشي العيون لتنطفئ بك ، فأضافت بسخرية : إن فعلت فهي عمياء بلا شك ..!
وأخذت كل واحدة منهن وبضجيج واضح تعدد محاسنها بلا انقطاع ..

وحين اقتربت الضئيلة من المتلألئة بالكريستال ، يبدو أن لمعانها غشي عينيها الصغيرتين ، تبدى آثاره جليا على وجهها المسحوب في الداخل ، حتى عظمتا الوجنتين كانتا بارزتين ، سرعان ما انفعل انبهارها منادية المرأة السمينة لشاركها غبطتها ، ولم يمض بضع دقائق حتى خرجتا ، الضئيلة حملتها معها ، والسمينة أوصت تفصيلا مماثلا لها على مقاسها ، بينما هي حدّجتنا بابتسامة زهو ينم عن وداع أبدي ..

كنت في ركن ضيق من النادر المرور عبره ..مع الأيام أدركت سر وجودي هنا كمسمار ثابت بينما زميلاتي كل مرة في واجهة معينة ، هدوء الشامل الذي يحيط بي لم يكن لافتا ، فأنا لا أشبههن في شيء لا كريستالات تزحف على جوانبي تبهر الناظرات ولا خطوط ملونة مزركشة تعلو أكمامي فتهيج المراهقات ، وكان صاحب المشغل على مدار شهور يستجدي الداخلات علّ إحداهن تقنع بي ، بينما زميلاتي كن يغادرنني واحدة بعد أخرى ، وأنا باقية أرقب بخيبة الداخلين والخارجين دوني ..

اذكر مرة حين دنت مني سيدة تقاطيعها مأكولة من الزمن بعناية كبيرة ، أخذت تتأملني بدقة كما ينتقي المرء عروسا لابنه ، لم اعتد على وضع كهذا عوضا عن ذلك أخجلني ، حررت رقبتي من المشجب ، تعامد طولي مع جسمها تماما ، لكن المرأة التي كانت برفقتها أبدت امتعاضا حفر في نفسي نفقا من اليأس حين قالت لها : دعك من هذه يا جدتي ، هل أنت ذاهبة لمأتم ..!

العناكب هي الوحيدة التي شقت طريقها إلي ّ ، بينما معظم المارات كن لا يلمحن وجودي البتة ، ويبدو أني كنت تسلية الأطفال الوحيدة في المحل ؛ فقد كانوا يدورون بي حينا وحينا يتخذونني مخبئا وهم على ثقة بأن تقريعا لن يلاسنهم ، بل إن بعضا منهم اتخذ مني منديلا يتمسح بما علق على يديه من بقايا شوكولاته ، أو بما ساح على جانبي ثغره من لطخ الآيسكريم ..!

ولم يمض يومان حتى جاء صاحب المشغل بملامح قابضة ، ويده القاسية تنتشلني من مكاني الذي لم أتزحزح عنه مذ أكثر من ثلاثة أشهر ، ووضعني قرب المدخل تماما بعد أن ألصق على صدري ورقة بيضاء وكتب عليه بخط واضح ما يشير إلى وضعي الراهن على ما يبدو ، غير أن وجودي قرب مدخل المحل لم يغير من البؤس الذي كنت فيه شيئا ، وإن تكاثف على صاحب المشغل الذي كان يتشاءم حين يراني في وجهه تماما ، وهو يعدّد في كل مرة مجموع الأرباح والخسائر ..

اعتدت على مكان وجودي شيئا فشيئا ، فقد كنت أبدد الملل في تأمل المارة عبر الزجاج العريض والشمس تشوي وجوههم في ذهابهم وإيابهم ، ولم يقرف مضجع تأملاتي سوى الرجل الضخم الذي تعودنا على زيارته مرة في كل شهر ، فقد كان يدنو مني ويلصق كرشه الكبير بي ثم يدوّن أرقاما عشوائية سرعان ما يرحل بعد أن يضع ورقة في يد صاحب المشغل فيستودعه وعينيه باتساعهما على الورقة ، ولكن في الأمسيات حين يضيق شبح الظلام من قبضته عليّ كانت الوحشة تتفرد بي ، فلا ونيس حولي ، بينما زميلاتي كل واحدة منهن تدلي على التي بمحاذاتها ضوءا ساكنا ..

عزمت هذه الليلة أن أملأ عيني الوحشة بنثار من الخيال ؛ فأجتاز هذا السقف الذي يحبس الأنفاس كما تفعل كل واحدة منهن عادة ، وصرت أخالني على كتف فاتنة تتغطرس بي وأنا......... ، توقفت خواطري الحالمة عن تواردها حينما تناهى دوّي ما ، كان قويا كصوت قصف ، شعرت بحرارة تزحف خلفي ، خيّل إلي ّحجم الرطوبة المكثفة في الخارج المكبلة على أنفاس الأرض بحدة هذه الليلة حتى تطالنا ألسنتها هنا ، تكاثف إحساسي بالحرارة أكثر فأكثر ، ووجدتني في وسط هذه الحرارة أضيء كدرة من كريستال أهيج هذا الظلام وأبدده بكلي .. فإذا به يتداعى فزعا مني وأنا أتوامض خلفه بسرعة البرق ، تصاعد عويل حارق من الزميلات القريبات مني ، كان يجب أن أدنو منهن حتى يشهدن على انبهاري في ليلتي هذه .. وأنا أضيء ، أضيء مثلهن بل أكثر ، والأصوات تتقافز من قربي حتى أقصى المحل كمهرجان في سيرك .. بينما أنا سعيدة ، سعيدة جدا .. و كل ما في المحل يشاطرني غبطتي ....

الأربعاء، 3 فبراير 2010

كبسولات مدرسية .. ق . ق . ج


كبسولات مدرسية
ق . ق . ج


نبوءة

تداعى صوت المعلم وسط طلابه ، وهو يشير لخارطة العالم :
- كوكبنا معّرض لمخاطر احتباسات حرارية ، وهذا لن يكون أقل تأثيرا على المحاصيل الزراعية والحيوانية بشتى أنواعها في السنوات القادمة ..
قطع تلميذ نجيب حديث الدرس قائلا :
- لا داعي للقلق يا أستاذ ؛ فالأجيال القادمة سيكونون من آكلي لحوم البشر ..!


قبل وبعد

( 1 )
المعلمة قبل الزواج

تدخل الفصل بوجه متجهم وشعر مشعث ، بينما تهديداتها تسبقها :
- ولا كلمة ، احبسن أنفاسكن جيدا ..!
تدوّن على السبورة بتأن :
العنوان ، التاريخ ، حكمة اليوم ، ملخص الدرس وحديث مسهب عنه ..
أثناء الشرح :
- عائشة ، تحجبي جيدا ، ويلك إن وقع عيني على خصلاتك الملونة مرة أخرى .. !
- وأنت ِ يا منى ، آخر مرة أراك في هذا المريول الضيق .. !
- و ما هذا الطلاء الأحمر على أظافرك يا سارة ، هل نحن في حفل .. ؟!

( 2 )
المعلمة بعد الزواج

تدخل الفصل بابتسامة تشقها نصفين ، تخربش عجلى على السبورة ..
تتثاءب وهي تعتذر :
- عذرا يا تلميذات ، لا مزاج لدي لشرح درس اليوم ..
و تتابع :
- واااو يا عائشة ، لون شعرك جميل ، ما الصبغة التي تستعملينها.. ؟!
- ياااااي يا منى ، مريولك المخصر تفصيله رائع ، هل لي أن أعرف من أي خياط تم تفصيله .. ؟!
- وأنت يا سارة ، طلاء أظافرك الأحمر مدهش من أين اقتنيته .. ؟!


