الثلاثاء، 24 يونيو 2014

كم هو تعيس هذا الفلسطيني .. كم هو سعيد ..!

كم هو تعيس هذا فلسطيني .. كم هو سعيد ..!

جريدة الرؤية العمانية

في وقت استقر فيه كل من " حنّه " و" ميخائيل " في بيتهم المسلوب من الفلسطينيين في القدس وأصبحوا فيه مواطنين وملاك أرض بين ليلة وضحاها وجد كل من " حسن " و" داليا " وغيرهم من الغلابة أنفسهم مطرودين خارج أرضهم ، وبيوتهم ، وأشجار الزيتون التي غرسوها بدماء قلوبهم محبة وارتواء ليغادروها ، ليرحلوا مجبورين ، مطرودين كل ما يمت واقعهم بصله وتاريخهم إلى واقع أليم غدوا فيه مهاجرين ، منفيين ، لاجئين ..!
في وقت خسرت فيه عائلة " حسن " و" داليا " ابنهما الرضيع " اسماعيل " حين قام بخطفه الإسرائيلي المدعو " موشي " ليقدمه بضمير ميت إلى زوجته " يولانتا " التي حرمت من نعمة الأمومة ، ليبدد هذا الطفل الرضيع المخطوف من عائلة فلسطينية الرتابة عن حياتهم البليدة وليحل الدمار في قلب أم " اسماعيل " والدة الطفل المخطوف ..!
في وقت عاش فيه والد " ميخائيل " اليهودي بشيخوخة كريمة في ديار سلبها أجداده من مواطنين أصليين في الوقت نفسه يقضي والد " حسن " نحبه برصاصة إسرائيلية ؛ لأنه تسلل متخفيا إلى بيته ، وتحت شجرة الزيتون التي غرسها في شبابه نام نومته الأخيرة مقتولا .. شهيدا ..!
كل ما سبق هي شخصيات روائية ، كل ما سبق هي شخصيات من روايتين مختلفتين ، فــ" حنّه " و" ميخائيل " ووالدهم من رواية " حنا وميخائيل " للروائي اليهودي " عاموس عوز " و" موشي " و" يولانتا " وكل " من " حسن " و " داليا " و" اسماعيل " باسمه الفلسطيني أو " دافيد  " حين خطفته العائلة اليهودية من رواية " بينما ينام العالم " للروائية الفلسطينية " " سوزان أبو الهوى " ..
كم من تنازلات قدمها هذا الفلسطيني ..؟ كم من أحلام خسرها .. ؟ كم من نكبة مرت عليه ..؟ نكبة الأرض والوطن والأبناء ، نكبة الروح والتشرد والجوع والأسر وخراب الديار ، هذا الفلسطيني الذي أصبحت أشياء بسيطة تسعد قلبه المثقل بركام الأوجاع هو نفسه الذي حين يجتاز حاجز يشعر بالسعادة ، وحين يعود التيار الكهربائي يشعر بالسعادة ، وحين يملأ سيارته بالبنزين يشعر بالسعادة ، وحين يشحن هاتفه بالرصيد يشعر بالسعادة وحين ينزل الراتب يشعر بالسعادة إلى لا آخره ـ. هذا الفلسطيني الذي يشعر بالسعادة لأمور هي حق من حقوقه أولا كإنسان وثانيا كمواطن في بلده ، ولكن حين قام الآخرون بسلب وطنه وسط خرس العالم .. هذا الفلسطيني الذي تصالح مع واقعه المر كي يتحمل مرارة كل ما خسره .. لهذا عزم أن يتجاوز خرس العالم بصناعة سعادته ..!
كقارئة حين قرأت الروايتين ، الرواية اليهودية والرواية الفلسطينية شعرت بغصة عميقة في قلبي ، غصة إنسان يرى كم أن هذا العالم غير منصف ، كم أن هذا العالم البشع يلتهم حقوقك بسهولة تامة ، كم أن نكرانك لمغتصبيك هي حرب خاسرة ، هي حرب مكلفة ، هي حرب تخرج منها مقتولا ؛ فهذا العالم الكبير على مصالحه والصغير على مصالحك لن يمد يده لك ، ولن ينصفك ، ولن يأبه بك ، أو بقضيتك ، على الرغم من أنه يتحدث باسمك وباسم أهلك وأرضك وقضيتك أمام الحشد ، الصوت نفسه والنبرة نفسها تتغير بمجرد ما يكون أمامك في العتمة بعيدا عن الحشد والأضواء .. وتلقي بالعروبة التي تغنى بها أجدادك طوال تلك القرون السالفة خلف ظهرك ، فالزمن العقرب علمك معنى أن تكون متوحدا تنافح عن أرضك وعرضك وحدك وبأساليب قد تنبذها ، ولكنها الطريقة الوحيدة نحو الخلاص ، نحو حرية ما ، نحو إنسانية ما ، نحو حياة ما في وسط معترك مظلم كتلك القلوب التي تخلت عنك ..!
كم هو تعيس هذا الفلسطيني .. كم هو سعيد ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 10 يونيو 2014

تلميذتي العراقية ورواية طشاري ..!

