الجمعة، 27 فبراير 2015

قناع الموت الأحمر

قناع الموت الأحمر

 " إدغار آلان بو " الكاتب الشهير في حبك قصص الجرائم والرعب يقدم في كتابه المعنون بــــ " قناع الموت الأحمر " الذي يحوي في طياته قصصا متنوعة من أروع ما قدمه في عالم الفن القصصي الغرائبي ، والمجموعة ثمة قصة رشحها " آلان بو " كي تمثل المجموعة الكاملة فتحمل عنوانها وهي " قناع الموت الأحمر " وتتماهى الرمزية الهائلة في هذه القصة التي يحكي فيها " آلان بو " عن وباء عمّ البلاد بأسرها ، كان مروعا لا مثيل له في التاريخ بأسره ، وكان يُعرف أيضا باسم " الطاعون " كما وصفها بهول في عبارة : " فالدم القاني لحمته والاحمرار المخوف سداه " ومن مظاهر هذا الوباء الآلام المبرحة ، والدوار الفجائي ، وتدفق الدم على الجلد ، مع انحطاط مستمر إلى درجة الانهيار ، ولا يتطلب للقضاء على المرء أكثر من نصف ساعة فقط ..!
وكان للبلاد أمير يدعى " بروسبرو " كان سعيدا وثريا ، فحين رأى أن نصف سكان إمارته قد أصبحوا في عالم الفناء ، استدعى ألفا من أصدقائه المعافين والخالين من الهموم وكلهم من فرسان البلاط وسيداته ، ولجأ معهم إلى دير شبيه بالحصن ، ضاربا عليه وعليهم حصارا منيعا ، وكان هذا الدير عظيما في تخطيطاته ومتينا في بنيانه ؛ لأنه من تصميم الأمير الشاذ ومن ابتكار مخيلته ، فقد كانت جدرانه عالية وسميكة ، ولهذه الجدران أبواب حديدية منيعة ، فلما دخلت الحاشية الدير المنيع حملت معها الأفران لصهر الحديد والمطارق الضخمة وصنعت المتاريس القوية وأقامتها خلف الأبواب والنوافذ لتحول دون الخروج من الدير في حالات اليأس أو الجنون العارض ، ولتكون حاجزا في وجه من تسول له نفسه اللجوء إليه ، وقد زود الدير بالمؤونة الوفيرة واتخذ من التدابير ما يجعل الحاشية تستخف بالمصابين وتسخر منهم فهم كانوا بأمان تام في الدير المنيع ، أما العالم الخارجي الذي كان تحت وطأة الطاعون فعليه أن يتدبر أموره بنفسه ..!
وقد عمد الأمير كي يبدد الهموم عن نفوس حاشيته ، ويجلب لهم المتعة ، إلى تزويد الدير بجميع وسائل الترفيه ، فحشد المهرجين ، المغنين ، الراقصين ، الموسيقيين ، ربات الحسن والجمال ، وبراميل الخمر المعتقة ، وبعد مرور خمسة أشهر على هذه العزلة المنيعة عزم الأمير على إقامة حفلة مقنعة ، بينما كان الطاعون يفتك بالناس المقيمين خارج الدير فتكا ذريعا ..!
وقد أقيمت الحفلة المقنعة في غرف ملكية السبعة مبنية على طراز غير مستقيم تكشف الواحدة على الأخرى في آن واحد وكان في الدير عطفات حادة الزوايا ، تقوم كل منها على بعد عشرين أو ثلاثين ياردة وكل عطفة تكشف عن منظر جديد ، كما كانت تزينها نوافذ ضيقة للتهوية وكل منها تتلون بلون الغرفة وتبعا لخرفها ، فقد كان الأمير مولعا بالفخامة والتغيير ؛ لذا كانت الغرفة الأولى باللون الأزرق ، والثانية باللون الوردي ، والثالثة باللون الأخضر ، والرابعة باللون البرتقالي ، والخامسة كانت بيضاء ، والسادسة بنفسجية أما السابعة فكانت متشحة بالسواد بستائرها المخملية ، غير أن لون زجاج نوافذها كان باللون الأحمر القاني وكانت هذه الغرفة بظلها الحمراء تشعر من يدخلها بالروع والوحشة ، لذا لم يكن يتجرأ على دخولها إلا بضعة نفر ، وكان في هذه الغرفة السوداء ساعة ضخمة ملبسة بخشب الأبنوس يروح رقاصها و يجيء ثقيلا ومتكاسلا ورتيبا وعاليا حتى أنها كانت توقف الموسيقيين عن العزف وتصيب بالدوار بعض الحاشية ، وعلى الرغم من كل ذلك فقد استمر المرح ومظاهر الاحتفال في الدير المنعزل ، ومن تماهي الأمير مع حفلته جعلته يختار ألبسة وأقنعة حاشيته وكانت تسطع وتبرق وفيها من الألوان والزخارف الكثير ، وكانت الغرف غاصة بالحاشية مع مظاهر الترف والصخب إلى أن أعلنت الساعة بصوتها المهول حلول منتصف الليل فتوقفت حينها الموسيقا عن العزف ، وسكنت حركات الراقصين عن الرقص ، وعمّ مكان سكون عميق ، ولما أتمت الساعة دقاتها تنبه القوم إلى وجود شخص مقنع بينهم ، فاستأسرتهم هيئته ، وراحوا يتهامسون بشأنه ويتمتمون ، ثم صاروا يعربون عن قباحة مظهره حتى غمرهم الهلع والفزع ، فالقناع الذي كان يخبئ وجهه كان يشبه ملامح الموت وثوبه كان ملطخا بالدماء ، سرعان ما صار القوم يلهجون بعبارة : " الموت الأحمر " ..
الموت الأحمر الذي فروا منه جاء كلص إلى حيث هم في عتمة الليل ، هذا الموت الذي فتك أول ما فتك بالأمير " بروسبرو " ، سرعان ما صار يصرع بأفراد الحاشية اللاهية واحدا بعد آخر وتوقفت الساعة الأبنوسية عن الحركة عند مصرع آخر فرد منهم حتى عم ظلام حالك وفناء دائم على الدير وكأنه لم يكن قط ..!
ليلى البلوشي

الخميس، 12 فبراير 2015

الحياة بين ضفتين ..!