جيل عصري

المعلمة : ما هي طموحاتكن في المستقبل ؟
التلميذة الأولى : أن أصبح مغنية كنانسي عجرم ..
التلميذة الثانية : يا سارقة ، هذا طموحي أنا وليس من حقك أن تطمحي إليه .. ؟!
التلميذة الثالثة : أنتِ السارقة ، بل هو طموحي أنا ؟
الرابعة : لا ، إنه طموحي ؟
الخامسة : إنكن سارقات أنا التي طمحت لذلك ؟
السادسة : كيف هذا وأنا أقدركن لهذا الطموح ؟
الصف كله : لا .. أنت .. اسكتي .. نعم .. هااا .. تبا .. خرقاااء .. الخ .. !
تلميذات الصف كلهن تشابكن في عراك صوتي وجسدي ..
والمعلمة ضاع صوتها عبثا بين طموحاتهن .. !



صوتها عورة

ران على طباعها الصمت ، بل إن زميلاتها في الفصل أكدن للمعلمة أنهن لم يسمعن حسها أبدا ، وحين عجزن باقي المعلمات إخراجها عن صومعة صمتها المقدس ، لم تثنِ المعلمة الجديدة عزائمها ، وبعد عدة محاولات شاقة معززة إياها بإغراءات مادية ، تمتمت حنجرتها المتيبسة صوتا ضئيلا ... وحين بدت عبارتها غير مسموعة ، طلبت منها المعلمة أن تعيد ما تقولته ، فأعادت العبارة بصوت خانق هزّ صداه المدرسة كلها :
- يقول أبي دائما : " اخرسي يا بنت .." ..!



2008م

الاثنين، 25 يناير 2010

محادثات سياسية ..ق . ق . ج


محادثات سياسية
ق . ق . ج

لكل حادث حديث

يرفع المذيع صوته مرحبا بالأديب وإطلالته السامقة ، ثم يوجه له سؤاله :
- روايتك الأخيرة كانت زاخمة بالأحداث الجارية في الساحة ..
الأديب وعلى وجهه ابتسامة أسى :
- أجل ، نحن دائما في قلب الحدث ، نحاكي الناس بلغة المشاعر .
المذيع :
- وما المكان القادم الذي يطأ فيه قلمك قدمه ؟!
الأديب محركا رأسه بوقار :
- الحقيقة أن طائرات العدو وصواريخهم هي التي ستحدد وجهتنا التالية ، ولكل حادث حديث ..!

بين القط والفأر

يتثاءب القط بعد أن ملأ معدته بالسمك المشوي :
- يا صديقي الفأر ، إن حياة البشر مملة جدا ألا توافقني على ذلك ؟
الفأر وهو يضع قطعة الجبن الكبيرة جانبا :
- لا تحدثني عن هؤلاء الأوباش ، إنهم قوم عنيفون ، لا يعرفون لغة للتفاهم سوى الضرب والقتل . .!
القط وهو يلتفت نحوه برعب :
- اصمت يا صديقي ، إن للجدران آذان أم تريد أن يجردوننا من جلودنا ويقلدوننا البرتقالي ..!

خلف الكواليس

المذيع يثرثر مع الضيف قبل البث المباشر :
- أين كنت يا رجل ، مضى زمن على آخر مقابلة هاتفية بيننا ؟
الضيف : الحرب تشد أوزارها ، وهي من أخصب مواسم ظهورنا في شاشات التلفاز .
المذيع يقهقه بصوت عال :
- مصائب قوم عند قوم فوائد . .!

دمية فلّه

احتقنت الدمعة في الحدقة ، قبل أن يبصق جوفها نفحة الحسرة وأصابعها تتواتر بين صفحات الجريدة ، جرت نحوها الطفلة وبحوزتها دمية فلّه فقالت ببراءة :
- ماما ، أريد أن أقدم دميتي فلّه للطفلة التي رأيناها تبكي في الصورة ..!
- فاض لسانها يلوك ، وهي تدفعها إلى صدرها بقوة :
- اللهم احفظ قرة عيني من كل سوء ..



2006م

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

صاحبة الابتسامة الساحرة



صاحبة الابتسامة الساحرة


يذوب معهن كل ليلة ورغباته تهطل بتدفق شلال.. وماؤه الآسن يكاد يغرق غرفته المظلمة وما فيها ..
أحيانا من حرارة رغباته المنصهرة يتوه كليا مع تلك المشاهد الفاضحة لنساء عاريات .. فيلعقهن بمحجريه كأنهن في أحضانه وبين فخذيه ، هكذا تنوس لياليه بين القنوات المشفرة والصور المتلاحقة في شبكة الانترنت وأشرطة الفيديو ..
وفي صباح يغادر بكسل إلى ( دوامه ) ورأسه دائخة من لياليه الحمراء وعيناه مرهقتان في غيمة من هالات سوداء أشبه بمتعاطي الهيروين ، يتصاعد تثاؤبه لاعنا في نفسه : " عليك لعنة الله يا محمود ، كل هذا بسببك " ..
محمود الموظف الذي اشتهر بترويج أشرطة فيديو الإباحية ومفاتيح القنوات المشفرة والمواقع التي تتعرى صورا فاضحة .. لطالما أغراه : " صدقني يا يحيى ، ستقضي أجمل لياليك مع أي امرأة يرغب بها مزاجك .. أمريكيات .. فلبينيات .. لبنانيات .. كل ما تشتهيه مخيلتك موجود .. ما عليك سوى كبسة زر " ..
وهاهو يقضي سهراته في البيت إما جامدا أمام التلفاز أو ساكنا أمام الانترنت .. وأمه المسكينة تعتقد أنه أصبح رزينا ولا يسهر خارج المنزل مع ( شلته ) الفاسدة تلك ، كم بعثرت نصائحها في وجهه ، وكم بصقت حسرتها في تعديل سلوكه ، لكن كبسة الزر السحرية جعلته طوع عيني أمه التي لا تعي ما يفعل في غرفته المظلمة دوما ..
يذكر أنها منذ أسبوع في يوم عيد ميلاده الثالث والثلاثون كم أهرقت دموعا وهي تستجديه أن يتزوج ؛ كي تسمع غطيط أحفادها الصغار وهم يلاعبونها وينادونها جدتي ..
منذ ذلك اليوم وسيرة الزواج تخاتل في ذهنه ، تحفر أخدودا في فراغ قابع في ذاته ، يستشعر معها أنه بحاجة إلى امرأة حقيقية يعجنها بين يديه ، يقبلها ، يعانقنها ، وأن تلك المواقع والصور الفاضحة قد همدت روحه وجسده وعمره ..
" نعم ، يجب أن أتزوج .. "
هكذا عزم .. وقرر أن يفاجئ أمه المسكينة التي لا تملك في الدنيا غيره ..
ولما توجه إلى المنزل .. دفق خجلا في وجه أمه برغبته في الزواج ، لم تصدق في بادر الأمر ، وهي التي كانت لسنوات تناشده ذلك ، وسرعان ما ارتفع زغرودتها نشوة به ..


