الثلاثاء، 22 فبراير 2011

ديمقراطية تتنفس بهدوء على طريقة " جين شارب " ..


ديمقراطية تتنفس بهدوء على طريقة " جين شارب "

إذا أردتم أن تحققوا حرية ، عدالة ، إنسانية ، حقوق مدنية ، ديمقراطية عامة بلا عنف ،فعليكم بهذا الكتاب المعنون بـ " من الدكتاتورية إلى الديمقراطية " وهو عبارة عن إطار تصوري للتحرر يتحدث المؤلف " جين شارب " في عشرة فصول مضغوطة من سبعين صفحة مع أخذ الاعتبار أن كل كلمة فيه ، وكل عبارة بين سطوره تشكل خطة وفكرة ودربا لتحقيق أيديولوجية ديمقراطية ، وببساطة أعمق لن تجد في صفحاته هذرا أو مساحة فارغة للثرثرة التي لا معنى لها ॥
في الفصل الأول : ( جميع أنواع النضال لها تعقيداتها ولها ثمنها ) ..
يطرح المؤلف عن مواجهة الدكتاتورية بأسلوب واقعي ؛ فالحرية التي تحقق عن طريق العنف تضعنا أمام حقائق بشعة منها : حرب عصابات ، انقلابات عسكرية مستمرة ، تبرير سياسية العنف من خلال الحكومة الدكتاتورية ، اختيار المنفى من قبل الثوريين للهرب من البطش ، ظهور قوى خارجية لها أهدافها ومصالحها الشخصية ..!
وكل ما سبق يؤدي إلى تفشي دكتاتوريات أعتى قسوة من سابقتها ؛ أما بشأن الضغوطات الخارجية التي يستعان بها للتنكيل بالحكومة الدكتاتورية فهي جيدة كما يرى المؤلف ويتبدى عملها في المقاطعات الاقتصادية ، أو فرض حصار ، أو قطع علاقات دبلوماسية ، ولكن المهم جدا هنا هو وجود حركة مقاومة داخلية قوية ؛ لأن غياب هذه الحركة لن يكون هناك ردود فعل دولية ..
في الفصل الثاني : ( ليس كل من يستخدم " سلام " يريد السلام الحر العادل ) ..
في هذا الفصل يسرد المؤلف عن خطورة المفاوضات التي تحاول من خلالها الحكومة الدكتاتورية فرضها على الشعب المناضل ؛ فعندما يكون نظام الحكم الدكتاتوري قويا ولكن يعاني من وجود مقاومة تقلق مضاجعه فإنه يعرض تفاوضا على المعارضة ؛ لكي يجرها نحو الاستسلام تحت شعار : " صنع السلام " ..
فلحكام الدكتاتوريين دوافع مختلفة مضمرة في هيمنتهم ، وهم يسعون لفعل ما بوسعهم للحفاظ عليها ، مهما كانت الوعود التي يقدمونها فهي تصب في اتجاه تأمين خنوع خصومهم من الحركات الديمقراطية ..!
بالمقاومة يتم تحقيق الأهداف لا التفاوض الذي يأتي أهميته حين انسحاب أو سقوط الحكم السابق ، وقد يستغرق هذا وقتا حتى تضعف الأنظمة الدكتاتورية ، فعبر التاريخ كما يرى المؤلف استغرق انهيار الحكم الشيوعي في بولندا عشر سنوات ، في حين انهار في ألمانيا خلال أسابيع ..
في الفصل الثالث : ( يحكم بعض الرجال شعوبهم بإتباع الخدع ، لا المبادئ الأخلاقية ، هؤلاء الحكام يشبهون سيد القردة ، فهم لا يعون تشوش أذهانهم ولا يدركون أنه في اللحظة التي يدرك الناس أمرهم ينتهي مفعول خدعهم ) ..
القصة " أسطورة سيد القرود " يحكيها المؤلف في هذا الفصل ، وهي أسطورة صينية من القرن الرابع عشر كتبها " ليو جي " ، فقد كان هناك رجل إقطاعي عجوز يعيش بفضل قردته الذين يقدمون له الولاء والخدمة ، فكان يجمع القردة كل صباح في ساحته ويأمر أكبرها أن يقودهم إلى الجبال لجمع الفاكهة من الأجمة المختلفة ، وكان سيد القرود يفرض على قردته قاعدة وهي أن يقدم كل قرد عشر ما جمع إليه ، والويل لكل من يتخلف بجلده دون رحمة ، كانت معاناة القردة جسيمة ولكنها لم تكن تجسر على الشكوى ، وفي يوم طرح قرد صغير سؤالا على القرود الآخرين قائلا لهم : هل زرع الرجل جميع أشجار الفاكهة والأجمة ؟ فأجابوه : لا ، إنها تنمو وحدها .. فقال القرد الصغير : لماذا إذا نعتمد على الرجل العجوز ، ولماذا علينا أن نخدمه ..؟! .. ففرت القردة من أقفاصها التي مزقتها ليلا إلى الغابة ، وفي النهاية مات العجوز جوعا ..
في الفصل الرابع : ( فبالرغم من مظهرها القوي إلا أن أنظمة الحكم الدكتاتورية لديها نقاط ضعف وتعاني من عدم الكفاءة وهناك منافسات شخصية بين أفرادها وتعاني مؤسساتها من عدم الفعالية وهناك نزاعات بين منظماتها ودوائرها ) ..
سرد المؤلف هنا قصة " كعب أخيل " المعروفة عبر التاريخ ، الذي كان لديه مناعة ضد كل أنواع الأسلحة بفضل المياه السحرية التي استحم بها في مياه نهر ستايكس ، وهو بعد طفلا صغيرا ولكن أمه فاتتها وضع كعبيه في الماء ، وحينما علمت إحدى القوى بذلك استطاعت ضربة قاتلة منها أن تستقر في كعبه ..
حشد المؤلف نقاط ضعف كثيرة ولعل من أهمها هو سحب التعاون ما بين العامة والمجموعات والمؤسسات وهي مهمة لتشغيل النظام ..
في الفصل الخامس : ( الخيار العسكري واستخدام الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية وما إلى ذلك ضد الأنظمة الدكتاتورية لا تؤثر في مواطن ضعف هذه الأنظمة ، إنما يبرر لها استخدام قوتها الآتية ويضع حركات المقاومة في موقف ضعف لا تحسد عليه ؛ لأن الأنظمة الدكتاتورية غالبا ما تتمتع بالتفوق العسكري والتكنولوجيا العسكرية .. الحل هو " التحدي السياسي " ..)
السؤال : ما هو التحدي السياسي ..؟
يجب ألا ننسى أن هذه الكتاب يدعو إلى " اللاعنف " والتحدي السياسي هو من أهم أساليب اللاعنف ؛ حيث أنه يستخدم الأسلحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمواطنين ولمؤسسات المجتمع ، وقد أطلق على هذه الأساليب عدة أسماء مثل : الاحتجاجات ، والإضرابات ، واللاتعاون ، والمقاطعات ، وسحب الولاء وسلطة الشعب .
وقد عرض الكتاب عدة أساليب أخرى لتحقيق سياسات اللاعنف ، إضافة إلى آليات للتغيير وأهمها أربعة وهي : ( التحول / اللاعنف والتفكك / التأقلم / تفكك ) ، ويعنى بـ" التحول " وهي الآلية أقل ترجيحا بالرغم من حدوثها ، وهي عندما تتحرك عواطف الخصوم من خلال تأثرهم بالمعاناة والاضطهاد المفروضين على المقاومين الشجعان الذين يناضلون من خلال أساليب اللاعنف ، بينما عندما ينظر إلى مطالب المعارضة أثناء حملة محدودة بأنها غير خطيرة لهذا توضع على المحك وهو ما يسمى بـ " التأقلم " ، ومسميات " اللاعنف والتفكك " و " التفكك " حينما لا يستطيع الخصوم التصرف كما يحلو لهم من خلال تغيير حالة النزاع والمجتمع ..
في الفصل السادس : ( يؤدي افتقاد حركات المقاومة الديمقراطية إلى التخطيط إلى نتائج وخيمة ؛ لأنها جعلت الظروف تتحكم باتخاذ قرارات مصيرية ، فضلا عن ذلك إن افتقار التخطيط في كيفية تسيير التحول إلى النظام الدكتاتوري ساهم في ظهور ديكتاتوريات جديدة حتى بعد القضاء على الأنظمة الدكتاتورية السابقة ) ..
يوضح المؤلف في هذا الفصل المقصود بـ " تخطيط إستراتيجية " بأنه إعداد طريق عمل تجعل من الانتقال من الوضع الحالي إلى الوضع المستقبلي المرغوب أمرا أكثر ترجيحا ، وتتكون الخطة التي تمكننا من الوصول إلى ذلك الهدف من سلسلة من الحملات ، والنشاطات المنظمة ، والأخرى المصممة ؛ لتقوية الشعب والمجتمع الراضخين تحت نير الاضطهاد وإضعاف الدكتاتورية .
فليس وحده الإخلاص للمثاليات ، والأهداف الإنسانية تحقق الحرية وتقضي على الدكتاتورية .
في الفصل السابع : ( الأخذ في الاعتبار بأن لا يوجد وضعان متشابهان تماما ، ولكل نظام حكم دكتاتوري خصائصه الفردية ، وتختلف أيضا قدرات كل شعب يسعى من أجل الحرية عن قدرات الشعوب الأخرى ) ..
هنا على المناضلين الالتفات إلى أهدافهم والعواقب التي في طريقها ، ومعرفة نقاط قوة وضعف السلطة الدكتاتورية التي يواجهونها مع معرفة نقاط قوتهم وضعفهم في هذا النضال .
في الفصل الثامن : ( تحويل مسؤوليات النضال إلى مجموعة مختلفة من السكان وحشد مصادر قوة إضافية وتطوير مسارات جديدة للعمل ) .
هنا يمارس التحدي السياسي عن طريق نشر المسؤوليات ، كل جهة تقوم بمقاومة ، فالطلاب في المدارس يعلنون الإضراب عن مدارسها ، والعمال عن المصانع ، والقادة الدينيون يركزون على الحريات الدينية ، والكتاب والصحفيون يطالبون بفتح باب الحريات وإغلاق القمع .. وهلم جرا . وكلها تستهدف القوة الدكتاتورية ويمكن هنا كسب تحالفات أخرى يكون لها أشد أهمية لعل من أهمها قوة الجيش وجعله يتعاطف معهم .
الفصل التاسع : ( يستمد نظام الحاكم شرعيته من الطاعة والتعاون الذي يحصل عليه ، وعندما ينفذ " اللاتعاون " بواسطة قطاعات كبيرة من السكان فإن هذا يشكل خطرا كبيرا على النظام الحاكم ، فمثلا إذا توقف موظفي الحكومة عن العمل بفعاليتهم المعتادة أو حتى إذا بقوا في بيوتهم فإن هذا يضر بالأجهزة الإدارية بشكل خطير ) ..
يرى المؤلف أنه كلما تضاعفت سيطرة الديمقراطية على مصادر الاقتصاد والأملاك والمواصلات ووسائل الاتصالات كلما ضعفت وانهارت القوة الدكتاتورية ، وفي حال قيام الحكام الدكتاتوريين التهديد بالقوة ضد المتظاهرين ، فإن هذه القوة تضعف من خلال طريقتين مهمتين هما :
1 ـ إذا كان المواطنون مستعدون كما هو الحال في الحرب للمخاطرة بنتائج خطيرة كثمن للتحدي .
2 ـ إذا قامت الشرطة والقوات العسكرية بسحب ولائها ، سواء كان هذا الولاء فرديا أو جماعيا أو عند رفضهم القيام بتجنب أو رفض مباشر لأوامر الاعتقال ، والضرب وإطلاق النار على المقاومين ..
الفصل العاشر : ( يعتبر تفكك نظام الحكم الدكتاتوري سببا لاحتفال عظيم ) ..
مع الاحتفال ينبغي الاهتمام بأن لا يكون ثمة فراغ في السلطة يمكن من خلاله أن يفغر أطماع الكثيرين ، والمهم جدا هو الاستعجال في عمل انتخابات نزيهة ؛ كي يتولى الشخص المناسب المكان المناسب ..
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب ثمة " ملحق لأساليب العمل باستخدام اللاعنف " وقد حشد المؤلف أساليبا كثيرة ومتنوعة مثل :
- تصريحات رسمية : ( خطابات للجهات العليا ، رسائل معارضة أو تأييد ، بيانات تصدر عن مؤسسات ، تصريحات علنية موقعة ...)
- مخاطبة الجماهير العريضة : ( شعارات وكاريكاتيرات ورموز ، لافتات وملصقات ، كتب وكتيبات ....)
- احتجاجات جماعية : ( انتخابات صورية هزلية ، تفويض ، اعتصامات ....) .
- أعمال رمزية عامة : ( رفع أعلام ، الصلاة والعبادة ، عرض لوحات فنية معبرة ...) .
إضافة إلى أساليب أخرى كالمسرح والموسيقى والغناء ، المواكب ، تكريم الموتى ، التجمعات الشعبية ، الإضرابات ، والتدخل السياسي والاقتصادي والنفسي والاجتماعي .....إلى لا آخره .

يضع المؤلف في الختام قولا شائعا : " لا تأتي الحرية مجانا " ، وهو قول يؤكد على صحته .


ليلى البلوشي

الأحد، 13 فبراير 2011

رجاء النقاش في عيد ميلادي



رجاء النقاش في عيد ميلادي ..

ثمة أشخاص لا يعوزهم إدراك مناسبة ما ؛ كي تتعذر الكتابة عنهم ؛ كي تخصص سعة من ذاكرتك المعبأة بضجة الحياة حيزا صغيرا لهم ، دون أن يتخبط في حيزك ذاك مناسبات الحياة أو الموت ، تلوح لهم بحب في أي وقت لا سبب ولا غاية من وراء ذلك سوى محض حب خام ، أو وصل إنساني شفيف تترع ذاكرتك بذكراهم ، وذاك القدر الضئيل الذي أبقيته لهم لا يضاهي بالتأكيد مكانتهم الكبيرة في قلبك وقلب الأدب جبنا إلى جنب ..
في الثامن من شهر فبراير في عام ألفين وثمانية ، تصادف في هذا اليوم أن احتفل بيوم ميلادي مع زمرة من صديقاتي ، وكما هي الحال في مثل هذه اللحظات الأنفاس تتلهف على الدقائق الباقية التي تعلن الثانية عشر بعد منتصف الليل ، فأن تدخل في عام جديد يعني أن تدخل حياة أخرى ، ونمت ليلتها بينما أمنيات العمر الجديد تتصدر قائمة أحلامي ، وفي صبيحة يوم التالي قرأت في الجريدة أن الناقد " رجاء النقاش " غادرنا إلى عالم آخر بعد صراع مرير مع مرض السرطان ، وجاء هذا الخبر الفجيع لينتشل كل الأمنيات التي كانت تتحفز بصمتها في صدري ويستبقي على شعور واحد مكثف لا يمكن أن يوصف سوى بحزن من نوع عميق ، وقلت في نفسي لحظتئذ : " إذن من سيحتضن المواهب الحقيقية " ..!
فمذ سنوات وأنا اسمع عن رجاء النقاش ، عن ناقد مبدع محنك في تفسير النص بإبداعية خاصة وسلسة في ذات الوقت ، وكنت قد قرأت له دراسات متفرقة هنا وهناك ، ولعل موقفه مع الشاعر " أحمد مطر " هي أكثر المواقف الأدبية والإنسانية التي شدتني إلى هذا الإنسان الجميل ..
وفي غضون فترة ما ، عدت إلى قراءة رجاء النقاش بعد أن حصلت على بعض من كتبه ، غصت في غورها باستمتاع بالغ ، وبشراهة دودة ألفيتني أقرأ مقالاته ، فعرفت أن " سافو " هي أول شاعرة في التاريخ الإنساني ، وأن ثورة العاشقين اندلعت في روما في عصر الإمبراطور " أغسطس " ، وأن الإمبراطور " كاليجولا " كان إمبراطور الدماء والعطور رغم أن اسمه يحمل معنى " الحذاء الصغير " ..! وخشيت على " بودلير " من دلال الأم المفرط له ، بالمقابل بغضت أم " بلزاك " التي كانت سببا في كل المآسي التي لحقت به ليموت في النهاية في فنجان قهوة ، واكتشفت علاقة " آينشتين " بالبيانو ، ووقفت مع " إبراهام لينكولن " للقضاء على ايدولوجيا التفرقة العنصرية وفك العتق عن رقبة السود ....، إلى لا نهايته ..
وطوال تلك المدة كنت أقول لنفسي سأكتب عن رجاء النقاش ، بينما رصيدي الداخلي يتدفق من بئر مقالاته العميقة ، لكنني عدلت عن الفكرة ، وقلت رجاء النقاش أكبر من أن اكتب عنه ، فتركت كتبه على رف المكتبة وملفات الالكترونية التي عكفت على جمعها على سطح المكتب ، وطال الهجر ، وزحفت خيوط العناكب وتطفلت الأغبرة على الفكرة كلها ..
.. وأخذتني الحياة ، ومن ضمن انشغالات تلك الحياة تكاثفت قوة غريبة تحثني على تجريب كتابة مقالات ، تاركة كتابة القصة القصيرة خلف ظهري ، هاجرة الشعر - إن كان ما اكتبه شعرا - ، وركنت اهتماماتي في مجال أدب الطفل على رف الانتظار ..!
ولم يكن سهلا قط كتابة مقالات جديدة ، تتناول الكيف الثقافي قبل الكم ، تستأصل المعاني من محيط النص ، تقوم باقتناص فوائد تضاف إلى الإبداع والأدب ككل شيئا ذا معنى ، والأهم من ذاك كله لا يخرج المتلقي ذاك المبدع الآخر للنص فارغا ، بل تضيف إلى رصيده الفكري أو الأدبي أو الإنساني أو الحسي نزعة ما ..

وخلال مدة قصيرة وأنا الغضة في سور غور فن المقالات ، وجدت أمامي كمًّا لا بأس به منها ، وثمة مقالات لم تكتمل ، ومقالات أخرى تتريث نضجها على نار هادئة ، وأدركت جيدا أن كتابة المقال كحال الفنون الأدبية الأخرى كما قال عنها رجاء النقاش " مثل الاشتغال في الحرب لا يستطيع المشتغل فيها أن يقول : إنني أرفض المعارك وإلا فعليه أن يخرج من الميدان " ..
قلت : لم اكتب عن رجاء النقاش ، ولكن يالغرابة القدر ..!
فطوال تلك المدة لم اعرف تفسير اللغز الحقيقي الذي حفزني على كتابة المقالات ، ولم أكن أدري أن رجاء نقاش هو وراء اتجاهي إليه بقوة ، هو الذي أخذ بيدي كما أخذ من قبل بيد الشاعر " محمود درويش " حين أدخله إلى قلب القاهرة الإنساني ، هو من حفز قلمي على الكتابة المقالية بذاك الدفق الحماسي المفرط ..
فالإبداع المفرط في مقالات رجاء النقاش هو السر الذي سحبني شيئا فشيئا إلى دهشة فنية المقالية ؛ لأنك حين تقرأ له لا تخرج خالي الوفاض أبدا ، ولن تكون قط حنين الذي رجع بخفيه .. ولأن رجاء النقاش بمشاعره الإنسانية السامقة في مكمن صدره تجاه الأدب والأديب هي ما جعلته يكتب عن الآخرين وكأنه يكتب لنفسه ، يقدم النص على منبر الطرح بعطف أب حاني على أبنائه وبمحبة أخ مسؤول عن أخوته الصغار ، وبضمير حي وحس أدبي نبيل استطاع خلال خمسة عقود أن يواكب الأدب وعالمه عن حنكة حقيقية وفي كل مرة يبدي للعيان ما خبأه الظل خلفه ..
لم يكن متزمتا ولم يسع إلى وضع النص تحت مجهر ، أو تصنيفه على مكعبات ومربعات بمقاييس بحته ، تلك التي تكون على النص والفكر قبل أن يولمه من غموضه ..
ولعل أعظم سمة عرفت عنه هو " اكتشاف المواهب " ؛ ليس أولئك الذين تطاردهم الأضواء أينما كانوا بل كان همه أنأى من ذلك بكثير ، وجعل الساحة العربية تعقد دهشتها في كل مرة ينتخب فيها النقاش بمقالاته كاتبا مغمورا لم يسمع عنه ، كاتبا كان مهمشا خلف الأضواء الوامضة على جهات معينة دون غيرها ..
في ظل ظروف بعض النقاد ووضع النقد في وقت الحالي ، ويخال للبعض أن في أيديهم موازين يقيسون بها النص ، وإذا ما عزموا كتابة نقد ، فإن أغلب أقلامهم لا تتجه سوى إلى كاتب كتب عنه آلاف المرات على سبيل المثال لا حصر كتب معظم نقاد الوطن العربي عن الكاتب السوداني " الطيب صالح " وهو كاتب يستحق كل تلك الكتابات والإشادات دون شك ولكن بالمقابل أهمل وغاض هؤلاء النقاد عن مئات من المبدعين كانوا من وطن المبدع الطيب صالح .!
أو كاتب حاز على جائزة ما ، ولكن شرية البلية هنا حين يكتشف النقد عن طريق جائزة موهبة ما ، لتكون اليوم معظم الجوائز الأدبية هي التي تقدم مواهب على طبق من ذهب إلى النقاد دون أن يكلف الناقد نفسه تفتيش عن المواهب ..!
بينما بعض الأقلام تتحين فرص التأبين كي تمرر شهرتها الرخيصة عن كتاب لا تذكرهم إلا وهم مفترشين قبورهم ، فتعلن موقفها النهائي كصوت سبّاق ؛ لتستعجل وضع نقطة في نهاية حياتهم كتبرئة ذمة .. !
ولكن مهمة الناقد في داخل رجاء النقاش كان على نقيض من ذلك تماما ، فهو الذي كان يسعى إلى البحث والتمحيص ، ولعل موقفه مع الشاعر العراقي " أحمد مطر " خير دليل على ذلك ، فقد قرأه رجاء نقاش من خلال بعض الصحف التي كانت لا تمانع من نشر قصائد الشاعر الممنوعة ، فأعجب به وبموهبته الفذة ، وهذا ما دفعه إلى أن يحتفظ بتلك القصاصات المتفرقة التي تحوي معين شعره ، فأراد أن يكتب عنه ، ولم يكن في حوزته سوى تلك القصاصات وكتاب واحد له يدعى " لافتات " ، وكانت الصدفة الجميلة بأن التقى بالشاعر في الكويت عام 1984م ، في بيت أحد الأصدقاء وكون يومها بلماحة ناقد انطباعا قصيرا عنه ولكن لم يتسع لا اللقاء ولا الوقت في أن يحاوره ، و لم يستسلم فحين تهيأ له اتصاله وهو في لندن طلب منه أن يكتب شيئا موجزا عن نفسه ؛ كي يوثق كتابته عنه ، ويومها بعث الشاعر أحمد مطر له رسالة قشيبة يقول له فيها الشيء الكثير من ضمنها : " أسعدني جداً أن أسمع صوتك ، غير أنني لم أُدهش من كيفية عثورك علي ، ذلك لأنك ناقد ومهمتك هي العثور على الشاعر بين ملايين وملايين الكلمات .. وكذلك تفعل عندما تبتغي العثور على شاعر بين قارتين !" ..
وموقفه من الأديبة " غادة سمان " حينما نشرت رسائل التي بادلتها مع الأديب " غسان كنفاني " ففي الوقت الذي هاجمها الكثير من النقاد باللغط الواسع والصخب الكبير مفندين حقها في نشر مثل تلك الرسائل ، لكن ما كتبه رجاء نقاش عام 1978م يلخص أدبها المليء بالتحدي والمقاومة والإصرار على شق العالم وعبر عن عالمها بأنه " عالم التعبير والفن والبوح والتفكير بصوت مرتفع ومناقشة قضايا الإنسان والدنيا بلا خجل " ، مع احترامه للخصوصيات حين الخوض لسير الآخرين وذلك حين تناول عرض سيرة حياة " غسان كنفاني " تحدث عن العلاقة العاطفية التي ربطته بالكاتبة " غادة سمان " بتكتم محترم قائلا : " وقد تعرض غسان كنفاني في أواسط الستينات لتجربة عاطفية عنيفة جدا وكان الطرف الآخر في هذه التجربة أديبة عربية معروفة ولا أحب أن أشير إلى اسمها فقد أصبحت زوجة وأم ...." .
وكان رجاء النقاش " مطلق النجوم " ولكن حفنة من النقاد اليوم من خلال عرض دراساتهم همهم أن يطلقوا أنفسهم قبل النص وكاتبه ..!
وغاب الناقد الحقيقي حكمه الضمير قبل كل شيء ، لنرى أمامنا على أبعاد عدة نقاد " شلليون " ينتخبون أذواقا ما دون أن يكون للنص وجماليته أدنى قيمة ، لتتكشف أسباب أخرى وراء ذاك الانتخاب ؛ كون الكاتب هو صاحب مكانة في المجتمع ، أو كاتب تربطه به صلات شخصية ..!
رجاء النقاش كان يختفي خلف النص ، يضيء زوايا الإبداع التي طرحها الكاتب ، و ينسى نفسه في حضرة الآداب التي تسيطر بجمالها على لبّه ، ليقدمه بدوره للمتلقي بلغة تحترمه ، دون أي مكابرة ولا أستاذية منه ..
بينما تأتي بعض الدراسات بأقلام بعض النقاد ، ليجد المتلقي كمّاً من مصطلحات غامضة يغيب عن فهمها بل يخرج من العمل الأدبي بغصة عدم إدراك مقصد الناقد ، ويتخم بعضهم دراساته بهوامش مكثفة لتغيب معها لذة الاستمتاع ..
وإذا ما تحدثنا عن المبدعين الذين انتخبتهم مقالات رجاء نقاش ، سنرى سمة جميلة أخرى تضاف إلى سماته الكثيرة فهو لم يتقيد بإبراز جنس على جنس ، ولم يكن همه وضع أدباء مصر على القائمة دون أدباء آخرين من أرجاء الوطن العربي ، لتجد من مصر ومن العراق ، وتجد من سوريا وفلسطين والسودان والكويت ... هلم جرا ، كتابات مفتوحة على كل الجهات ، مسافرة بلا نهاية إلى آفاق شاسعة ، فقد كان يؤمن من أن " قيمة المثقف ليس كشخص وإنما كتأثير ، مثقفا على الهامش ، علينا أن نأخذ برأي المثقف الذي ثبتت صحته لا أن نترك الآراء على الرصيف الحياة نمر بها مرور الكرام " ..
أين هم نقاد اليوم من كل هذا ..؟!
فمعدودون أولئك الذين يواكبون في مسيرتهم النقدية تجارب أخرى من خارج الأقطار التي ينتمون إليها ، ويقنعون القراء عن تقصيرهم بحجج واهية ، لعل من أكثر تلك الحجج شيوعا هو تذمرهم عن عدم وصول معظم الإصدارات إليهم ، رغم أنه ومن خلال التطور السائد الذي عززه شبكة الانترنت يستطيع أي ناقد أن يتعامل مع أي كاتب مهما غدت بُعد المسافة فاصلا بينهما ، ولكن فقط الناقد الحقيقي هو الذي يعرف جيدا كيف يشق طريقه إلى درب الأدب الشاق والحقيقي ..! اذكر على سبيل المثال لا الحصر - الناقد " إحسان عباس " - الذي كان يسافر إلى بغداد والى غيرها من الدول وراء كل أدب أصيل ؛ لاقتناصه من منبت أرضه ..
ناهيك عن أعذار أخرى والتي أسبابها تعود إلى الناقد نفسه ، الذي عجز عن متابعة حركة التطور السائدة في الأدب بشتى أنواعها ، والتي تستدعي تطورا مماثلا له في أدوات النقد ، ومعه ظهرت أسماء واعدة غزت الساحة الأدبية بقوة كبيرة عجز معظم النقاد عن مجاراتها مكتفين بأسماء مخضرمة لتمثل تلك الأسماء باعتقادهم الواجهة الأدبية الوحيدة ، ليقضي هذا التظلم على أسماء عديدة كان من حقها الانتشار ..!
مازال النقد بحاجة ماسة لرجل محنك وأمين وبضمير حي كـ" رجاء النقاش " ، ومازلت في كل من التاسع من فبراير يعتصرني في يوم ميلادي غصّة فراقه ..
ليلى البلوشي
Lailal222@hotmail.com

الخميس، 10 فبراير 2011

ثوّار الفيس بوك



ثوّار الفيس بوك

" أنا لست بطلا ، أنا كنت وراء حاسوبي فقط ، أنا مناضل " الكيبورد " .. الأبطال هم الذين نزلوا واستشهدوا في شوارع مصر .. "
- وائل غنيم -
* * *
ثورة حديثة من نوعها ، استحدثتها جوقة من الشباب خلف حواسيب شخصية ، كل واحد منهم يتواصل مع الآخر بأريحية عصرية ، معدمين من خلالها عدوان المسافات الفاصلة والجدران الشاهقة والأسلاك العازلة ، شباب يحملون رتب غير التي يتباهى بها معظم حاملي الرتب والألقاب ، إنهم فقط متحمسون ، مناضلون ، ناشطون ، كيفما اختلفت التسمية اتفق المغزى والحلم والهدف ؛ فهي متوحدة بتوحدهم ، كبيرة ، شاهقة بشموخ أحلامهم ، تلك التي تغدو في نظر التاريخ أبسط ما طالب به الإنسانية طوال تلك القرون ..
كانت في البدء يدا واحدة ، ثم يد ثانية ، وثالثة ، فعاشرة ، حتى تفاقمت عدد الأيدي تشابكت وتكاتفت مع بعضها وهي تنقر بهمة وحماسة مفرطة على " كيبورد " ، كانت نقرة واحدة ثم مئات النقرات ، آلاف ثم جاء أوان احتشاد الملايين في قلب الحدث حيث الحواس كلها مدفوعة بعزيمة نقية صادقة ، ومن هنا كانت الحكاية التي أثبتت جدارة مفكرها ثم منفذوها وشخوصها الماثلين للعيان ..
في الشرارة الأولى للثورة اندهشت الأعين والأذان والأفواه ، كانت مباغتة لم يتوقعها الكثيرون من داخل وخارج الثورة ، حتى أن إحدى الأمهات المتظاهرين عبرت بحرارة قائلة : " لم أعتقد يوما أن هؤلاء الشباب الذين كنت أقول إنهم شباب انترنت ودلع وهيافة من الممكن أن تشكل أصواتهم عاصفة عاتية في وجه الاستبداد والظلم ، أهلا بشباب الانترنت إذن " ..
وفي وسط الحشود المتجمهرة حيث الأصوات تتعالى وتتداخل ، مسلمون ومسيحيون يدا في يد والله واحد أحد .. تسلل على الخط المستقيم " أصوات نشاز " تطالب المتظاهرين بـ " العودة إلى منازلهم " ؛ بحجة حفظ النظام وعدم إشاعة الفوضى ..!
لكن ماذا يمكن ..؟ أو ما الذي يمكن أن يوقف هذا الصهر البشري الممتد ..؟! فهؤلاء لا يعيشون في أبراج عاجية كالذين يطالبونهم بالكف ، و لا تدثر لياليهم القارصة مدافئ ، ولا كرامة في أكل العيش ، ولا سكن صحي صالح للإقامة ، بل إن معظمهم شبان عاطلون عن العمل مازالوا ضمن طابور الانتظار الدهري الذي طال وانفقأت مرارته ، فأي توقف هو متوقع من هؤلاء الشباب في وجه نظام كان واقفا في وجوههم طوال تلك الأعوام ..؟!
" العودة إلى منازلهم " فأي عودة هذه ..؟! وإلى أي منازل هي تلك التي يتحدثون عنها ، " قبور " ، " مزابل " ، أم إلى " احباطات " ما فتأت ترافقهم في ذهابهم وإيابهم ، وهم محسوبون على حياة ضمن شعب متكون من أكثر من ثمانين ألف مليون ، كأرقام فقط أما عن الحقوق ؛ فهم محذوفون من القائمة تماما ..!
إنهم الآن على الأقل في - الوقت الراهن - غير عاطلين عن العمل من أجل الشعب بعد أن خذلتهم الحكومة ، إنهم الآن يعملون بموجب حق كمواطنين وإنسانيين ، بحرية وكرامة كانتا مخنوقتان ومسلوبتان في مخابئ الرعب والوجل كانت ما بين الفينة والفينة تدلي برؤوسها رغم القمع ، ورغم تعرضها في أي لحظة و على الدوام للشنق ، إنهم يحاربون الحياة العاطلة التي كانت من أبرز سجانيهم .. هنيئا لتونس و هنيئا لمصر بشابها وأطفالها ، والعقبى لشباب الآخرين ، شباب الظلم والطغيان والاستبداد ..
أحد المسنين علق بحزن : " الآن أنا كبير في السن والحياة فاتتني ، لكني لا أريد مطلقا أن تفوت الآخرين من الشباب .."
الكاتب " محمد الماغوط " كان قد أشار فيما مضى إلى حقيقة تاريخية أثبتت نفسها على الدوام : " كل طبخة سياسية في المنطقة ، أمريكا تعدها ، وروسيا توقد تحتها وأوروبا تبردها وإسرائيل تأكلها والعرب يغسلون الصحون " ..
اعتقد أن هؤلاء الشباب ضجروا من اكتفاء وزهد من سبقوهم بغسل الصحون فقط ..! فخرجت وجوه أصيلة ملفوفة بالضمادات ومغطى بالجروح والقطب والمراهم والاعتقالات في سبيل الحرية التي لم تمنح نفسها يوما عبر التاريخ دون ثمن ، ودون استحقاق خالد ، حرية عمر المختار وغيفارا وغسان كنفاني وناجي العلي و جميلة بوحيرد ولوركا ونيلسون مانديلا .... الحرية عينها التي تظل أبدا تترقب الفارس الانترنت هذه المرة ؛ كي يحررها من الجبن والحرب والذل والعبودية ، من كل خناق ، الأعناق والأيدي والحواس ..
* * *
" أنا وزير منذ سبعة أيام فحسب ، وحققتم مكاسب ما كان أحد يتخيلها ، كيف فعلتم هذا ..؟ جميعنا ومن هم داخل الحزب وداخل النظام السياسي اندهشوا وذهلوا من هذه المفاجأة .."

- وزير الداخلية المصرية للناشط السياسي وائل غنيم -

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 25 يناير 2011

الأديبة العمانية ليلى البلوشي في حوار مع مجلة أخبار جزائر الثقافية



الأديبة العمانية ليلى البلوشي لمجلة أخبار جزائر الثقافية :

الحرية مسؤولية بغض النظر عن المفاهيم ، وأعظم ما يتصف به الكاتب : الصدق والتواضع مع نفسه قبل الآخرين ..

२५ / १ / 2011م

تعد ليلى البلوشي واحدة من الكتاب الشباب في سلطنة عمان، نشيطة، وعميقة في فكرها، تشعر أمامها أنك قبالة مثقفة جديرة بالاحترام بصدق، جميلة في أحلامها التي تتجسد في نصوصها أو في مقالاتها الأدبية، وكونها تعيش بعيدا عن سلطنة عمان لم يمنعها من الانتشار عبر الشبكة العنكبوتية ككاتبة عُمانية تحمل خصوصياتها العمانية، مثلما تحمل إرث فكري وثقافي عماني لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه، في هذا الحوار مع مجلة أخبار الثقافة، تحدثت هذه العمانية الجميلة عن هموم المثقف، وأحلامه، في ظل جملة من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة تشكيل على أساس صادق وعملي ..


مجلة أخيار الثقافة: لو طلبت منك أن تقدمي "ليلى البلوشي" للقارئ، فماذا ستقولين عنها؟
ليلى البلوشي: قال لنا مرة مدرب في إحدى دورات تنمية الذات بأن أفضل طريقة يقدم فيها الإنسان نفسه هو سردها في قصة قصيرة : ليلى البلوشي وأنا عمانية ولدت وترعرعت في دولة الإمارات ومازلت مقيمة بها، أحب القراءة، وحبي للقراءة قادني إلى الكتابة وشجرة الكتابة في داخلي تفرعت إلى كتابة القصص القصيرة والمقالات ومحاولات شعرية فاشلة، كما أنني باحثة وناقدة في مجالات أدب الطفولة و حبي لبراءة الأطفال وصدقهم اللامحدود هو ما دفعني لهذا المجال الشاق ، لهذا فلا تندهشوا إذا ما رأيتم أصابعي تضغط على مقص عوضا عن قلم، فثمة أفكار تخدع عقل الطفل العربي وتهدمه لابد من قصها.. ولي هوايات أخرى غير الكتابة منها: التأمل والمشي خصوصا تحت المطر، مراقبة المسنين وهم يتنفسون الحياة، حضور دورات تطوير الذات وبرمجتها، والاستماع إلى الآخرين؛ لهذا دائما أبرر صمتي الكلامي بقولي: " أحب أن اسمع "، ومن خلال ما اسمع أتكلم كتابيا، وأدركت فضيلة الصمت في إحدى محاضرات الأدب في الجامعة، فالمحاضر الدكتور كان بين يديه كتاب للأديب والناقد " شوقي ضيف " وكانت صورته مطبوعة على غلاف الكتاب فقال لنا معرفا له: انظروا لصورة هذا الرجل لقد كان كلامه أنفاس بينما كتاباته مجلدات ضخمة..


مجلة أخيار الثقافة: تطرح في الآونة الأخيرة إشكالية المثقف والراهن.. هل ابتعد المثقف عن راهنه إلى الحد الذي يعود فيه التساؤل عن دور المثقف إزاء واقعه، وإزاء المتغيرات التي تحدث بين الفنية والأخرى؟
ليلى البلوشي: " الأدب يسبق الحياة " كما يقول الكاتب التركي " أورهان باموق ، فعلى المثقف أن يكون مع المتغيرات ويناهضها، ولكن بشروط؛ فبعض المتغيرات تفرز نتائج معاكسة، للمثقف دور مهم وهذا الدور يتبدى أهميته في تصعيد وسائل الوعي لدى الآخرين بشكل ايجابي ، يناهض لديهم الجوانب والإمكانات والطاقات التي تصب في صالح القضية، فالمثقف هو إنسان بطبيعته مضطلع ولديه كم من الخبرات ما ليست موجودة عند الآخر العادي، وهنا يكون التأثير وتبعاته ، والوطن يعلو بوعي مثقفيه॥


مجلة أخيار الثقافة: وكيف تفسرين غياب المثقف عن المتغيرات، فهو إما داخل السلطة يتكلم باسم الحاكم، وإما خارج السلطة منسحب أحيانا عن قضية التأثير والتغيير؟ ما رأيك؟
ليلى البلوشي: المثقف ليس غائب بمعنى لا نستطيع أن نجزم فعليا بغيابه، ثمة اختلاف وجهات ثقافية، بعضها يصب في جانب الحياة العام وبعضها الآخر يصب في الجوانب السياسية أو الاجتماعية أو العاطفية وهلم جرا، ثمة نمط حماسي أولئك الذين يكون عندهم الفعل الكتابي يوازي الفعل الشعوري؛ لهذا لديه نزعة ثورية كلوركا وغيفارا، بينما النمط المفكر فإن ما يجري على الساحة يراه بصمت كمتفرج، لكن تأثيراتها تصب في ممارسات أخرى ككتابة آراء حول رؤيته أو عمل فني تشكيلي معزز للوضع الراهن ، ويبقى نمط أولئك الذين لا في العير ولا في النفير سوى أنهم يدّعون الاهتمام من باب الادعاء بالاهتمام على أساس أنه نوع من برستيج ثقافي॥ إذن التغيير والتأثير يتراوح وفق اختلاف تلك الأنماط ..


مجلة أخيار الثقافة: ما حدث في تونس مