السبت، 25 فبراير 2012

القبائل الكوكبية ..








القبائل الكوكبية ..



جريدة الرؤية العمانية ..



غدت الحركات الإسلامية هي القبضة التي استلمت زمام العالم العربي اليوم ؛ ففي كل من تونس ومصر وليبيا وغيرها نجس قوى إسلامية بدأت بالظهور العلني بعدما كانت متزحزحة في زمن مضى في أقبية أوطانها ..




ولابد أن ثمة أسباب وتداعيات أدت إلى تشكيل وتسيّد هذه الحركات الدينية ، وقد تناول الأديب " أمين معلوف " في كتابه " هويات قاتلة " بعض تداعيات هذا الصعود الإسلامي .. ففي الفصل الثالث من الكتاب تحت مسمى " زمن القبائل الكوكبية " وهو مسمى ألبسه المعلوف هذه الحركات الدينية ؛ لأنها حسبما تفسيره هي في الواقع كقبائل كوكبية ..




أما تسميتها قبائل بسبب مجموع هويتها أما عن لفظة كوكبية ؛ لأنها تجتاز الحدود بسهولة .. فالانتماء إلى عقيدة تتسامى بالانتماءات القومية والعرقية والاجتماعية ويبدو في نظر بعضهم كأنه طريقتهم الخاصة ليظهروا عالميين ..




وبجس نبض العصر سوف نرى أن " الانتماء الديني " غدا هو العنصر الأساسي للهوية .. وقد أضحى كل إنسان اليوم يشعر بأنه مدفوع كي يؤكد هويته الدينية بطريقة أو بأخرى ..!




ومبعث هذا الشعور كما يرجّح " أمين معلوف " هو تراجع العالم الشيوعي الذي انهار ، فلعب دورا حاسما في هذا التطور ويفسره بشكل أوضح بقوله : " فالماركسية تعد منذ أكثر من قرن بأن تؤسس على مجمل الكوكب مجتمعا من نمط جديد تستعبد منه فكرة الله وكان فشل هذا المشروع على مستويات المعنوية والفكرية أن أعاد تأهيل المعتقدات التي أراد رميها في سلال المهملات التاريخ وأن الدين كملجأ روحي وملاذ للهوية .. " ..




وليست الماركسية وحدها خسرت من سحرها كما يرى معلوف بل حتى " القومية العربية " التي صادرتها بعض الأنظمة التسلطية العاجزة والفاسدة مصداقيتها ..!




أما عن " النموذج الغربي " فهذا بدوره أيضا صورته الانبهارية تزحزح في مفهوم الشباب اليوم ؛ فالذين يغريهم " الفردوس الغربي " ليس من أمامهم من وسيلة سوى الهجرة ، إلا إذا كانوا ينتمون إلى إحدى طبقات الامتيازات التي تحاكي كيفما اتفق بعض مظاهر هذا النموذج .. ولكن البقية أولئك الذين يرغبون بقلب النظام القائم وكل الذين يجدون مشقة في إيجاد مكانهم في عالم يتغير بسرعة يغريهم المد الإسلامي ..




ثم يلقي المعلوف تفسيره بشكل أعمق على " روح العصر " في بعث التداعيات الهوية الدينية ؛ فإذا كان من الممكن تفسير التنامي الديني جزء من الفشل الشيوعية وجزء من المأزق الذي وصلت إليه معظم مجتمعات العالم الثالث وجزء منه بالأزمة التي تصيب النموذج الغربي لا يمكن فهم اتساع الظاهرة وشدتها دون العودة كما يرى معلوف إلى التطور الأخير المذهل في مجال الاتصالات ومجمل ما اتفق على تسميته بالعولمة ؛ فهذه العولمة تسببت كرد فعل تعزيزا للحاجة إلى الهوية ، كما أن القلق الوجودي الذي يرافق التغييرات المفاجئة جعل الجوانب الروحانية متعاظمة عند الأفراد ؛ لهذا كان الانتماء الديني هو الوحيد الذي يعزز الخواء المفاجئ الذي هبط مع العولمة المتسارعة وهو ما يعزز قيم الهوية ..




و الصعود الديني أكثر من مجرد رد فعل على التغيير في العالم ، وربما التأليف بين الحاجة إلى الهوية ومطلب العالمية ، إن جماعات المؤمنين تبدو في الواقع كقبائل كوكبية .. لأنها تسمو إلى العالمية ، هكذا يصبح الانتماء إلى جماعة من المؤمنين نوعا ما الخصوصية الأكثر شمولية والأكثر عالمية ، أو ربما يجب القول إنها عالمية الأكثر واقعية والأكثر " طبيعية " والأكثر تجذرا ..




وربما هذا أعمق تفسير لموقف الشباب اليوم من النموذج الغربي حين يؤخذ بكافة مجالاته وتطوره وينساق معه ولكن دون أن يخسر أو يؤثر ذلك على هويته و انتمائه الديني المتجذر في روحه ..




وكما هو شائع أن هذه التيارات الدينية وجدت بيئتها الخصبة في " الجامع " وانطلقت منها ، وفي مقابلة مطولة من صحيفة " الغارديان " البريطانية مع الشاعر السوري " أدونيس " كان قد تشاءم من الثورة السورية كون انطلاقتها كانت من الـــ" الجامع " وهو انطلاق يؤكد اختلاط الدين بالسياسة في بلاد ومجتمعات العرب ..




انطلاق هذه الحركات والتيارات الإسلامية من " الجامع " من أماكن العبادة أمر طبيعي في معظم المجتمعات التي تمارس سياسات وحشية وقمعية كما رأى " أمين معروف " في " هويات قاتلة " فلا تجد مكانها سوى " الجامع " كي تستجمع من دفئه الديني أمان وروح الإنطلاق ..




وفي مقالة للدكتور " خالد حروب " في إحدى الصحف العربية تناول فيها آراء " أدونيس " في مقابلته تلك ووقف عند عبارته "الفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو سياسي". فعلّق بقوله :







" لا يمكن تحييد الدين تدريجيّاً عن السياسة بقرار فوقي، بل عبر التجربة، والتاريخ، والممارسة، وتطوير وعي عريض يتنامى مع الزمن. ومثل هذه العملية التدريجية يوفر أمرين، الأول هو انتشار وتعمق قناعة عند الرأي العام مبنية على التجربة تفيد بأن خلط الدين بالسياسة لا يؤدي إلا إلى تشويه الدين وتعطيل السياسة. والثاني يتمثل في اقتناع الناس بأن تحييد الدين عن السياسة لا يعني معاداة الدين والممارسات الدينية الفردية والجماعية التي لا يمكن استئصالها من المجتمعات. وهذه قناعات لا تحدث في وقت قصير، كما لا تتم بالتنظير الاستعلائي ولا التمنيات. وأفضل آليات ترسخها تتطور عندما تخرج عبر انتفاضات الإصلاح الديني الذي يصبح أمراً لا مناص منه كما حدث في التاريخ الأوروبي. وجوهر الإصلاح الديني يتمثل في محاولة طمأنة الأفراد على دينهم من غول السياسة، والحفاظ على السياسة من تغول الدين. فالسياسة والدين متعارضان بالتعريف، ذلك أن الأولى قائمة على "المتحول" في ما الدين يقوم على "الثابت"، وهذا التعارض تتفاقم أوجهه في الحياة الحديثة وتعقيداتها. فالثورات اللوثرية والكالفنية التي أعادت تشكيل المسيحية وعملت على تحييدها عن السياسة خرجت من رحم الدين نفسه عندما واجه تعقيد الحياة والسياسة. ومستقبل الدين والسياسة في البلدان والثقافة العربية والإسلامية الذي انفتح بعد الثورات العربية على مصاريعه سيتجه نحو مسارات شبيهة، لأن معضلات الحياة والسياسة تتشابه إن لم تتطابق شرقاً وغرباً. " ..







ليلى البلوشي




الاثنين، 20 فبراير 2012

مادة " احتلوا " ..!












مادة " احتلوا " ..!







جريدة الرؤية العمانية







تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي عن مادة " التدبير المنزلي " التي خصصت في بعض الدول كمادة دراسية للإناث دون الذكور ، وكانت المقالة عبارة عن دعوة لجعلها ضمن مناهج الذكور نظرا للتبدل الحاصل في المجتمعات ..