الحياة بين ضفتين ..!

جريدة الرؤية ..

قرأت من وقت قريب عن رجل وامرأة ، الرجل هو " براين بورني " البالغ من العمر 70 عاما وهو مليونير بريطاني انفق جميع مدخراته لعلاج زوجته " شيرلي " بعد أن شخصت بمرض سرطان الثدي ، وبعد أن شفيت الزوجة تماما من هذا المرض الخطير قام الزوج من شدة فرحته بإنفاق 16 مليون جنيه استرليني لجمعيات سرطان الثدي لكي لا يعاني أحد مثلما عانت زوجته ، فقامت الزوجة حينها بطلب الطلاق منه في عام 2012م بعد زواج دام 30 عاما ؛ بسبب أن الزوج لم يعد يملك المال الكافي لكي تعيش حياة جيدة هي و أطفالها ، أيضا لأن الزوج أصبح يقضي معظم وقته بالاهتمام بالجمعيات الخيرية ..!
" بورني " زوجة المرأة " براين " المليونير السابق يعيش الآن وحيدا مع نفسه في شقة مستأجرة تقع فوق مؤسسة خيرية ، وفي مقابلة معه عبر فيها بأنه لم يكن يريد أبدا انهاء هذا الزواج ..
لا شك أن هذه القصة الواقعية غريبة ومدهشة في آن ، يجمع فيها تناقضات شتى من تضحية ووفاء ، من نكران المعروف ومن السذاجة أيضا ، لعل حتى مشاعرنا كقراء تتفاوت حين نقرأ هذه الحكاية أو حين تحدث أمامنا ، لكن أنا أكيدة أن معظمنا سيتعاطف مع الزوج مهما بلغت درجة سذاجته في التخلي عن كامل ثروته الضخمة في لحظة فرح كانت استثنائية بالنسبة له وهو موقف ينم في الوقت نفسه عن الحب العميق للمرأة التي تزوجها ، وأتوقع أن معظمنا متفق كم أن الزوجة ناكرة للمعروف تجاه زوج ساندها بقوة وعزم حقيقي ، وقلما نرى ذلك في واقع الحياة من الرجال تحديدا ، ولكن في الوقت نفسه ربما أيضا لا نستطيع أن نلومها ؛ فهي امرأة اعتادت على نمط معين من الحياة ، وهي أم أيضا ترغب بحياة مريحة لأطفالها ، لكن معظمنا سينبذ قرارها بالطلاق من زوج أنفق كامل مدخراته من أجل شفائها ، لذا سنظل مندهشين من قرارها المصيري و ربما البعض منها سيميل إلى احتقارها وهو يتساءل بينه وبين نفسه : كيف يمكنها أن تفعل هذا بإنسان كان معها في أحلك لحظات حياتها ..؟!
وانطلاقا من هذا ذهب تفكيري بعيدا ، وصرت أفكر فيما يقترفه داعش من وحشية في حق كثير من البشر ، هؤلاء هم ثلة من الشباب ومعظمهم من الدول العربية ، ما الذي جعلهم ينظمون لداعش ..؟ ما الذي يشعرون به وهم يقطعون رؤوس أشخاص ويعلقونها على أجسادهم ..؟
نحن كمتفرجين على فعالهم العنيفة نظل نتفرج ونتساءل كيف يمكن أن يرتكبوا هذه الوحشية ضد إنسان اختلف معهم في فكرة أو مذهب أو ديانة ..؟ كيف يمكن أن تكون أيديهم مضرجة بدماء ضحايا أبرياء ثم ينامون ليلهم وكأن شيئا لم يحدث بعد حفلة الدم ..؟ كيف يمكن أن يظل بعضهم تحت رايتهم على الرغم من كل ما شاهدوه من عنف وحشي يمارس أمام أعينهم ..؟ كيف لم يقتنعوا أن ما يفعلونه هو شر وأنه لا يمت صلة بالإسلام الذي يدّعونه ..؟!
نحن نفكر ونتساءل ، هذه هي أسئلتنا ، وهي تنم عن نكران لكل ما نراه ونتفرج عليه ونقرأ عنه ، حمامات من الدم ، ومن سبي النساء وكأننا أمام مشاهد تعود لعصور جاهلية ، تلك العصور التي خلت من الاسلام وسماحته ..!
ولكن يبدو أن هؤلاء الدواعش الذين ننكر بكل ما نملك من طاقة إنسانية وضمير حي فعالهم المقيتة ، لابد وأن لهم وجهات نظرهم ، لهم أسبابهم التي يرون أنها مقنعة ؛ كي يستمروا في الطريق نفسه ، وكافية لهم تماما على ما يبدو ليعتقدوا أن بقية الطرق هي دروب تؤدي إلى جهنم ، وتغذيهم بما يكفي من إيمان ليصلوا إلى مرتبة من الإيقان بأنهم حراس الجنة ؛ و جاؤوا كي ينقذوا البشرية الضالة من ألسنة النار ، وكل ذلك قادهم إلى درجة من الاعتقاد بأن الله عزوجل وضع مفاتيح الجنة في أيدي قادتهم ؛ ليخلصوا العالم من ضلالتها ، لذا وجب عليهم الخنوع والطاعة الأبدية لهم بكل ما تمليه عليهم عبودية الجاهلية الأولى ..؟!
هكذا حين تكون الحياة بين ضفتين ، وكل ضفة تدّعي بأنها درب الخلاص ..!

الاثنين، 2 فبراير 2015

لصوص النوم ..!

لصوص النوم ..!