تلميذتي العراقية ورواية طشاري ..!

صحيفة التقرير السعودية
كنا في الدقيقة الأخيرة من نهاية الحصة حين دنت مني تلميذتي العراقية في الصف السادس وهي تمد كراس التعبير المنزلي حيث تكتب معظم التلميذات ما يحلو لهن وما يطرأ ببالهن من خواطر ومقالات وقصص قائلة لي بصوت يشوبه الحزن : معلمة ممكن تقوّمين لي ما كتبته ..؟
وضعت الكراس أمامي ورحت أجري خلف سطور كانت تقول : " في سنة 2003م .. كانت في دولة العراق الأمان والحياة السعيدة ، كنا لا نفرق بين الشيعي والسني والمسيحي والكردي والتركماني .. وكنا إخوانا نساعد بعضنا البعض على الحلوة والمرة ونتقاسم الطعام مع بعضنا ولا نفرق بين غني وفقير .. وفي يوم من الأيام وكان يوما مؤلما وحزينا كنا نائمين ودخل العدو الأمريكي إلى العراق برا وجوا وبحرا ونزلت علينا الصواريخ كالمطر وبدأ الصراخ والبكاء وبدأ الدمار لبلدنا الحبيب وبدأ الناس بالهجرة من مكان إلى آخر وكنا نختلف عن تلك العوائل التي تهجرت حيث سكنت مع عائلتي في مدرسة وانضمت إلينا سبع عوائل أخرى وكنا نساند بعضنا البعض ونطمئن على بعضنا البعض وفجأة سمعنا في الأخبار عن عاصمتنا الحبيبة استسلمت واستقر فيها العدو وبدأنا نسمع أخبار القتل والسرقة والتشرد وحال البلد يسوء يوما عن يوم وبدأ العراقيون بالهجرة من بلد إلى آخر ولم يتبدل وضع العراق ونسأل الله عزوجل أن يحمي العراق من كل شر ويحمي كل بلد فيها حروب والحمد لله على كل حال " ..
وأول ما انتهيت من التعبير الذي كتبته تلميذتي العراقية طاشت ذاكرتي إلى الروائية العراقية " إنعام كجه جي " تحديدا إلى روايتها " طشاري " ماذا لو قرأت بطلتها الدكتورة " وردية " ما كتبته تلميذة في الحادية عشرة من عمرها والتي اختصرت في بضع سطور حال العراقي مذ عام 2003م ..؟
" إنعام كجه جي " التي فردت في روايتها حال العراقي في مراحل زمنية مختلفة طفقت مع الزمن كرة ثلجية تدحرج مزيدا من ويلات الحروب والتشرد وتلك الغربة التي تعاظمت في داخل العراقي ليس في خارج بلده حين يكون مهاجرا بل في داخل بلده العراق " حتى الشرطة اختفوا من الشوارع والمفارق ثم عادوا بأزياء أخرى بعضهم ملثم وبعضهم مسلح وبعضهم ملتح والباقي يبدو وكأنه في ورطة وجودية .. المدينة كلها في ورطة وجودية ولا أحد يعرف لمن يأمن وممن يخاف والشوارع مقسمة حسب الطوائف ..؟"
والغربة تتجذر أكثر حتى بين النساء وعلى طريقة لباسهن بحيث طمست كل الملامح في قالب واحد : " تلمح بينهن شابة حاسرة الرأس فتعرف أنها مسيحية أو شيوعية ، لقد تغيرت أزياء نساء المدينة وصار الحجاب على كل الرؤوس ونافست العباءة التقليدية " ..
ولعل أعمق تجليات الغربة بين العراقيين حين سقطت الهوية الوطنية للبلد العراق إلى هوية دينية نابعة من طائفية عمياء التي غدت تسوّغ كل شيء حتى زهق الأرواح والنهب والسلب : " تقطعت الروابط منذ أن اجتاح الشاشات عراقيون لا يشبهون العراقيين . نهّابون وقطاّعو الرؤوس وعملاء يعلقون على صدورهم أنواط شبهاتهم .. الأقوى بينهم هو الأكثر حظوة لدى المحتل .. طائفيون يسألونك عن مذهبك قبل السلام عليكم " ..!
لكن الشيء الوحيد والمتوحد الذي جمع كل العراقيين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم هو الشعور بـــ" الخوف " : " وحده الخوف لازمني كما لازمهم رغم أنف المسافات " ..
الخوف الذي يعيش فيه العراقي في داخل بلده وخارجه ، في داخل بلده حين تكون كل خطوة له أو لأحبابه ملغمة بالموت ، وفي الخارج حين يكون الصوت هو طوق النجاة الوحيد كي يطمئنوا على أحبابهم من موت وشيك ، من ميتات تكون مدبرة أكثر من كونها طبيعية في بلد الصراعات كالعراق : " كان الموت كثيرا بحيث لا يتوقف المرء أمام الميتات العادية ولا يجد الوقت للحزن " ..!
وهو الحزن نفسه الذي سكن في قلب تلميذتي وبطلة الرواية " ورديّة " وكل عراقي وعراقية في هذا العالم .. الحزن الذي شهده الكبير وحمل أعبائه عبر أعوام الهجرة والغربة والشقاء الصغير ..!
الحزن الذي عرف جيدا كيف يتناسل من جيل إلى جيل بأنانية الحرب واستبدادها ..!
ليلى البلوشي

فلسفة المشي ..

فلسفة المشي

" عندما أحسُّ بحزن أبدأ بالمشي "

                   - جلال الدين الرومي -

        * * *

      أشارت دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة مشي المرء تدل على استقراره النفسي واتزانه العاطفي ، أو على اضطرابهما .. وعلى إحساسه بالحزن أو السعادة ، فالحزين يمشي ببطء وكأن قدميه تغوصان في وحل كثيف ويجر ساقيه جرا ، منحيا بظهره إلى الأمام ..
أما المتزن نفسيا والسعيد فإنه يمشي بخطوات ثابتة ، وينقل قدميه على الأرض بخفة وكأنه يطير .. وقد قيل إن واثق الخطو يمشي ملكا ..
وللمشي فوائد جمّة لذلك ينصح الأطباء النفسيون أن تكون للمرء حصة من المشي اليومي الصحيح المعتدل ، لا تقل عن ثلث ساعة يوميا ؛ لأن جسم الإنسان المتحرك يكون منسجما مع الذهن واستعادة التوازن النفسي والهرموني وتنشيط أنسجة الجسم المختلفة .. ويعتقد البعض أن للمشي جوانب جمالية وله تأثير على مستوى العلاقات الإنسانية .. 
وفي معرض هذا الحديث تعود بي كراكيب الذاكرة الطفولية إلى حادث مرّ بي وأنا صغيرة ،  فقد كنت أكشط الأرض الرملية بقدمي إلى المدرسة التي كانت قريبة من بيتنا وأنا منكسة الرأس وعيناي في الأسفل دون أن أكلّف نفسي عناء رفعه أو تحريك فضوله للاضطلاع على العالم الخارجي المحيط بي من حولي ، وكانت أمي ترقبني كل يوم وأنا اقطع الطريق في موعديّ ذهابي وإيابي وهي مرابطة قرب النافذة التي تطل على طريق المدرسة ، وفي إحدى تلك الأيام في ساعة الشمس الحارقة تحديدا كنت كعادتي خارجة من المدرسة أجر قدميّ جراَّ من ثقل الحقيبة المدرسية على ظهري الهزيل الذي احدودب من ثقلها ، فلم يكن في أيامنا حقائب تجر بعجلات كما الجيل الحالي الحاملين على كفوف الراحة ، بينما رأسي غائص في الأسفل اتجه نحو المنحنى تقودني خطواتي في طريقها المعتاد كما في كل يوم وفي الساعة عينها ، فإذا بسيارة مسرعة على حين فجأة تجتاز كشبح طريق المنحنى وكان بيني ومسافة السيارة أقل من ربع خطوة وكنت سأفرم تحت عجلاتها لولا صوت أمي الفزع تسلل إليّ من النافذة وهي تصرخ عليّ منبهة : سيارة .. سيارة  ..!
ولا أدري كيف قدماي تحركتا بي إلى الوراء من هول الصدمة ..؟
 وتسمرت يومها مكاني ليس خوفا من الحادث الذي كان سيودي بي ، بل حصتي من التأنيب الذي سآكله من أمي التي كثيرا ما نبهتني على طريقة مشيي الغريبة ، وهي تدلق تذمرها كل مرة في وجهي : هل ضاع منك شيء ما على الأرض وتبحثين عنه ..؟!
 وإلى اليوم أتساءل : ما تفسير المشي بخطوات انحنائية ورأس منكس في الأسفل على مستوى النفسي خاصة وأن هذه العادة ما تزال تلازمني حتى الآن ..؟!


ليلى البلوشي

الاثنين، 2 يونيو 2014

ما أجمل الشر ّ ..!

ما أجمل الشرّ ..!

جريدة الرؤية العمانية

قال الكاتب " مصطفى صادق الرافعي " في الصفحة الأخيرة من كتابه " أوراق الورد " كنصيحة مهمة غلفها للرجال : " حين تقابل امرأة جميلة ، لا تقل : ما أجملها ..! ولكن قل : ما أجمل الشرّ ..! "
وقال من قبله : إن النساء شرّ خلق لنا ... فنعوذ بالله من شرّ الشياطين
ولؤم الرجال تجاه كل امرأة جميلة لا ينتهي بل وله أشكاله وشكوكه ومواقفه المختلفة ، ومن ذلك تزوج أحد الحكماء من أقبح امرأة في المدينة ولم يصدق ذلك أحد فسأله الناس : ما خطبك ..؟ فأجاب : ثمة منطق في ذلك ؛ لأنها المرأة الوحيدة التي استطيع الفرار منها في أي لحظة ..
في الواقع من الصعب ألا تهرب وهي المرأة الوحيدة التي استطيع أن أثق بها في المدينة ، فالأشخاص الجميلون لا يستأهلون الثقة ، لأنهم يقعون في الحب بسهولة لانجذاب العديد من الأشخاص بهم ..!
يمكنني أن أثق بهذه المرأة لأنها صادقة معي ، فلا داعي للقلق عليها إذ يمكنني أن أغادر البلدة طيلة شهر دون أي خوف فامرأتي ستبقى لي ..!
وهذا اللؤم لا يختلف عن عبارة كتبها الكاتب " إدواردو غاليانو " على سبيل السخرية لكل من ينتقص من كيان يدعى امرأة : " لم يكن هناك نقص في الخطيبات ، ففي منازل الفقراء ، كانت هناك دائما فتاة زائدة " ..!
اللؤم نفسه يتراجع في روح وفكر كل رجل يحترم المرأة لكيانها وذاتها ، ومن ذلك حكاية الصوفي يدعى " نصر الدين " كان هذا الصوفي يتجاذب أطراف الحديث مع صديق له وسأله هذا الصديق : هل فكرت يوما في الزواج ..؟
فرد : نعم ، فكرت فيه ، وعندما كنت في مقتبل العمر قررت أن أصل إلى المرأة الكاملة ، فعبرت الصحاري والفيافي ووصلت إلى دمشق والتقيت امرأة جميلة ومن أهل الخير ولكنها لم تكن تعرف شيئا عن أمور الدنيا ..
تنهد الصوفي " نصر الدين وواصل : مضيت في رحلتي حتى بلغت أصفهان والتقيت امرأة عالمة بأمور الدين والدنيا ولم تكن جميلة ، فقررت المضي للقاهرة حيث تناولت العشاء في دار امرأة أخرى جميلة ورعة وخبيرة ..
وسأله الصديق : ولماذا لم تتزوجها ..؟ رد الصوفي : آه ، يا صديقي ..! كانت بدورها تبحث عن الرجل الكامل ولم تجده في شخصي ..!
حكاية الصوفي تبرهن لنا بأن المرأة هي أيضا كيان إنساني دائم البحث عن الكمال كالجنس الآخر تماما ، وأنها مثله تماما لها أحلامها وتطلعاتها في هذه الحياة ، وهو أمر لم يستوعبه كثير من الرجال في مجتمعات ذكورية ، تلك المجتمعات نفسها التي آمنت بشكل قطعي في قرن من القرون السالفة بأن " الهستيريا " مرض عضوي خاص يصيب النساء فقط ، وكم بلغت دهشتهم حدتها حين اكتشفوا أن ذكورهم يصابون أيضا بلوثات هستيرية كالنساء تماما ..!
كما لم يستوعب البعض منهم حتى وقتنا الراهن بأن ناقص الرجل مع ناقص المرأة هو ما يشكل البناء الإنساني المتكامل منهما ..

الثلاثاء، 27 مايو 2014

الهند في ذاكرة القصص والروايات والواقع ..!

الهند في ذاكرة القصص والروايات والواقع ..!

كثيرة هي الروايات والقصص الهندية التي تناولت صراعات الطائفية في داخل الهند ما بين طوائفها المختلفة ، الهند البلد الذي قيل أنه به أكثر من ثلاثة آلاف طائفة وخليط من اللغات ، البلد الأكثر كثافة سكانية في العالم بعد الصين ، من تلك الروايات التي تناولت الصراع الهندي الباكستاني هي رواية " قطار إلى باكستان " للروائي الهندي السيخي الساخر الشهير " خوشوانت سينغ " الذي ودع العالم منذ فترة قريبة عن عمر يناهز 99 عاما ، مخلفا الكثير من الروايات والقصص ، ومن أشهرها رواية " قطار إلى باكستان " وهي رواية حولت إلى فيلم سينمائي تحكي عن واقع هندي باكستاني مرير ما بين طوائف هندوسية ومسلمة وأخرى من السيخ ، تلكم الطوائف التي ينقلب الوئام الذي كان سائدا بينها إلى حرب طائفية شرسة تمص دماء أبرياء ضحايا من تلك الطوائف ..!
لا تختلف هذه الرواية في صراعاتها المتدامية عن رواية " العار " للكاتبة البنغلادشية " تسليمة نسرين " وهي الرواية التي كادت أن تهدر دمها من قبل مسلمين متطرفين ؛ لأنها رجحت كفة الصراع الطائفي لصالح الهندوس على حساب المسلمين الذين أظهرتهم كمتعطشي دماء ، على الرغم من أن الرواية جاءت نتيجة حدث واقعي حدث في الهند في 7 من ديسمبر عام 1992م حين قامت جماعة من الطائفية الهندوسية المتطرفة بهدم مسجد عتيق يعود لخمسة قرون بدعوى أن المسجد بني على أنقاض إله الهندوس راما حيث مهبط ميلاده ..!
أما الروائية والكاتبة " جومبا لاهيري " وهي الأمريكية من أصل هندي تناولت موضوع الطائفية وصراعاتها في معظم كتاباتها الأدبية ، حيث تحفل معظم أعمالها بتناول الهند من الداخل من خلال مغتربين ومغتربات مقيمين ومقيمات في أرض غريبة بالنسبة لهم بكامل مبادئها وقيمها وعاداتها وتقاليدها كأمريكا ، البلد العالمي الذي تمتزج فيه جميع الاختلافات ، ولهذا لجأت " جومبا لاهيري " إلى تناول الصراعات في بلدها بأسلوب أكثر هدوءا ومرونة وتسليما ، فحين تتأمل شخوصها تجس روح ذلك التسليم ربما لأنهم في وطن كبيرة مفعم بالتغيرات السريعة كأمريكا ، ويبرز ذلك جليا في قصة " عندما أتى السيد بيرزادة لتناول الطعام "  فهذه القصة التي تحكي عن رجل وامرأته وطفلة في العاشرة من عمرها ، كان الرجل والمرأة يعيشان في حي لا يزورهم الجيران مطلقا إلا بدعوة ، ولا كان الأطباء يستجيبون لنداء المنازل ، تلك الوحشة هي التي دفعت الزوجين للبحث في سجلات جامعة " بوسطن " عن قادمين جدد يحملون جنسيات هندية ، ومن خلال كشف الأسماء تعرفا على " السيد بيرزادة " الذي جاء من " دكا " حيث ترك بناته السبع مع زوجته هناك ؛ لإجراء دراسة عن أوراق النبات في ولاية " نيو إنجلاند " ، فاتصلا به ليقيما بدعوته إلى منزلهم .. وهكذا كان " السيدة بيرزاده " يزورهم في كل مساء ؛ لتناول العشاء ومشاهدة التلفاز ، وهنا يبرز كم أن الغربة ذوبت الطائفية السائدة في الوطن الأم ما بين أبناء البلد الواحد ..!
القصة عينها تحكي عن الانقسام الذي حصل 1947م ، الذي تحرر فيه الهنود من الاستبداد البريطاني ؛ ليغرقوا في وحل الحروب الأهلية بين المسلمين والهندوس .. كما جاء على لسان الأب وهو يوضح لابنته الفكرة بالإشارة إلى الخريطة التي أمامهم : " مثل الكعكة .. الهندوس هنا ، والمسلمون هناك ، ولم تعد دكا تابعة لنا " وتتساءل تلك الطفلة التي يدهشها هذا الانقسام رغم أن السيد بيرزاده ووالدها يتحدثان اللغة ذاتها ، وتضحكهم النكات ذاتها ، ناهيك عن التشابه في ملامحهم ، وجميعهم يأكلون المانجو المملح مع وجباتهم ، ويتناولون الأرز بأيديهم كل ليلة في طعام العشاء  : " إن السيد بيرزادة بنغالي ، لكنه مسلم ، وهو لهذا يعيش في شرق باكستان ، وليس في الهند " ..!
عادت ذاكرتي تلملم هذه الصراعات عبر روايات وقصص وأفلام مرت بها ؛ تلك الاشتعالات الطائفية التي تناولتها تجعلني أتساءل وأنا أرى أن العالم اليوم مشغول بانتخابات الأخيرة التي جرت في الهند والتي جاءت نتائجها لصالح الحزب الهندوسي المتشدد بهاراتيا جانانا برئاسة زعيمه الديني السياسي " مارندرا مودي " ، الذي كان من قبل أن رئيس حكومة واحدة من كبريات ولايات الهند وهي ولاية غوجرات ، والآن كرسته نتائج الانتخابات العامة رئيساً للهند التي يبلغ عدد سكانها ملياراً و200 مليون نسمة ..
وفوزه طبعا يجعلنا نستذكر الصراعات الطائفية المريرة التي وقعت في الهند ما بين الهندوس والمسلمين ، فمعروف عن " مودي " علاقته السيئة مع مسلمي الهند الذين يفوق عددهم 175 مليوناً ، وذلك حين كان رئيساً لحكومة ولاية غوجرات في عام 2002م ، عرفت الهند حادثا طائفيا مأساويا وذلك حين اندلع حريق في قطار كان يحمل جماعة من الهندوس الحجاج ذهب ضحيته ما يقارب خمسون شخصا وكان ذلك حجة كافية ليشتعل فتيل الاقتتال ما بين الطائفتين ، وبعد أن قتل الهندوس حوالي 1000 من المسلمين اكتشفوا أن مبعث الحريق كان نتيجة احتكاك كهربائي .. ويومها لم يبد على " مودي " أي أسف تجاه ضحايا المسلمين ، حتى أن أمريكا وبعض دول أوروبا اتخذت موقفا من موقفه البارد ، والمتطرف ، والجاحد ، فمنعته من دخول أراضيها في ذاك الوقت ..!
فكيف سيكون مستقبل الهند مع رئيسها الجديد ، بالأحرى كيف ستبدو أحوال المسلمين فيها وهم الأقلية .. وهل سيلتزم " مودي " بما قاله في خطابه من أن الهند للجميع .. أم أنها ستكون للطائفة التي ينتمي إليها على حساب طوائف أخرى من المسلمين والمسيحيين والسيخ ..؟!
وحده المستقبل كفيل بإعطائنا الإجابات الشافية ...
ليلى البلوشي

الثلاثاء، 20 مايو 2014

حين يكون الموت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ..!

حين يكون الموت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ..!

جريدة الرؤية

في الأسبوع نفسه قرأت ثلاث روايات تتفاوت في عدد صفحاتها ومواضيعها ، كانت الرواية الأولى وهي أقصرها رواية " حي الأميركان " للروائي اللبناني " جبور الدويهي " بينما الرواية الثانية وكانت أطولها رواية " حنّه وميخائيل " للروائي اليهودي " عاموس عوز " بينما الرواية الثالثة كانت تقارب رواية " حي الأميركان " من حيث عدد صفحاتها تقريبا وهي رواية " يا مريم " للروائي العراقي " سنان أنطون " ..
ما هزني في هذه الروايات الثلاث هي حالات الموت ، ثلاث شخوص تعرضوا للموت وطريقة موتهم تتفاوت وتتباين من وطن إلى آخر ؛ ففي رواية " حي الأميركان " تشيع شائعة موت " إسماعيل " وهو شاب لبناني من المذهب السني ملاحق من السلطات لأنه ينتمي إلى تنظيم ميليشي ، بينما في رواية " حنّه وميخائيل " لــــ" عاموس عوز " فإن الذي يموت في الرواية هو " يحزقائيل " والد البطل " ميخائيل " يحزقائيل اليهودي الذي يعيش في إحدى مدن فلسطين الساحلية ويموت موتا طبيعيا ، طبيعيا تماما في زمن يموت فيه معظم الناس في العالم من حوله موتا مدبرا ، موتا انتقاميا ، متفشيا ، انتحاريا ..!
أما في رواية " يا مريم " فإن الميت هو البطل " يوسف " المسيحي الذي يذهب ضحية مداهمة لمسلمين انتحاريين لكنيسة كان " يوسف " يؤدي صلاة قداسة في روح أخته الكبرى المدعوة " حنّه " التي كانت في مقام الأم بعد رحيل أمهم في وقت مبكر من حياتهم ..!
لست أبالغ حين – أعترف – بأنني تأثرت لموت كل من " إسماعيل " و" يحزقائيل " و" يوسف " ولا أبالغ بأنني تأثرت أكثر لموت " يوسف " المسيحي ، الإنسان الطيب ، نقي القلب ، الذي ذهب ضحية انفجار انتحاري لمتطرفين مسلمين ، الذي ظل يقنع قريبته " مها " بأن بغداد طالما شهدت عصورا زاهية بلا ما يسمى طائفية ، في زمن عاش فيه كل من المسلم باختلاف مذاهبه والمسيحي في ودّ وسلام ، وأن هذا الفكر المتسامح ما يزال له وجود في العراق ، ولا يمكن أن يقوموا بإيذائهم لأنهم أقلية ، بينما ظلت " مها " تخالف حسن نيته بأنه رجل يعيش في الماضي ، ذاك الماضي الذي أصبح لا وجود له في خارطة العالم العربي اليوم ولا في وطن كالعراق التي وقعت كضحية في فم وحش الطائفية ، وكرة تتقاذفها في ملاعبهم كل من إيران وأمريكا بعد سقوط حكم صدام حسين ، العراق التي دفعت من روحها أثمانا باهظة وما تزال تقطع من روحها  ..!
ولا أنكر بأن موت " يحزقائيل " اليهودي الذي سقط على حين فجأة مغشيا عليه بالقرب من مواقف الحافلات في المنطقة التي يعيش فيها ، تلك السقطة التي أخذت روحه ، كان موته فجائيا ومتوقعا لمن هو في مثل سنه ، كان موته حزينا أيضا ؛ لأن الروائي " عاموس عوز " نجح في رسم شخصية بملامح طيبة لهذا الرجل المدعو " يحزقائيل " الذي كان أبا فاضلا لابنه بعد وفاة زوجته و" ميخائيل " في الثالثة من عمره ، ذاك الوفاء العظيم والعطاء الكبير حتى أصبح " ميخائيل " حامل شهادة دكتوراه في الجيولوجيا كما حلم والده المكافح تماما ..!
لكنني لم أتألم بالقدر نفسه لموت " إسماعيل " الشاب اللبناني الذي أنضم لميليشيا تقتل الأبرياء لمجرد أنهم ليسوا من المذهب أو الفكر أو التوجه نفسه .. لم أتوجع لموته ولكنني توجعت بشدة على ضياع شبابه وعلى فكره المتطرف وعلى روحه الإنسانية التي سقطت في فخ العنف والإرهاب باسم الإسلام ، في الوقت نفسه انقلب حزني فرحا حين تراجع " إسماعيل " عن تنفيذ مهمة القتل وكأنه أنقذ روحي من موت وشيك ..!
" إسماعيل " الشاب الذي كان يخطط لمهمة انتحارية في حافلة تحمل أناسا أبرياء ؛ لأن زعماؤه طلبوا منه ذلك بتسويغات دينية ولكن طفل نسف بكل ما خططه ، طفل كان يشبه أخيه الصغير ، ويدرك كم كان ساذجا حين قبل أن يكون متفجرة ..!
في الموت لا يمكن أن تتعاطف سوى مع الضحية ، سواء أكان هذا الضحية من دينك أو لم يكن من دينك ، سواء أكان من جنسك أو لغتك أو قبيلتك أو لم يكن ، في الموت يحدث جدا أن تتعاطف مع عدوك الذي تبغضه لمجرد أنه تعرض لمؤامرة موت من قبل فرد أو جماعة فاستحال من عدو إلى ضحية ..!
في الموت لا يمكن أن أتعاطف مع قاتل من جنسي ، وديني ، ومذهبي ، وملتي ، وقبيلتي ، وحزبي ، وجماعتي ، مهما غدت مبرراته ، ومهما راكم من حجج باسم الله ، وباسم الدين ، سيظل قاتلا وسيظل الآخر مهما اقترف في مقام الضحية ..!
لا يمكن لإنسانية أن تتعاطف مع قاتل سواء كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ، لكنها ستتعاطف مع الضحية سواء أكان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ، تلك الإنسانية الحقة ، والعادلة ، إنسانية الإنسان ...