* * *


قرر أن يتخلى عن أشرطة الفيديو وأن يلغي الانترنت نهائيا من حياته ، وغيّر موجة القمر الصناعي الذي كان يعرض قنواتٍ إباحية واستبدلها بقنوات دينية و ثقافية وفكرية ..
وذهب مع أمه والسعادة لا تسعه لخطبة ابنة عمه .. فأمه دوما تقول : " ابن العم لبنت العم " .. ولما فاتحوا العم وابنته بالموضوع ، ضربا قاعدة بنت العم لابن العم عرض الحائط .. بحجة أن حظه من التعليم لا يتكافأ مع ابنة العم حاملة شهادة دكتوراه بينما هو دون المستوى المطلوب ، خرج من بيت عمه وتعاسة تجره جرا ، لكن أمه سرعان ما بددت تلك الغيوم السوداء بأن الفتيات يملأن المنطقة كلها وما له سوى أن يشير كي تسجد إحداهن جارية تحت قدميه ..
فذهبوا إلى منزل جارتهم أم سناء ، لديها بنات كثر كالنمل ، ولابد أنهم سيرحبون به .. ويهللون لقدومه ، وقع اختيارهم على إحداهن ، ولكنها ألقت سياط رفضها في وجهه قائلة أنه أكبر منها بكثير فهي ما تزال في طالبة في مقاعد الدراسة ، ولما جاوزا الطلب لأي واحدة من أخواتها ، زعقن رفضا بأنه اختار أختهن السابقة دونهن في البداية ..
غادرهم وموجه من الغضب تموج في داخله : " إنهن فعلا ناقصات عقل ودين " ..

* * *


استفحل به شبح اليأس .. شهور وهو يدور مع أمه من بيت إلى بيت ومن منطقة إلى منطقة ، بل لم يتركوا بقعة واحدة من المناطق المجاورة ، والأبواب توصد في وجهه ، منهن من تقول أنه بدين ، وأخرى ترى أنه طويل أكثر من اللازم ، وبنت فلان تنعته بالجاهل ، وأخرى تطلب مهرا يقصم الظهر ، وفتيات المناطق الأخرى رفضن بحجة رفض فتيات منطقته الذي ترعرع معهن في سنن الطفولة ، حتى أمه المسكينة ما عادت تهرق دمعها طلبا لغطيط الأحفاد ..
غير أن بصيصا من النور ومض في داخله عندما اقترح عليه أحد أصحابه أن يتزوج من أجنبية ، فهن أرخص ولا يسببن وجع الرأس كبنات البلد ..
ولما توجه للجهات المختصة طلبا للإذن ، قذف العامل معاملته في وجهه وهو يذعن : " سنك القانوني لا يسمح بذلك ، عد عندما تكون مخرفا وإحدى رجليك في القبر وأخرى في الحياة " .. !
شق قدميه الثقيلتين بينما تناهى إلى أذنيه وهو يغادر بجسده صوت العامل وهو يضرب كفا بكف مع زملائه في المكتب قائلا : " لا حول ولا قوة إلا بالله ، بنات البلد مكدسات كالذباب في الوطن وهو يفتش في خارجه .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. اللهم ثبت عقول الشباب ..!"

* * *


قلّب الهاتف بين يديه .. وعزم على الاتصال بمحمود كي يأخذ منه أشرطة الفيديو ومفاتيح دخول القنوات والمواقع الاباحيه ، وينسف فكرة الزواج نهائيا من حياته ..
قهقه محمود الذي رحب به وبطلبه ، واتفقا أن يستلم ما طلبه منه في العمل ..
وعندما أطبق على أنفاس هاتفه النقال .. رأى أنه منتصب كالنخلة أمام إحدى محلات لبيع أقمشة نسائية ، كان محلا فاخرا يكتظ بالنساء من أشكال وأحجام مختلفة ، قذف لعانه في سره لهن وهو ينعتنهن بالبغايا ، غير أن منظر إحداهن على الواجهة المحل كان غريبا .. كانت تحدق فيه بابتسامة مغرية يشق شفتيها العليا والسفلى كرزتين مضمختين بحمرة قرنفلية ويسفر عن أسنان لؤلئية داخ معها بأحلامه وهو يجاريها بابتسامة أكبر ..
قرر أن يتجرأ ويقترب منها ، دفع الباب .. توجه نحوها مباشرة .. رغم أن صفا من النساء تكتلن حولها ، وكلهن غانيات .. غير أنها هي من خفق قلبه لها من أول نظرة ، كانت ترتدي بنطالا من الجينز مع قميص وردي مقلم باللون الذهبي اللامع ..
" يااااأالاه .. على تلك الجبال الشامخة في مقدمة صدريتها المكشوفة .. "
رأى أن ابتسامتها مشجعة على الاقتراب أكثر ، فاقترب منها حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها الغض ببياض الزنبق النقي ..
هل يضع يده السمراء على يدها البيضاء ، سرعان ما تراجع عن هذه الفكرة الشيطانية .. خصوصا أن أنظار المارة الكاشفة بدأت تلتهمهما ..
وودعها حيث هي ، بعد أن تأكد أنها مرابطة في هذا المحل دوما ..


* * *


كل يوم وهو يرابط عند بوابة المحل الزجاجي اللامع والابتسامة الساحرة ذاتها تشرق بين شفتيها منفرجتين لذة ، مرة يراها بالجينز الأزرق الضيق ممزق عند حواف الكوعين يعلوه قميص من الشيفون الأحمر بلا أكمام تزين صدريتها حبات من الفصوص الفضية البراقة .. ومرة أبصرها في فستان ذهبي تتمايل فيها كخصر أفعى رشيقة ، يرتفع بانسيابية كنك يستر عنقها الطويل ممشوق البياض وينفرج بفتحة ضيقة بين النهدين الضاجين في حبسهما السافر ..


* * *


تعشش في داخلها ودارت أمانيه حولها غير قادر أن يتنفس امرأة أخرى ، ظلت لليال وهي تذرع في مخيلته بابتسامتها الطاغية ، وقرر أخيرا أن يمتلكها ..
جرى إلى أمه ليزف لها خبره ، ولما أخبر أمه لم تصدق أذنيها ، وظلت تهاجمه بسيل أسئلتها عن أهلها وفصلها ومن أي منطقة قطفها ..
خرج من عندها وهو يردد بحبور : " ستعرفين كل ذلك لاحقا " ..

* * *


جهزت أمه كل تفاصيل الحفل ، بعد أن بعثت بطاقات الدعوة لكل الناس ..
بينما توجه هو إليها ، وأقعدها إلى جانبه ، حتى أن مهرها لم يكلفها كثيرا ، وأخذا يجوبان معا المحلات التجارية لشراء مستلزمات الزواج من قمصان النوم والملابس الداخلية والأحذية والحقائب اليدوية .. الخ ..
ولما عانق جسدها ثوب الزفاف لم يصدق عيناه ، وظل يلقي على مسمعها وبيلا من كلمات الغزل ..
حتى وصلا إلى صالة الأفراح ، والناس تجمهروا من كل حدب وصوب ، ليتعرفوا على العروس الفاتنة ، هاتف أمه أنه وصل مع عروسه وأخبرها أنهما سينزلان معا ..
كانت القاعة مظلمة .. وأضواء الملونة الوامضة تتراقص بخفوت سافر ، وارتفع صوت موسيقى الزفة يفترش القاعة كلها في سكون هامد ، بينما الأعين كلها منتصبة على منصة النزول ، والبوابة تشرع كما الصدفة بهدوء يستفز فضول الحاضرين .. أمه بدأت تزغرد وتبكي في آن ..
دخلا معا .. والابتسامة الساحرة إياها على شفتيها المغريتين بحمرة ، والناس بعضهن شهقن وبعضهن غرقن في ضحكن متواصل ، وأخرى تحوقل بعجب الدنيا والناس ..
بينما هو يجر دمية ( المنيكان ) بابتسامتها الساحرة خلف وميض من أضواء الملونة الراقصة ..

