الاثنين، 25 يونيو 2012

تساؤلات عن العُزلة العُمانية ..! 1



تساؤلات عن العُزلة العُمانية ..! 1



الرؤية / البلد



منذ عامين وصل بريدي مقالة تتناول الشأن العماني معنونة بـ " عمان والعزلة السياسية " لكاتبها السعودي " عبدالله بن ناصر الخريف " وأسهب فيها حديثا عن عزلة عُمان على المستوى السياسي وسرد عن محايدتها في قراراتها على خلاف باقي الدول المحيطة ومن هذه السياسة نشأ مبدأ العزلة العمانية ويؤكد الكاتب في سطور مقالته : " ولم تلفت عُمان النظر إليها مؤخرا إلا بعد عاصفة جونو التي ضربت سواحلها ولفتت وسائل الإعلام لها حتى أن هذا الموضوع أثارني حينما قرأت في البي بي سي العربية : الإعصار يضرب الدولة الصامتة ..! "

ومبعث استدعائي لهذه المقالة الآن تحديدا هو أنني منذ فترة قريبة كتبت بعض عبارات تتناول الواقع العماني وكنت عادة اكتب " ُعمان " بدون " سلطنة عمان " كاختصار حين تخذلني 140 حرفا وفق نظام " تويتر" التغريدي وكانت تردني تعليقات من بعض الإخوة في دول الخليج والدول العربية وعلى رأسهم أهل الأردن ، ولكن ما فاجأني حقا أن ردودهم لا تتعلق بعُمان بل تتعلق بعمّان عاصمة الأردن إلى أن تم ّ استيعاب الوضع بأن معظمهم كان يعتقد أنني اعني بالفعل " عمّان " عاصمة الأردن وليس " ُعمان " رغم الضمة على العين ظاهرة..! وعندما تم التوضيح أن عُمان المعنية هي سلطنة عمان تفاجئوا من فكرة أن يكون فيها اعتصامات أو حتى مطالبات شعبية مبررين دهشتهم أن عمان دولة مسالمة ..! والأمر لفت نظري فقمت بكتابة توضيح بالعبارة التالية : " هناك أمر غريب عندما اكتب لفظة " عُمان " أو " عُمانيون " يعتقد كثيرون أنني أعني " عمّان " عاصمة الأردن : ألهذه الدرجة " عُماننا " بـ_الضم _ معزولة عن العالم ..؟! " ..

واستقبلت العبارة ردودا كثيرة في الفيس بوك والتويتر وردود وصلت بريدي الخاص وتفاوتت وجهات النظر ؛ فعزمت أن أعرض تلك الآراء في هذه المقالة وقد صنفتّها إلى آراء عمانيين داخل عمان وغير عمانيين المقيمين فيها وقسم يتناول آراء إخوتنا في الدول الخليجية والعربية وسوف استعرض بعض هذه الآراء التي تتفاوت في الرؤية وتعرض بعضها أسباب ..

 وتهجم الأسئلة دفعة واحدة : هل فعلا سلطنة عمان منعزلة ..؟! هل هذه العزلة في صالحها ..؟! هل زمن اليوم يتصالح مع هذه العزلة ..؟!

بالنسبة للآراء العمانية وهي متفاوتة ومصنفّة إلى قسمين .. فالقسم الأول يرى أن " عُمان " ليست منعزلة إنما هناك حاقدون على وجوههم غشاوة بها سلبيات ينقبون في أتفه الأسباب ؛ وهؤلاء الذين نبذوا فكرة عزلة عُمان استعرضوا تاريخها القديم وحضارتها ومدى تأثيرها الفعّال في العديد من القضايا الخليجية والعربية .. بينما يرى القسم الآخر من العمانيين أن " ُعمان " بالفعل دولة منعزلة وهذا هو الوضع الذي يجعل من " العزلة " " أزمة " فلو تحدث عماني في وسيلة إعلامية غير عمانية يتهم بالخيانة و" نشر الغسيل " وبالعبارة : " يبجّلون العزلة ويتهمون غيرهم بالخيانة والأجندة " لأنه تحدث عن مآسي وطنه في الخارج ..! وهذا الرأي يقرر أخيرا بأن عُمان وأهلها يحتاجون إلى قليل من الثقة وقليل من الانفتاح ؛ فمن غير المعقول أن يعّد الانفتاح خطرا على عُمان ..!

مجموعة من العمانيين أعلنوا إلى أن مبعث وجوب الخلط ما بين " عُمان " و " عمّان " يعود إلى إسقاط حركة الضمّ على العين ؛ ولكن إحدى الآراء العمانية عرضت أمرا مهما بعيدا عن إشكالية الحركات الإعرابية فصاحبة التجربة تقول : " اذكر مرة عرض لأحد الحكام الأجانب بالتحكيم في مباريات خليجي 19 والتي أقيمت في عُمان يومها ، عندما وصله الخبر ذهب إلى الإنترنت وبحث في خارطة العالم وهو يسأل : أين تقع عُمان ..؟! وأنهت قولها المذكور باستنكار مستفهم : " هل وطني منعزل ..؟! لم أنس هذا الموقف لسنوات ..! " وثمة رأي آخر يساند الاستشهاد أعلاه ويرى أن " عُمان دولة ضمت لسنوات ولم تفتح " لدرجة أن كثيرين تأتي إليهم عقود للسلطنة فيترددون بقبولها ؛ والسبب عائد إلى كون عُمان منعزلة ولا يعرفون عنها شيئا واتبعت رأيها بتساؤل : ترى ما الأسباب ؟!

أما الإخوة العرب المقيمين في عُمان أو الذين أقاموا فيها ردحا من الزمن ثم غادروها وصفوها بالبلد الجميل وذا ثقل تاريخي أصيل ولكنهم شاطروا في فكرة أن عُمان لا ينقصها سوى مسألة " حريات " !

