الثلاثاء، 31 مارس 2015

سلاح القراءة


سلاح القراءة ..

جريدة الرؤية

أعظم تعريف قرأته عن " القارئ " في حياتي هي العبارة التي قالها الكاتب الأورغوياني " كارلوس ليسكانو " صاحب كتاب " الكاتب والآخر " ترجمة "  نهى أبو عرقوب " : " أول ما يعزز الابتكار هو القارئ ، إنه يبتكر كاتبه الخاص انطلاقا من الكتاب الذي يقرأ " ..
وبدأت أوقن منذ مدة طويلة أن " القارئ " ولا أعني هنا بالقارئ العادي بل " القارئ المكتشف " هو من سيرفع الركود الذي تعاني منه معظم القراءات في عالمنا العربي ، لاسيما حين ولى النقاد الحقيقيون المكتشفون منذ زمن " رجاء النقاش " و " إحسان عباس " وغيرهما ، ومذ وجدت الكتب نفسها في عالم أكثر نقاده أصبحوا تابعين لرافعات إعلامية ، تلك التي تلمّع الكتب التي تصاحبها إعلانات قوية ، أو تلك التي أصبحت تتمتع ببريق الجوائز ، هنا في مثل هذا الوضع الثقافي المتردي ، لا يبقى للكتاب والكاتب سوى القارئ المكتشف ، الذي يقرأ بوعي ، ويقتنص بذكاء الكتاب الجيد من على رفوف الكتب المزدحمة ، بل حتى الكتاب السيئ له نصيب من المتابعة والاهتمام عند القارئ المكتشف ، لتجريب ذائقته الشخصية ، وميوله الفكرية في انتقاء ما يراه بوعيه ، وبكامل حريته القرائية ، بعيدا عن ما يفرضه الذوق الدعائي العام على شريحة واسعة من قراء يفتقدون للوعي القرائي ، ويرضخون لوميض كيفما كان باهرا أو باهتا دون الأخذ في الاعتبار لأي معايير منطقية ؛ لفقدانهم ميزة تذوّق الكتب دون وساطات براقة ..!
لم يفاخر " بورخيس " يوما بأنه كاتب عظيم رغم عظمته بل كان يفاخر بأنه قارئ محترف ، لذا العالم الثقافي الغربي يدرك أهمية " القارئ " على الكتاب من ناحية وعلى الكاتب من ناحية أخرى لما له من أبعاد ثقافية لتنشئة مجتمع قرائي حضاري متعدد ومخلص أبدا للجمال ؛ لذا هم يولون أهمية كبيرة لموضوع تطوير طرق القراءة ولتحويل الفرد العادي إلى قارئ جيد ، لاسيما عند شريحة من تلامذة المدارس ، فقد تطرّق كثيرا الكاتب الأمريكي " تيم باركس " لطرح موضوع القراءة ، ومن إحدى مقالاته المهمة مقالة عنونها بــــ" سلاح القراء " ترجمة المترجمة السورية " أماني لازار " ، في هذه المقالة يتساءل عن الوسيلة الأكثر عقلانية التي يمكنه أن يتبعها ليقود طلابه ليقظة أعظم في حالة القراءة ، فبدأ يفكر بالطريقة التي يتبعها لدى القراءة تظهر فعالية القراءة ، وتأكد بعد تفكير عميق أن سلاح القراءة يكمن في " القلم " وحينها وجه طلابه قائلا لهم : " من الآن فصاعدا اقرؤوا والقلم بيدكم ، ليس بجانبكم على الطاولة لكن بالفعل في يدكم ، جاهزة ، مسلحة ، ودوما اكتبوا ثلاثة أو أربعة تعليقات على كل صفحة ، على الأقل تعليق نقدي واحد وحتى عدواني ، ضعوا إشارات استفهام بقرب كل ما تجدونه مشبوها وضعوا خطا تحت أي شيء تقدرونه حقا ، كونوا أحرارا لكتابة " عظيم " لكن أيضا " لا أصدق كلمة من هذا " وحتى " هراء " ..
" تيم باركس " يوقن أن القلم هو سلاح قوي من شأنه أن يطور القدرات القرائية بل يعمل على تحفيز الأداء القرائي ، فالعقل الذي يقوم بعملية القراءة يبقى منصتا لصوته الداخلي بينما القلم في اليد فهو متحفّز يترقب إشارة عقلية كي يبدأ بمهمة التنقيب عن جوهر القراءة في عوالم الكتاب ، وكلما كان الكتاب محرضا كلما بدت عملية القراءة أكثر متعة وفي الوقت نفسه تتطلب جهدا أكبر ؛ لأن القراءة هنا تخرج من طور المتعة واللذة إلى طور الاكتشاف ، والقلم هو اليقظة التي تنبه القارئ إلى أهمية وضع خط وإلى كتابة تعليقات شخصية لا تنم عن وعي قرائي فحسب بل تعمل على رفع فعالية الرؤية النقدية عند القارئ وبتعبير " تيم باركس " قائلا : " الحقيقة المجردة في وضع يد متزنة مستعدة للقيام بالفعل يغير سلوكنا تجاه النص .. لم نعد مستهلكين سلبيين لمونولوج أدبي لكن مشاركين إيجابيين في حوار ، سيتذكر الطلاب أن قراءاتهم تباطأت عندما أمسكوا بالقلم في يدهم لكن في نفس الوقت صار النص أكثر كثافة ، أكثر متعة " ..
وفي آخر المقالة يؤكد " باركس " على نظرية قرائية مهمة حين أشار بذكاء قائلا : " إن قراءة الكتب الرديئة بمقاومة يقظة أفضل من التهام الكتب الجيدة في افتتان غافل " ..