جريدة الرؤية

  جيء ليلة لملك الفرس " كسرى أنو شروان " بإنسان متشرد فسأله : ماذا تفعل في هذا الليل ..؟ فأجاب : أهيم على وجهي ..! فضحك كسرى وقال : الذي يسير وحيدا في الليل يكون عاشقا أو لصا ، فأيهما أنت ..؟ فأجاب المتشرد : لا هذا ولا ذاك ..!
قال له كسرى : قل عاشقا تنج من العقاب..!
فرد عليه : سمعا وطاعة ، أنا عاشق ..!
فقدم له كسرى مبلغا من المال قائلا له : اذهب إلى عشيقتك ومعك هذا المال ، فإذا لم تكن لك عشيقة اتخذها ، المرء لا يعيش دون عشيقة وإلا صار لصا.. !
في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " ترجمة " علي مصباح " حكاية للفيلسوف " نيتشه " يفصل فيها حديثا عن النوم تحت مسمى " حول منابر الفضيلة " فيقول فيه :
" تجنبوا اللقاء مع الذين ينامون نوما سيئا ويسهرون الليل " ..
أما عن اللصوص الليل فيقول : " يخجل اللص في حضرة النوم ، فيتسلل بطيئا في الليل ، ولكن لا خجل عند حارس الليل ؛ فهو ينفخ بوقه بلا خجل " ..
في شذرات من يوميات " بودلير " يقول عن النوم :  فيما يختص بالنوم ، تلك المغامرة الكئيبة لكل ليلة ، كان يمكن القول إن الناس ينامون يوميا بجرأة غير معقولة ، لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر " ..
وعن "  نوم أبيض " يقول عنه الشاعر " عباس بيضون " :  لا أنام في سرير، لا أذهب إلى فراشي في الساعة نفسها تقريباً كما يفعل الجميع ، لا أذهب إلى فراشي بتاتاً ولا أفكر في أن أذهب ، لعلمي أنني إذا فعلت ذلك لا أنام ، إذا دعوت النوم وتحضرّت لن يحضر ، إذا دخلت تحت اللحاف وسوّيته فوقي ، بعد أن أكون خلعت ثيابي و وضبتها ولبست البيجاما ، إذا وضعت رأسي على الوسادة وأطفأت النور بعد أن أكون تأكدت من إغلاق النوافذ ، لن أنام ، لقد طردت النوم بكل هذه الحركات ، جعلته أبعد فأبعد حركة بعد حركة ، لو فعلت ذلك سيطير النعاس من عينيّ تماماً ، لن يأتي النوم بقدمه إلى هذا الفخ ، هذا الترتيب سيجعله يهرب ، ما أفعله حين أعود في ساعة غير محددة من الليل هو التمدد أمام التلفزيون بثيابي ، وفي الحر بثيابي الداخلية ، التمدد لا يخيف النوم فإن أتمدد غالباً وليس للرقاد وحده ، أضع رأسي على وسادة فوق ذراع الكنبة وأتطلع إلى التلفزيون وانظر في كتاب ، اللمبة مضاءة والبيت مشعشع والتلفزيون والع وأنا فقط أتفرج ، ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً ، بوسعه أن يخرج ويتسلل ، أنا لا انتظره لكني وسط الفيلم أدير رأسي على الوسادة ولا أعرف كيف أكون نمت ، أنا كمن لم ينم ، حتى وأنا غاف لست نائماً حقيقياً ، لا زلت في ثيابي ولست في فراشي ، لا بد أن التعب خطفني ، التعب فقط وإن كان نوماً .. "
والفنان الإسباني العبقري " خوان ميرو " كان يعشق النوم ، لدرجة قبل أن ينام كان يكتب على باب غرفته من الخارج : " الفنان يعمل ، فلا تزعجوه " ..!
بينما الكاتب " آلان لايتمان " في روايته " أحلام آينشتاين له تفسيراته النفسية ذات صلة بالنوم فيقول : "  الضوء يخطط الحياة في هذا العالم ، ولذلك فإن الشخص الذي يولد عند الغروب يمضي النصف الأول من حياته في الليل ، يتعلم مهنا داخلية كالحياكة وصناعة الساعات ، يقرأ كثيرا ، يصبح مفكرا ، يأكل كثيرا ، يخاف من الظلمة الشاملة في الخارج ، يحرث الظلال ... أما الذي يولد عند شروق الشمس يتعلم مهنا خارجية كالزراعة والبناء ، يصبح قوي البنية ، يتجنب الكتب والمشاريع الذهنية ، يكون مشرقا ولا يخش أي شيء " ..
وأنا ولدت في الليل ، في منتصف ليلة شتوية ماطرة رعدية بالتحديد ، لكني لا أجيد الحياكة ولا صناعة الساعات ، وعلى الرغم من لصوص النوم الحائمة من حولي غير أني أجيد النوم بشدة ، كأن بي عضة من " ذبابة تسي تسي ".. !
ولكن لمن يتناول حبوبا منومة من عيار قوي دون أن يغمض له جفن كبطل " ميلان كونديرا " في روايته " كائن لا تحتمل خفته " فما عليه و- على مسؤوليتي- سوى بكتاب " تأملات قبل النوم " لأوشو ، فإنه يبدد ليس فقط لصوص النوم ، بل أيضا لصوص الحسد ، الحقد ، الكذب ، الخيانة ، الخوف ، الجشع والاكتئاب ..
ونوما هنيئا مقدما  ...

ليلى البلوشي

الخميس، 29 يناير 2015

أدب العالم الذي يصنعه المترجمون ..