بينما يرى أبناء دول الخليج وبعض العرب أن عُمان دولة محايدة وتعيش بسلام وهؤلاء صرّحوا  بأنها من أهدى دول الخليج ، بينما اتفق آخرون أن عُمان منعزلة كأخبار وسياسة عن العالم وأصحاب هذا الرأي اختلفوا في إيجابية وسلبية هذا الأمر ؛ فالإيجابية في كون العزلة يجنبّها الكثير من المشاكل هي في غنى عنها ، بينما ذهب آخرون أن العزلة العمانية لا ترتقي بمستوى دولة لها وزن تاريخي عريق وأن عليها أن تشارك في القضايا الدولية بما يوافق ثقلها .. وهذا يتوافق مع رأي متسلسل عرضه أحد الإخوة الخليجيين حيث ذهب إلى أن ترشيح فكرة الانعزال لم تأت من فراغ ؛ لأننا حين نضع الإمكانيات في كفة والمكانة في كفة سنجد أن عُمان لم تأخذ مكانها الصحيح ويضيف قائلا : " الانعزال ليس له علاقة بالماضي المشرق أبدا ولا ينتقص من عُمان الدولة لكنه يضع أكثر من علامة استفهام أمام كل محب لعُمان ..؟! "

وفريق ثالث ذهب إلى أن عٌمان ليست بمعزل عن العالم ولكنها بمعزل عن الضجيج الإعلامي والمهاترات التي لا تنتهي ..! ورأي أخير اختصر مفهوم العزلة العمانية في عبارة : " عُمان ليست منعزلة ولكن فكرة الانعزال راسخة في الأذهان " ..!

إلى هنا ننتهي من عرض مجموع الآراء الذين تفاوتوا في تحليل مفهوم العزلة العمانية ، أما أسباب العزلة فتبايت هي الأخرى ؛ فمن اتفقوا على عزلتها ذهبوا إلى أن مبعث العزلة العمانية على مستوى السياسي يعود إلى خوضها حروبا وصراعات داخلية أنهكت قواها في الماضي وجعلها تنشغل ببنائها الداخلي خاصة وأن عُمان استقبلت الثورة النفظية متأخرة ..

وهناك من شجب العزلة على المستوى الديني بأن مذهب الأباظية صنع عزلة متفردة عن الآخرين .. وهناك من قدّم أسباب اجتماعية كطبيعة الملبس واللهجة ..! وجاءت هذه الأسباب جامعة عند البعض..!

كل الذين تناولوا مفهوم العزلة العمانية لم ينطلقوا من مبدأ تاريخها العريق ولا أخلاقيات العمانية المعروفة ؛ فتاريخها مشهود ومتفق عليه ولا يحتاج إلى عرض ولا الخوض فيه ، بل هي عزلة ارتكزت على مبدأ المحايدة وعزلة قلّصت من دور عمان الدولي وذلك تبعا لسياسة الهدوء والنأي عن الضجة الإعلامية التي تفتعلها باقي الدول وتثيرها ؛ فالأغلبية متفق أن عُمان لها دور إقليمي ودولي لكنه مشوب بالهدوء ؛ فهي تطرح قضاياها واقتراحاتها بهدوء كما جاءت .. والسؤال هنا : فهل الخطأ في هدوء عُمان أم الخطأ في تضخيم ضجة الآخرين عبر سلاح الإعلام ..؟! لا شك أن هذا العصر يحتمل الضجة أكثر مما يحتمل الصمت .. وأيضا زمن اليوم هو زمن الشعوب وليس زمن السلطات المطلق بينما مازالت السلطات على حالها العتيق فهناك دول قد تكون في معمعة الأحداث على مستوى سلطات ولكن على مستوى شعوبها فهي تعزلها عن المشاركة في تلك الأحداث كـ" الصين " التي منعت الفيس بوك والتويتر واليوتيوب..!

وهناك سلطات يتفاعل شعبها مع الأحداث الخارجية ولكن حين يحركون الراكد من الشؤون الداخلية لأوطانهم ؛ فإنهم يعتقلون وهذه سياسة متبّعة في دول الخليج أما العربية فلها شأن متفاوت بعد ثورات الربيع ..!

وهناك سلطات تحرص على منظومة مشاطرة الشعب في قضايا الوطن من نواحي معينة وفي الوقت نفسه لها تحفظات قمعية في إظهار صورة الوطن على حقيقته خارج حدود الوطن ..!

ما أكثر سياسات السلطات وتبقى مشاركات شعوب الخليج في شؤون السلطة محدودة ؛ فجميع السلطات تتفق على سياسة رفض التام للتدخل الشعبي في موجب أحكامها الوراثية وكسر مبدأ القبلي وانتفاء معنى الترشيح والانتخابات في هذه الدول على كرسي السلطة ..!

أما في سلطنة عمان فالسياسة كما أعلنها السلطان "قابوس بن سعيد" في خطابه بعيد النهضة الأربعين في عام 2010م بنبرة واضحة حين قال : " ومن المبادئ الراسخة لعمان التعاون مع سائر الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤون الغير وكذلك عدم القبول بتدخل ذلك الغير في شؤوننا " ..!

هذه سياسة السلطة العمانية ؛ فهل تنطبق هذه السياسة على كافة الشعب العماني ..؟! في المقالة القادمة لنا حديث في هذا الشأن ..

ليلى البلوشي


الاثنين، 18 يونيو 2012

ركب الفوضى حصان الحريّة ..ّ



ركب الفوضى حصان الحريّة ..!



الرؤية / البلد

شاهدت فيلما يدعى " المغول " وقد سلط الضوء على سيرة المغولي الأشهر " جنكيز خان " مذ كان طفلا إلى أن أصبح قائد قبائل المغولية وموحدها الأعظم .. " جنكيز خان " الذي حالف نصف سكان العالم تحت إمرته قبل القيام بمهمة ضم قبائل المغول تحت سلطة ومملكة واحدة استاء من تغيير سلوك المغول وتجاوزاتهم لعديد من القوانين منها قتلهم للنساء والأطفال ؛ فذهب إلى جبل يسكنه إله لهم ؛ ليتعبد رابضا داعيا بقلب وجل أن يمنحه الإله القوة ليسن قوانين يحفظ بها تاريخ المغول عبر امتداد الزمن ؛ فـــــــــ" جنكيز خان " كان يؤمن أن " القوانين " وحدها هي من توّحد الشعوب وتحفظ لها تاريخها ..