والظريف في المسألة هو الخبر الذي قرأته من إحدى الصحف يشير إلى أن حركة " احتلوا " التي انطلقت الخريف الماضي في نيويورك في إطار حملة " احتلوا وول ستريت " للمطالبة بعدالة اجتماعية والتي انتشرت في بقية أنحاء الولايات المتحدة سرعان ما تحوّلت إلى مادة دراسية تعّلم في جامعة بمدينة شيكاغو ..




وذكرت صحيفة " شيكاغو صن تايمز " أن جامعة روزفلت في شيكاغو بدأت في الفصل الدراسي الجاري بتعليم مادة " احتلوا كل الأماكن " ، وهو صف علوم سياسية يتناول انطلاق الحركة ومسألة العدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة ..




بينما قال " جيف أدواردز " الأستاذ الذي يدّرس الصف : " أدرّس الحركات الاجتماعية وهذا أمر يظهر الآن أمامنا " ..




والمدهش من كل هذا أن المادة من ضمن نشاطاتها هو قراءة صحيفة صادرة عن الحركة " احتلوا غازيت " والمشاركة في اجتماعات عامة يقيمها الناشطون ..




ياللغرابة .. حين نقرأ نحن – العرب – خبرا كهذا ..!




ففي وقت يستحدثت فيه الغرب مناهجهم الجديدة ؛ لتوازي عصرنة الزمن وتطلعات الأجيال الحديثة في مقابل ذلك تشهد أجيالنا الجديدة حالات الخلاف السائدة في دولنا العربية التي ما تزال متأرجحة في قراراتها وعلى اختلاف عريض عفا عليه الزمن للمطالبة بحق الإناث في مادة التربية الرياضة المخصصة لمدارس الذكور فقط .. !




يا ترى كم سنة ضوئية يلزم أوطاننا حتى تعتزم تدريس أجيالها مواد ثورية وهي التي كانت في مقدمة من أشعل فكرة الثورات ..؟!




بالنظر إلى كل من الدول التي شهدت حركات الربيع العربي تونس ومصر وليبيا واليمن .. بالنظر إليها سوف نرى أن مستوى التعليم فيها متردي ومتأخر وعلى حاله منذ سنوات عتيقة ..!




فالمناهج التونسية كما هي مذ زمن زين العابدين ولعل أطفالها يرددون مآثره الغابرة في نشيد وطني .. وأطفال مصر على - ما يبدو - ما زالوا يقلبون تلك الصفحات التي تعظّم رئيسهم المخلوع حسني مبارك .. بينما صغار ليبيا يرددون شعارات زعيمهم معمر القذافي ..!




كأنما دمج الحركات الثورية في منهاج المواد الدراسية سيغدو حلما عربيا آخر يضاعف إلى مجموع أحلامهم المشرعة في فوهة التاريخ ..!




في سياسات الدول الغربية تحرص كل دولة في الحفاظ على تاريخهم بخيرهم وشرهم على سواء ؛ ففي أمريكا كل حدث له أرشيف من الذاكرة الأمريكية التاريخية كما بقية دول العالم التي أبقت على قامات رموزها وثوارها ، بل حتى سفاحيها ومجرميها وجبنائها والخونة منهم ؛ فالتاريخ يعرض كما هو دون إسقاط حق ودونما تشويه ..!




أما في دولنا العربية ثمة عقول مشككة تعاني من توجّس دائم ووسواس قهري يأت الخلف ليقدس تاريخه الشخصي فقط ويلغ كل ما له صلة بالسلف السابق أو ما له علاقة بالتاريخ ؛ فعلى سبيل المثال عندما قامت أمريكا بإسقاط نظام حكم صدام حسين في العراق ، نهجت الحكومة الجديدة على إلغاء كل ما له صلة بالرئيس صدام ونظامه .. ولو قدّر لها على اقتلاع تاريخه من جذور العراق وكأنه لم يكن لفعلت ..!




على هذا المنوال الخلف يلغ تاريخ السلف وهو أمر حتمي ، ففي دولنا العربية يوجد ما يسمى نظام تقديس الأصنام ..!




لكن بشأن حركات الثورية للشعوب العربية الوضع مختلف تماما وليس له علاقة بتاريخ شخصي بقدر ما له أهمية عظمى ؛ لأنه يشكّل تاريخ شعب بأكمله ؛ و لأنها نابعة من شعوب بكافة أطيافها ولم تكن حركات انقلابية حزب عن حزب ؛ لهذا فمسألة تجسيد هذه الحركات وترسيخها لدى الأجيال القادمة حق أصيل وضروري ؛ كي يستلهم منها القادمون وتشهد أزمانهم على تاريخ أجدادهم وكفاحكم العريض في طلب الحرية والعدالة والقضاء على الفساد وتأصيل كل القيم النبيلة في أوطانهم لأجل مستقبل زاهر يشملهم ويشمل أبناءهم ..




لهذا فالمطالبة بدمج انتفاضة الشعوب ويقظتها وثورتهم حق شرعي يجب التأكيد عليه قبل أن تتولى أي قيادة جديدة زمام الرئاسة في تلك الشعوب .. وعدم إرسائها ما هو إلا دليل قطعي على طمس حقائق تاريخية من حق الأجيال القادمة معرفتها والمرور عبر أحلامها وتطلعاتها ..




قريب من هذا المعنى ما كتبه الروائي البرتغالي الحاصل على جائزة نوبل " خوسيه ساراماغو " في مقدمة روايته " مسيرة الفيل " : " علينا أن نعترف بأن التاريخ ليس انتقائيا فحسب ، بل هو تمييزي أيضا ، إنه لا يأخذ من الحياة إلا ما يتفق مع حاجاته المادية المجتمعية ، ضاربا عرض الحائط كل الأحداث الأخرى التي تخص ربما ملايين البشر ، والتي يمكن أن يكون أكثر أهمية مما تم تدوينه ؛ لأنها تلقي الضوء وتفسر الكثير من الأمور الغامضة في تاريخ الإنسانية ، وأقول لكم بكل صدق : إنني أفضل ألف مرة أن أكون روائيا ويسرد أحداثا متخيلة ، أحيانا كاذبة على أن أكون مؤرخا يشوّه الأحداث ويقدمها على أنها حقائق .. " ..







لذا فلنطالب بالمحافظة على تاريخ ورموز وشهداء وأبطال ومطالب و ثورات ربيعنا العربي من سرطان التشويه وتلاعب العابثين والمخربيّن ومشوّهي الحقائق ، وذلك عبر رصدها وحفظها في سجلات ووثائق كتابية وتسجيلية يرثها الخلف عن السلف ؛ ولتغدو ذاكرة كاملة عن شعوب عربية ولجت التاريخ بشرارة يقظتها ..







ليلى البلوشي




الجمعة، 17 فبراير 2012

تدبير منزلي ..!












تدبير منزلي ..!







جريدة الرؤية العمانية ..







حوار واقعي




- المرأة : زوجي لا يصلي ويتعاطى المخدرات .




- المجتمع : عليك بالصبر ؛ لعل الله يهديه ..




- الرجل : زوجتي لا تجيد الطبخ ..




- المجتمع : كيف تصبر عليها كل هذه المدة ، عليك بغيرها ..؟!







***




في سنوات التعليم السابقة قامت وزارة التربية والتعليم في الإمارات بتحديث المناهج الطلابية ، وكانت ضمن تلك الجدولة التحديثية إلغاء مادة التدبير المنزلي أو ما يسمى بالتربية الأسرية من جدولة التلميذات الإناث كون هذه المادة كانت مخصصة للإناث فقط في حدود حصتين أسبوعيا ؛ لتعليمهن فنون الخياطة والطبخ والاتيكيت أي ما يجهزها ربة بيت جيدة في المستقبل ، بينما الذكور ولعدم وجود تعويض يحل محل تلكم الحصتين ؛ فكان يسمح لهم بالخروج المبكر في نهاية كل آخر أسبوع من الدوام المدرسي ؛ وعلى مدار سنوات كان الحال على هذا النحو وكانت مادة التربية الأسرية مبعث خصب للتندر على الإناث من قبل الذكور؛ ففي وقت هن يقضينه لتعلم أصول الطبخ والخياطة كانوا هم يزجون الوقت في لعب كرة القدم أو ألعاب أخرى كانت متاحة في ذلك الوقت ..!