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 29 أبريل 2014

تربية الطفل العربي على القيم الكونية

تربية الطفل العربي على القيم الكونية

جريدة الرؤية

يتساءل الفيلسوف " أوشو " في كتابه " العلاقات الحميمة " بقوله : " لمَ الصغار ناعمون ؟ لأنهم لا يحملون شيئا ، إن طريقتهم كطريقة الحكيم فإذا كان الطفل غاضبا فهو غاضب ولا يأبه لأحد .. انظر إلى الطفل عندما يكون غاضبا إلى جسمه بالكامل ، إنه طفل صغير وناعم رقيق ، ينتفض غضبا وتحمر عيناه ووجهه ، يقفز ويصرخ في ثورة عارمة وكأنه متفجرة من الغضب ، في اللحظة التالية يختفي هذا الغضب العارم فتجده يلعب ، انظر إلى وجهه لا يمكنك أن تصدق أن هذا الوجه كان في ثورة عارمة قبل لحظات إنه يبتسم ..!
هذا الطفل .. الكائن المدهش كيف نتعاطى معه في وسط عالم كوني وكيف نربيه على القيم الكونية ؟ ( تربية الطفل على القيم الكونية ) كانت هذه هي عنوان المحاضرة التي قمت بإدارتها في مهرجان الشارقة القرائي للطفل هذا العام ، جلسة شارك فيها كل من محمد الشيباني ووفاء الميزغني وكارولين كريمي وحضرها مجموعة من التربويين والمهتمين بشؤون الطفولة في الدولة وضيوف المهرجان ..
ذهب الأستاذ " محمد الشيباني " وهو باحث تونسي ومختص بالشأن الأدبي والدراسات اللسانية وقد ساهم في المؤتمر الدولي الأول " الطفل بين اللغة الأم والتواصل مع العصر " إلى أن القيم الكونية يعنى بها حقوق الطفل في هذا العالم ، وبنبرة هادئة قام بعرض بعض أهم هذه الحقوق التي يجب توفيرها للطفل والنهوض بها من خلال الأسرة والمدرسة والبيئة المحيطة به ، بحيث تقود الطفل وتفتح حواسه على معايشة العالم بكل ما فيه من خلال الاقبال على الثقافات الأخرى ، ودعا ذلك من خلال أساليب مختلفة منها إلى أن يخصص للطفل أسبوع للجوع ؛ بحيث لا يقدم له في المدرسة سوى وجبة واحدة خفيفة كي يستشعر تجربة الجوع ويشعر بالآخر المعدم ، كما رحب بتدريس الموسيقا والفنون التشكيلية والنحت إلى غيرها من الفنون السمعية والبصرية والحسية كي نخفف من عبء العالم على كاهل الطفل في زمن ساد فيه العنف والقتل ، ننمي مواهبه ونشرع له وسائلا ليعبر عما في أعماقه من خلال ممارسة هذه الفنون الحسية المختلفة ..
بينما الباحثة " وفاء الميزغني " وهي مختصة في مجال التوحد والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ، قامت بعرض مجموعة متنوعة من القصص المكتوبة للطفل ، تلك القصص تناولت فيها أهم ميزاتها وأفكارها المبدعة التي يستقي منها الطفل كثير من الفائدة والمتعة وفي الوقت نفسه تناقش الأسئلة التي يتساءلها الأطفال في سنواتهم الأولى ..
كما تطرقت إلى كيفية التعاطي مع طفل المكفوف في كتابة القصص لهم وفي طريقة مخاطبتهم ، فهنا يجب أن يعنى بالجانب الملموس فالطفل الأعمى لا يبصر ، كما يجب أن يكون هناك تصوّر للمسافة وفي الألوان وفي الأشياء اللمسية ..
واعترضت على الصورة النمطية لدور الأم في قصص الأطفال ؛ فمعظم تلك القصص توظف الأم كامرأة تعمل في المطبخ وتعد القهوة للزوج الذي يقرأ الجريدة ، ودعت لكسر هذه الصورة النمطية وإلى قلب الصورة بحيث يقدم الزوج القهوة والأم هي التي تقرأ الجريدة ، لتكون هناك نظرة شمولية وتكاملية في فكر الطفل عن علاقة المرأة والرجل ..
أما الكاتبة الأمريكية " كارولين كريمي " وهي الحائزة على درجة ماجستير في الكتابة للأطفال ولها أكثر من 13 كتابا وحازت عن كتبها بأكثر من 30 جائزة على مستوى الولايات ، مبدأ حقوق الطفل وأهمية ادراجه في قصص الأطفال ، مستعرضة نماذج من كتبها التي تضم جوانب كثيرة من حقوق الطفل و التي لابد أن يتعلمها ، وهي أهمية السلم ، والتعايش ، والتواصل ، والحرص على غرس قيم أخرى فيه ، مثل أهمية عدم الانطواء ،  ووجود والأصدقاء ، والانفتاح على العالم ..
ودعت إلى ممارسة المرح والفرح وطالبت بتطبيق هذا الجانب في المناهج الدراسية لاسيما في ظل نتائج الدراسات الحديثة التي أثبتت أن المرح أقصر طرق ايصال الرسائل الإيجابية للطفل ، وعاملا مهما من عوامل تخفيف الضغوط ونبذ الخلافات وتشجيع مبادئ العمل الجماعي ..
وفي عصر العنف هذا يحتاج الطفل إلى الترفيه ، وإلى تلقي العالم بصورة أبسط ، وأسهل ، وأخف وطأة ، وذلك عبر تخصيص أسبوع للمرح في المدرسة ، وفي هذا الأسبوع تُقرأ للطفل حكايات طريفة وقصص ساخرة وتعرض له نكت تجلب له الضحك ..
ويحكي الفيلسوف " أوشو " : فيما كان طفل صغير يسير مع والدته ، قالت له : " تذكّر دوما أن تساعد الآخرين " .. فسألها الطفل : " وماذا سيفعل الآخرون ؟ " فأجابت الوالدة بشكل طبيعي : " سوف يساعدون الآخرين " فقال الطفل : " تبدو خطة غريبة لم لا تساعدين نفسك عوضا عن تعقيد الأمور ؟!

ليلى البلوشي