قيادة الشعوب ليست بمهمة سهلة وليست مطمع لجمع الثروات أو للتزعم على الشعوب والتنكيل بهم كما ألفنا في عوالمنا العربية بل هي بلورة القوانين والقواعد التي تدفع عجلة التطور وتحفظ للأفراد كرامتهم وتوسّع الحريات المسؤولة وتضيّق الفوضى التي ينجم عنها الخراب كما ذهب المفكر الإنجليزي " جون لوك " : " غاية القانون ليس منع أو تقييد الحرية، بل حفظها وتوسيعها " وذلك في ظل رجل حكيم هدفه الأسمى هو خدمة الوطن والشعب ولنا في الأثينيون القدوة الحكيمة مع " سيدون " الذي أجبروه أن يضع لهم قوانين فاشترط ألا يقوموا بتغييرها لمدة 10 سنوات .. ووضعها ثم خرج لرحلات في مصر وغيرها لكي يفرض عليهم الالتزام بالقوانين ولا يجدون وسيلة لتغييرها في غيابه ؛ وبذلك عكف الناس على تقبل هذه القوانين والالتزام بها وهي التي جعلت اليونان منارة ونموذجا يحتذى به ..

ما يحدث في عالمنا العربي هو مرحلة مخاض طالت حتى يخال للمرء أن الولادة الجديدة التي يترقبها الجمع لن تأت ؛ وما ذلك سوى تفلّت الالتزام بالقوانين وذلك من قبل بعض الأفراد وقطاعاته في المجتمع .. إما لأنها قوانين تعسفية يقوم بعض الجهات فرضها بما يضيّق من نطاق الحريات الفردية وخصوصيتها في التعاطي مع الحياة ولهذا تكون مثل هذه القوانين خارج منظومة الالتزام غالبا ؛ وإما لأنها قوانين تفرض على جماعة ويترك الحبل على الغارب لجماعة أخرى مما ينجم تظلمات وترتفع نسبة الحساسيات العنصرية بين الأفراد في المجتمع الواحد ..!

 هذه الفوضى تعيث حاليا وتزعرع كيان الشعوب والأوطان في الأرض الواحدة واختلطت الأصوات النبيلة والهمجية مشجبين مطالبهم على الكرامة والإنسانية والعدالة وكل ركب حصان الحرية دون أن يعي وجهته وتاه صوت الكرامة الحقيقية والعدالة الحقيقية والإنسانية الحقيقية ؛ فهناك من ركب على أكتاف جهودها ونبل مطالبها ..!

الفوضى وعدم سن قوانين جيدة تشمل الجميع بلا محسوبية ولا شللية ولا قبلية ولا حزبية ولا مذهبية ولا تلكم العنصريات المغرضة ولا تلك التي تتعدى الخصوصية الإنسانية وتدفنه في زجاجة ضائق فيها كل شيء حتى الأكسجين .. حينها فقط ستكون أوطان عوالمنا العربية بخير وسلام أبدي وحينها سوف يعرف جيدا حصان الحرية وجهته ..!



ليلى البلوشي


الأربعاء، 13 يونيو 2012

لعبة " التكفير " ..!




لعبة " التكفير " ..!


 

جريدة الرؤية العمانية



أنت " كافر" أنتِ " كافرة " .. ثقافة مستحدثة مبتدعة يستخدمها كل متشك في إيمانه ليبررها في طعن إيمان الآخر كتهمة تنفض عنه شكّه ..!

أنت " كافر " أنتِ " كافرة " .. توجه فردي يقذف في وجهك فتصنّف بها لأنك خالفت الآخر في رأيه ؛ كلمة يطلقها أحدهم تخرجك من ملّة الله عزوجل لأنه لم يفهمك ، لم يحاورك ، لم يسمعك بل لمجرد أنه اقتنع بكفرك بلا شواهد على هوى تفسيره ..!

علمونا ونحن - صغار - في المدرسة في مادة " الدين " أنه لا يجوز أن نصّف إنسانا مسلما بأنه " كافر " ومذ يومها استهجنتها حتى لــــــ" كافر " ..!

في الآونة الأخيرة تفشت ظاهرة " التكفير " وهي ظاهرة خطيرة خاصة إذا أطلقها مسلم على آخر بلا أدلة وشواهد ثابتة تدين الآخر ؛ وقد نهى ديننا الحنيف عن ذلك وقد وردت نصوص قرآنية وأخرى أحاديث نبوية .. ففي كتابه قال تعالى : " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا " وسبب نزول هذه الآية أن صحابيا قتل مشتركا قال لا إله إلا الله عندما هم ّ بقتله ، فبلغ ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – فغضب وقال : " ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله " ترجم له البخاري .. وفي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : " إذا قال المسلم لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما " رواه البخاري بلفظه ..

يغيب عن الكثيرين مخاطر وتبعات تكفير إنسان بلا ضوابط كاشفة كالشمس نتائج لا تحمد عقباها على رأسها إباحة الدم والمال وفسخ عصمة الزوجية وامتناع التوارث وعدم الصلاة عليه ومنع دفنه في مقابر المسلمين ..!

لهذا حدد واجتهد العلماء في بيان ضوابط التكفير على المعين حسبما تظهر أدلة ثابتة وواضحة ومن ذلك :

1 – لا تكفير إلا بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة ؛ والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة النص يقيني الورود من الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام القطعي الدلالة ولا يحتمل التأويل .. ويقول الشوكاني في هذا : " اعلم أن الحكم على المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار " ..

2 – التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ؛ ويروى أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لعن شارب الخمر على العموم ولما جلد رجلا شرب الخمر قام رجل فلعنه ؛ فقال عليه الصلاة والسلام : " لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله " فهنا وجد الرسول الكريم المانع من اللعن العام هو محبته لله ورسوله  -رواه البخاري ..

3- التمييز من الكفر الأكبر " الاعتقادي " والكفر الأصغر " العملي " والكفر الأكبر الاعتقادي هو إنكار أصل من أصول الدين والكفر الأصغر العملي هو المعصية ..

4 – العذر بالجهل .. كما قالوا بعدم تكفير من جهل إن قوله هو كفر ودليل ذلك في السنة قول – صلى الله عليه وسلم – : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " ..