ولكن في أواخر التسعينيات قامت وزارة التربية والتعليم بخطوة ملموسة من نوعها وذلك بإلغاء مادة التدبير المنزلي من مناهج مدارس الإناث وفرضت عوضا عنها مادة الحاسوب وهي المادة التي شملت الجنسين الذكور والإناث معا ؛ بعد أن لمست وزارة التربية والتعليم أهمية مسايرة عصر التكنولوجيا والانفتاح العولمي ، كما أن منهاج التربية الأسرية أو التدبير المنزلي ما عاد لها تلك الأهمية القصوى في مجتمع متنام يوكل فيه جميع أفراده – مسؤولياته - بشكل واضح على العاملات في الاعتناء بشؤون البيت والطبخ وهلمّ جرا ..




لكن هناك مجتمعات ما تزال تشكّل مادة التدبير المنزلي أهمية ؛ في تلك التي ما تزال تحدد المرأة في حيز واحد متوحد كـ" ربة بيت " فقط ؛ رغم أن الأنثى اليوم توزعت مهامها إلى أمور شتى واكتسحت ساحات العمل بقوة ومنهن من تزعمت مناصب عالية في وطنها ، هنا أريد أن أقول : لماذا مادة التدبير المنزلي ليست ضمن مناهج الذكور في تلك الدول ..؟ ولماذا هي مخصصة للإناث فقط ..؟!




فإذا ما كنا في عصر يشهد للمرأة دورها القيادي في معظم أفرع الدولة ، وساعات عمل المرأة ليست أقل من ساعات عمل الرجل ، بل ثمة وظائف تتضاعف فيها ساعات عملها عن الرجل ، وهذه المرأة إضافة إلى وظيفتها خارج المنزل فإن لها أعمال أخرى تترقبها داخل البيت ، خاصة إذا كانت زوجة وأم ، في الحياة العامة مع تطورات وغلاء المعيشة بات عمل المرأة من الضروريات وليست ضمن الكماليات ، وأصبحت هذه المرأة تشارك في مصروف المنزل كالرجل تماما وربما أكثر ، والرجل في مجتمعاتنا غدا من أهم أهدافه البحث عن زوجة تعمل ويفضلها على التي لا وظيفة لها .. فلماذا مع التطورات التي تجرف المرأة ومتغيرات المجتمع تظل مهام المرأة نفسها والنظرة عينها من المجتمع ، بينما الرجل لا تطرأ عليه تغيرات الحياة والمجتمع ..؟!




الرجل يتمدد بذكوريته في المجتمع ، فمهامه لم يمسها تغيير وبجانبه امرأة تتحمل أثقال الحياة سواء ما يخص الأبناء أو المنزل ، بينما المرأة تتقلص لا تكاد تجد نفسها مع مسؤولياتها الجسيمة في داخل وخارج المنزل .. أليس من المفروض أن يكون ثمة توازن في المشاركة بين هذين الجنسين ، فلماذا لا يدرس الذكور منهاج التدبير المنزلي ويتعاطوا بعض المسؤوليات قبل أن يتحولوا إلى رجال برتبة أزواج ..؟!




وفي هذا مكسب للجنسين فكلاهما يساهمان في بناء حياتهما الزوجية وتربية الأبناء كثنائيين متوحدين في زمن طرأت عليه تغييرات جمة ولكن بقيت بعض الأعراف التقليدية على الصعيد الاجتماعي جامدة وثابتة عن منظومة التغيير ، كما أنه يساهم في القضاء على النظرة الدونية لدور المرأة المهم في المنزل ؛ فهناك بعض مجتمعات تحمل نظرات عدائية تجاه الأنثى ؛ خاصة تلك المنغلقة والمتشددة والتي ترى أن المرأة تختصر كربة منزل فقط وكل مطالبة لها خارج هذا النطاق إنما هو تمرد والخروج عن العرف ، حتى أولئك الذين يدّعون التحضر والقبول السطحي لنيل حرياتها ففي أعماقهم تظل المرأة كما هي ؛ لهذا على هذه المرأة أن تتحمل وحدها مهامات الداخلية والخارجية بما أنها هي التي طالبت بالمساواة بين الجنسين فعليها أن تكون رجلا في خارج المنزل تكد وتصرف مثله وفي الوقت نفسه تمارس دورها الأنثوي الكامل بلا أي تقصير داخل المنزل ؛ ومع أي تقصير حاصل فإن الرجل الإزدواجي جاهز ليفرض تهديداته وشروطه إما الزواج من أخرى أو منع عملها خارج المنزل ..!




بينما ثمة نمط رجولي متفهم لمدى ما تكابده المرأة من مسؤوليات خارج المنزل ؛ فتقوم هذه الجوقة بمساندة المرأة قدر المستطاع في داخل المنزل ، وكثير من نساء عربيات يشكرن ويقدرن أفضال رجالهن عليهن في مثل هذه الأمور .. فهناك رجال يطبخون ويكنسون ويغسلون ويعتنون بالأطفال في غياب الأم مع الوظيفة ؛ لهذا ثمة أسرّ استغنت عن الخادمات وبعضهم قلل من وجودهن في منازلهم ..




و آخرون يرون أن على المرأة التي أعلنت صوت تحررها بمساواتها مع الرجل أن تتحمل عبء مطالبتها بالمساواة ؛ فكثير من حركات التطرف النسوية تركت أثرا سيئا لدى بعض الذكور فيردون عليه بتطرف مماثل ، لكن ما يفوت مفاهيم البعض أن المرأة تريد التكامل مع الرجل لا التماثل معه وشتان ما بين التماثل والتكامل ..!




قصارى القول : على المجتمعات أن تسعى في القضاء على النظرات العنصرية تجاه المرأة ؛ وإرساء قوانين وواجبات يتحملها كلا الجنسين في جميع نواحي الحياة العامة وخاصة ؛ فإذا ما كانت بعض الدول تقوم بتدريس إناثها التدبير المنزلي ، فإن عليها التفكير مليا مع تطورات المجتمعات والتغييرات الحاصلة أن تدخلها ضمن جدولة الذكور ؛ كي يتفهم الرجل مهام المرأة ويعدّ شؤون المنزل جزءا من مسؤوليته ..




والغريب أن من ضمن جدولة بعض المجتمعات هو جعل مادة التربية الرياضية والتربية الوطنية مختصرة على الذكور فقط ، بينما الإناث فلا يحق لهن القيام بهذه الرياضيات أو تبني مفاهيم المواطنة والوطنية لا لشيء فقط لكونها أنثى ..!




أليست هذه الأنثى عندما تتحول إلى أم هي من تغرس في نفوس أطفالها معنى الوطن والوطنية بل الأم بحد ذاتها وطن كبير ؛ فبأي سبيل تفعل ذلك وهي في مجتمع يقلّص من وطنيتها في عالم ذكوري يرى أن الوطن والمواطنة شأن يناقشه الرجال فقط ..؟!




ومن عجائب تلك المجتمعات أنهم يرون أن عمل نسائهم في محال لبيع المستلزمات النسائية وخلافه جرما وحراما بحقهن ؛ فهذا الإجراء غير المسبوق في تلك المجتمعات سوف تفتح عيون النساء على بعضهن البعض وتسلب حق الرجل أحقية الرقابة واختيار ما يلاءم نسائهن وفقا لقاعدة " ولي الأمر أدرى بأمر امرأته " ..!




أليس من حق من تدرس إجباريا التدبير المنزلي أن يكون من أولى مهاماتها بيع ما يستلزم من ملبوسات تخصها وحدها ؛ ألا يسقط هذا الفعل المجتمع الذكوري الذي نأى عن نفسه منهاج التدبير المنزلي كونه شأن خاص بالنساء في فخ التناقض وفوق هذا يعمل هؤلاء الذكور كخياطين وطهاة في خارج منازلهم ..؟!




لا أقول سوى ما قالته الكاتبة " غادة السمان " : " هذه هي المرأة التي صمموا على تحطيمها باسم الدين ، لماذا ..؟ ولمصلحة من .. ؟ وهل يرضى الدين الذي كان تنظيم الفعاليات الإنسانية بشكل مجتمع فاضل من أولى غاياته ، هل يرضى مثل هذا الدين بإعدام هذه الفعاليات المثمرة باسمه هو .. ؟ وهو الذي كان أول من كرمها وقدرها ..؟ " ..!







ليلى البلوشي

الاثنين، 6 فبراير 2012

أنا القانون ..!









أنا القانون ..!







جريدة الرؤية العمانية ..