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

كم عمرك ..؟


كم عمرك ؟

بعد أن كمم مشاعرها بشهد عباراته ، وطوّقها بوشاح غنجه ودلاله ،
تمطى لسانه سؤالا كان يجول في دهاليز فكره ما بين كرّ وفرّ ..

تشجع وهو يبتسم بحذر :
_ حبيبتي ، يا علقة قلبي وكمثرى روحي ، مضى على حبنا عدة أشهر ،
ولكني للآن لا أعرف كم عمرك ؟
تكورت عيناها فغدتا وكأنهما عينا دمية اقتلعتا من محجريهما :
- حقا حبيبي ، لكنك أنت الذي لم يبادرني بسؤالي عن عمري .. !
انفرجت أسارير شفتيه وتنهد صدره رنة ارتياح بعد أن اطمأن إلى وقع سؤاله عليها :
- ها أنا أبادرك بالسؤال الآن يا حبيبتي .. فكم عمرك ؟
تقلصت ملامح وجهها النضر وهي تحك بأصابع الحيرة طرف شعر رأسها ،
وبعد سهود نطق لسانها :
-لكن يا حبيبي ، سؤالك أدخلني في متاهات الحيرة ..
تحفز لوقع عبارتها الأخيرة وراح يردد " متاهات الحيرة " ثم أعقبها بقوله :
- لماذا يا حبيبتي ، سلم عمرك من متاهات الحيرة ..؟!
تنهدت بهسيس صوتها الناعم وهي تبادله الرد :
-وكيف لا تريدني أن أتحيّر وأنت تضعني أمام خيارات عدة .. ؟!
-آه .. " خيارات أم جزرات " .. أقصد أي خيارات ترمين إليها ..
لعل سؤالي لم يكن واضحا بما فيه الكفاية .. ؟!
-كلا يا حبيبي ، بل واضح وضوح رموش اللهب في عين الشمس ..
-إذن لعلي أحرجتك بسؤالي ، أعلم من الغباء مساءلة المرأة عن عمرها ،
سامحيني حبيبتي وعديني فضوليا هبط على خصوصية من خصوصياتك..
- حبيبي لن أعدك فضوليا .. بل حق من حقوقك أن تحيط بعمري ..
أشرقت ثنايا وجهه وهو يقذف سؤاله :
- أترين هذا حقا ..؟!
- قطعا حبيبي ، لا داعي للخفر .. اسأل .. اسأل ..
- إذن حبيبتي سأعيد سؤالي مرة أخرى على طبلة أذنيك الرقيقتين سماعا ..
فكم عمرك ؟
- ها أنت تفتح أمامي أبواب الخيارات مرة أخرى .. !
-أية خيارات يا حبيبتي ، فلو أنك استفهمتي عن عمري لأجبتك بحفاوة خمسة وثلاثين عاما ..
-قالت بحزم : حبيبي ، أعد سؤالك علي مرة أخرى ..
-كم عمرك يا حبيبتي ؟
- ها أنت فتحت أمامي خيارات .. حسنا.. قد تستاء الآن من لفظة " خيارات " ،
ولكن سؤالك يفتح أمامي خيارات .. !
بعد نفاذ صبر :
- حبيبتي .. خيارات أم جزرات ، هل من ممكن أن تحيطي جهلي بها معرفة .. ؟!
- أنت الآن سألتني عن عمري ..
قاطعها بنفاذ صبر:
- سألتك عن الخيارات .. !
- حسن كما ترغب ، سألتني عن عمري .. وهذا العمر يشمل عدة خيارات ،
وأنت تريد أن تعرف تلك الخيارات ، وهذا حق من حقوقك ، لكن أية خيارات منها تقصد ؟!
- الخيارات التي كنت تتحدثين عنها ..
- إنها كثيرة ..
- عدديها يا حبيبتي ، كي اقطف منها ثمرة اختياري ..
-ألم أعددها عليك بعد ، لكنك أنت الذي لم يطالبني بتعديدها ؟
- ها أنا ذا أطالبك من فوري بتعديدها عليّ وهو حق من حقوقي كما أشرت آنفا..
- صحيح هو حق من حقوقك دون شك حبيبي ، الآن سأعددها عليك ،
أنت تريد أن تحيط بالخيارات التي أعنيها أنا وهذا ما سأفعله الآن ..
العمر يا حبيبي ، يشمل عدة خيارات .. وأنت ستتعرف عليها الآن ..
- ردّد بحماسة : أجل .. أجل سأعرفها .. ما هي ؟!
- أي حبيبي ، عندما تسأل شخصا ما عن عمره ينبغي أن تحدد له الخيارالذي تعنيه ؛
كي يكون جوابه على سؤالك شافيا ..
- عدديها حبيبتي ونوري جهل حبيبك ..
- نعم سأنوّر ناظريك الآن ، أين وصلت يا حبيبي لقد قاطعتني ؟!
- وقفنا عند تنويرك لناظري من غث الجهل ..!
- صحيح ، سأنورك الآن بقولي القيم .. كما تعلم بل ستعلم الآن ،
فإذا ما سألك شخص ما عن عمرك ، فقل ثمة خيارات فأيا منها يعني بالضبط ..
وذلك الشخص قد لا يعرف كما لا تعرف أنت الآن ، وأنا سأعددها عليك ،
وأنت بدورك ستعددها عليه ..
أما الخيارات التي ترغب في معرفتها هي ..
- ما هي ... ما هي ؟!
- لكن قبل ذلك .. أعد علي سؤالك مرة أخرى ، كي أجيبك ..؟
- سألها بحنق : كم عمرك يا حبيبتي .. يا عمري .. يا روحي ..
- حبيبي.. سأجيبك بقولي ..
وأنا سأقول لك أن العمر به خيارات عديدة ..
فهل تعني مثلا عمري الشكلي ، أم عمري الوظيفي أم عمري النفسي أم عمري الطولي ،
أم عمري الروحي أم عمر الحسي ... الخ أرأيت يا حبيبي ، نحن أمام خيارات عديدة ..؟!
- لكن حبيبتي أسقطتي سهوا خيارا مهما ..!
- حقا .. وما ذا الخيار الذي أسقطته سهوا .. !
- قال ببراءة : عمرك الميلادي ..
- ردت بدهشة ممزوجة بحزن : أوه ... يا حبيبي المسكين ، ألا تعلم ماذا حصل له ..؟!
- لا حبيبتي ، ماذا حصل له هل بترت رجله أو حطمت رأسه مثلا ؟!
- مزاحك رائق يا حبيبي ، لكن عمري الميلادي بل أعمارنا الميلادية وئدت منذ أزمان طويلة ..
عندما تزاحمت الخيارات الأخرى في حياة البشرية .. لكن كيف فاتك هذا الأمر ؟!
- أحقا فاتني ..؟!
- أجل فاتك ..
- اخبريني كيف حصل ذلك ؟
-أنت تضعني أمام خيارات .. وأنا سأخبرك بها .... الخيارات..
قاطعها وهو يفّر هاربا :
- لا أريد مزيد من الخيارات ... لا خيارات.. لا .. خ ... يا .... ت ... ت .....!




2007م

الخميس، 27 أغسطس 2009

غبش الحي ّ


غبش الحيّ


حل ّ الليل .. توشح الحي بصمت رهيب يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، ولج من بوابتها وأنفاسه تتصاعد شهيقا زفيرا ، إنه الحي القديم بزخارفه وطوبه القديم ، تفوح منه روائح البن والشاي والهال والزعفران ، كأنها ساكـن جسده وعقلـه ، إنه الحي الصاخب فـي النهار وما يلبث أن يكتسح بسواده العتيد فيرحل غارقا في سباته الليلي ، نائيا عـن الحياة بكل تفاصيلها المادية والمعنوية ، كل بقعة من مساحة هذا الحي تحكي قصة .. تلكم القصص المنطوية في جدرانها ، المخبئة بتفاصيلها الدقيقة في عقول الجدات و التي تنساب عفو اللحظة حينما يحكينها لأحفادهن ، " رحمة الله عليك يا جدتي " ..