أما عن تكفير حرية الرأي وحرية الفكر ؛ فهو حديث ذو شجون وهو دأب مرير ذاق ويله العلماء المسلمون منذ الأزمان مبعثه عدم فهم المقصد أو اعوجاج رأي حول فكرة ما ومبتغى المعنى ؛ ولغة التفاهم الوحيدة معهم هي التكفير والقمع والنفي والتعذيب وهلم جرا والمفروض قبل الحكم الاستماع والتحاور والنقاش حول المعنى والفكرة والمفروض النصيحة والأخذ باليد إن وجد الذنب فمنهج ديننا هو التسامح ؛ لكن لا تجري الرياح كما تشتهي السفن .. وعلى سبيل المثال لا الحصر تحريضهم على قتل الطبري وصلب الحلاج وحبس المعري .. وسفك دم ابن حيان ونفي ابن المنمر وحرق كتب الغزالي وابن رشد والأصفهاني .. وتكفير الفارابي والرازي وابن سيناء والكندي والغزالي و السهروردي الذي قضى نحبه مقتولا .. ولم يتوانوا لحظة عن قطع أوصال ابن المقفع ثم شويت أمامه ليأكل منها قبل أن يلفظ أنفاسه بأبشع أنواع التعذيب .. والجعد بن درهم مات مذبوحا وعلقوا رأس أحمد بن نصر وداروا به في الأزقة وخنقوا لسان الدين بن الخطيب وحرقوا جثته وكفروا ابن الفارض وطاردوه في كل مكان..!

وكما قال " الكواكبي " : " ألفنا أن نعتبر حرّية الفكر كفراً " ..!

ليلى البلوشي

الاثنين، 4 يونيو 2012

صيني مع شاي كرك وهندي مع شاي أخضر ..!



صيني مع شاي كرك وهندي مع شاي أخضر ..!



جريدة الرؤية العمانية



حين تكون في مدينة دبي يتعاظم فيك إحساس بأنك في كل الأماكن وهذا ما أشعر به دائما حين أكون في دبي .. وهي مدينة تتميز في كونها تجامع تحت سقف واحد مختلف الثقافات والحضارات لدرجة يصعب على المرء التمييز بأنها دولة خليجية بل هي خليط سكاني متعدد الفكر والثقافات والهويات وفي مثل هذه المدن يقابل المرء العجائب وتجتمع أمامه الدهشات ويجد نفسه متعاطيا ومتلقيا ومستمتعا بها ومعها ..

ومن الغرائب التي استوقفت نظري أثناء تواجدي في هذه المدينة هو تعاطي الناس ببساطة مع كل ما هو مختلف ومع كل ما لا ينتمي إلى ثقافتهم ؛ ففي " دبي مول" رأيت رجلا من جنسية هندية يتأمل على إحدى المقاعد الفراشات الصناعية البيضاء التي تتدلى كأسراب من قبّة السقف بينما يحتسي بهدوء راهب شايه الأخضر .. وحين عرجت على " سوق التنين " فاجأني صيني يحملق في جهاز الآي باد وهو يأكل شطائر الجبن مع كوب شاي كرك كبير ..!

ورأيتني أتساءل : ترى هل ما رأيته هو " تمازج ثقافات" أم أنه " تصادم حضارات " ..؟!

لا شك أن الانفتاح الذي يحياه العالم اليوم أحدث انقلابا هائلا في الأفكار وفي تعاطي الثقافات بمختلف أنواعها ، دون أن نشك لوهلة أن هذا التطور يكاد يساوي بين جميع الدول فــ" لندن " كــ" دبي " والصين" كــ" الهند " من هنا تشكلت هوية مختلفة يتعاطى منها ومعها الجميع دون أن ننكر الحذر السائد في عملية التعاطي ، فكما هو معروف دائما العالم الغربي منفتح بشكل أكبر وأعمق على كل ثقافة جديدة تحمل معها تحديات واستحداثات جديدة ؛ فالشعب الغربي يقبل على المغامرة بهدف اكتشاف لبّ المغامرة نفسها ومراكمة معرفة جديدة على رصيدهم المعلوماتي ؛ على نقيض الشعوب العربية التي كانت في موضع متوجس ومتفرج ومن ثم متلقي حذر ومعظم الإقبال على الوسائل المستحدثة بقي لزمن بتسويغ تقليد أعمى ونتاج إشباع فضول من ناحية أخرى ..

ولكن حاليا الثقافة العربية أخذت تقبل باندفاع حقيقي وواضح على مختلف الفكر والثقافات  لارتفاع منسوب الوعي والنتاج المعرفة والرغبة في التلقي .. دون أن ننكر أن مع انفتاح الحضارة الإسلامية بدأ يتدفق خوف من قبل أوروبا في استقبال كل ما هو عربي لما يحمله من نظرة إسلامية بدأت تكتسح دولهم نتيجة هجرات العرب والمسلمين ..

لعل توجس الحذر للأمم من الانفتاح عائد إلى تفاقم الشعور من فقدان ماض عريق بالأصالة أو إسقاط لقيم نبيلة يتمتع بها تاريخهم ؛ وهذا ما عانته اليابان حين انفتحت بعد خسائر الحرب على كل ما هو مستحدث وأمريكي توجس معظم كتابهم ودعاتهم من هذه الخطوة الجريئة في التعاطي مع هويات أخرى وهذا ما دعا أديب عظيم بحجم " يوكيو ميشيما " إلى الانتحار لاستعادة الروح اليابانية النبيلة نتيجة انجراف اليابانيين خلف العولمة ..!

لكن انفتاح اليابان تسامق بمكانتها عاليا كدولة صناعية كبرى وذات هيمنة اقتصادية ؛ فهي عرفت جيدا كي توازن ما بين معطياتها العريقة كإمبراطورية وما بين روح العصرنة والحداثة وحققت ذلك بجسارة دون خوف أو وجل ..

على نقيض فرنسا ؛ فمعظم الفرنسيين باتوا لا تثيرهم الوسائل الحديثة ذاك الاهتمام كالعولمة والانترنت وذلك ناجم عن خوف أن هذا سوف يؤثر على مكانتهم وثقافتهم ولغتهم فهم يرون أن العولمة مرادفة اليوم للأمركة ؛ لهذا يمتعضون من افتتاح مطعم للوجبات السريعة في حيهّم .. كما أنهم حانقون على هوليود والـNNوديزني والميكروسوفت وغيرها من أشياء ليست من أصول فرنسية ..!

هنا الحداثة تغدو مثار شبهة حتى في بلد مزدهر ومتطور كفرنسا ؛ فدولة كعراقة تاريخ فرنسا تخشى من فقدان هويتها أمام تحديات هويات أخرى بدأت عن طريق الانفتاح العولمي تحتل حدودا وتصل لآفاق شتى ..