أدب العالم الذي يصنعه المترجمون

كنت اقرأ كتابا مترجما عنوانه " الكاتب علامة سؤال / رأوا ولم يصمتوا "  للمترجم والروائي " إلياس فركوح " الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون و أزمنة و منشورات الاختلاف .. وحين رأيت اسم الروائية " ألفريدة يلينيك " مكتوب بصيغة الأنثى والصورة التي تعبر عنها هي صورة امرأة سرت بداخلي راحة كبيرة وحقيقية ، فكثير من الكتب المترجمة للأسف وحتى المقالات التي ترجمت عن الروائية النمساوية الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 2004م " ألفريدة يلينيك " كانت تخاطبها بصيغة الذكر ، وكان هذا الأمر يدهشني للغاية وتضع ثقافة المترجم في موضع متشكك عن المضمون الذي قام بنقله إلى العربية سواء على شكل كتاب نقدي عن رواياتها أو قصص عنها أو مقالات أو حتى حوارات ثقافية ؛ فحين يكون المترجم جاهلا وغايته تجارية هذا الأمر يكون واردا باستمرار ، وهذا الجهل نفسه وقع مرارا في كثير من الترجمات العربية لشخصيات نقلت إلى العربية كما حدث مع الروائية الألمانية " هيرتا موللر" في كتاب قد قرأته سابقا كان عنوانه " في مديح الأدب " ترجمة " أحمد الويزي " الكتاب صادر عن دار كنعان ، المترجم عرض باللغة العربية خطبة " هيرتا موللر" فهي المرأة الوحيدة والتي لم يدرج اسمها في الكتاب ؛ لأن المترجم أخطأ في كتابة اسمها وكنت سأشير إلى أنه خطأ مطبعي لو أن الناشر نشر صورتها على الغلاف الخلفي للكتاب والذي حوى صور بقية الأدباء في الكتاب نفسه ، غير أن الغلاف الخلفي لم يحوِ صورة  أي امرأة ، بل وضع مع بقية الأدباء صورة الرجل المدعو " هونتر مولر " كما كتب المترجم اسمه على الرغم من أن الخطبة والتي عنوانها " منديل للدمع وآخر للكتابة " هي - بلا شك - للكاتبة الألمانية من أصل روماني " هيرتا موللر " ، فقد اشتهرت بخطبتها هذه أثناء نيلها لجائزة نوبل حين سارعت نشرها كثير من الصحف والمجلات وقتئذ ، ليجد القارئ نفسه أمام خطأ كبير ولا يغتفر في حق أدب وفكر وصراع امرأة كــ" هيرتا موللر " ، وربما إذا كان هذا القارئ فضولي ولديه شك مثلي لاستعان بـــ" جوجل " وتأكد مما توصلت إليه ، هذا الخطأ الذي لا يتحمله المترجم وحده بل الناشر أيضا ..!
أخطاء الترجمة لا تنته ، وحين عرضت هذا الأمر لفتح باب النقاش في الفيس بوك ، بعثت لي صديقة مترجمة وهي كاتبة سورية " بثينة الإبراهيم " مقالة سابقة بـــعنوان رئيسي " أنا التي وجدتها " مع عنوان فرعي " عن سقطات الترجمة العربية " وعرضت في مقالتها المميزة بعض الأمثلة عن تلك السقطات التي وصفتها باللغم : " أحد هذه الألغام التي واجهتها شخصياً كانت في مجموعة قصصية لماركيز، بعنوان «ليلة الكروان وقصص أخرى»، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة/ سلسلة آفاق عالمية عام 2008. اختار المترجم (شوقي فهيم) ترجمة المقليات الفرنسية لـ «French fries»، بينما من المعروف - بالرجوع إلى أي قاموس مدرسي بسيط أو قاموس جيب - أنها تعني البطاطا المقلية! " وأود هنا أن أشير بأنني من الذين شعروا بخيبات أمل مريرة كلما اشتريت كتابا مترجما عن سلسلة آفاق ، وقد عبرت أكثر من صديقة قارئة عن خيبتها في الأمر نفسه ، مما دعانا إلى عرض مسألة ترجماتها الركيكة في تويتر وخروجنا باتفاق جمعي على قطع صلتنا في المرات القادمة عن ترجمات آفاق ..!
وتشير الكاتبة " بثينة الإبراهيم " في مقالتها المهمة عن لغم آخر " في لغم أو مطب آخر - سمها ما شئت - أجد كتاباً بعنوان (حواس مرهفة)، وهو مجموعة قصصية مترجمة لعدد من الكتّاب، قامت بترجمتها هالة صلاح الدين، وصدرت عن دار البوتقة للنشر والتوزيع عام 2010. وأول ما يقابلني في هذا الكتاب صدمة من النوع الثقيل! تبدأ المجموعة بقصة لكاتب وصحفي كيني، اسمه بارسيليلو كانتاي، عنوانها باللغة الإنجليزية «You wreck her»، لكن المترجمة تنقلها إلى العربية بعنوان «واكتواها»! وتبرر ذلك بقولها: «عنوان النص (واكتواها) هو النطق المشوه لكلمة (وجدتها)! إنه بديل أشبه بالمعجزة للعنوان الأصلي، وهو نطق خاطئ لكلمة «Eureka»، وقد كان من اليسير أن أستعين بكلمة وجدتها كعنوان للنص لولا إيحاءات فرضتها علي كلمة «wreck»، وتعني يدمر أو يحطم، وقد ألفيت أن الفعل اكتوى قد يسهم - ولو بقدر ضئيل - في تصدير مثل هذا الإيحاء!».
في ظل سقطات الترجمات العربية لا يمكن أن ننكر وجود جهات تعنى بمشروع الترجمة بجهد حقيقي وعلى رأسها مشروع كلمة للترجمة التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث وهو مشروع يستحق الاحتفاء على الترجمات وطبعات كتبها الراقية والتي تحترم القارئ وفكره ، وترجمات الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تحرص على ترجمة كتب حائزة على " سلسلة جوائز " عالمية لإثراء المكتبة العربية .. ولا يمكن أن ننكر فضل المترجمين من العرب العظماء حقا ، أولئك الذين كان لهم السبق في نقل لغات العالم الآخر إلى كل قراء العرب على رأس القائمة " سامي الدروبي " ، " صالح علماني " ، " ماري طوق " ، " سعيد بنكراد " ، " بسام حجار " و" " أسامة منزلجي " الذي قام بترجمة معظم أعمال الكاتب الشهير والمثير للجدل " هنري ميللر " وغيرهم أولئك الذين يعلمون بصمت دقيق وجهد كبير .. أما على الصعيد الفردي فهناك جهود شبابية مكثفة تقوم من ذات نفسها لدعم الترجمة ، ولعل من أهم الأسماء الشبابية البارزة في الأعوام الأخيرة المترجم الشاب الشاعر السعودي " محمد الضبع " صاحب مدونة " معطف على سرير العالم " الذي وكما كتب عن نفسه في مدونته بأنه " يترجم كل أسبوع للحفاظ على لياقة الحياة " وها هي جهود تلك المدونة تقدم للقارئ العربي كتابين مترجمين صادرين حديثا بعنوانين مشوقين " اخرج مع فتاة تحب الكتابة " و " قصائد آخر ليلة على كوكب الأرض"  ..
 ومشروع آخر خلاق وهو مشروع تكوين للترجمة تمثل واجهته الروائية الكويتية " بثينة العيسى " ، وهو مشروع ثقافي يضم ثلة من المترجمين الشباب غايتهم نقل حوارات وآراء الكتاب العالميين عن الكتابة وشؤونها وهو مشروع رائد ترجم عشرات المقالات عن نصائح وتقنيات الكتابة من مصادر مختلفة ولأشهر الكتاب العالميين مثل : جورج أورويل ، إيزابيل الليندي ، راي برادبيري ، أناييس نن وغيرهم توّج بإخراج كتاب جديد تم عنونته بـــ" لماذا نكتب " ..
الترجمة فعل حضاري ومسؤولية عظيمة وأمانة حقيقية ، ويجب على المترجم السيء أن يدرك ذلك جيدا ولا يستهين بعقل القارئ في زمن القارئ ، والأجدى أن يبحث له عن وظيفة أخرى أو حيلة أخرى ليستغبي العالم من حوله بعيدا عن تلويث الثقافة بترجمات محبطة للغاية لكل قارئ فضولي ونهم ..
حين عرض الكاتب " حليم بركات " شخصية الروائي " جبرا إبراهيم جبرا " في كتابه " غربة الكاتب العربي " كتب في إحدى السطور قائلا : " حرصت جاهدا على أن اقرأ مختلف كتابات جبرا الروائية والنقدية حتى الشعرية منها ، مستثنيا الترجمات التي أفضل دائما أن أقرأها بلغتها الأصلية مهما كانت براعة المترجم ( وإن كنت قرأت ترجمته لرواية وليم فوكنر الصخب والعنف ، هذه الرواية التي يكاد يكون من المستحيل ترجمتها لما للغة من أهمية في بنائها الفني ) " ..
من هنا كقراء ندرك تماما صعوبة عملية الترجمة ونقل لغة وفكر الآخر إلى لغة مختلفة ، ولكن أيضا ربما كقراء نكون داعمين لعملية الترجمات السيئة حين نكتفي برمي الكتاب الذي يكون ركيك الترجمة على رف الغبار والاهمال دون أن نشير ولو في تغريدة من 140 حرفا بأنه كتاب ترجمته ركيكة ولا يستحق القراءة ..!
لذا اتخذت قراري خلال العام الجديد 2015م بأنني سأقوم عرض غلاف كل كتاب ترجمته سيئة ؛ كي نجنب غيرنا شراءه ، وليكن بابا لنقد الترجمات السيئة التي تفشت في الأعوام الأخيرة ؛ لنحارب كقراء واعيين الترجمات المحبطة و الركيكة .. ولأهمية الترجمة كمشروع فكري وثقافي سيثري أجيالا من القراء لنقل ثقافات العالم الآخر وكما قال " ساراماغو " : " إن أدب كل أمة يصنعه كتابها بلغاتهم أما أدب العالم فيصنعه المترجمون " ..