كنت دائما تتحفينا بحكاياتك الجميلة عن البحر ، عن وحوش الليل ، عن" أم الدويّس " وملاحقاتها المرعبة للنساء والأطفال ، يالـ لذة الذكريات الحميمة القديمة التي تهزنا كبندول لا يكف عن الحركة ، انعطف يسارا حيث رائحة الذكريات المنعشة تنبعث من طرقاته الغائرة رمالا ، ونفسه تحدثه بجمالية تضاريس القديمة .. تابع سير أقدامه إلى أن أوصلته إلى مكان قد ألفه.. " مطعم السهرة " ..

إنه الاسم ذاته لم يتغير شيء ،البقعة المستيقظة الوحيدة النابضة حسا فيها ، سرى في جسده شعور مريح وهو يهدد " حمدا لله لم تجرى عمليات جراحية للحي " جلس على المقعد ذاته والطاولة الفردية ذاتها ، وأنفاس من الدخان تنفث من أفواه تخفي تحت ألسنتها خناقات تكاد تصرخ ، ألقى نظرة على الرجل القاعد أمامه .. فقط تفصلهم عدة خطوات ، كان ذو كرش كبير ورأسه موصولة بصلعته التي اعتنى بتلميعها جيدا لا يدري لم خطر بباله أنه خرج من منزله بعد خناق مصدوم بينه وبين زوجاته الأربع ، هكذا توحي ملامحه القابضة وعيناه الغائبتان عن سمرة هذا القمر في يومه المحاق ، يبدو أن زوجاته الثلاث يتآمرن على الرابعة ، إنها دائما ضحية الغيرة والمؤامرات السرية ، قطع عليه النادل ذو أكتاف عريضة حبل أفكاره حاملا معه " المنيو " ، رفع عقيرته وكأنه يخاطب زرافة ذا رقبة طويلة ، ممتلئ قليلا واختفت شفتاه تحت شاربين كثيفين معقوفين إلى أعلى كجناحي نسر قد نكسا إلى الأسفل كراية سحقتها الهزيمة ، إنها معركته مع النساء ..

أجل ، فوراء كل هزيمة رجل امرأة .. كما قال أستاذ المحققين الذي تتلمذ على يديه " توكو موري " في المسلسل الكرتوني المحقق كونان " أن وراء كل جريمة غامضة امرأة " لو اتكأنا على هذه المقولة فمعنى ذلك أن وراء كل مصيبة امرأة .. ووراء كل خسارة امرأة .. وراء كل حرب امرأة.. ووراء كل إرهاب امرأة.. ووراء كل زلزال امرأة.. ووراء كل مجاعة امرأة.. الخ

يـاللهول .. ! اكتشاف عبقري عظيم " النساء وراء كل شيء في هذا العالم " رحماك يا ربي.. ! أخذ منه قائمة الطلبات نظر فيه وهو يحاول إخفاء غبطته من الاكتشاف الجديد الذي توصل إليه، وهم ّ بتمرير إصبعه على المأكولات.. بدأها بقسم المعجنات ، فطائر لبنة ، زعتر ، جبنه تركية ، كرافت ، جاوزها إلى مأكولات مشوية .. رولكس ، مكسيكي ديلايت راب ، راخ زنجر.. " راخ " ، أطلق ضحكة داخلية يبدو أن هذه الوجبة منسوبة للموسيقي العالمي " باخ " ..!

حدث نفسه: يخترعون أسماء غريبة والطعم واحد هذا ما يطلقون عليه بــ " خداع المستهلك " ، قسم المأكولات البحرية .. ربيان عادي ، ربيان خصوصي ، نغر ، فيليه سمك ، ألطق زفرة .. تنفس صعداء .. أغلق المنيو ثم نظر إلى النادل : أريد كوب شاي ( كَرَك ) يضبط المزاج .. تركه النادل وعلى وجهه علامة استفهام كبيرة ، عدّل من جلسته ، وضع رجلا على رجل ، سمع سعلة من المقعد الذي بمحاذاته كان الرجل يسعل بشكل مريب وكأن روحه تخرج من جسده ، وعيناه محمرتان من أثر السعال ، ما لبث أن هدأت سعلته ثم أشار للنادل أن يحضر له شيشة بنكهة الفراولة ، كان يطلق دفقات من الدخان في الهواء وهو يفتل شاربه مع ابتسامة تزين شفتيه ، كما لو كان منشغلا بفكرة داخلية يستمتع بها ، حدثته نفسه بضحكة على رجل إياه إنه على حافة القبر وتجاعيد تكاد تلتهم ملامحه الغائبة ينفث دخان الفراولة وحبيبته ذات العشرين تتخايل راقصة أمامه ، يبدو أن الفتيات هذا الزمان يفضلن رجال من هذا النوع يدفع ويدفع كآلة صرافه متحركة فلا متعة تضاهي متعة ملاعبة مراهقات حسناوات ! ذلك جليّ على وجهه المنطفئ شحوبا من ملاحقة المراهقات ، كما أن عينه اليسرى ترمش بشكل مريب ، ترك الرجل المسن مع خيال حبيبته ، جاءه النادل حاملا معه صينية عليها كأس من الماء وقدح من الشاي (كَرَك ) ، تذكر صديقه القديم " بو راشد " المنعوت بالبخيل كان إذا ما شعر بالعطش فإنه يطلب كل شيء إلا الماء ، وإذا سئل عن السبب فإنه كان يجيبنا بقاعدته العجيبة " بأن الماء يحضر مع القائمة مجانا أما إذا طلبته أنا بنفسي فمعنى ذلك سأدفع ثمنه من جيبي ..!

" وكثيرا ما كان يردد قوله تعالى الذي حفظه عن ظهر قلب: ( ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين ) ، وكغيره من الذين تظاهروا بالزهد في الدنيا وُورِيَ في قبره أما ثروته الضخمة التي وصلت الملايين يتمتع بها غيره الآن !

لكم آلمه عدم تمتعه بثروته ، رشف عدة رشفات من الشاي ، شعر بأن رأسه قد أعيدت له توازنه، نظر من حوله ، حيره الصمت المستبد على المكان ، يبدو أنهم ضجروا من الكلام والثرثرة طوال النهار ،والغريب في الأمر أن كلا منهم اختار المكوث لوحده على طاولة خاصة دون رفقة تآنسه ..! أدار رأسه في كل الجوانب ثم رفع يديه وظهره مستند .. إنه التمرين الذي اعتاد ممارسته حين يجلس طويلا على الكرسي، رفع رأسه من جديد وقعت عيناه على شاب ذو تقاطيع وسيمة، كان طاولته زاخرة بمأكولات من شتى الأنواع، المشوي والبحري وسلطات متنوعة..الخ ، كان فمه ممتلئ وهو يحشوه بحبات من الكبة المقلية من الطبق أمامه ، تفَرّس في وجه مرة أخرى ، أطلق صيحته الداخلية : آها ، يبدو أن قاعدتي عن النساء كما استنجت آنفا صحيحة ، نعم ففمه يبوح بكل شيء ، إنه يعاني من أزمة عاطفية ، ويحاول حلّها وفكها من خلال الأكل ، على ما يبدو أن قصة حبه وصلت لطريق مسدود ، ظاهر ذلك من فمه المفتوح كالجرافة تقضم كل ما تراه .. تطحن ، تفرم ، تحطم ، تبلع ، تجرش ، تهرمش ، ببساطة تحول من آكل عاطفيا إلى آكل للأخضر واليابس .. البارد، الحار.. المالح.. والسكري، إنها مسألة خطيرة فعلا ـ أعانه الله ـ أما هو فيضل أن يحتفظ بنصيحة أحد الشعراء ( وعش خاليا فالحب أوله عنى.. وأوسطه سقم وآخره قتل ) ، لا يهم إنه لا يستطيع الاستغناء عنها سيعودان لبعضهما، حينئذ سينحف كشجرة سرو عندما يعود إليها مرة أخرى أما هي فحتما ستكون كشجرة بلوط ، إنها القاعدة المعروفة في عالم العشاق بعد الزواج " الرجال ينحفون كالعصا والنساء ينتفخون كالبالون " .!