عصرنا يشهد تحديات عديدة والإنسان كائن متحول ومتغير في طبائعه وذوقه وفكره وثقافته فإذا ما كان الهنود أصبحوا يفضلون الشاي الأخضر والصينيون استعاروا منهم الشاي كرك هنا تظل المسألة حاصرة في منتج واحد مختلف في مذاقه وطريقة إعداده ولكن أن ينكّب الفرنسيون على الموالح والهريس والبرياني بالمقابل العرب يهجمون على أفخاذ الضفادع المشوية ونودلز الأندومي فهنا المسألة تكاد تكون غريبة ومدهشة ودمج وتلاقح حضاري عميق ..

واتفق مع ما ذهب إليه " أمين معلوف " في كتابه " هويات قاتلة " حين قال : " إن الانقلابات التكنولوجية والاجتماعية التي تحدث حولنا تشكل ظاهرة تاريخية ذات تعقيد واتساع كبيرين ، يستطيع كل فرد أن يستفيد منها ولا أحد قادر على السيطرة عليها ولا حتى أمريكا .. "



وللروائي التركي " أورهان باموق " رأي عن التصادم الحضاري عبّر عنه بقوله : " أنا لا أؤمن بالصدام بين الحضارات ، فأنا أؤمن بالوئام والتواصل بين الحضارات ، فالثقافات دائما متداخلة وهذا هو الثيمة الأساسية لكتبي " ..

وأضيف أخيرا : من الجميل أن نحيا تنوعنا دون أن نفقد ذاكرة أو كرامة ..



ليلى البلوشي


الاثنين، 28 مايو 2012

"لماذات" مشروخة في الحنجرة ..!



" لماذات " مشروخة في الحنجرة ..!



جريدة الرؤية العمانية


يواجه عالمنا الحالي كثير من التحديات على مستوى الاقتصادي والسياسي والديني ؛ ولعل " الدين " هو أكثر التحديات التي باتت تحرك الأفراد لدرجة أن هوية الإنسان غدت تنطلق من انتمائه الديني وليس من انتماءاته الأخرى كما ذهب الأديب " أمين معلوف " في كتابه "هويات قاتلة "..

كما أنه عالم لا يخلو من التساؤلات وعقد مقارنات ما بين أنفسنا والآخر ما بين ديننا والآخر ما بين انتمائنا والآخر ما بين هويتنا والآخر ما بين نحن وهم .. وصلتني رسالة في بريدي مذ وقت طويل ونظرا لأهمية المضمون احتفظت بها دون أن أعرف مصدرها ، والرسالة عبارة عن عقد مقارنات وأفكار تتساءل وحوارات تبغي أن تتفجر في نقاشات هائلة لمعرفة حقائقها .. وسوف اعرض بعض ما جاء من مضمون تلك الأسئلة التي تعقد مقارنات شاملة تلفت النظر والتساؤل بحدة "لماذا " :

لماذا : عندما يطلق اليهودي لحيته يقولون إنه يمارس معتقداته وعندما يطلقها المسلم يكون متطرف إرهابي ..؟!

لماذا : عندما تتحجب الراهبات من الرأس إلى القدم فهي وهبت نفسها للرب وعندما تتحجب المسلمة فإنها تعتبر مضطهدة ..؟!

لماذا : عندما تبقى المرأة الغربية في بيتها لترعى بيتها وأولادها فإنها محل احترام وتقدير لأنها تضحي وتعمل من أجل رعاية بيتها وعندما تفعل المسلمة ذات الشيء فإنها بحاجة لأن تتحرر ..؟!

لماذا : أي فتاة تستطيع الذهاب إلى الجامعة ولبس ما يحلو لها ولديها مطلق الحق والحرية بذلك ولكن عندما ترتدي المسلمة الحجاب تمنع من دخول أي مكان للعمل والدراسة ..؟!

لماذا : عندما يقتل اليهودي لا يذكر أحد دينه ولكن إذا حوكم المسلم بجريمة فإنه يدان لإسلامه ..؟!

لماذا : عندما يكرس أحدهم نفسه لحماية الآخرين فإنه نبيل ويستحق احترام الجميع لكن عندما يقوم الفلسطيني بذلك ليحمي طفله من الموت ويحمي يدي أخيه من الكسر وأمه من الاغتصاب ومنزله من الهدم ومسجده من التدنيس فإنه إرهابي ..؟!

لماذا : عندما يقود أحدهم سيارة جيدة على خراب لا أحد يلوم السيارة ولكن عندما يخطيء أي مسلم أو يعامل أحدهم بأسلوب سيء يقال " الإسلام هو السبب " ..؟!

ثم في النهاية يأتي الجواب كصفعة عن تلك الــ"لماذات " المتسلسلة بدهشة الاستنكار : " لماذا : لأنه مسلم "..!

 إجابة كاشفة كالشمس للجميع رغم ألم الصفعة وباتت أسنّة هذه الشمس أكثر وضوحا اليوم : بأن الدين الإسلامي هو دين المستهدف من قبل الديانات الأخرى ؛ لأنها تشكل خطرا عليهم وعلى دولهم لدرجة بروز مصطلح "رهاب إسلامي " وقد ترجموا هذه الحرب الشعواء على الإسلام بطرق ووسائل عديدة بعقد محاضرات وانتاج أفلام للكبار والصغار على حد سواء بل إن الأحزاب الرئاسية التي تطمع للسلطة في تلك الدول جعلت من ضمن برامجها الترشيحية هو تبني قضية خطورة الإسلام وهجرات المسلمين على شعوبهم ودولهم وعلى رأسهم حزب الجبهة الوطنية في الفترة الأخيرة التي حاولت دغدغة مشاعر الفرنسيين المتأثرين بالأزمة الاقتصادية في فرض قضية المهاجرين على المعركة الانتخابية بل في توجيهها بإتجاه يثير عداء للمسلمين والعرب بصفة خاصة وقد حدث ذلك بدءا بالمبالغة في أعدادهم رغم استحالة معرفتها في فرنسا وإتخاذ أشد الإجراءات ضد " التهديد الإسلامي " رغم أن المسلمين لم يفعلوا شيئا سوى العيش بسلام في أوطانهم بعدما خذلتهم أوطانهم الحقيقية ..!

ولكن مع ذلك نقول : موقف الغربيين من الإسلام والمسلمين أضحى معروفا جدا ولا يدعو للدهشة وإن دعا للاستنكار والاستهجان ولكن ما يدعو لأكثف الدهشات المستنكرة  وأكبر الاستهجانات هو أن يطعن المسلم في دينه وأن يشوه صورة الإسلام والمسلمين بل أن يتعدى على المقدسات ..على ذات الرسول_ عليه الصلاة والسلام – وعلى الذات الإلهية _عزوجلّ _ وهذا أعنفها وأشدها وأعظمها في وقت ينافح فيه بعض الغربيين عن الدين فمن وقت قريب عرفت أن صاحب تلك اللماذات في الرسالة هو "انجليزي مناصر للإسلام " ..!