ليلى البلوشي

الاثنين، 26 يناير 2015

وهم الخلود ..!

وهم الخلود ..!

جريدة الرؤية

ثمة أسطورة يونانية عتيقة تدور حول قديسة المعبد التي منحتها الآلهة ما تتمناه ، فكانت أن تمنت الخلود ، فمنحت الخلود لتكتشف أنها نسيت أن تطلب الشباب الدائم ، فكانت النتيجة هي هرم متواصل بلغ بها حد أن أصبحت من الصغر أن أمكن وضعها في زجاجة ، فبدأت تتضرع إلى الآلهة أن تسمح لها بالموت ، ولعل هذه الأسطورة هي التي كانت في ذهن الكاتب البرتغالي " ساراماغو " الذي كتب رواية " موت مع أوقات مستقطعة " المترجمة للإنجليزية 2008م ، وكتب عنها د. سعد البازعي حيث قال : " حلم البشرية الدائم هو الخلود، ورعبها الدائم هو كل ما يهدد باختصار ذلك الحلم وإنهائه، أي مجيء الموت. ذلك ما يلعب عليه الروائي البرتغالي ساراماغو في روايته" موت غير متواصل "أو "موت مع أوقات مستقطعة "، التي نشرت بالبرتغالية عام 2005 الترجمة الإنكليزية 2008، أي بعد حصول الكاتب على جائزة نوبل 1998 بسبعة أعوام وقبل وفاته بعامين 2010. ومع أن من الطبيعي أن يكون الموت هاجساً ملحاً في ذهن رجل تجاوز الثمانين ، فإن الرواية ليست مجرد هواجس إنسان بلغ من العمر أرذله ، وإنما هي تأملات مبدع في الأبعاد المختلفة ، السياسي منها والاجتماعي والفلسفي والروحي ، لما ينتظر البشر أياً كانت أعمارهم " ..
أما عن أجواء الرواية المثيرة فكتب واصفا أحداثها : " تقدم الرواية وضعاً غرائبياً لبلاد لم يحدد مكانها حين استيقظ الناس فيها بداية أحد الأعوام على ظاهرة شديدة الغرابة : لم يمت أحد. والدة رئيس الجمهورية التي بلغ بها الكبر والمرض حد النهاية كانت أبرز المتخلفين عن الرحيل ، الأمر الذي حير الأطباء والناس المحيطين بها ووضع أحداث الرواية في معمعة السياسة ، لكن ما إن يتضح أن الوضع عام في المستشفيات وفي الشوارع والمنازل فإن الأمر يتحول إلى ظاهرة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ البشر. تلك الظاهرة مقتصرة على البلاد التي تصورها الرواية ، إذ إن الموت يواصل عمله في كل الدول الأخرى ومنها المحيطة" ..