رشف رشفات أخرى من القدح ، نظر إلى ساعته ، نهض من مكانه بعد أن دفع الفاتورة .. ألقى نظرة أخيرة على الجالسين في مقاعدهم أخرج من جيب قميصه بطاقات بيضاء دونت عليها عبارات بلون كحلي.. الدكتور صالح الأحمدي مستشاري لغة الجسد وخفايا الشخصية، سلمها بيد النادل وهو يهمهم : في الطابق الأول.. شقة رقم 3، ثم مضى في سبيله مودعا حيّيه القديم الذي فارقه منذ أكثر من عشرة أعوام..
مضى وصوت المؤذن يحيك نسيجه الدافئ على أسقف الحي الذي ما يزال غارقاً في أحلامه ..

الاثنين، 8 يونيو 2009

الرجل الذي سيعقد قرانه علي ّ



الرجل الذي سيعقد قرانه علي ّ


" ابتسمي"..
هكذا أشارت عليها المصورة الفلبينية بعد أن سلطت على مساحة وجهها الأضواء الكاشفة..
تبع ابتسامتها خاطر مخاتل " ستكون الصورة هذه المرة مختلفة.. سأبدو فاتنة.. نعم.. سأبدو فاتنة "
وسوس داخلها بذلك.. بعدما طلبت منها المصورة أن تدير جسدها نحو اليسار وترفع كتفيها قليلا.. خضعت لها بينما حملها خيالها إلى ومضة أول صورة شخصية في حياتها.. يومها أيقظها والدها مبكرا.. كي تلتقط صورة للجواز.. ومشيا معا إلى يمين الشارع العام بينما النوم كان يعبث بوجهها وكلتا كفيها كانتا تتناوبان على خنق تثاؤب كان يستفزها بين فينة وأخرى.. اقتعدت على كرسي مترهل الجلد بلا ظهر ولا أذرع ..ووالدها يصافح " شفيق " المصور الهندي.. طلب منها أن تنظر للكاميرا بشكل مستقيم.. وهو يتلو عليها بلغته المكسرة تاريخ الصور العريض الذي التقطه لها وللعائلة وللحي كله..
وبعد مرور خمس دقائق كانوا قد تسلموا الصورة..
" ستكون الصورة هذه المرة مختلفة.. سأبدو فاتنة.. نعم.. سأبدو فاتنة"
أكلتها الكآبة.. حين وقع نظرها على الصورة في ذلك اليوم.. كانت عيناها ناعستين.. وهالات سوداء خانقة حولهما بدتا كأطلال شبحين..
طلبت منها أن تعتدل في جلستها.. وأن تشد ظهرها جيدا ثم سلطت الأشعة الضوئية ذاتها..
" تبا لشفيق ..ولأيام شفيق "..
قذفت لعنتها في سرها له بينما تنقد بابتسامة واسعة العربون للمصورة الفلبينية ..

* * *
لم تستطع النوم .. ظل أرق الصورة يلغم حواليها أطيافا من القلق.. حتى غلبها غلس طفيف.. تفقأ على ضجيج المنبه.. هرولت بعد أن غسلت وجهها و ارتدت ملابسها على عجالة إلى الاستديو بينما غفير من الكوابيس كان قد تسلق عقلها حتى غدا كصهريج عائم..
ولما تسلمت الصورة خفق قلبها وارتعشت حنجرتها فرحا: " ياااه.. أهذه أنا..؟ "
كانت بين فينة وأخرى تسترق النظرة إلى الصورة وهي في طريقها إلى المنزل.. ومع كل نظرة تعقب بكلمات تغمرها نشوة " ما أجملها ".. " لابد وأنها ستعجب الجميع " " سينبهرن بها صديقاتي " ... الخ.. قربت الصورة من صدرها معانقة إياها.. وهي تتذكر صديقتها منال.. " هل يا ترى سيكون حظي كحظها. ." منال هي أول وجه التقطتها عدسة الاستديو تلك الفلبينية.. ومن حسن حظها أنها في الأسبوع ذاته تقدم لخطبتها شاب وسيم خفق قلبه هياما حين وقع نظره على الصورة..
" سيشاهدها الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ.. وسيخفق قلبه كذلك ".. قالت ذلك بخفر بينما قهقه داخلها بنشوة..

* * *
حرصت على هندامها جيدا.. غدا وجهها أكثر امتلاء.. وعينيها أكثر انبهارا بخطوط الآي شدو حسب الموضة الدارجة.. كثفت طبقة البودرة وأضفت رشة من البلاشر المخملي وصبغت الشفتين المكتنزتين بلون زهري لامع..
اقتعدت على الكرسي ذاته قبل أكثر من خمس سنوات.. حتى أن المصورة الفلبينية تكتل جسدها امتلاء مغريا.. وطال شعرها الكث المنتصب حول كتفيها كشال حريري..
رعشت رعشة انبهار.. كلما تأملت الصورة ..
وظل انبهارها يردد " الرجل الذي سيعقد قرانه علي ستبهره الصورة بلا شك "..

* * *
تغير الاستديو قليلا عن السنوات المنصرمة.. عن آخر زيارة لها من أكثر من ثمان سنوات.. لمست ذلك وهي تتأمل روعة الأرضية الرخامية اللامعة.. والأضواء غدت أكثر أشعاعا وهي تتدلى كقطوف عنب في قاع السقف.. والجدران صقلت بورق مزركش ولكل جدار من الجدران الأربعة طابع خاص.. وبدت المصورة الفلبينية أسمن.. وقد ترهلت رقبتها قليلا وبدت عينيها أكثر ضيقا كحبتي زيتون..
نظرت لبؤرة العدسة بعدما تأكدت من وضع الكريم الذي يخفي آثار التجاعيد المبكرة حول العينين والفم..
" الرجل الذي سيعقد قرانه علي.. ستعجبه الصورة.. نعم بلا شك ".. كانت تهتف بذلك كلما تبحلقت في الصورة..

* * *
كانت حركتها ثقيلة وهي تقترح عليها أن تختار الخلفية التي يلاءم ذوقها.. واللون الذي ترغب في أن يكون خلفية للصورة.. الأصفر، الرمادي، الفوشي، الأخضر، الأزرق ..الخ.. جعلت وجهها يضاجع الكاميرا بدقة متناهية.. بعد أن وضعت شالا يخفي ترهل عنقها ..
" الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ.. ستلائمه الصورة.. نعم ستلائمه .."
كانت تؤكد ذلك وهي تتأمل تقاطيعها ملونة بطيف من الأزرق الهادئ..