ولعلي أضيف بدوري تساؤلا إلى التساؤلات التي شهرتها رسالة الانجليزي المناصر للاسلام .. لماذا : عندما تعرض " حمزة الكاشغري " برسائل عبر تويتر لذات الرسول -عليه الصلاة والسلام - زّج في السجن ليحاكم رغم اعترافه بذنبه واعلان توبته ولكن عندما تعرضت الكاتبة " حصة آل الشيخ " للذات الإلهية عفي عنها وسوّغ لها حجج من قبل الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " عبداللطيف آل الشيخ " ..؟!

غريب أن تخالف الخطيئة مسارها هذه المرة ؛ فنحن اعتدنا منذ الأزل أن هذا المجتمع قد قسم الخطايا إلى خطيئة مذكرة وخطيئة مؤنثة لكن تاريخ الخطايا في تطور على ما يبدو واستحدثت إلى خطايا قبلية وخطايا طائفية وخطايا حزبية وهلم جرا ولكل خطيئة استثناء ..!

وما أكثر الــــ"لماذات " المشروخة في حنجرة العقل والقلب واللسان فهل من مجيب عنها ..؟!



ليلى البلوشي


الاثنين، 21 مايو 2012

تسلق أشجار المانغا ..



تسلق أشجار المانغا ..

جريدة الوطن


   ليس من السهل ارتقاء شجرة مانغا خاصة إذا ما كنت صغيرا وضعيف البنية كالطفلة الصغيرة و الرقيقة " مادور " بينما إخوتها وأبناء عمومتها الأكبر سنا يقطعون المانغا المقطوفة إلى شرائح لذيذة تتزحلق بانسيابية طاغية إلى أفواه المترقبين قصار العمر والقامة في أسفل أفرع أشجار المانغو ..

إنها سيرة مغموسة بروائح مأكولات هندية بأطايبها وبهاراتها ذات خليط أسطوري .. إنها سيرة عن عائلة ثرية يعترش أفرادها تحت ظل شجرة الجد الكبير الذي تصدّر مناصب راقية في البلاط الملكي مورثا عائلته التي تتمدد إلى أفرع متكاثرة الأغصان شرف سامق يتوارث من جيل إلى جيل ..

تروي تفاصيلها بأريحية هادئة ونقية الصدق الكاتبة الهندية " مادور جافري " التي ولدت في دلهي حيث الذاكرة المنتعشة بتفاصيل الأمكنة والأزمنة التي تعاقبت عليها وعلى أفراد عائلتها الكبيرة وتركيز جل سيرتها الحافلة على مقتطفات مكثفة من حياتهم دون أن تولي بقية رحلتها في الحياة سنوات ما بعد التخرج والزيجتان والاستقرار في نيويورك أدنى ما يذكر من تفاصيل .. يمكن القول بأنها ذاكرة هندية أصيلة جدا رغم التربية الغربية التي انغمست الكاتبة في كنفها مذ كانت رضيعة ..

قلنا إن الكاتبة في حيازتها ذاكرة جبارة حيث تختلج سطورها بأدق تفاصيل محكية قل ّ أن تخزنها ذاكرة طفلية ؛ ولكن الفضل على ما يبدو يعود لكرات اللوز التي حرصت أم " مادور " الأنيقة دوما بسواريها القطنية والحريرية على إعدادها .. كما جاء على لسان ذاكرة الطفلة : " اعتادت والدتي أن تطعمنا كرات اللوز وكانت والدتي تنقع المكسرات والهال وتكون منها كرات ملساء تغلفها بطبقة رقيقة من الفضة ، يالها من كرات رائعة لم أر مثلها أبدا ، كان عند والدتي إيمان راسخ بأن اللوز غذاء للعقل وأنه لا يجوز أن يرسل طالب أو طالبة إلى امتحان يدوم ست ساعات دون أن يتسلح بكرات اللوز .." إنها وصفة ينبغي تطبيقها من قبل أمهات فاضلات حريصات على جذوة إذكاء ذاكرة صغارهن ..

أما عن العائلة الهندية تلك التي تفرعت منها " مادور " فهي نادرة في صلات التقارب والتحابب العميقة التي نسجت منها مشاعر هذه العائلة .. التي كانت منفتحة على العوالم الخارجية دون أن تحقن نفسها ضد الاختلافات التي وجدت من حولهم ، سواء من حيث المأكل والملبس والمشرب وطرق التعليم والدراسة وهذا يعيد ذاكرتي إلى روايات هندية عانى أفرادها من انقسامات عائلية ناهيك إلى انقسامات شرخت المجتمع الهندي الواحد إلى مجتمع تعددي الطبقات والديانات في فترة الأربعينيات والخمسينيات ، وهذا يبرز اختلاف وجهات النظر ومدى انفتاحية العقلية تجاه المتغيرات في المجتمع آنذاك .. فعلى النقيض كانت روايات " سلمان رشدي " دائما تحكي عن عوائل هندية تتفشى فيها معانى البغض والعدوانية بين أفراد العائلة الواحدة التي تفتقد أواصر أسرية عميقة بل يسودها الافتقاد غالبا لمسمى العائلة الواحدة .. فالأب إما أن يكون غير لائق لحمل صفة الأبوة أو دوره غائب تماما في الحقل الأسري ..!

ومن ناحية أخرى أمعنت " مادور " في الحديث عن فترة التوتر السياسي أثناء الانقسام الذي تعرض لها بلادها .. ووصفت مشاعرها نحو المسلمين والهندوس بأسلوب ينم عن الرقي ويحتمل معاني الحب والصداقة لكلا الطرفين نابذة من خلالها التفرقة ، ورغم أنها هندوسية إلا أن محيطها الأسري لم يخل من خليط من العادات الهندوسية والمسلمة والطابع البريطاني وقد تماهت مع تلك الاختلافات بطريقة تحقق لها المتعة والسعادة على خلاف الكاتبة المسلمة " تسليمة نسرين " في روايتها " العار " حين حكت عن فترة انقسام الهند بين الهنود والمسلمين بأسلوب يؤّلب مشاعر كلا الفئتين على نار البغض وشرارة الفتن خاصة حين ناصرت الهندوسي وجعلت منه وليمة مظلومة في فم المسلم المتوحش وكشف هذا عن مغالطات كثيرة .. فعلى الرغم من ذاك الشرخ إلا أن الكثير من الهندوس والمسلمين كانوا على توافق اجتماعي لم تأفل قوة المحبة والأواصر بينهم رغم الفتن والمشاحنات السائدة في الجو الهندي وقت ذاك ..