في حكاية عن " دوق روشينغ " الذي تناول الكاتب والباحث الفرنسي " سيناك مونكو " في كتابه " تاريخ الحب " 1817 – 1814 روايتها ؛ فقد كان من أقوى أسياد أوسترازيا يتلهى بحرق أفخاذ جواريه المسكينات بواسطة شمعة يشعلها ويطفؤها على لحوم أفخاذهن العارية ، وكلما كن يتلوين من ألم الحروق البليغة كان يطرب لذلك ، ولكنى الأنكى بشاعة أن هذا السيد الإقطاعي لديه زخم من الفطنة ليمارس اللعب بالكلمات بحذاقة ؛ فلما تجرأ شاب وشابة يعملان في مزرعته على أن يتزوجا دون إذنه استشاط غضبا ، ومع أنه قدم لأحد الكهنة ضمانا بأن لا يفرق بينهما ، فقد زوجهما على طريقته الخاصة إذ دفنهما حييّن في نفس القبر ..!




كما اذكر مسرحية للأطفال ، تحكي عن ملك يصدر قرارات شاذة ؛ متبجحا أنه يقوم بالصواب في مجتمع رعيته خانعون خاضعون فيغيب الحسيب ، وحين يبالغ هذا الملك في تدشين قرارين غير مألوفين من حشد قراراته العبيطة هنا يقف الشعب معترضا غاضبا ، فيتجلى المشهد بدخول الابن الحكيم على أبيه المتغطرس قائلا له : لا أخفيك يا أبي ، الشعب كله غاضب .. فيرد الملك – كمن يتذكر - : الشعب ، الشعب ، سمعت هذه الكلمة من قبل ، من أغضب الشعب ؟ فيوضح ابنه الأمير : قراراتك يا أبي .. فيقول الملك : أي قرارات ؟ قراراتي كثيرة ..! ويتابع متمتما : هي قرارات صائبة ، اتخذتها بنفسي .. فيعلق ابنه الأمير : يا أبي ، أسمعت ملكا في الدنيا يحكم على شعبه بأن يمشي على يديه .؟! فيرد عليه الملك بسذاجة : أردت أن أريح أقدامهم ..! فيضاعف الابن استنكاره : أرأيت ملكا في الدنيا ، يزج بوزيره في السجن لأنه داس خياله ..؟! فيجيبه الملك باعتباط أكبر : أنت لا تحس بي يا بني ، كسر الوزير عظامي عندما داس خيالي ..!




فإذا ما كانت هذه المسرحية من نسيج خيال كاتبه وتتبدى بها رمزية عالية عن قرارات نافذة يعكف على إصدارها بغطرسة واضحة بعض الحكام ؛ لا شيء سوى مزاجية وحب التملك واعتقاد الأبدي بالتعالي والفوقية وتملك الكلي للرعية ..!




ولا أبعد عن هذه الجوقة المستبدة بالوحشية بقراراتهم الشاذة وأمزجتهم المتخبطة رئيس كوريا الشمالي الحالي ؛ الذي أصدر قرارا شاذا هو الآخر ولا يكاد يخلو من مغبة الغرابة وهو معاقبة الشعب الكوري الشمالي ؛ لأنهم لم يحزنوا بما يكفي على رحيل زعيمهم المبجل ..!




وتلك العقوبة بندها أن يقضي المواطنون أشهرا في عدة معسكرات للعمل الإلزامي عن مدة لا تقل عن ستة أشهر ؛ لأنهم لم يحزنوا بالشكل الكافي لوفاة الزعيم " كيم جونغ إيل " وحتى الفئة التي شاركت وحضرت مراسيم الرحيل لم تبك كما يجب وهذا يلمح إلى انطباع على أن حزنهم لم يكن حقيقيا ..!




ولا تقف السياسة الشاذة إلى هذا الحد ، بل تسعى إلى فرض عقوبات أخرى وإعادة تأهيل لكل من توسله نفسه ترويج إشاعات وانتقادات حول انتقال السلطة المتوارثة داخل الأسرة الحاكمة ..!




مع كل هذه القرارات ارتفع منسوب الخوف بين أفراد الشعب الذي اكتفى فقط إلى اتهام الزعيم الشاب الواعد " كيم جونغ اون " بتسببه في تعذيبهم ..!




كأنما نحن أمام نموذج تاريخي برز في فرنسا قبل الثورة الفرنسية الكبرى ، وذلك حين أعلن ملك فرنسا عملية التماهي بينه وبين القانون فأعلن : " أنا القانون ، والقانون أنا .." مما فتح الباب على مصراعيه أمام أكثر من حكم " ملكي " وراثي ، فلقد تحول الوطن إلى ملكية خاصة فاقدة حتى للضوابط القانونية المكتوبة والمقرّ بها " ..!




لا أبعد حال هذه الجوقة عن الملك الذي وصفه الشاعر الكردي " لطيف هملت " في نص من نصوصه :




" أمر الملك باعتقال البحر




فصار البحر غيما




أمر الملك باعتقال المطر




فصار المطر فيضانا




الملك أمر باعتقال الفيضان




فالتهمه السيل بأسنانه الحادة .."







وطوبى لجسارة الفيضان ..!




ليلى البلوشي




السبت، 28 يناير 2012

كائنات تحت الصفر ..!






كائنات تحت الصفر ..!







جريدة الرؤية العمانية ..




أن تغدو فردا في وطن ، لك ما للآخر من جسد موصول بعقل وقلب وشرايين دموية ورئتين لضخ الأكسجين وكبد وطحال ... لك ما للآخر تماما ؛ لكن إنسانيتك ليست كإنسانية الآخر؛ فأنت مجرد كائن تحت الصفر ، لا تملك أساسيات العيش كأي بشري سويّ .. تأت إلى الحياة بلا شهادة ميلاد وتغادرها إن طال بك العمر المرير بلا شهادة وفاة ، بل أنت كائن خارج قانون التملك فلا يحق لك بامتلاك منزلك الخاص ؛ ولا يحق لك كأي كائن أن تحلم ببناء أسرة وأطفال محلقين حولك ينادونك بابا ، ليست لديك رخصة قيادة ولا شهادة تعليمية ولا بطاقة صحية ولا وظيفة تشعر من خلالها بكيانك ، وحبيس في سجن كبير يدعى وطن ولدت وشاخت تفاصيل حياتك فيه ولكنه لا يعترف بوجودك ولا حقوقك ولا إنسانيتك كل هذا وأوجع ؛ لأنك كائن لا تحمل ورقة تدعى " هوية " أو كما يحلو للبعض " جنسية " ..!




ياللعار ، هل غدت الأوراق هي التي تحدد إنسانية الإنسان ، هل بمجرد عدم امتلاك الإنسان تلك الورقة مبرر لوضعه في مرتبة كائن خارج حدود الحقوق الإنسانية ..؟! بالمعنى الأعمق بلا أحلام ولا طموحات ولا تطلعات فقط كائن يحيا في ترقب أبدي طال أم قصر ؛ لتهبط عليه رحمة ممن يملك زمام القرار وتلك الرحمة وحدها تحيل حياته إلى جنة خصبة على الأرض ، ولكن إن اعتكفت تلك الرحمة عينها فجحيم وساء سبيلا ..!




هذه الكائنات متواجدين في " الإمارت " و" الكويت " وعلى أقل وطأة في " السعودية " ولفيف هنا وهناك ؛ الألقاب التي تحملها هذه الفئات أشهرها " البدون " وبعض الدول استحدثت مصطلح " عديمي الجنسية " ثم تسمية " لا يحمل أوراقا ثبوتية " ..!




في الإمارات قبل قيام الاتحاد وجدت قبائل لا تحمل جنسية ، ولكن مع قيام الاتحاد معظم تلك القبائل قدمت طلب الحصول على الجنسية والبعض تراخى ؛ لأن في ذاك الوقت لم يكن الوعي الشعبي عميق ولم تكن تلك الإنسانية في تلك الحقبة تعي أهمية أن يكون للمرء ما يدل على انتمائه إلى أرضه ؛ ولهذا بعض تلكم القبائل إلى اليوم لا تحمل أوراق هويتها هذا من جانب ومن جانب آخر ضمن هذه الفئة تداخلت مشكلة البدون الذين يندرجون تحت أقسام عدة ، فمنهم من يمتلك جواز سفر ومنع من تجديده ، ومنهم أبناء المواطنات المتزوجات من غير المواطنين ، ومنهم من أقام في الدولة قبل الاتحاد وليس لديه أوراق ثبوتية ، وآخرون تسللوا إلى الدولة في التسعينيات واخفوا جوازاتهم ..




أحوال البدون في دولة الإمارات تكاد تكون متأرجحة ، بل تتفاوت من إمارة إلى أخرى وبعض الإمارات منحت فعلا بعض البدون جوازات ولكن دون جنسية لأن الجنسية خارج اختصاصها ، ولكن تلك الجوازات التي تم منحها وقف إصدارها لأسباب غير معروفة ، ثم تجلى قرار منح جنسية وجواز لفئة من البدون ممن عاشوا في الإمارات قبل الاتحاد وأعمارهم تفوق 35 سنة ، وهنا استبشر البقية وظلوا على أمل صدور قرار يعترف بوجودهم الإنساني ، ولكن الآمال ما تزال مترنحة مذ ذلك الحين وطال الانتظار وتعطلت الأمور واستصعبت طرق العيش بلا وظيفة ولا رخصة قيادة أو علاج للأبناء أو تعليم وتعقيد عقود الزواج والطلاق وغيرها ، وبعد هذا الوضع المترنح ظهر على حين فجأة منذ فترة قريبة قرار جديد يطالب كل فئات البدون في دولة الإمارات بما يسمى بـ" تحسين الوضع " وذلك بإصدار جواز دولة " جزر القمر " ويقال إن الإمارات منحت حوالي 250 مليار دولار لهذه الدولة ؛ كي تمنح جوازها لفئة البدون والحسبة هي خمسين ألف درهم عن كل رأس ..!




وكانت الخيارات صعبة ؛ فإما حصول على جواز دولة جزر القمر أو فصل من الوظيفة ، اليأس والإحباط والخوف من فقدان لقمة العيش هي أهم الأسباب التي دفعت معظمهم إلى الرضوخ للأمر ، أما كبار السن فكانت فريضتي الحج والعمرة هما أهم سببين لإصدار جزر القمر من أجل تحقيق حلم الحج إلى بيت الله خاصة بعد فقدانهم بارقة الأمل في الحصول على ورقة لا تمنعهم مغادرة حدود الوطن ..!




والحق يقال أن أحوال البدون في فترة ما قبل أواخر التسعينيات كانت جيدة وعوملوا كمواطنين في الإمارات حيث وفرت لهم الدولة المدارس والصحة والوظائف ومنحت بعضهم الجنسية ، ولكن ربما عندما تكاثرت هذه الفئة وتفشت وجاء كل من هبّ ودبّ وأخذ يسمي نفسه البدون هو ما كان وراء وقوف كل تلك المنح دون إسقاط مسؤولية الدولة في تفشي ظاهرة البدون مع الزمن ؛ حيث كان عدد البدون في البدء ضئيلا ثم مع مرور الزمن تكاثروا إلى عشرة آلاف واليوم يفوق أعدادهم المئة ألف ..!




ولأن أحوال البدون في الإمارات متفاوت من إمارة إلى أخرى ؛ فهم أفضل حالا من بدون الكويت ؛ فحالتهم الحرجة جدا هي التي حشدتهم في مظاهرات لضخّ حقوقهم الإنسانية في أرض لم يعرفوا غيرها منذ أمد طويل ، وهذه الأصوات المتجمهرة حصدت حصيلة احتشادها في الكويت ؛ فمن فترة قريبة أعلن وزير الداخلية الكويتي الشيخ " أحمد حمود الصباح " عن منح بعض فئات البدون الجنسية وحددهم بأربع شرائح هم العسكريون والذين يثبت وجودهم في الكويت أثناء إحصاء 1965م ، إضافة إلى أقرباء الكويتيين وأبناء المطلقات الكويتيات ..




أما دولة الإمارات فمع احتفالات الأربعين لاتحاد الإمارات السبع ؛ صدر مرسوم من رئيس الدولة بتجنيس أبناء المواطنات بدءا من سن 18 ..




هذه الخطوات مباركة وجيدة دون شك من قبل الدولتين ؛ ولكن ماذا عن الفئات الباقية سواء في الإمارات أو الكويت ..؟! هل ثمة أمل في تجنيسهم مع مرور الزمن ..؟ هل ثمة حلول فعلية لإغلاق ملف البدون ..؟ ومتى سوف يحين ذلك ..؟!




استفهامات حاشدة في زمن الحريات والمطالب والعدالة وحقوق الإنسان ؛ إن أبسط حقوق الإنسان اسم ووطن وجنسية ؛ ليشعر بمعنى الانتماء ويتطور منها إلى انفعال أعمق وأشدّ أهمية هو الشعور بـ" الأمان " ..!




حكاية شائكة ولا سبيل للهرب منها أو تنحيها جانبا دون حل ؛ ربما تكون هناك فئات عربية غدت من فئة " البدون " بين يوم وليلة ، وربما هناك آباء كانوا يحملون وثائق ثم تخلوا عنها أو أتلفوها أو كانوا متسللين في التسعينيات ثم أخفوا جوازاتهم ، ولكن المرارة والوجع وغياب أبسط الحقوق الإنسانية تحملها الجيل الجديد اليوم ، فهم ضحية آباء أو أجداد لم يعوا أهمية الجنسية أو هوية أوطانهم السابقة ، وضحية دولة سوّفت القضية حتى تضخمت وأصبحت متجذرة ..!




فكل التسويفات والمظالم الواقعية سقطت كقذيفة على هامة الأجيال الحديثة التي لم تشخص أعينها سوى الأرض التي ولدوا عليها ، ولم تشتم أنوفهم سوى أكسجينها ، ولم تمش أقدامهم سوى على رمالها ، إنها أزمة إنسانية عويصة تحتاج إلى حل فعلي وصارم ؛ دون التلاعب بفئة عريضة من البشر الذين أشجبوا أمالهم وأحلامهم على أمل شاخ مع مرور عبء الزمن ، كل طفل من البدون اليوم يكبر ويسأل بصمت . بصخب . بهدوء . بانفعال – مهما تفاوتت الانفعالات السؤال – يظل مندفعا من حنجرة متشظية بوجع مرير : من أنا ..؟!




امنحوا هؤلاء الأبناء الذين عجنوا من تراب أوطانكم ، هذا الجيل الجديد عبارة عن طاقات هائلة ، وهم صنيع أرضكم وليست أرضا غريبة أو مهجرّة ، هم ثروة لا تقدر بثمن ، امنحوهم مفتاح الأمل والطموح وأحلام تثمر أول ما تثمر في دياركم ..




ارحموا إنسانية كائن تحت الصفر في زمن حتى الحيوانات غدت لها حقوق في الهوية والتوريث والعلاج والصحة وترف الحياة وكفى ..!







ليلى البلوشي










الأربعاء، 25 يناير 2012

أموات في قناني معبأة بالغاز ..!












أموات في قناني معبأة بالغاز ..!*










نشر في جريدة الزمن العمانية ..







أربع قامات أدبية ، كانت كتاباتهم أشبه بنبيذ فاخر تسابق متجرعوها للاحتفاء بها نشوة اللذة الأبدية ، بعد أن رجحوا هم قبضة الفناء الجسدي لأبدية الروح ..




قيل عنهم الكثير وما يزال شلال الكلام يفجر الصخر تراتيل أمجاد ، والأكثر دهشة أن أربعتهم كقوائم منضدة مربعة ، تخيروا الطريقة عينها لإسكات النبض قبل ميعاده ؛ وكأنها دعوة إلى مأدبة وداعية : الموت انتحارا باستنشاق الغاز ..!




هذه الطريقة بعينها دون غيرها من طرق الموت المتعددة .. وحيدين غادروا ، بكل صمت ، بكل قسوة ، حاملين معهم أجسادهم المعبأة بالربو ، وتاركين خلفهم أدبا يضوع كماسة لا يأفل بريقها أبدا ..




والكتابة هي المنتصرة السرمدية في صفقات الموت تلك ، التي ترسي مرساتها في كل وداع لتعود منتشية بخلودها ، شامخة تشاكس الريح ذاته عبر قرون مديدة ، بعد تلويحة مختصرة لمشيعيها ، وبدأب مفرط لروح لم تخلق لتكل ..







* * *




" 1 "







" سيلفيا بلاث "







" لدي مثل القطة تسع محاولات لأموت " ..







هي شاعرة أمريكية ، ولدت في بوسطن ( 27 / أكتوبر / 1932 م ، 11 / فبراير / 1963م ) .. في الثامنة من عمرها فقدت بلاث والدها ، هذا الأب الذي ربطت غيابه بغياب الحياة نفسها ، تزوجت من الكاتب الانجليزي " تيد هيوز " بعد علاقة قصيرة وأنجبت منه ولدين ..




لكن سرعان ما انهار هذا الزواج الذي كان محفوفا بالمصاعب ، ولا سيما علاقة " تيد هيوز " بآسيا ويفيل ..




كانت لديها مشاعر مختلطة عن الدين خلال حياتها ، تعرضت أثناء تدريبها في مجلة " موداموازيل " بانهيار عصبي ومحاولة انتحار ، تماشيا مع الرواية التي كتبتها وهي شبه سيرة ذاتية " الناقوس الزجاجي " الذي يحكى عن شاب لامع وطموح في كلية سميث ، والذي بدأ بالتعرض بانهيار عصبي ..




يبدو أن لسيلفيا بلاث تسعة أرواح كقطة مسكونة بالحياة ، فأولى محاولاتها للانتحار أثناء أخذها لجرعة زائدة من حبوب منومة والزحف عن طريق منزلها ، ومن هذه المحاولة أصبحت بلاث ملزمة بالذهاب إلى مؤسسة للرعاية العقلية ، حيث تلقت علاج بالصدمات الكهربائية ..




ولربما لها محاولات أخرى غابت عن صفحات التاريخ وبقيت حبيس عوالم بلاث نفسها .. لكن المحاولة التي قضت على حياة بلاث كليا ، ونقلتها إلى عداد الموتى ، بعد عام من انفصالها عن زوجها " تيد هيوز " الذي تركها من أجل آسيا ويفيل ، تداعى عن ذلك بوضع رأسها في فرن مطبخها بينما الغاز يكتب قصيدته الأخيرة في دم بلاث ..!




هذه المغادرة الأبدية باستنشاق غاز يسمم الدم ، ما هي إلا صك مغادرة منطقية بل أكثر واقعية قدمتها بلاث للعالم الموبوء من حولها ؛ لأن الأكسجين نفذ من حياتها مذ كانت طفلة في الثامنة ؛ فتأثير الموت تمثل لأول مرة في روح أهم شخص في حياتها هو والدها ، والذي خصصت له قصيدة بعنوان " الكترا على درب الأضاليا " حيث يهيم الحزن الاسودادي الملطخ بدم الموت منسابا من حبرها :







" كأنك لم تك يوما / كأني جئت إلى هذا العالم / من رحم أمي وحدها / سريرها الواسع ارتدى ثوب القداسة / مت ّ كأي رجل / فكيف لي أن أشيخ الآن / أنا شبح انتحار شائن / كان حبي هو الذي قاد كلينا إلى الموت " ..







محاولة الانتحار الحقيقية وذلك بإدخال ذاك الرأس المحشو بعفن العالم من حواليها ، بضجة انفصال طلاقها عن زوجها ، بهزيمة اتخاذ الزوج عشيقة أخرى والأهم بذكرى والدها الذي مات ، أرادت بلاث أن تتخلص من هذا الرأس المعبأ بالموت ، لو أنها لم تقضي عليه ، لكانت اليوم من أشهر الموسومين بالجنون قاضية نحبها في إحدى المصحات العقلية ..




فالزمن في حياة بلاث كان مقصورا في الحاضر ويعني لها الأبد ، والأبد في مفهومها يجري ويذوي بلا انقطاع ، كل لحظة هي حياة وكل لحظة هي موت ، وهي المسحوقة تحت ثقل الأزمنة كما عبرت بقولها : " أنا الحاضر ، وأعرف أني زائلة بدوري ، هكذا يرحل الإنسان " .. المستقبل هذا الزمن الآخر المتقدم على الدوام نحو مجهول لا يتسقطه سوى القدر ، كان مقطوع الصلة في أزمنة بلاث التي لم تكن تتحدث سوى عن الحاضر ، حاضرها هي ، ووحده الشعر ، هو المعزوفة الباقية ، أو كما وصمتها بلاث بوصمة الحياة الأبدية باعترافها : " أما الكتابة ، اللحظة الأسمى ، فتبقى وتمضي وحيدة على دروب هذا العالم " ..




كل هذه الأمور والمؤثرات لم تكن سوى سببا جاهزا ، تحل بالنسبة للعالم معضلة مغادرتها الأبدية ..




لأن سيلفيا بلاث ، كانت ميتة مذ هي طفلة في الثامنة من عمرها ، يوم تبدى لها وحشية الفقد في شخص والدها ، طوال تلك السنوات يكبر جسد تلك الطفلة ، لكن الروح وحدها تتضاءل شيئا فشئيا ، كضوء شمعة حتى آخر ذؤابة انطفأ من تلقاء نفسه ، لتضّخ انفجارها في هيئة رسالة إلى العالم الخارجي المحيط بها ، وكأن لسان حالها يهتف : إلى هنا وكفى .. !







" يا سيدي الله ، يا سيدي إبليس




احذرا احذرا




من بين الرماد




سأنهض بشعري الأحمر




وألتهم الرجال كالهواء "







كفت بلاث عن الحياة ، لكن قصائدها الوثيرة لم تكف ، وها هي في كل محاولة قراءة تنهض كما وعدتنا بشعرها الأحمر تلتهم الرجال كالهواء .. !







* * *







" 2 "







" صادق هدايت "







" أحس بأن هذه الدنيا ليست لي .. إنها للمتملقين ، المنافقين ، الوقحين ، النهمين أبدا ، مثلهم مثل كلاب واقفة أمام دكان قصاب تتوق إلى قطعة عظم ترمى لهم " ..







كاتب إيراني ، ولد في طهران ( 17 / فبراير / 1903م ، 19 / ابريل / 1951م ) .




وهي الأرض نفسها التي أنجبت الخيام وحافظ الشيرازي وسعدي وجلال الدين الرومي ، ولد في أسرة من الطبقة الارستقراطية ، وجده لأبيه رضا هدايت المؤلف المشهور الذي عاش في القرن 19 ، لم يكن صادق هدايت راضيا عن حياته الارستقراطية ، وكان يريد الانفصال عن أسرته رغم نفوذ الثراء ، ولم يجد منفذا للحرية سوى في باريس ، فاتجه لدراسة الهندسة المعمارية ، لكن الحياة الباريسية أغوته في عوالمها ، فشحذ كل قواه لقراءة روائع القصص والروايات ..




بدأت أولى محاولات انتحار هذا الكاتب رديف - " كافكا " - في تناول المسحوقين وروحه الكئيبة المضببة بالسوداوية ، في نهر " مارني " فقد ألقى نفسه فيه ، ويبدو أن يد القدر تكفل بإنقاذه من قبل ركاب أحد القوارب .. ويبدو أنها بحد ذاتها كانت هدية من الرب ؛ كي يترك لنا هذا الكاتب معينه الأدبي والفكري ، وتساؤلاته عن الإنسان والعدالة ، وسيرة الموت تحديدا قبل أن يغادر هذا الكوكب ..




حينما عاد من باريس وكان ذلك في عام 1930 م ، التقى بثلاثة من الكتاب سرعان ما أقاموا جماعة أدبية باسم " الأربعة أو ربعة " نسبة إليهم .




صادف عودته أياما عصيبة ، فما بين عامي 1920 و1930 م كانت البطالة والفقر والفاقة متفشية في الشارع الإيراني ، كل تلك الآفات كانت تقضي تدريجيا على الشعب ، ولكن أقل اعتراض كان يخمد بقسوة ، وكانت عمليات الإرهاب التي توجه ضد المكافحين بالقلم ، تكاد تخنق أصوات الناس والكتاب ، ولم يساير هدايت الظلم والضغط والاضطهاد ، ومن أجل أن يتحرر من ذل " التقوقع بين الحوائط الأربعة " سافر إلى الهند في سنة 1936م ، ولكن لضيق اليد سرعان ما عاد إلى طهران ، دون أن يستطيع كتابة شيء في جو الإيراني المتصدع .




وحين زادت عمليات الكبت ومهزلة محاكمة خمسون كاتبا دون وجه حق ، لم يفقد الأمل وقد كتب عنه صديقه " برزخ علوى " مقالة يقول فيها : " كان هدايت رجل مقاومة ومبارزة ، ويعلم أصدقاؤه المقربون ، أنه في أيام الشدة حين تغلب قوى أهريمن " إله الظلام " ، كان يكافح في حماسة وإيثار من أجل تسكين آلام المطالبين بالحرية ، زاجا بنفسه إلى التهلكة " ..