الخلود في الحياة ، عادة يطمع إليه أصحاب السلطات والثروات في الدنيا ، أولئك الذين لديهم كل شيء وينبذون فكرة مغادرة الحياة وترك جل ما جمعوه من أموال طائلة ليتمتع بها غيرهم حين يغادرون ولذا يغلب عليهم حب التملك لدرجة الرغبة الشديدة في الخلود ، الرغبة القوية في عدم الموت وفي الحياة الدائمة .. التاريخ زاخر بأمثلة من أصحاب السلاطين أولئك الذين رغبوا في وصفة الخلود ، ومن هؤلاء حكاية عن الجنرال " فرانكو " الذي حكم إسبانيا بالقمع والإرهاب من عام 1939م إلى عام 1975م ، وكانت تسيطر على هذا الملك فكرة البقاء في السلطة على قيد الحياة وإلى الأبد ، أصيب بأمراض متنوعة آخر خمسة عشرة عاما من حياته لكنه أبقى حالته الصحية طي الكتمان ، وقبل وفاته بأيام أصيب بتدهور في مركز المخ وشبكة من الالتهابات وتعطيل الوظائف ، وكانت مدريد يومها تشتعل بالمظاهرات المناهضة لحكمه ، وكان في اللحظات القليلة التي كان يستعيد فيها وعيه يسمع هدير المتظاهرين تحت شباك المستشفى حين كان طريح الفراش ، مما جعله يسأل من كان حوله من : " هل جاء الناس لكي يطمئنوا عليّ ..؟ " ..!
وهناك رواية أخرى عنه حيكت عنه كنكتة وهو على فراش الموت ، إذ سمع جلبة فسأل : " ما الأمر ..؟ " فقيل له : إن الشعب الإسباني يودعك ، فقال : " وإلى أين ينوي الشعب الإسباني أن يذهب ..؟ " ولكنه حين يعرف أن هذا الخلود مستحيل ؛ حينئذ يخطر بباله فكرة أن يشيع عن نفسه أنه مريض بالإيدز لكي يضمن أن لا يتزوج أحد من امرأته من بعد موته ولو كان يستطيع لفكر في قتل الشعب ؛ لكي لا يتركها لأحد ..!

ليلى البلوشي

الأربعاء، 14 يناير 2015

جارة غادة السمان ..

جارة غادة السمان ..