ولعل مدرسة " الملكة ماري " التي التحقت بها الكاتبة في طفولتها تصف لنا الجو السائد آنذاك ومعاني التسامح التي عرفت بها الأسّر الهندية : " شكلت تجربتي في مدرسة الملكة ماري انتقالا من عالم غربي مسيحي إلى عالم هندي مسيحي ، كانت المدرسة مسيحية قلبا وقالبا ولكن لأن الإدارة كانت مسيحية واستقلال الهند كان مكتملا تقريبا سمح للهنود – الهندوس والمسلمين والسيخ وغيرهم – أن يكونوا على سجيتهم .." .

ولا يستغرب من عدم تعصّب الكاتبة لدينها وهذا راجع لتشرّب روح " غاندي " في دمها النقي .. حيث ظهر تأثيره في أفكارها خاصة في فترة الاحتلال البريطاني مع تعامد رغبة غاندي في توافق كافة الأطياف الدينية تحت سيادة دولة واحدة نافيا بذلك كافة أشكال التقسيم في الوطن الواحد ..

الاختلافات التي كانت ترنو إليها الكاتبة كانت منصبة على أنواع الأطعمة التي تقوم بطبخها كل عائلة باختلاف دينها كما جاء وصفها : " كانت هناك عشرات الخصائص والعادات والتقاليد التي عرفتنا بالأطعمة الإقليمية المحلية ، إلا أنها لم تكن كافية أو مرضية تماما ، فلقد تميز كل طبق بحس ديني يمكن رؤيته وتذوقه .." ثم تماهت في وصفها لطعام البنتين التوأمين اللتين رافقنها في المدرسة وهما مسلمتان : " يعكس طعام عبيدة وزهيدة خصائص قلب المدينة ، ومدينة دلهي وخصائص المسلمين من الهنود ، تنتزع أصابعي قطعة صغيرة من اللحم لتفصلها عن العظم الملتصق بها ثم تتبعها لقمة خبز الروتي .."

أما صديقتها " سودا " اليانية : " كان طعام سودا ذا طابع ياني بقدر ما كان طعام عبيدة وزهيدة إسلامي الطابع ، لقد كان طعامها نباتيا تماما وخلا من البصل والثوم ، إذ اعتقد أن هذه النباتات البصلية تثير عواطف دنيئة ، كما وخلا طعامها كذلك من الطماطم والشمندر فلقد اعتقد أن لونهما يذكر بلون الدم ولم يحتو طعامها على الخضروات ذات الجذور بسبب الاعتقاد السائد عند طائفتها أن اقتلاع الجذور يقتل النبتة بأكملها .."

 بينما  " بروميلا " كانت من عائلة بنجابية متحررة نوعا ما وهذا التحرر جاء بدءا من اسمها الغريب ليضفي نوعا من الاندماج مع تاريخ العالم الحديث .. أما عن وصف طعامها حسب طابع انتمائها الديني فوصفته : " اشترت بروميلا خبز الباراثا أو خبز الصاج المحشو بالقرنبيط الذي أكلته مع مخلل المانغا .." .

واللافت للنظر حقا في سيرة الكاتبة أنها تنتمي وعائلتها لطائفة الهندوس وهي طائفة تنأى من أكل اللحوم ولكن عائلة " مادور " تعد اللحم بأنواعه وجبة رئيسية محببة لمعظم الوجبات الطعام المختلفة .. ويحتمل هذا إلى التساهل الديني إضافة إلى موجة التأثير الغربي بالنسبة لعائلة ثرية منذ عهد عتيق مع وجود عقول متعلمة ومنفتحة على عوالمها المتغيرة ..

بدأت السيرة بحكاية عن البيت رقم سبعة التي نشأت في أرجائها الكاتبة وعائلتها والجد الثري الذي كان يقود دفة ذاك الامتداد العريض بشموخ حاكم يقود شعبه ، وختمت الرواية بموت هذا الجد ومراسيم تشييعه وذلك بنثر الرماد في مياه نهر يامونا المقدس ..

وبما أن الرواية تعنى بالدرجة الأولى بأوصاف الأطعمة الهندية الشهية .. فقد خصصت الكاتبة  الصفحات المئة الباقية من الكتاب لعرض أوصاف الأطعمة الشهيرة التي تناولتها - طوال تلك السنوات - آخذة معظم المقادير من الذين قاموا بإعدادها من أفراد عائلتها وكل الذين قابلتهم في مسيرة حياتها .. ولعل مبعث هذا الزخم المطبخي عائد إلى رسوب " مادور " في مادة الطبخ حين كانت ما تزل تلميذة .. ربما وهذا احتمال من ترشيحي .. مهما كانت الأسباب فلن نحرم أنفسنا قط من متعة تجريب إحدى تلك الوصفات التي تنم عن ذائقة باذخة باللذة رغم بطولة الفلفل الأحمر في كل وصفة معدة فيضطر المرء إلى شرب كميات هائلة من الماء ليس بعد كل وجبة من وصفاتها فقط بل يرافقه الاحساس بالحرارة بعد كل التهام قرائي لصفحاتها اللاسعة بالفلفل الهندي الأصيل وصحة للجميع ..



ليلى البلوشي

قالوا : " اتحاد خليجي " فبكى " التعاون الخليجي " ..!


قالوا : " اتحاد خليجي " فبكى" التعاون الخليجي " ..!
جريدة الرؤية العمانية


الاتحاد الخليجي .. مصطلح جديد أعلنه أصحاب القرار في دول الخليج رغم تحفّظ البعض وممانعة آخرين هذا على مستوى " حكومات الخليج " أما على مستوى " شعوب الخليج " فسوف يستدعي الموقف مثل القائل " اتفق العرب على ألا يتفقوا " لا ندري من أعلن هذا المثل التي غدت كالبصمة يُعرف بها العرب ولا شك من قاله كانت له نظرة مديدة .. وانقسموا ما بين استنكار وشجب ورغبة وقبول وما بين تحفّز وقلق..!