* * *
التقطت لها الفلبينية الجديدة الصورة بعد فارقت القديمة حياتها.. نظرت إليها بصعوبة.. ثم أمسكت بها بيدها المرتعشة لتدسها مع رفيقاتها في الألبوم الضخم.. آلاف الصور على مدى ثلاثون عاما.. وعيناها تنتقلان بنظارتها السميكة من صورة إلى صورة.. روحها يرفرف شامخا في الأفق.. بينما شفتيها الخاويتين إلا من سن واحدة تردد :
" الرجل الذي ثيعقد قرانه علي ثتعجبه الصور.. نعم.. أنا متأكدة" ..!

الاثنين، 18 مايو 2009

لوائح معلّقة على عتبة شارع عام



لوائح معلّقة على عتبة شارع عام ..


( ق . ق . ج )



( عري )


تنمّل قدم اليقظة من عري أحلامها ،
فتغصن لبه خيالات طرية ،
تُمحِص بشرتها تحت الشمس ..

* * *


( طفلة )

خربشت على السبورة حروفا مبعثرة سمعتها ( أ ... ح .... ب ) فوئدت كفنا في قبرها ..

* * *


( لو )


لو أنه قالها
لو أنه نطق
لو أنه أنبأني
لو أنه ........
و كان شيطانها يقهقه خلف " لو " .. !

* * *


( شهوة )

داروا حوله ، كشعوب همجية تقدس نارها ،
والتقموه بأفواههم الكبيرة لقمة سائغة ..!


* * *


( حوار )


" حوار بين متزوج وضميره "
المتزوج : ما ألذ هذا السرير ؟
الضمير : وماذا عن السرير القديم ؟
المتزوج : القديم قطعة أثرية مضى زمنه ..
الضمير : والجديد ..؟!
المتزوج : الجديد مقتضيات الحياة الباذخة ..!

* * *

( طلاق )

بعد أن طلق الرجل مشاعره
أضحى أرمل القلب ..

* * *


( خيانة )

لا مفر ،
سأرتكب جريمة " خيانة " في حقها ،
وسأعشق حقوق الأخرى ..

* * *

( حنان )

مذ طفولته ، وهو يفتش عن صدر يدر حنانا ،
عندما كبر ، ادعي بأنه " مجنون "
ويحتاج حنان ..

* * *

( بلاغة لغوية )


هي : سأتعرى من حيائي وأكاشفه صدر الحقيقة ..
هو : أعدموها إنها عاهرة ..!

* * *

( ورطة )


أحببت عينيها فقط ؛
فاضطرني ذلك إلى أن أتزوج
أنفها
فمها
ذقنها
وتفاصيلها الأخرى .. !