جريدة الرؤية

قرأت من وقت قريب مقالة للأديبة " غادة السمان " كان عنوانها " يا للهول ! ابنتي ستتزوج مسلما " تتحدث الكاتبة السمان عن جارة لها منذ أعوام كانت قد اعتادت أن تتسكع معها على ضفاف نهر السين مقابل البيت ولكن حين جاءتها آخر مرة كان وجهها يمطر حزنا ، سرعان ما صرحت بسبب تعاستها حين قالت : " تخيلي الكارثة التي ستحل بي .. ابنتي تريد الزواج من مسلم " ..!
لم تكتف بهذا بل طفقت تتخيل حياة ابنتها التي عزمت الزواج من رجل مسلم ؛ بأن هذا الرجل المسلم سوف يخرج ابنتها من جامعة السوربون الباريسية الراقية كي يجرها إلى عالمه الإرهابي ، ستقف إلى جانبه حين يشهر سيفه ليذبح رهينة غربية ويقوم بتعذيب صحافي ذهب بحثا عن الحقيقية بل لن يتوانى عن قتل طبيب مسكين كان يسعف جرحى ضحايا العنف ، بعد إفاضتها في كليشيهات الإرهاب ، فإن الجارة الباريسية ترى أن الرجل المسلم مما شك سيتزوج على ابنتها زوجة ثانية وثالثة ورابعة وستكتفي ابنتها في النهاية بتنظيف غرف ليلة الدخلة وتبديل ملاءات السرير لزوجات زوجها ..!
في ظل حمية خيالاتها سألتها الكاتبة " غادة السمان " : وأنت ، هل ترضين بزواج ابنتك من ابني إذا فرضنا جدالا إنهما يريدان ذلك ..؟
قالت الجارة حينها مبتهجة : أتمنى ذلك حقا .. بل أفاضت في امتداحه .. فردت عليها الكاتبة ببساطة : ولكن ابني مسلم وأنا مسلمة ..
حينها صعقت الجارة من الصدمة ونظرت بذهول مشوب بالخوف إلى " السمان " وكأنها تراها للمرة الأولى ، ثم ترنحت وجلست على أقرب مقعد وسألتها بلهجة تسيل دهشة : أنت مسلمة ؟ ابنك مسلم ؟ هذا لا يصدق ..! فوضحت لها " السمان " قائلها : وثمة مليارات المسلمين مثلنا .. وتحيتنا : السلام عليكم لا القتل لكم ..
ويبدو واضحا من مقالة الكاتبة " غادة السمان " أن جارتها التي كانت تعرفها منذ أعوام لم يكن لديها سوى التصور التقليدي عن المسلمين وعن العرب عموما ، وكان تصورها الوحيد عنهم بأنهم أشخاص متوحشون ، التصور العنيف الذي بث سمومها اللوبي الصهيوني حين أظهر المسلمين عبر وسائلها الضخمة على هيئة واحدة ، أظهرهم كإرهابيين ، وأن لا غاية لهم في هذا العالم سوى اشهار سيوفهم لذبح كل انسان غربي وغير مسلم وغير عربي ، لا شك لا أحد ينكر أن ثمة ثلة من الإرهابيين المسلمين أولئك الذين أسقطوا الإنسانية من حساباتهم ، وأولئك الذين اتخذوا الدين مطية ، ليصلوا بها إلى غاياتهم التي لا صلة للدين بها مطلقا ، ولكن حين يسقط أولئك الغرب بقية المسلمين الأشراف الذين يعيشون بسلام ، والذين هم أنفسهم ضحايا الإرهاب ففي هذا ظلم كبير ..!
الصورة الاعتيادية التي حفرها الإعلام الغربي في عقول شعوبها واضحة ، ولكن في زمن الصورة ، ومواقع التواصل الاجتماعية وغيرها ، كان أجدى على تلك الشعوب الغربية في زمن ممكن أن يصل فيه المرء إلى جزء من الحقيقة من خلال كبسة زر ، كان عليهم أن يدركوا الفارق ما بين مسلم وعربي متزن ومسالم ، وما بين مسلم وعربي إرهابي ، الإرهاب نفسه كان صنيعة قاداتهم الغربية ، فيكفي أن نقرأ تاريخ أمريكا لنعرف أنها نهضت على أنقاض هنود أبرياء كانت الأرض أرضهم ، وأنها لم تكتف بسلب أرضهم بل شردت الآلاف منهم وطاردتهم كما لو أنهم جرذان يجب سحقهم نهائيا عن وجه الأرض ومن نجا منهم من القتل الوحشي عملت على تدجينهم ليناسبوا طبيعة الغاصب المتوحش الذي سرق كل ما لديهم والذي أحرق تاريخهم العريق في لحظة عنف غدت كوشمة عار على جباههم ، العار نفسه يتجسد بقوة في الحاضر الأمريكي الزاخر بأمثلة عن الوحشية التي اقترفها بحجة القضاء على الإرهاب في العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول ، و التاريخ نفسه يدرك مدى بشاعة الإنجليز لا سيما أولئك البحارة الذين كانوا يلتهمون اللحم البشري على متن سفنهم في وسط البحر ، وكان يعدون أصغرهم سنا وأقلهم شأنا لهذه الوليمة ، طبيعتهم الوحشية هي وحدها جعلتهم يحملون معهم تلك الكتل البشرية لالتهامها وحين تعرضوا لمساءلات قانونية عن اختفاء أشخاص كانوا معهم ضمن تجوالهم البحري كانت حجتهم هو اخراس الجوع ، وحين سألهم القاضي لماذا لم تأكلوا الأسماك التي تحيط بكم من كل جانب ؟ كان ردهم بأنها لا تسد رمق جوعهم الشرهّ ..!
والتاريخ نفسه سجل في ذاكرته أفعال الفرنسيين في زمن الغزاة ، لكن هناك من يسعى إلى طمس كل الحقائق المتعلقة بالطوائف والديانات والأعراق الأخرى ولا تسعى سوى لتشويه صورة واحدة وضعتها في واجهة قنواتها وصحفها ومواقعها وهي صورة الإنسان المسلم فلا تظهره سوى كمسخ ..!
بل من يمكن أن ينسى " أندرس بريفيك " الذي عّد نفسه قائدا معاصرا لـ " فرسان الهيكل " ..؟ أصولي مسيحي ، حصر أعداء أوروبا حسبما رأيه في ثلاثة : الماركسية والإسلام والتعددية الثقافية ..! ونتيجة لتعصبه وعنصريته قتل 77 شخصا وأصاب المئات منهم معظهم من الأطفال عام 2011م ، وغرض التفجيرات التي قام بها الرجل جاءت كفعل اعتراض على الهجرات المتدفقة من قبل المسلمين لدول أوروبا ، ويبدو أن بعد قيام هذه العملية اعترف " بريفيك " في حوار أجراه كسؤال وجواب مع نفسه ، وكان من ضمن ما قاله : " إذا توقف تدفق المهاجرين المسلمين إلى أوروبا أو إذا ما اعتنقوا المسيحية فإني سأسامحهم على جرائمهم الماضية ، وإذا رفضوا القيام بذلك طواعية حتى عام 2020م ؛ فإنها ستكون نقطة اللاعودة ؛ فإننا سنمسحهم جميعا ولا نبقي منهم أحدا .." إذا أردنا أن نعلن الحقيقة الكاملة فيجب أن يؤكدوا ويعلنوا بأن الإرهاب لا دين له ..!
ذلك هو انطباع الحضارة الغربية عنا ولكن ماذا عن انطباع الحضارة الشرقية ..؟ ماذا عن انطباعنا نحن المسلمين والعرب عن بعضنا البعض كمسلمين في قارة واحدة ، في وطن واحد ، في حارة واحدة ، في شارع واحد ..؟!
سنجد أن المسلمين هم مبعث تلك الصورة المشوهة عنهم ومنشئها ، فنحن نعيش في دول عربية وخليجية بات الجميع يفرض حدوده في علاقاته على الآخر ، صارت العلاقات الاجتماعية تخضع لأهواء المذهبية والقبلية و التوجهات السياسية أيضا ، ونجم عن ذلك بفرض حدود حمراء على كل ما هو مختلف عنا مذهبا ، قبيلة ، عرقا ، فكرا ، لغة ... ماذا ستقول جارة " غادة السمان " لو أنها عرفت أن المسلمين ، وأن العرب أنفسهم في وقتنا الحاضر يشعرون بالتعاسة نفسها التي شعرت بها حين أحبت ابنتها مسلما عربيا وقررت أن تتزوجه ..؟ نعم ، التعاسة والمصيبة نفسها ، حين تعترف الفتاة المسلمة العربية لأمها أو لأسرتها بأن ثمة مسلم " سني " يريد أن يتزوجها وهي " شيعية " ..؟ أو ثمة رجل " شيعي " يرغب في الزواج منها وهي " سنية " .. طرح هذه الفكرة لوحدها هي قنبلة موقوتة ..؟!
 وهذا يشمل أيضا المذاهب الأخرى ، وقد قرأت في الوقت الذي فاجأت فيه المحامية اللبنانية " أمل علم الدين " العالم العربي والغربي بخطبتها من النجم العالمي الشهير " جورج كلوني " والتي أصبحت زوجته اليوم ، هذا النبأ الصاعق الذي أربك العالم في وقت اعلانه ، العرب منهم والغرب ، المسلمين منهم والمسيحيين أيضا ، لذا طرحت كثير من المقالات الجدلية عنهما ، ومن ضمنها مقالة صرحت بأن " أمل علم الدين " من الطائفية الدرزية وأن هذه أصحاب هذه الطائفة ينبذون فكرة زواج أحد من طائفتها بشخص من مذهب مختلف ؛ لأنهم أقلية مهددة بالتفكك ، وأنه لو وقع أمر كهذا ، فإن الزيجة ستنتهي بمأساة حقيقية خاصة من المشددين منهم ، ولم تكتف بذكر هذا التقرير بل فجرت فاجعة عن إحدى الأسر من الطائفة نفسها أعدمت الرجل الذي تزوجته ابنتهم حين هربت معه لأنه كان سنيا ..!
هذا عن اختلاف المذاهب بين المسلمين ، لكن حين تتزعم القبلية الجاهلية الأولى ، فيرفض الأب زواج ابنته السنية المسلمة من رجل سني ومسلم ؛ لأنه من قبيلة لا تناسب أصول وأعراق قبيلته ..؟! هذه الوجاهات الاجتماعية الفارغة التي ما يزال يتشبث بها الساذجون تنم عن تخلف اجتماعي خطير وتنم أيضا أن الدين عند هؤلاء أصحاب الوجاهة القبلية خاضع لأهوائهم  ..!
المجتمعات العربية المسلمة لم تفلح في سنواتها الأخيرة سوى في توسيع هوة الاختلافات فيما بينها ، لم تفلح سوى في تعميق الكراهية في القلوب دون أن يدركوا أن خطاب الكراهية هذا الذي تبنته معظم الطوائف لن تخلف سوى مزيد من العنف ومزيد من الحروب الأهلية ومزيد من الدمار ، للأسف غدونا شعوبا لا تسودها سوى القبلية والمذهبية ، فكيف يمكن أن نلوم غيرنا ، كيف يمكن أن نلوم جارة الكاتبة " غادة السمان " وهي غربية ومسيحية وفرنسية ومن بيئة لا تشبه بيئة المسلمين ولا أفكارهم ، كيف يمكن ألا نفهم مخاوفها حين تقرر ابنتها الزواج من رجل عربي ومسلم ، في وقت صارت فيه الأسر العربية والمسلمة ترعبها فكرة أن تتزوج ابنتهم من رجل غير مذهبها أو خارج قبيلتها ..؟!