صادق هدايت كان مؤسس القصة الحديثة في الإيران ، صاحب رواية " البومة العمياء " التي ترجمت إلى لغات عديدة ، كثيرا ما زج أبطال قصصه إلى نهايات مأساوية يسطرها الموت ، ويبدو أن معظمها كانت تتحدث سيرة موت هذا الكاتب وأفكاره عنها ، لم يجد بدا من أن يستنشق الغاز الذي طالما كان هواؤه طوال مشوار حياته ..




لقد نبش الكثيرون عن سبب انتحار هدايت في شقته في باريس ، بعضهم يرده إلى أسباب شخصية بحته ، ومنهم من يقول أنه أصيب بيأس من الحياة بعد وفاة أحد أصدقائه ، وبعضهم يرد انتحاره إلى مصرع زوج أخته " رزم آرا " الذي كان رئيسا لوزراء إيران واغتيل على يد جماعة " فدائيات إسلام " ..




بينما يرى فريق آخر أنه قدم بانتحاره احتجاجا عمليا على النظام السياسي والاجتماعي الموجود في إيران ، وكان قبلها قد عاد في كتاباته إلى يأسه القديم ، فقدم في قصته " الزقاق : بن بست " صوره لغلبة القدر المدمر ، وضياع الأمل الحلو .




صادق هدايت تنفس الموت قبل أن يقدم عليه ضيفا أبديا ، وهذا ما تفسره قصصه الكثيرة ، ففي قصة " مذكرات رجل مجنون " أقر على لسان بطله : " قرأت في الجريدة أن شخصا في النمسا حاول الانتحار ثلاث عشرة مرة ، وجرب جميع وسائله ، شنق نفسه فقطع الحبل ، ألقى بنفسه في النهر فأخرجوه من الماء ، وأخيرا حينما وجد نفسه وحيدا في المنزل قطع كل عروقه وشرايينه بسكين المطبخ ، كانت هذه هي المرة الثالثة عشرة والتي مات فيها "




وبطل هدايت في القصة يحاول الموت بكل قوة وشتى الطرق بالتعرض بالبرد في الشتاء القارص ، وتناول السم ثم التخدير تحت كميات كثيرة من الأفيون دون أن يؤثر فيه شيء من ذلك .. حتى يعترف على لسان البطل : " ليس هناك شخص يكتسب التصميم على الانتحار ، إن الانتحار موجود عند البعض ، في أصلهم وفي طبيعتهم ، لا يستطيعون الهرب من براثنه ، إن القدر الذي يحكم ، وفي نفس الوقت أنا الذي أعددت مصيري ، ولا أستطيع الآن الهروب منه ، لا أستطيع الهروب من نفسي " ..




فكرة عدم الرضا عن أوضاع الوطن ترتبط دائما بانتحار هدايت ، كانت إيران في العام الذي تركها فيه هدايت قد ركنت إلى يأس مرير ، لقد انزوى المثقفون ، وعادت الكعوب الحديدية تدق أمام أبوابهم في الليل ، ورأى هدايت أن كل ما سيكتبه سيصبح غير ذي شأن في دولة تلك أحوالها ، كان يكتب بمرارة ثم يحرق أوراقه ويمضى ، فالفجوة الفاغرة تهدد بعدم وصول ما يكتبه إلى من يكتب من أجلهم ..!




ويبدو أن الرسالة التي بعثها هدايت إلى صديقه الكاتب الكبير " محمد على جما لزادة " في 15 من أكتوبر عام 1948م ، تصف اليأس الذي استولى على قلبه وتشعب فيه : " ... أما الخلاصة فهي أنني أصل الليل بالنهار ، كأنني محكوم عليه بالإعدام أو أسوأ ، وقد نفضت يدي من حصيلة كل شيء ، لا أستطيع أن اشتاق ثانية لشيء ، ولا أن أعلق قلبي بشيء ، ولا أن أخدع نفسي ، ولا أجد الجرأة على الانتحار " ..




طريقة انتحار هدايت وهي التسمم بالغاز ، بينما هو مستلقي على فراشه كأنه نائم تحكي ذاك الخوف ، التردد من الانتحار رغم أن قلبه الذي تشعب من كل شيء طفا على السطح كسمكة ميتة أصابها الربو ، حين لم تجد سوى بحرا ملوثا ..




ووجد الجرأة على الانتحار ؛ وذلك لأن يقينه الداخلي وقلبه الميت كانا يتدافعان فيه بكل أوصالهما ، فلم يجدا للتراجع دربا .. !







* * *







" 3 "







" ياسوناري كاواباتا "







" ياه .. إن العجوز جار الموت " ..







كاتب ياباني ، ولد في أوساكا ( 14 / يونيو / 1899م ، 16 / ابريل / 1972م ) ..




فقد كاواباتا كل أفراد عائلته ؛ وكأنه في قصة " سيد الجنائز " الرجل الذي انطبع على حضور الجنائز يحكي عن نفسه ، فقد والديه وهو في الثانية من عمره ، فعهد به جديه لتربيته ، وكانت له أخت كبرى أخذتها عمة بعيدة لتربيتها هي الأخرى ، ثم ماتت جدته عندما أصبح في السابعة من عمره ، وغادرته شقيقته التي رآها مرة واحدة فقط مذ موت والديه عندما أصبح في العاشرة ، وحينما بلغ عامه الخامس عشر توفي جده وبفقدانه فقد كل أفراد عائلته ، انظم للعيش مع عائلة والدته " آل كورودا " ، ثم ما لبث أن انتقل للعيش في سكن داخلي قرب المدرسة الثانوية ، والتي تخرج منها منتقلا إلى طوكيو ، حيث اجتاز امتحان بنجاح ليكلل بذلك دارسا العلوم الإنسانية باللغة الانجليزية في جامعة طوكيو الإمبراطورية .




مارس إلى جانب الكتابة عدة مهن ، حيث عمل مراسلا صحفيا ، ورغم أنه رفض المشاركة في التعبئة العسكرية التي رافقت الحرب العالمية الثانية ، فإنه لم يتأثر بالإصلاحات السياسية اللاحقة في اليابان ، ومع موت أفراد عائلته بينما كان في سن مبكرة ، أثرت فيه الحرب بشكل كبير وبعد انتهاء الحرب بوقت قصير اعترف بأسى بأنه لن يستطيع أن يكتب سوى المراثي ..




أنهى كاواباتا حياته بالانتحار ، رغم أنه أول ياباني يحصل على جائزة نوبل ، وحيدا متسمما بالغاز في منزل منعزل على البحر في مدينة كاماكورا ، العاصمة البوذية للإمبراطورية اليابانية في وقت مضى ..




ارتبط انتحار كاواباتا باسم أديب لامع ، وكان صديقا مقربا له " يوكيو ميشيما " الذي وضع حدا لحياته بطريقة صاخبة وعنيفة بالمعنى الصحيح ، بل جعل من حياته قصيدة كما كان يردد قبل انتحاره ، فميشيما انتحر على طريقة الساموراي اعتراضا على أصالة اليابان التي بدأت تنغمس في عادات الغرب كما شيع عنه ، وفي جمهرة كلية أركان العسكرية أخرج يوكيو سيفه بعد ألهب في الجنود الحماسة في المحافظة على العرق الياباني الأصيل فيهم ، وأخذ يفتح جرحا في بطنه مرة بالطول ومرة بالعرض ، وفي موقف دموي ظل جسده ينتفض وسط الرعب الدموي الذي شاهده الجنود ، إلى أن استكان بضربة من سيف صديق له فقطع العنق ، وانفصل الرأس عن الجسد المسجى ..




وجاء بعد سنتين من ذلك خبر انتحار كاواباتا والذي بالمقابل كان هادئا جيدا ، صامتا وجبانا ربما ، سبق هذا التخلص من الحياة كوابيس ظلت تحوم حول لياليه ، قيل البعض أنه لم يشف من صدمة انتحار صديقه ميشيما ، الذي غادر بشجاعة وجرأة كما عرف عنه و موته على الطريقة التقليدية دليل على صدق مبادئه ، لكن كاواباتا كان الأكثر غموضا ، والجدير بالذكر هنا أن ثمة رسائل متبادلة كانت بين ميشيما وكاواباتا ، تلك الرسائل التي نشرها مؤخرا ابن كاواباتا بالتبني بعد موافقة زوجة ميشيما ، ومن ضمن تلك الرسائل ، رسالة كتبها كاواباتا في عام 1961 م ، يطلب من ميشيما أن يخط له رسالة ترشيح لجائزة نوبل ، وهذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها نوبل في رسائلهما ، وعليه تأخذ العلاقة طابعا حساسا جدا بالنسبة من ميشيما والذي كان يرغب بشدة الحصول عليها ، قال كاواباتا في رسالته : " .. رسالة مهما كانت بسيطة ، وحتى لو انعدمت إمكانية نيل الجائزة ، وإذا كتبت سوف أجد من يترجمها للانجليزية أو الفرنسية ، ثم نضع المعلومات ونرسلها " ..