الاتحاد الخليجي .. يستدعي أيضا مصطلحا وجد قبله وله باع طويل " مجلس التعاون الخليجي " نحن أمام لفظتين مهمتين " اتحاد " المستحدث والمقترح الطازج ولفظة "التعاون "تلك اللفظة العتيقة كشيخ هرم .. وبما أننا نحن-العرب- شعوب من عادتها الوقوف على الأطلال مذ أيام الجاهلية الأولى ولكل طقوسه في هذا التباكي لذلك نقول إن لفظة" التعاون " تعيد ذاكرتنا أشواطا إلى الوراء ويسقطنا في أنياب التساؤلات ولعل أسنّها : ماذا كسبنا من التعاون الخليجي من خليجنا إلى خليجنا ..؟!

كل خليجي مقيم في وطنه لم يكسب من مجلس التعاون الخليجي شيئا يذكر ؛ والخليجي خارج وطنه وداخل وطن الخليج ماذا كسب سوى مجانية التعليم والصحة والإقامة ..؟!

أما على مستوى التعليم فحقوقه مبتورة وليست كاملة الاستحقاق فمن الأول الأساسي إلى شهادة البكالوريا فقط مع حجب حق التعليم في فصول الروضة وفي فصول الجامعة ؛ والشاب الخليجي عندما يتخرّج من الثانوية في البلد الخليجي أمامه خيارين والثالث محبط : اكمال الدراسة في وطنه أو دفع رسوم لجامعة خاصة والمحبط هو ترك طموح الدراسة والبحث عن وظيفة راتبها أقل عن راتب ابن البلد لأنه خليجي ، هذا إن حصل على وظيفة مع سياسات أولوية ابن البلد ..!

على صعيد الصحة ثمة تمييز واضح فالخليجي بطاقته ملونة حسبما دولته تختلف عن لون بطاقة ابن البلد هذا في زمن" التعاون " ربما في زمن " الاتحاد " ربما نتوّحد في ألوان بطاقات الصحة والزي الرسمي للرجال لأن المرأة زيها الرسمي موحد ومعروف ، ولون جوازات السفر دون أن نسقط فشل مشروع العملة الخليجية الموّحدة ..!

على صعيد الأحكام والقوانين الخليجي حين يقترف جرما في غير بلده ينفى إلى وطنه لتتكفل به وبجرمه ولا يهم مطلقا إن كانت كل عشيرته مستقرة في البلد الخليجي الذي نفي عنه وحيدا ومكسورا وذليلا ..!

ناهيك عن ذل الانتظار لساعات عبر حدود دول الخليج .. وهذا غيض من فيض مما يعايشه الخليجي في بلد خليجي آخر ..!

أجل نحن - شعوب خليجية - أرهقنا التشاؤم والاكتئاب والبكاء على الأطلال ولكن أرهقتنا الوعود أكثر بل تشبعنا بها ومنها حد التخمة ..وأخالني اليوم أدركت مبعث ارتفاع السمنة المفرطة بين أبناء دول الخليج إنهم منفوخون من الوعود المحبطة التي يفرغونها في التهام كامل الدسم ..!

هل " الاتحاد " يصنع ما فشل عنه " التعاون" .. تساؤل قابل للتأويل‏ في زمن الاتحادات المؤولة ..؟! يذكرنا بأوبرا الحلم العربي " دا حلمنا طول عمرنا أرض يضمنا كلنا كلنا " ولم نجد سوى احتشاد مطربين ومطربات على مسرح عربي واحد ..!

الاتحاد الخليجي نريده اتحادا في ترف السلم وتقشف الحرب ؛ لا في السلم خارج الحقوق وفي الحرب داخل الواجبات ..!

الاتحاد الخليجي نريده أن يكون واضحا في أهدافه و خططه وتطلعاته لمستقبل مواطني دول الخليج على أصعدة كافة سياسيا واقتصاديا ودينيا وثقافيا واجتماعيا ؛ لا اتحاد قائم على مصالح خاصة تمثل أصحاب القرار ويجنون مكاسبها على حساب المواطن الخليجي حيّا كصوت في رفع شعارات تدعم وجودهم وميّتا كجثة للذود عن وطن ينافح عنه من أجل عين كرسي أو رجل طاولة ..!

الاتحاد الخليجي نريده اتحادا بمعناه الحقيقي غير قابل لتأويلات الوعود وغير قابل للغة المجازات الغامضة وغير قابل لــ" لا " أو نعم " بل اتحاد مستقيم يحترم المواطن الخليجي ويتم ترقيته من عضو صامت إلى عضو فاعل في قرارات تمس الخليج ومستقبله على مستوى السلم والحرب ..!

الاتحاد الخليجي نريده اتحادا على قلب واحد شرايينه موصولة من خليجي إلى خليجي نتحّد بعمق بعمق لدرجة إذا ما قال العماني أو الكويتي أو البحريني " آه " هبّ السعودي والإماراتي والقطري "لبيه " .. !

ليضع أصحاب القرار في دول الخليج ببالهم بأن شعوبهم لم يعودوا مختصرين في بدو وحضر ولا متربعين في مراتع الصحاري والفيافي المقفرة منفصلين عن العالم بل هي شعوب في قلب الحدث فرضت وجودها على مستوى الواقعي والافتراضي في الآن معا .. هي شعوب الفيس بوك والتويتر والواتس ساب ....وهلم جرا ..!

على دول الاتحاد الخليجي قبل أن يعلنوا قرار " الاتحاد " عليهم أن يكاشفوا أساسيات هذا الاتحاد وأبعاده .. وإن عجزوا عن فهم معنى " اتحاد " ؛ فإني ناصحة لهم كإمرأة خليجية بالوقوف على تجربتين ثريتين واقعيتين في سبل الإتحاد الحقيقية ؛ فلينهلوا من مناهل خبرتهما للتّأهل .. الأول متجسّد في " اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة " وهذا خيار محلي وأما الثاني متمثل في " الاتحاد الأوروبي" وهذا خيار خارجي ..!

ولا " اتحاد " بدون" اتحاد " على مستوى القرار والتشاور والتحاور بين الشعوب وحكامها ولتتداول تلك " الراءات " بشكل جدّي وفاعل على الأقل في مرحلته المتبلورة الأولى إن وجدت مرحلة أولى وتتابعتها مراحلها الأخرى ..!


ليلى البلوشي