ليلى البلوشي

الأربعاء، 11 مارس 2015

في قراءة كفاح المرأة ..

في قراءة كفاح المرأة

جريدة الرؤية

من أدهش ما قرأته عن المرأة هذا العام عن ناشطة أفغانية ترتدي درعا حديديا على عوراتها لتفادي التحرش باللمس على تلك المناطق ، تسير بجسارة بدرعها الحديدي في شوارع كابول وسط دهشة الناس واستهجانهم تعبيرا منها عن همجية شعبها وتخلفه ..
ومن أتعس ما قرأته عن المرأة هذا العام واستفزني كامرأة هي عبارة الوقحة لأحد مغتصبي فتاة في دلهي حين قال : " عندما تتعرض الفتاة للاغتصاب لا ينبغي لها أن تقاوم ، عليها أن تلتزم الصمت وتسمح باغتصابها بعدها سيتركونها بعد الانتهاء منها وسيضربون الشاب فقط " ..!
ففي عام 16 من ديسمبر عام 2012م ذهبت فتاة تبلغ من العمر 23 عاما لمشاهدة الفيلم السينمائي " حياة باي " بصحبة صديق لها ، وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء اليوم نفسه صعدت مع صديقها حافلة خارج الخدمة على متنها ستة رجال ، خمسة بالغين وسادس صغير السن ، حين رأى الرجال الفتاة الجميلة برفقة صديقها قاموا بضربه بلا مقدمات ثم تناوبوا على اغتصاب الفتاة قبل أن يهاجموها بقوة مستخدمين آلة حديدية و توفيت متأثرة بإصابات داخلية كبيرة ..!
في بلاد يعبد أكثر من نصف شعبه آلهة نساء ولكن للأسف الشديد تتعرض فيه نساؤه لمعاملة سيئة للغاية ، في بلاد معظم نسائه علماء ومخترعات ولكنهن يتعرضن للعنف وعدم احترام حريتهن واستقلالهن ، هذا الكبت من المجتمع الهندي عن سوء معاملة المرأة جعلها في نظرهن ضحية هشة ومخذولة ومعرضة للدهس باستمرار بينما جعل الرجل يمتلك من الجرأة والوقاحة ؛ كي يتهجم عليها في وضح النهار وسط أناس كثيرين في الشارع دون أن يتجرأ أحدهم التدخل لإنقاذ الفتاة الضحية ، بل من تصل الوقاحة شدتها عند لفيف منهم حين يقومون بتصوير الفتاة أثناء تعرضها للاغتصاب وتسجيل صوت صرخاتها دون أن ينجدوها ، دون أن يشعروا ولو قليلا بالخجل والأسى ..!
هذه الانتهاكات التي تمارس ضد النساء في الهند تحديدا لها أسبابها كما عرضتها مخرجة سينمائية التي حاورت المغتصبين وتوقعت أن تسمع صوت الندم يثقب حناجرهم وهم يحكون بخجل مشوب بالتوتر ما اقترفوه ببشاعة في حق الضحية ، ولكن جل توقعاتها تحطمت حين رأيت مدى جرأتهم ، وحين لمست كمية وقاحتهم ، وحين عرفت كيف أن فكرهم المضل يرى المرأة في بلادها الذي يعيش الحداثة والتحضر مجرد سلعة للمتعة وليس كيانا مساويا للرجل على الرغم من القوانين التي فرضتها الحكومة في دستورها عن حقوق المرأة وجعلها في مصاف الرجل ، ولكن مجتمع كالهند لا يأخذون القوانين التي تتعلق بالمرأة على محمل الجد ، وذهبت بأن قصة الانتهاك تبدأ من الطفولة منذ بداية مولد الفتاة التي لا يرحب المجتمع بها مثلما يفعل مع الصبي عندما توزع الحلوى عند مولد الصبي وليست الفتاة ، عندما يحظى الصبي برعاية أكبر مقارنة بالفتاة ، عندما تفرض القيود على حركة المرأة وتخضع حريتها واختياراتها لقيود ، وعندما ترسل إلى بيت زوجها أشبه بالعبيد ، من هنا تفشى التبرير للرجال في مجتمع كالهند على استغلال المرأة وعلى تشييئها على وفق أهوائهم ..!
ومن أجمل ما قرأته عن المرأة في هذا العام هي عبارة " شمسية حسيني " : " لقد كان أمرا مهما أن أصبح معلمة ، إنها طريقتي الوحيدة في القول لهؤلاء الذين اعتدوا علي أنهم لم يربحوا " و " شميسة " هي اليوم معلمة أفغانية حين سكب عليها رجلان على وجهها الحمض الكاوي أمام مدرستها عام 2008م ، عزمت أن تكون معلمة للصغار في المدرسة نفسها ..
ومن رائع ما قرأته أيضا عن كفاح النساء المعرضات للاعتداء الخطوة الجريئة التي قامت بها امرأة هندية تدعى " روبا " وهي مصممة أزياء ، عندما عرضت على نساء تعرضن للحرق بماء النار دخول مجال عرض الأزياء ، وكأنها رسالة في وجه المعتدي الظالم بأن  " الجميلات هن القويات " كما ذهب الشاعر محمود درويش في شعره ..
ومن الخطوات السديدة أيضا يظهر مدى تحدي المرأة للعالم العنيف ومدى كفاحهن في سبيل العيش الكريم هو قيام امرأة صاحبة صالون تجميل بتوظيف فتيات تعرضن للحرق والتشويه بماء النار للعمل في مجال التجميل ، كسبا للزرق ومنحهن ثقة بأنفسهن بل إثبات للرجل البغيض الذي تعدى عليهن بأنهن مكافحات ويظلن أبدا على الرغم من كل شيء نساء مكافحات ..
سأستعير عبارة من الروائية التركية " أليف شافاق " وهي رسالة قصيرة ذات مضمون لكل امرأة : " إذا كنت هشة مثل كأس الشاي ، فإما أن تجدي طريقة كي لا تواجهي ماء يغلي أو أن تنكسري بأسرع ما يمكن ، لذلك توقفي عن كونك امرأة شبيهة بالكأس " ..
ولعل أكثر النساء في العالم جسدت فيهن عبارة الروائية " شافاق " هي " روزا باركس " المرأة الأمريكية الزنجية – هذا النعت الذي كان المجتمع الأمريكي ينعتها وبني جنسها وأنا أبغضه شخصيا - التي رفضت أن تخلي مقعدها في الحافلة من أجل رجل أبيض عندما أمرها السائق بذلك عام 1955م ، وقد عدّ المجتمع الأمريكي الأبيض فعلتها جريمة أدخلتها السجن على الرغم من أنها كانت جالسة في الجزء المخصص للسود في الحافلة ، ولكن قسم البيض كان مشغولا بالكامل فأراد الشخص الأبيض مقعدها ..!
على المرأة أن تكون مكافحة حقيقية في هذا العالم كي تحيا بسلام ..