والمعلوم في ذلك الوقت أن منافسي أدباء اليابانيين كانت على أشدها ، ولم يكن كاواباتا أقواهم بل كان " تانيزاكي " على رأس القائمة المرشحة ؛ لذلك استعان كاواباتا بتلاميذه وأصدقائه للوصول ..




وردا على الرسالة كتب ميشيما قائلا : " شكرا للرسالة ، أما بالنسبة إلى نوبل فإنني أخجل وأنا الصغير ، أن اكتب رسالة ترشيح لك ، ولكن شكرا لهذه الثقة ، وقد كتبت الرسالة ، وسوف أبعثها إليك قريبا ، وإذا ساعدتك قليلا فسأكون سعيدا جدا ، وإن كان لديك طلب آخر فأرجوك ألا تترد .."




في سنة 1968 ينال كاواباتا - ياسوناري جائزة نوبل ، ومن هنا تتبدل العلاقة فورا بين الكاتبين ، ولا توجد رسالة تهنئة من ميشيما. هناك رسالتان فقط بعد ذلك التاريخ ولحد انتحار صاحب "القناع".. في الأولى وهي بتاريخ 1969م ، يمتدح ميشيما أعمال كاواباتا الروائية، والمسرحية ، ثم ينتقل فورا إلى الحديث حول نفسه ، وحول مشاريعه ولاسيما مشروعه لسنة 1970م ، أي مشروع انتحاره ، أو كما يسميه "تهيئة نفسي".. ويعني بذلك عملية انتحاره ، ووصى في رسالة كتبها لكاواباتا على أن يعتني بأسرته بعد غيابه ، نظير الثقة المتبادلة بينهما .. وبعد انتحار ميشيما تضطرب أحوال كاواباتا النفسية ، يميل للصمت والعزلة ، ويبدو ثمة ما يضمره ضمير كاواباتا ؛ فعملية انتحار صديقه ميشيما كانت قاسية جدا ، ولربما حمّل نفسه هذا الانتحار ؛ بسبب جائزة نوبل التي حصدها ، بينما كانت حلما كبيرا لميشيما وبفقده فقد الاعتبار لأي شيء في حياته كما اعترفت رسالته الأخيرة والتي اقر فيها : " ولم أعد أبالي بكل ما يحدث .. لا اهتمام لي بما يحدث..."




أم أن العجوز جار الموت ، كما أشار على لسان العجوز ايغوشي في روايته " الجميلات النائمات " ..




ويبقى المعنى مخبأ في ضمير كاواباتا ، والذي على ما يبدو لم يمهله سوى عامين من التعذيب النفسي حتى كبته نهائيا ..







* * *







" 4 "




" آن ساكستون "







" حبيبتي الحياة ليست بيدي ؛ الحياة بتغيراتها الرهيبة ستأخذك ، قنابل أو غددا " ..







غالبا ما يرتبط اسم " آن ساكستون " بالشاعرة " سيلفيا بلاث " ليس فقط في الأسلوب التخطيطي لانتحارها ، بل في علاجات المصحات النفسية التي مرتا به كليهما في فترات متقطعة من حياتهما الحافلة بالمرارة والكآبة ، ولا سيما الطفولة التي تأزمت فيها معنى الفقد لسليفيا بلاث ومعنى مرارة اللاحب لساكستون ..




ساكستون حين انتهت من مراجعة آخر دواوينها المخطوطة " التجديف المروع نحو الرب " مع صديقتها " كومين " اتجهت نحو منزلها وفي المرآب تحديدا قفلت على نفسها الباب ، بينما غاز الكاربون مونوكسايد يبخر السيارة بعطر الموت ، لينسل إلى صدرها معلنة هذه المرة انتصار شارة الموت ..!




ولدت آن ساكستون في نيوتن ماساتشوستس عام 1928م ، حيث تلقت دراستها الابتدائية والثانوية .. والجدير بالذكر أنها نالت أرفع جوائز الأدبية في أمريكا ولاسيما جائزة " بوليتزر " عن كتابها " عش أو مت " عام 1967م .. تتفشى في كتابتها مطارحات الموت ، ولا ندري أيهما يطارد الآخر ..؟!




في قصيدتها " من أجل عام المجنونة " تقول :




" أقرب فأقرب / تدنو ساعة موتي / بينما أعيد ترتيب وجهي / أكبر بالعكس / أنمو بذرة طويلة الشعر / كل هذا هو الموت " ..




لقد اجتاح آن في طفولتها شعور مرير برفض الآخرين من حولها لها ، بدءا من والديها مرورا بأخواتها انتهاء إلى معلميها في المدرسية .. ومذاق ذاك الشعور المثقل بالرفض هو ما غذى روحها بالكآبة التي تطورت إلى مشكلات نفسية ، سرعان ما قبعت في مصحات العلاج النفسي مرات مكررة من حياتها ..




هذه المرأة الشاعرة التي أصبحت - أما - في العشرين من عمرها ، بعد أن فرت مع الرجل الذي أصبح بعد ذلك زوجها " ألفرد مولر ساكستون " ، ولم تكن ولادة ابنتها " ليندا " إلا فرقعة انفجار لانهيار عصبي تبعته بعد ذلك سلسلة من المآسي أشبه ببركان مستّه لعنة هائجة ، ومن تلك المآسي فقدانها عمتها الكبيرة " آنا لاند دينغلي " التي كانت آن تكن لها محبة خاصة .. وولادة الابنة الثانية " جويس " عام 1955م ؛ ليكون الانهيار هنا سببا لفصلها عن طفلتيها اللتين غدتا تعيشان في منزل جدتهما لوالدهما ..




ولعل المأساة الأكبر والأكثر إفراطا بشحنات اليأس ، حين بدأت تسمع الأصوات التي تحثها على الموت بحسب صديقتها " كومين " ..




" أيها اليأس / لا أحبك كثيرا / لا تناسب ثيابي ولا سجائري / لماذا تقيم هنا ضخما كخزان " ..




في تلك المراحل المتأزمة ما بين الحياة والموت في حياة ساكستون انبثق نبع الشعر يجري حارا ، باعترافات تتشامخ بجرأة في عرض مضامين كانت تحت حصار التابو في ذاك الوقت ..




الشعر هو ما وشم حياة ساكستون حياة أخرى مانعا الموت ، الذي كان يتسلق بدأب مدهش في محاولات انتحار متكررة كانت تبوء بالفشل في كل مرة ، لتشحن بذلك روحها التي كانت غارقة في مستنقع الكآبة اليأس ومخاوف لا نهاية لها بالحياة بمضّخة الشعر وحده ، ليكون هذا الشعر نفسه هو ما أبقى آن ساكستون نابضة بالحياة خلال 18 عاما من الإبداع .. وهذا ما أكدته صديقتها " كومين " بقولها :




" لولا هوسها هذا بالشعر فإنني واثقة من أنها كانت ستنجح في واحدة من دزينة محاولات الانتحار التي قامت بها بين 1957 و1974م ، إنني مقتنعة أن الشعر كان ما أبقى آن حية خلال 18 عاما من الإبداع " ..




و الشعر الاعترافي كشعر ساكستون ، سنجد فيه كيف أن رائحة البؤس كانت تتفشى في روحها المعذبة مذ طفولتها ، ليمتد تاريخ تلك الأحاسيس الغامضة التي انتابتها في حزمة من المعتقدات ما بين الرحيل كفتاة صالحة أم موت متخم بالأسئلة ، لم تجد ساكستون أجوبة لها في هذا العالم ، خانقة إياها ليس برائحة الكلوركس كما قالت في قصيدتها " ثياب " بل ببديل أقوى هو غاز " الكربون مونوكسايد " الذي أسدل سواده أخيرا على حياتها ، بينما شعرها يشعر :




" سيكون الأمر رائعا بالنسبة إليّ / أن أموت فتاة صالحة / تفوح بالكلوركس و" الدوز " / في السادسة عشرة / في السروال الداخلي / أن أموت مليئة بالأسئلة " ..







ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




· كتبت هذه القراءة في أواخر عام 2010م ..







ليلى البلوشي