الاثنين، 27 أبريل 2009

عمشه

عمشــــــــه
" لا حد للأزرق في مقلتيك ،كرمش الموج يهدر .. حين يحكي للبحر عشقه المخضب .."
ما أكثر ما تقولوا عنها .. مرة أنها ساحرة .. ومرة أخت إبليس .. و طورا ابنة العاهرة .. كنت صغيرا وقتها .. تلتقط أذناي الصغيرتان تلكم النعات التي يتقاذفون بها عمشه .. وعمشه هذه امرأة توارت في خيمة سوداء يستر بدنها من رأسها حتى أخمص قدميها .. مما يبرز قواما من الصعب تحديد دقة خصره وعضد عظمه .. كما كانت على عادة نسوة الحي تضع " برقعا " على وجهها .. لكن ما كان يميزها عنهن جميعا هو عينيها النجلاوين.. المخضبين بالأزرق .. فلم تكن عينا أمي كعينيها ولا خالتي ولا جدتي ولا أحد من نسوة الحي .. فقط عمشه تميزت بمحيط عينيها الأزرقين .. وما أكثر ما لصق بهما من أفواه القيل والقال .. فقد كنت اسمع أمي تقول لأبي وهي مضطجعة إلى جنبه على الحصير بينما أنا وأخوتي على جانب الآخر منه مع شخيرهم الذي يمزق صخبه الرتيب سكون النوم في كل ليلة .. سمعتها تثرثر في أذن أبي أن عينا عمشه ليسا أصيلتين ؛ فنساء البدو يتميزن بأعينهن الكحيلة السوداء .. أما عمشه فعيناها عينا رجل غريب وفد على الحي وكان عشيق أم عمشه حينها والتي كانت تعاشر معظم الرجال الذين كانوا يفدون ضيوفا على البدو من الحواضر وأكثرهم تجار وأصحاب حرف .. وكان الغريب والذي كان يدعى " عتيق " عيناه زرقاوان تماما كعيني عمشه ..
كما سمعت من فم جارتنا " أم سعيد " عندما كنت ألعب " الجحيف "(1 ) في حوش دارها مع صاحبي سعيد .. أن عمشه ساحرة .. وأن معشرا من الجن طوع أمرها .. وأن الغراب الذي يحوم بشؤمه في قطع الليل على البيوت إنما هو رسولها ولطالما صادفوه يتبعها كما يتبع الخادم أميره من مكان إلى آخر .. هكذا كن نسوة الحي بألسنتهن يلعكن حكاياتهن عن عمشه.. غير أن الرجال كانت أحاديثهم تحيك على وجه آخر .. وكان " عم عبيد " صاحب المقهى في الحي وكبار رجالها .. وكلمته لا تصل الأرض أبدا ..
وكم كنا نخشاه كما نخشى جسده الضخم وكرشه الكبير المخبأ في قعره بطيخة كبيرة يعوز إليها أيام القحط والمجاعة هكذا أسّر لنا صبيه " سعدون " .. كما أخبرنا أن " عم عبيد " يحب عمشه .. وقد صارح رجال الحي بحبه لها ورغبته بطلب يدها وعزز رغبته بأنها " امرأة وحيدة ومن العار تركها بلا رقيب ولا حسيب ولابد من اتخاذ موقف رجولي حيالها .. ولا ضير في أن تكون زوجتي الثالثة فشرع الله أحل لنا أربع .. " وحدث أن ذهب " عم عبيد " إلى دارها غير أن الباب لم يفتح .. وفي الليلة ذاتها داهمت حمى غريبة " عم عبيد " استمرت لمدة يومين وفي الليلة الثالثة فاح من جسده رائحة الموت .. وشيع أنها لعنة عمشه .. فتناءت عمشه عن ثرثرة النساء وعنعنة الرجال خشية من لعنتها عليهم وعلى أبنائهم ..
* * *
" يا برق ،انثرغواياك في الأفق العقيم ، واقذف في رحمه ، بهاءك العنيد .."
مرقت السنون .. وفتل شاربي .. واخشوشن صوتي .. وفي ليلة من ليالي الشتاء وقد غط معطف الصقيع ضواحي الحي الذي كان محتضنا هدوءه في فراشه البكر .. بعد ضجة الدفوف وزغردة الزغاريد وزنّرت الأضواء احتفاء بعرس صديقي سعيد .. كنت في طريقي إلى المنزل .. يعبر ظلي الزقاق الضيق .. يخال إلي من الهدوء المسترخي في ثنايا الزقاق كأنني في قرية مهجورة ينتشي التثاؤب في قعر بيوته الطينية و على نوافذه الخشبية المسدلة الأهداب.. وبينما خطواتي تكرع مسافاتها .. وخيالي يعزّي نفسه عن لسعات الصقيع على بشره بالفراش الدافئ الذي يترقب جسده .. صادفتها .. ولم أصدق عيناي .. عمشه .. إنها تلج بيتها .. كانت الطريق خالية إلا منها .. وعندما أحكمت الباب خلفها .. راودتني فكرة .. لطالما داعبت شجاعتي في صغري فكنت أتخوف وأتراجع .. وقررت الليلة أن أتشجع .. فخلعت نعلي ورفعت ثوبي بفمي وهممت بصعود الجدار الذي يفصل بين بيت عمشه ومطوع القرية الذي علمنا القرآن الكريم والحديث الشريف وحكايا الأنبياء والمرسلين .. وكان المطوع قد هجر بيته هذا بعد أن خصص له شيخ القرية بيتا ملاصقا له في المسجد .. صعد جسدي الجدار فأرخيت رأسي .. والليلة كانت ليلة حالكة جدا ينذر حداد أفقها عن مطر غزير ورعد وبرق .. وبعد أن اطمأن جسدي على الجدار الموازي لمنزل عمشه نصبت عيناي على النافذة التي شرعت للريح .. انبعث عنهما ضوء " فنر" (2)باهت .. يبرز عن جزء من الدار جدرانها متآكلة من أثر السنين وقد فحمت معظم أجزاؤها .. وعندما حرك الفنر من موضعه برز جانب السرير ..
تهادى الرعد يصفع الأفق المظلم بجبروته مما أفزع اطمئناني وأرعد فرائصي .. وعلى صوته انطفأ فنر عمشه فلعنت الظلام ألف مرة .. غير أن برقا قويا شق ضوئه رحم الأفق نفذ إلى نافذة عمشه .. حيث صوبت عيناي .. فهالني ما رأيت .. حاولت أن أتبين غير أن البرق أطبق فمه .. تلاه رعد مفزع .. فهدهد صدري المنقبض من هول الصدمة ..
وراح يرجو : " يا رب ضوء .. يا رب ألهمني ضوءا من فم البرق .. ضوء .. ضوء يا رب .. " ..
واستجاب الرب لرجائي ..فاشتعلت السماء مرة أخرى .. وعمشه في عريها تتهادى كالعرائش .. عارية كما ولدتها أمها .. ومن فم البرق رأيت أنها تدهن جسدها بمادة .. جلبت الريح القوية رائحتها إلى خيشوم أنفي .. كانت عطرية .. خمنت أنها " المخمرية "(3) أشبه بالرائحة التي شممتها من أمي ومن جارتنا " أم سعيد " .. وامتد مشطها يتخلل شعرها الليلي تسرحه من أعلى الغرة حتى أسفل الفخذين .. وأنا مبهور .. مبهور بالنهدين الذين حبسا أنفاسي .. خيالي .. كياني كله .. جسد بض .. شعر يسترسل كالحرير .. امتد من دارها حس ضوء خفيف .. افترشت عمشه بعريها السرير .. تتقلب فيه .. كأنها تضاجع شخصا ما .. وتصاعد عزف الرعد .. وانكمشت أنفاس البرق ودمعت السماء .. مطرا .. مطرا أغرقني دمعها الوحشي حد الحمى .. تقهقرت مبهورا .. وعمشه تتخبط في عمقي بعد أن تعششت رائحتها الفاتنة في روحي كله ..* * * " كان عطرك الموسوم يقطر في جوفي عبقا بنفسجيا .. واحمرا .." وبقيت لمدة ثلاثة أيام محموما .. اجتاحتني حمى كالتي اجتاحت " عم عبيد " ولا نجاة لي ؛ هكذا لهجن نسوة الحي مولولات عند رأسي .. وأمي كانت تنوح وصدرها ينتحب .. وكان صوتها يحوطني بأدعية الشفاء والرحمة وهي تستغيث ربها .. وسمعتها تنذر .. " تالله إذا شفيت يا راشد، لأصومن شهرا كاملا ولأذبحن بقرة اطعم من لحمها أهالي الحي " .. بعد مرور خمسة أيام .. تنفست أعضائي على رائحة " اللبان " و تمتمات أمي واستغاثاتها.. وغادرني التعب بلا رجعة .. وتذكرت عمشه .. التي بقيت طوال فترة الحمى تزور روحي من وعي إلى وعي .. وتركت أمي تراقص فرحها مع النسوة .. وذبحت البقرة وصامت شهرها المنذور .. وأنا كل يوم مرابط على سطح بيت المطوع وعيناي لا تفارقان عمشه وجسدها الذي يتلوى .. وثديها البرجي .. الذين دار عليهما رغباتي ولم استطع أن أتحمل أكثر من ذلك .. صارحت أمي .. " أريد الزواج " .. انشق فمها عن زغرودة صمت آذاننا ووسط الفرحة التي لم تدم عندما أخبرتها عن رغبتي بالزواج من عمشه.. فصعقت أذنها.. واتهمتني بالجنون .. وشاع الخبر من فم إلى فم .. وقيل " إن راشد ولد عفراء تخلل عقله الجنون .. يريد ساحرة .. لابد أنها السبب .. هي التي راودته عن نفسه .. شاب في مقبل فحولته .. وعمشه عاهرة كأمها ...
* * *
" مضيت حيث كنت ، حكاية تؤطر في علق الفؤاد ، طواه كفنا صوتهم ..وبعثه صوتي .."
قرر أهالي .. طرد عمشه نهائيا من الحي .. وحاولت ردعهم .. لكنهم وثقوا يدي ورجلي كما يوثق مجنون وألقوا بي في سرداب مظلم .. توجهوا إلى بيتها وغضبهم يشهر عصيه وخناجره رجالا ونسوة .. وأصوات تتهادى مع لعنات الريح الهمجية .. " إنها أخت إبليس.. ساحرة .. عاهرة كأمها .. لا نريدها في الحي .. إنها تغوي رجالنا " ..وقلبي كم كان يتمزق كما تمزق العاصفة شراع سفينة تهيج وسط المحيط .. وكسر الباب .. ولجوا بأقدامهم عتبة دارها .. و لم يجدوا عمشه .. فتشوا في الدار كلها .. وعمشه لا أثر لها .. لكنهم وجدوا على السرير صورة مؤطرة لرجل لم يتعرفوا عليه .. قيل إنه زوجها .. وقيل أحد عشاقها .. أو أحد الأبالسة أولئك الذين كانوا يمدونها بالقوة .. فكانت عيناه مخيفتان وأنفه ضخم .. يعلو وجهه بثور كثيرة وله أذنان كبيرتان .. واختفت عمشه وطوى خبرها مع الحي الذي خلا إلا من عواء الذئاب .. بعدما قهقرتهم الحضارة إلى المدن .. وكنت منهم ..وفي نهار مشمس الأفق .. كنت في سيارة " بيك آب " .. مرقت من أمامي فتاة دنت منها التفاتة .. صعقتني عيناها .. كبست بقوة على الفرامل حتى توقفت ..ترجلت من السيارة .. وتبعت خطواتها وصوتي يتخبط في أنفاس مناداتها : " عمشه .. عمشه .." وما إن تناءى إليها حسي حتى قفلت راجعة ثم دنت مني وهالت بكفها صفعة أسقطتني أرضا .. دوخت وسط زعيقها : (تبا لكم .. ولأساليبكم الرخيصة ..) ارتدت قافلة بعدما بصقت كل غضبها في وجهي .. غّيمت الرؤيا في عيني بينما تسابقت أياد مجهولة نحوي كحبال مشدودة وعلى سحناتهم نظرة انبهار ممزوج بسخرية .. وأصوات تتهادى بفوضوية من كل الجهات ( قدم في حياة وقدم في قبر ويبصبص على المراهقات في عمر أصغر أحفاده !) .. بينما حسي يهتف : " عمشه .. عمشه .. "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الجحيف : لعبة شعبية قديمة .(2)الفنر : مصباح إضاءة .(3)المخمرية : عبارة عن خلطة من العطور ممزوجة ببعض أنواع من الأعشاب العطرية .