ليلى البلوشي

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

هروب إلى الموت ..!

هروب إلى الموت ..!

يقول الروائي السوداني " حمور زيادة " في إحدى فصول روايته " شوق الدرويش " : " لا أفهم من يخافون الموت .. هل يكره الإنسان الخلاص ؟ " ..
هذه العبارة أنعشت ذاكرتي الممتلئة تقريبا بالقصص عن حكاية عتيقة من مدينة الحكايات والأساطير بغداد ، قصة عنوانها كما قرأتها في مكان ما في إحدى الكتب " الخادم والتاجر الثري " والقصة تقول : كان يا مكان في مدينة بغداد ، خادم يعمل في خدمة تاجر غني ، وفي أحد الأيام توجه الخادم منذ الصباح الباكر إلى السوق لشراء لوازم البيت ، ولكن ذلك الصباح أومأ إليه شيء وحينها رجع الخادم مذعورا إلى بيت التاجر وقال له : سيدي ، أعطني حصانا في البيت ، أريد أن أبتعد عن بغداد هذه الليلة ، أريد الذهاب إلى مدينة أصفهان البعيدة .. فسأله سيده متعجبا من حاله : ولماذا تريد الهرب ..؟
فكان جواب الخادم أكثر عجبا حين قال : لأني رأيت الموت في السوق وأومأ لي متوعدا ..!
أشفق التاجر عليه وأعطاه الحصان ، فانطلق الخادم آملا في الوصول إلى أصفهان في الليل ، وفي المساء خرج التاجر نفسه إلى السوق ، ورأى الموت هو أيضا ، فقال له وهو يدنو منه : أيها الموت .. لماذا أومأت إلى خادمي متوعدا ..؟
فرد عليه الموت : أتقول إني أومأت له متوعدا ..؟ لا ، لم تكن إيماءة توّعد ، وإنما إيماءة استغراب ودهشة ، فقد فوجئت برؤيته هنا ، بعيدا عن أصفهان ؛ لأنه يتوجب علي قبض روح خادمك هذه الليلة في أصفهان ..!
لعلنا في زمن صار فيه الهروب من الموت لا مبرر له ، صار فيه الموت خلاصا أبديا من رحلة عذاب مكثفة تبدأ برصاصة ولكنها لا تنتهي بالموت لتحقق لحظة الخلاص الأبدية بل يترقب هاربها تشرد لا نهاية له ، يكفي أن نسأل طفلا فلسطينيا بينما الصواريخ الإسرائيلية تدك أرضه ووطنه وأهله عن الموت .. يكفي أن نحدق في وجه طفل سوري وهو متشرد في مخيمات الصقيع والغربة والجوع عن معنى الموت .. يكفي أن نقرأ عن أوضاع طفل باكستاني أو صومالي أو يمني أو عراقي أو أفغاني كي نعرف ما هو الموت ..؟
ما هو الموت حين تكون حيا بكامل احساساتك البشرية التي وهبها الله تعالى لك في وسط حرب مدمرة بينما الرصاصات والقنابل والصواريخ والرشاشات والدبابات العالم كلها و جلها متحالفة لتسحق وجودك عن وجه الكرة الأرضية ..؟
ويكفي أن نلتقي بكائن حي يترقب موته فهو قادم لا محالة ، قادم صوبه بشروره ليمسح وجوده الإنساني ولا فرار له فهو في لحظة إدراك كافية ليدرك موته الحتمي ، ليدرك بأنه ميت سلفا بالنفي والهجران والتشرد واللامبالاة والجوع ومفارقة الأهل والأحباب بينما أرضه تحترق أمام عينه دون أن يستطيع أن يفعل شيئا أو أن ينتشلها من خرابها ، فقدره كقدر أرضه ضائع ومنفي ، وحده يعلم بأن موته خلاص .. خلاص كلي ومريح وآمن عن حياة ما عاد له مكان في صفقتها ، فلحظة الموت هي لحظة الحقيقة وفي الوقت نفسه لحظة خذلان مريرة لا مفر منها ، هؤلاء لا يهربون من الموت بل يهربون إلى الموت للحظة خلاص ..!
في نهاية رواية " شوق الدرويش " يدرك بطل الرواية الكاتب " حمور زيادة " بأن لحظة موته قد أزفت حينما يذهب بعيدا بتفسيره عن نفسه وعن العالم والآخرين ويعلم أنه الخلاص : " في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان كل شيء يعلم إنها لحظة الموت .. كتلك الرؤى الغيبية التي تجتاح الغريق وهو يلفظ مع النهر أنفاسه .. في لحظة الموت ، الحقيقة ، لا تعود هناك أي أوهام ، ولا تشوش عليك الأمنيات ، إنك ترى كل شيء كما هو .. لا كما تتمناه " ..