ليلى البلوشي

الجمعة، 27 فبراير 2015

قناع الموت الأحمر

قناع الموت الأحمر

 " إدغار آلان بو " الكاتب الشهير في حبك قصص الجرائم والرعب يقدم في كتابه المعنون بــــ " قناع الموت الأحمر " الذي يحوي في طياته قصصا متنوعة من أروع ما قدمه في عالم الفن القصصي الغرائبي ، والمجموعة ثمة قصة رشحها " آلان بو " كي تمثل المجموعة الكاملة فتحمل عنوانها وهي " قناع الموت الأحمر " وتتماهى الرمزية الهائلة في هذه القصة التي يحكي فيها " آلان بو " عن وباء عمّ البلاد بأسرها ، كان مروعا لا مثيل له في التاريخ بأسره ، وكان يُعرف أيضا باسم " الطاعون " كما وصفها بهول في عبارة : " فالدم القاني لحمته والاحمرار المخوف سداه " ومن مظاهر هذا الوباء الآلام المبرحة ، والدوار الفجائي ، وتدفق الدم على الجلد ، مع انحطاط مستمر إلى درجة الانهيار ، ولا يتطلب للقضاء على المرء أكثر من نصف ساعة فقط ..!
وكان للبلاد أمير يدعى " بروسبرو " كان سعيدا وثريا ، فحين رأى أن نصف سكان إمارته قد أصبحوا في عالم الفناء ، استدعى ألفا من أصدقائه المعافين والخالين من الهموم وكلهم من فرسان البلاط وسيداته ، ولجأ معهم إلى دير شبيه بالحصن ، ضاربا عليه وعليهم حصارا منيعا ، وكان هذا الدير عظيما في تخطيطاته ومتينا في بنيانه ؛ لأنه من تصميم الأمير الشاذ ومن ابتكار مخيلته ، فقد كانت جدرانه عالية وسميكة ، ولهذه الجدران أبواب حديدية منيعة ، فلما دخلت الحاشية الدير المنيع حملت معها الأفران لصهر الحديد والمطارق الضخمة وصنعت المتاريس القوية وأقامتها خلف الأبواب والنوافذ لتحول دون الخروج من الدير في حالات اليأس أو الجنون العارض ، ولتكون حاجزا في وجه من تسول له نفسه اللجوء إليه ، وقد زود الدير بالمؤونة الوفيرة واتخذ من التدابير ما يجعل الحاشية تستخف بالمصابين وتسخر منهم فهم كانوا بأمان تام في الدير المنيع ، أما العالم الخارجي الذي كان تحت وطأة الطاعون فعليه أن يتدبر أموره بنفسه ..!
وقد عمد الأمير كي يبدد الهموم عن نفوس حاشيته ، ويجلب لهم المتعة ، إلى تزويد الدير بجميع وسائل الترفيه ، فحشد المهرجين ، المغنين ، الراقصين ، الموسيقيين ، ربات الحسن والجمال ، وبراميل الخمر المعتقة ، وبعد مرور خمسة أشهر على هذه العزلة المنيعة عزم الأمير على إقامة حفلة مقنعة ، بينما كان الطاعون يفتك بالناس المقيمين خارج الدير فتكا ذريعا ..!
وقد أقيمت الحفلة المقنعة في غرف ملكية السبعة مبنية على طراز غير مستقيم تكشف الواحدة على الأخرى في آن واحد وكان في الدير عطفات حادة الزوايا ، تقوم كل منها على بعد عشرين أو ثلاثين ياردة وكل عطفة تكشف عن منظر جديد ، كما كانت تزينها نوافذ ضيقة للتهوية وكل منها تتلون بلون الغرفة وتبعا لخرفها ، فقد كان الأمير مولعا بالفخامة والتغيير ؛ لذا كانت الغرفة الأولى باللون الأزرق ، والثانية باللون الوردي ، والثالثة باللون الأخضر ، والرابعة باللون البرتقالي ، والخامسة كانت بيضاء ، والسادسة بنفسجية أما السابعة فكانت متشحة بالسواد بستائرها المخملية ، غير أن لون زجاج نوافذها كان باللون الأحمر القاني وكانت هذه الغرفة بظلها الحمراء تشعر من يدخلها بالروع والوحشة ، لذا لم يكن يتجرأ على دخولها إلا بضعة نفر ، وكان في هذه الغرفة السوداء ساعة ضخمة ملبسة بخشب الأبنوس يروح رقاصها و يجيء ثقيلا ومتكاسلا ورتيبا وعاليا حتى أنها كانت توقف الموسيقيين عن العزف وتصيب بالدوار بعض الحاشية ، وعلى الرغم من كل ذلك فقد استمر المرح ومظاهر الاحتفال في الدير المنعزل ، ومن تماهي الأمير مع حفلته جعلته يختار ألبسة وأقنعة حاشيته وكانت تسطع وتبرق وفيها من الألوان والزخارف الكثير ، وكانت الغرف غاصة بالحاشية مع مظاهر الترف والصخب إلى أن أعلنت الساعة بصوتها المهول حلول منتصف الليل فتوقفت حينها الموسيقا عن العزف ، وسكنت حركات الراقصين عن الرقص ، وعمّ مكان سكون عميق ، ولما أتمت الساعة دقاتها تنبه القوم إلى وجود شخص مقنع بينهم ، فاستأسرتهم هيئته ، وراحوا يتهامسون بشأنه ويتمتمون ، ثم صاروا يعربون عن قباحة مظهره حتى غمرهم الهلع والفزع ، فالقناع الذي كان يخبئ وجهه كان يشبه ملامح الموت وثوبه كان ملطخا بالدماء ، سرعان ما صار القوم يلهجون بعبارة : " الموت الأحمر " ..
الموت الأحمر الذي فروا منه جاء كلص إلى حيث هم في عتمة الليل ، هذا الموت الذي فتك أول ما فتك بالأمير " بروسبرو " ، سرعان ما صار يصرع بأفراد الحاشية اللاهية واحدا بعد آخر وتوقفت الساعة الأبنوسية عن الحركة عند مصرع آخر فرد منهم حتى عم ظلام حالك وفناء دائم على الدير وكأنه لم يكن قط ..!
ليلى البلوشي

الخميس، 12 فبراير 2015

الحياة بين ضفتين ..!

الحياة بين ضفتين ..!

جريدة الرؤية ..

قرأت من وقت قريب عن رجل وامرأة ، الرجل هو " براين بورني " البالغ من العمر 70 عاما وهو مليونير بريطاني انفق جميع مدخراته لعلاج زوجته " شيرلي " بعد أن شخصت بمرض سرطان الثدي ، وبعد أن شفيت الزوجة تماما من هذا المرض الخطير قام الزوج من شدة فرحته بإنفاق 16 مليون جنيه استرليني لجمعيات سرطان الثدي لكي لا يعاني أحد مثلما عانت زوجته ، فقامت الزوجة حينها بطلب الطلاق منه في عام 2012م بعد زواج دام 30 عاما ؛ بسبب أن الزوج لم يعد يملك المال الكافي لكي تعيش حياة جيدة هي و أطفالها ، أيضا لأن الزوج أصبح يقضي معظم وقته بالاهتمام بالجمعيات الخيرية ..!
" بورني " زوجة المرأة " براين " المليونير السابق يعيش الآن وحيدا مع نفسه في شقة مستأجرة تقع فوق مؤسسة خيرية ، وفي مقابلة معه عبر فيها بأنه لم يكن يريد أبدا انهاء هذا الزواج ..
لا شك أن هذه القصة الواقعية غريبة ومدهشة في آن ، يجمع فيها تناقضات شتى من تضحية ووفاء ، من نكران المعروف ومن السذاجة أيضا ، لعل حتى مشاعرنا كقراء تتفاوت حين نقرأ هذه الحكاية أو حين تحدث أمامنا ، لكن أنا أكيدة أن معظمنا سيتعاطف مع الزوج مهما بلغت درجة سذاجته في التخلي عن كامل ثروته الضخمة في لحظة فرح كانت استثنائية بالنسبة له وهو موقف ينم في الوقت نفسه عن الحب العميق للمرأة التي تزوجها ، وأتوقع أن معظمنا متفق كم أن الزوجة ناكرة للمعروف تجاه زوج ساندها بقوة وعزم حقيقي ، وقلما نرى ذلك في واقع الحياة من الرجال تحديدا ، ولكن في الوقت نفسه ربما أيضا لا نستطيع أن نلومها ؛ فهي امرأة اعتادت على نمط معين من الحياة ، وهي أم أيضا ترغب بحياة مريحة لأطفالها ، لكن معظمنا سينبذ قرارها بالطلاق من زوج أنفق كامل مدخراته من أجل شفائها ، لذا سنظل مندهشين من قرارها المصيري و ربما البعض منها سيميل إلى احتقارها وهو يتساءل بينه وبين نفسه : كيف يمكنها أن تفعل هذا بإنسان كان معها في أحلك لحظات حياتها ..؟!
وانطلاقا من هذا ذهب تفكيري بعيدا ، وصرت أفكر فيما يقترفه داعش من وحشية في حق كثير من البشر ، هؤلاء هم ثلة من الشباب ومعظمهم من الدول العربية ، ما الذي جعلهم ينظمون لداعش ..؟ ما الذي يشعرون به وهم يقطعون رؤوس أشخاص ويعلقونها على أجسادهم ..؟
نحن كمتفرجين على فعالهم العنيفة نظل نتفرج ونتساءل كيف يمكن أن يرتكبوا هذه الوحشية ضد إنسان اختلف معهم في فكرة أو مذهب أو ديانة ..؟ كيف يمكن أن تكون أيديهم مضرجة بدماء ضحايا أبرياء ثم ينامون ليلهم وكأن شيئا لم يحدث بعد حفلة الدم ..؟ كيف يمكن أن يظل بعضهم تحت رايتهم على الرغم من كل ما شاهدوه من عنف وحشي يمارس أمام أعينهم ..؟ كيف لم يقتنعوا أن ما يفعلونه هو شر وأنه لا يمت صلة بالإسلام الذي يدّعونه ..؟!
نحن نفكر ونتساءل ، هذه هي أسئلتنا ، وهي تنم عن نكران لكل ما نراه ونتفرج عليه ونقرأ عنه ، حمامات من الدم ، ومن سبي النساء وكأننا أمام مشاهد تعود لعصور جاهلية ، تلك العصور التي خلت من الاسلام وسماحته ..!
ولكن يبدو أن هؤلاء الدواعش الذين ننكر بكل ما نملك من طاقة إنسانية وضمير حي فعالهم المقيتة ، لابد وأن لهم وجهات نظرهم ، لهم أسبابهم التي يرون أنها مقنعة ؛ كي يستمروا في الطريق نفسه ، وكافية لهم تماما على ما يبدو ليعتقدوا أن بقية الطرق هي دروب تؤدي إلى جهنم ، وتغذيهم بما يكفي من إيمان ليصلوا إلى مرتبة من الإيقان بأنهم حراس الجنة ؛ و جاؤوا كي ينقذوا البشرية الضالة من ألسنة النار ، وكل ذلك قادهم إلى درجة من الاعتقاد بأن الله عزوجل وضع مفاتيح الجنة في أيدي قادتهم ؛ ليخلصوا العالم من ضلالتها ، لذا وجب عليهم الخنوع والطاعة الأبدية لهم بكل ما تمليه عليهم عبودية الجاهلية الأولى ..؟!
هكذا حين تكون الحياة بين ضفتين ، وكل ضفة تدّعي بأنها درب الخلاص ..!

الاثنين، 2 فبراير 2015

لصوص النوم ..!

لصوص النوم ..!

جريدة الرؤية

  جيء ليلة لملك الفرس " كسرى أنو شروان " بإنسان متشرد فسأله : ماذا تفعل في هذا الليل ..؟ فأجاب : أهيم على وجهي ..! فضحك كسرى وقال : الذي يسير وحيدا في الليل يكون عاشقا أو لصا ، فأيهما أنت ..؟ فأجاب المتشرد : لا هذا ولا ذاك ..!
قال له كسرى : قل عاشقا تنج من العقاب..!
فرد عليه : سمعا وطاعة ، أنا عاشق ..!
فقدم له كسرى مبلغا من المال قائلا له : اذهب إلى عشيقتك ومعك هذا المال ، فإذا لم تكن لك عشيقة اتخذها ، المرء لا يعيش دون عشيقة وإلا صار لصا.. !
في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " ترجمة " علي مصباح " حكاية للفيلسوف " نيتشه " يفصل فيها حديثا عن النوم تحت مسمى " حول منابر الفضيلة " فيقول فيه :
" تجنبوا اللقاء مع الذين ينامون نوما سيئا ويسهرون الليل " ..
أما عن اللصوص الليل فيقول : " يخجل اللص في حضرة النوم ، فيتسلل بطيئا في الليل ، ولكن لا خجل عند حارس الليل ؛ فهو ينفخ بوقه بلا خجل " ..
في شذرات من يوميات " بودلير " يقول عن النوم :  فيما يختص بالنوم ، تلك المغامرة الكئيبة لكل ليلة ، كان يمكن القول إن الناس ينامون يوميا بجرأة غير معقولة ، لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر " ..
وعن "  نوم أبيض " يقول عنه الشاعر " عباس بيضون " :  لا أنام في سرير، لا أذهب إلى فراشي في الساعة نفسها تقريباً كما يفعل الجميع ، لا أذهب إلى فراشي بتاتاً ولا أفكر في أن أذهب ، لعلمي أنني إذا فعلت ذلك لا أنام ، إذا دعوت النوم وتحضرّت لن يحضر ، إذا دخلت تحت اللحاف وسوّيته فوقي ، بعد أن أكون خلعت ثيابي و وضبتها ولبست البيجاما ، إذا وضعت رأسي على الوسادة وأطفأت النور بعد أن أكون تأكدت من إغلاق النوافذ ، لن أنام ، لقد طردت النوم بكل هذه الحركات ، جعلته أبعد فأبعد حركة بعد حركة ، لو فعلت ذلك سيطير النعاس من عينيّ تماماً ، لن يأتي النوم بقدمه إلى هذا الفخ ، هذا الترتيب سيجعله يهرب ، ما أفعله حين أعود في ساعة غير محددة من الليل هو التمدد أمام التلفزيون بثيابي ، وفي الحر بثيابي الداخلية ، التمدد لا يخيف النوم فإن أتمدد غالباً وليس للرقاد وحده ، أضع رأسي على وسادة فوق ذراع الكنبة وأتطلع إلى التلفزيون وانظر في كتاب ، اللمبة مضاءة والبيت مشعشع والتلفزيون والع وأنا فقط أتفرج ، ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً ، بوسعه أن يخرج ويتسلل ، أنا لا انتظره لكني وسط الفيلم أدير رأسي على الوسادة ولا أعرف كيف أكون نمت ، أنا كمن لم ينم ، حتى وأنا غاف لست نائماً حقيقياً ، لا زلت في ثيابي ولست في فراشي ، لا بد أن التعب خطفني ، التعب فقط وإن كان نوماً .. "
والفنان الإسباني العبقري " خوان ميرو " كان يعشق النوم ، لدرجة قبل أن ينام كان يكتب على باب غرفته من الخارج : " الفنان يعمل ، فلا تزعجوه " ..!
بينما الكاتب " آلان لايتمان " في روايته " أحلام آينشتاين له تفسيراته النفسية ذات صلة بالنوم فيقول : "  الضوء يخطط الحياة في هذا العالم ، ولذلك فإن الشخص الذي يولد عند الغروب يمضي النصف الأول من حياته في الليل ، يتعلم مهنا داخلية كالحياكة وصناعة الساعات ، يقرأ كثيرا ، يصبح مفكرا ، يأكل كثيرا ، يخاف من الظلمة الشاملة في الخارج ، يحرث الظلال ... أما الذي يولد عند شروق الشمس يتعلم مهنا خارجية كالزراعة والبناء ، يصبح قوي البنية ، يتجنب الكتب والمشاريع الذهنية ، يكون مشرقا ولا يخش أي شيء " ..
وأنا ولدت في الليل ، في منتصف ليلة شتوية ماطرة رعدية بالتحديد ، لكني لا أجيد الحياكة ولا صناعة الساعات ، وعلى الرغم من لصوص النوم الحائمة من حولي غير أني أجيد النوم بشدة ، كأن بي عضة من " ذبابة تسي تسي ".. !
ولكن لمن يتناول حبوبا منومة من عيار قوي دون أن يغمض له جفن كبطل " ميلان كونديرا " في روايته " كائن لا تحتمل خفته " فما عليه و- على مسؤوليتي- سوى بكتاب " تأملات قبل النوم " لأوشو ، فإنه يبدد ليس فقط لصوص النوم ، بل أيضا لصوص الحسد ، الحقد ، الكذب ، الخيانة ، الخوف ، الجشع والاكتئاب ..
ونوما هنيئا مقدما  ...

ليلى البلوشي

الخميس، 29 يناير 2015

أدب العالم الذي يصنعه المترجمون ..

أدب العالم الذي يصنعه المترجمون

كنت اقرأ كتابا مترجما عنوانه " الكاتب علامة سؤال / رأوا ولم يصمتوا "  للمترجم والروائي " إلياس فركوح " الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون و أزمنة و منشورات الاختلاف .. وحين رأيت اسم الروائية " ألفريدة يلينيك " مكتوب بصيغة الأنثى والصورة التي تعبر عنها هي صورة امرأة سرت بداخلي راحة كبيرة وحقيقية ، فكثير من الكتب المترجمة للأسف وحتى المقالات التي ترجمت عن الروائية النمساوية الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 2004م " ألفريدة يلينيك " كانت تخاطبها بصيغة الذكر ، وكان هذا الأمر يدهشني للغاية وتضع ثقافة المترجم في موضع متشكك عن المضمون الذي قام بنقله إلى العربية سواء على شكل كتاب نقدي عن رواياتها أو قصص عنها أو مقالات أو حتى حوارات ثقافية ؛ فحين يكون المترجم جاهلا وغايته تجارية هذا الأمر يكون واردا باستمرار ، وهذا الجهل نفسه وقع مرارا في كثير من الترجمات العربية لشخصيات نقلت إلى العربية كما حدث مع الروائية الألمانية " هيرتا موللر" في كتاب قد قرأته سابقا كان عنوانه " في مديح الأدب " ترجمة " أحمد الويزي " الكتاب صادر عن دار كنعان ، المترجم عرض باللغة العربية خطبة " هيرتا موللر" فهي المرأة الوحيدة والتي لم يدرج اسمها في الكتاب ؛ لأن المترجم أخطأ في كتابة اسمها وكنت سأشير إلى أنه خطأ مطبعي لو أن الناشر نشر صورتها على الغلاف الخلفي للكتاب والذي حوى صور بقية الأدباء في الكتاب نفسه ، غير أن الغلاف الخلفي لم يحوِ صورة  أي امرأة ، بل وضع مع بقية الأدباء صورة الرجل المدعو " هونتر مولر " كما كتب المترجم اسمه على الرغم من أن الخطبة والتي عنوانها " منديل للدمع وآخر للكتابة " هي - بلا شك - للكاتبة الألمانية من أصل روماني " هيرتا موللر " ، فقد اشتهرت بخطبتها هذه أثناء نيلها لجائزة نوبل حين سارعت نشرها كثير من الصحف والمجلات وقتئذ ، ليجد القارئ نفسه أمام خطأ كبير ولا يغتفر في حق أدب وفكر وصراع امرأة كــ" هيرتا موللر " ، وربما إذا كان هذا القارئ فضولي ولديه شك مثلي لاستعان بـــ" جوجل " وتأكد مما توصلت إليه ، هذا الخطأ الذي لا يتحمله المترجم وحده بل الناشر أيضا ..!
أخطاء الترجمة لا تنته ، وحين عرضت هذا الأمر لفتح باب النقاش في الفيس بوك ، بعثت لي صديقة مترجمة وهي كاتبة سورية " بثينة الإبراهيم " مقالة سابقة بـــعنوان رئيسي " أنا التي وجدتها " مع عنوان فرعي " عن سقطات الترجمة العربية " وعرضت في مقالتها المميزة بعض الأمثلة عن تلك السقطات التي وصفتها باللغم : " أحد هذه الألغام التي واجهتها شخصياً كانت في مجموعة قصصية لماركيز، بعنوان «ليلة الكروان وقصص أخرى»، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة/ سلسلة آفاق عالمية عام 2008. اختار المترجم (شوقي فهيم) ترجمة المقليات الفرنسية لـ «French fries»، بينما من المعروف - بالرجوع إلى أي قاموس مدرسي بسيط أو قاموس جيب - أنها تعني البطاطا المقلية! " وأود هنا أن أشير بأنني من الذين شعروا بخيبات أمل مريرة كلما اشتريت كتابا مترجما عن سلسلة آفاق ، وقد عبرت أكثر من صديقة قارئة عن خيبتها في الأمر نفسه ، مما دعانا إلى عرض مسألة ترجماتها الركيكة في تويتر وخروجنا باتفاق جمعي على قطع صلتنا في المرات القادمة عن ترجمات آفاق ..!
وتشير الكاتبة " بثينة الإبراهيم " في مقالتها المهمة عن لغم آخر " في لغم أو مطب آخر - سمها ما شئت - أجد كتاباً بعنوان (حواس مرهفة)، وهو مجموعة قصصية مترجمة لعدد من الكتّاب، قامت بترجمتها هالة صلاح الدين، وصدرت عن دار البوتقة للنشر والتوزيع عام 2010. وأول ما يقابلني في هذا الكتاب صدمة من النوع الثقيل! تبدأ المجموعة بقصة لكاتب وصحفي كيني، اسمه بارسيليلو كانتاي، عنوانها باللغة الإنجليزية «You wreck her»، لكن المترجمة تنقلها إلى العربية بعنوان «واكتواها»! وتبرر ذلك بقولها: «عنوان النص (واكتواها) هو النطق المشوه لكلمة (وجدتها)! إنه بديل أشبه بالمعجزة للعنوان الأصلي، وهو نطق خاطئ لكلمة «Eureka»، وقد كان من اليسير أن أستعين بكلمة وجدتها كعنوان للنص لولا إيحاءات فرضتها علي كلمة «wreck»، وتعني يدمر أو يحطم، وقد ألفيت أن الفعل اكتوى قد يسهم - ولو بقدر ضئيل - في تصدير مثل هذا الإيحاء!».
في ظل سقطات الترجمات العربية لا يمكن أن ننكر وجود جهات تعنى بمشروع الترجمة بجهد حقيقي وعلى رأسها مشروع كلمة للترجمة التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث وهو مشروع يستحق الاحتفاء على الترجمات وطبعات كتبها الراقية والتي تحترم القارئ وفكره ، وترجمات الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تحرص على ترجمة كتب حائزة على " سلسلة جوائز " عالمية لإثراء المكتبة العربية .. ولا يمكن أن ننكر فضل المترجمين من العرب العظماء حقا ، أولئك الذين كان لهم السبق في نقل لغات العالم الآخر إلى كل قراء العرب على رأس القائمة " سامي الدروبي " ، " صالح علماني " ، " ماري طوق " ، " سعيد بنكراد " ، " بسام حجار " و" " أسامة منزلجي " الذي قام بترجمة معظم أعمال الكاتب الشهير والمثير للجدل " هنري ميللر " وغيرهم أولئك الذين يعلمون بصمت دقيق وجهد كبير .. أما على الصعيد الفردي فهناك جهود شبابية مكثفة تقوم من ذات نفسها لدعم الترجمة ، ولعل من أهم الأسماء الشبابية البارزة في الأعوام الأخيرة المترجم الشاب الشاعر السعودي " محمد الضبع " صاحب مدونة " معطف على سرير العالم " الذي وكما كتب عن نفسه في مدونته بأنه " يترجم كل أسبوع للحفاظ على لياقة الحياة " وها هي جهود تلك المدونة تقدم للقارئ العربي كتابين مترجمين صادرين حديثا بعنوانين مشوقين " اخرج مع فتاة تحب الكتابة " و " قصائد آخر ليلة على كوكب الأرض"  ..
 ومشروع آخر خلاق وهو مشروع تكوين للترجمة تمثل واجهته الروائية الكويتية " بثينة العيسى " ، وهو مشروع ثقافي يضم ثلة من المترجمين الشباب غايتهم نقل حوارات وآراء الكتاب العالميين عن الكتابة وشؤونها وهو مشروع رائد ترجم عشرات المقالات عن نصائح وتقنيات الكتابة من مصادر مختلفة ولأشهر الكتاب العالميين مثل : جورج أورويل ، إيزابيل الليندي ، راي برادبيري ، أناييس نن وغيرهم توّج بإخراج كتاب جديد تم عنونته بـــ" لماذا نكتب " ..
الترجمة فعل حضاري ومسؤولية عظيمة وأمانة حقيقية ، ويجب على المترجم السيء أن يدرك ذلك جيدا ولا يستهين بعقل القارئ في زمن القارئ ، والأجدى أن يبحث له عن وظيفة أخرى أو حيلة أخرى ليستغبي العالم من حوله بعيدا عن تلويث الثقافة بترجمات محبطة للغاية لكل قارئ فضولي ونهم ..
حين عرض الكاتب " حليم بركات " شخصية الروائي " جبرا إبراهيم جبرا " في كتابه " غربة الكاتب العربي " كتب في إحدى السطور قائلا : " حرصت جاهدا على أن اقرأ مختلف كتابات جبرا الروائية والنقدية حتى الشعرية منها ، مستثنيا الترجمات التي أفضل دائما أن أقرأها بلغتها الأصلية مهما كانت براعة المترجم ( وإن كنت قرأت ترجمته لرواية وليم فوكنر الصخب والعنف ، هذه الرواية التي يكاد يكون من المستحيل ترجمتها لما للغة من أهمية في بنائها الفني ) " ..
من هنا كقراء ندرك تماما صعوبة عملية الترجمة ونقل لغة وفكر الآخر إلى لغة مختلفة ، ولكن أيضا ربما كقراء نكون داعمين لعملية الترجمات السيئة حين نكتفي برمي الكتاب الذي يكون ركيك الترجمة على رف الغبار والاهمال دون أن نشير ولو في تغريدة من 140 حرفا بأنه كتاب ترجمته ركيكة ولا يستحق القراءة ..!
لذا اتخذت قراري خلال العام الجديد 2015م بأنني سأقوم عرض غلاف كل كتاب ترجمته سيئة ؛ كي نجنب غيرنا شراءه ، وليكن بابا لنقد الترجمات السيئة التي تفشت في الأعوام الأخيرة ؛ لنحارب كقراء واعيين الترجمات المحبطة و الركيكة .. ولأهمية الترجمة كمشروع فكري وثقافي سيثري أجيالا من القراء لنقل ثقافات العالم الآخر وكما قال " ساراماغو " : " إن أدب كل أمة يصنعه كتابها بلغاتهم أما أدب العالم فيصنعه المترجمون " ..

ليلى البلوشي

الاثنين، 26 يناير 2015

وهم الخلود ..!

وهم الخلود ..!

جريدة الرؤية

ثمة أسطورة يونانية عتيقة تدور حول قديسة المعبد التي منحتها الآلهة ما تتمناه ، فكانت أن تمنت الخلود ، فمنحت الخلود لتكتشف أنها نسيت أن تطلب الشباب الدائم ، فكانت النتيجة هي هرم متواصل بلغ بها حد أن أصبحت من الصغر أن أمكن وضعها في زجاجة ، فبدأت تتضرع إلى الآلهة أن تسمح لها بالموت ، ولعل هذه الأسطورة هي التي كانت في ذهن الكاتب البرتغالي " ساراماغو " الذي كتب رواية " موت مع أوقات مستقطعة " المترجمة للإنجليزية 2008م ، وكتب عنها د. سعد البازعي حيث قال : " حلم البشرية الدائم هو الخلود، ورعبها الدائم هو كل ما يهدد باختصار ذلك الحلم وإنهائه، أي مجيء الموت. ذلك ما يلعب عليه الروائي البرتغالي ساراماغو في روايته" موت غير متواصل "أو "موت مع أوقات مستقطعة "، التي نشرت بالبرتغالية عام 2005 الترجمة الإنكليزية 2008، أي بعد حصول الكاتب على جائزة نوبل 1998 بسبعة أعوام وقبل وفاته بعامين 2010. ومع أن من الطبيعي أن يكون الموت هاجساً ملحاً في ذهن رجل تجاوز الثمانين ، فإن الرواية ليست مجرد هواجس إنسان بلغ من العمر أرذله ، وإنما هي تأملات مبدع في الأبعاد المختلفة ، السياسي منها والاجتماعي والفلسفي والروحي ، لما ينتظر البشر أياً كانت أعمارهم " ..
أما عن أجواء الرواية المثيرة فكتب واصفا أحداثها : " تقدم الرواية وضعاً غرائبياً لبلاد لم يحدد مكانها حين استيقظ الناس فيها بداية أحد الأعوام على ظاهرة شديدة الغرابة : لم يمت أحد. والدة رئيس الجمهورية التي بلغ بها الكبر والمرض حد النهاية كانت أبرز المتخلفين عن الرحيل ، الأمر الذي حير الأطباء والناس المحيطين بها ووضع أحداث الرواية في معمعة السياسة ، لكن ما إن يتضح أن الوضع عام في المستشفيات وفي الشوارع والمنازل فإن الأمر يتحول إلى ظاهرة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ البشر. تلك الظاهرة مقتصرة على البلاد التي تصورها الرواية ، إذ إن الموت يواصل عمله في كل الدول الأخرى ومنها المحيطة" ..

الخلود في الحياة ، عادة يطمع إليه أصحاب السلطات والثروات في الدنيا ، أولئك الذين لديهم كل شيء وينبذون فكرة مغادرة الحياة وترك جل ما جمعوه من أموال طائلة ليتمتع بها غيرهم حين يغادرون ولذا يغلب عليهم حب التملك لدرجة الرغبة الشديدة في الخلود ، الرغبة القوية في عدم الموت وفي الحياة الدائمة .. التاريخ زاخر بأمثلة من أصحاب السلاطين أولئك الذين رغبوا في وصفة الخلود ، ومن هؤلاء حكاية عن الجنرال " فرانكو " الذي حكم إسبانيا بالقمع والإرهاب من عام 1939م إلى عام 1975م ، وكانت تسيطر على هذا الملك فكرة البقاء في السلطة على قيد الحياة وإلى الأبد ، أصيب بأمراض متنوعة آخر خمسة عشرة عاما من حياته لكنه أبقى حالته الصحية طي الكتمان ، وقبل وفاته بأيام أصيب بتدهور في مركز المخ وشبكة من الالتهابات وتعطيل الوظائف ، وكانت مدريد يومها تشتعل بالمظاهرات المناهضة لحكمه ، وكان في اللحظات القليلة التي كان يستعيد فيها وعيه يسمع هدير المتظاهرين تحت شباك المستشفى حين كان طريح الفراش ، مما جعله يسأل من كان حوله من : " هل جاء الناس لكي يطمئنوا عليّ ..؟ " ..!
وهناك رواية أخرى عنه حيكت عنه كنكتة وهو على فراش الموت ، إذ سمع جلبة فسأل : " ما الأمر ..؟ " فقيل له : إن الشعب الإسباني يودعك ، فقال : " وإلى أين ينوي الشعب الإسباني أن يذهب ..؟ " ولكنه حين يعرف أن هذا الخلود مستحيل ؛ حينئذ يخطر بباله فكرة أن يشيع عن نفسه أنه مريض بالإيدز لكي يضمن أن لا يتزوج أحد من امرأته من بعد موته ولو كان يستطيع لفكر في قتل الشعب ؛ لكي لا يتركها لأحد ..!

ليلى البلوشي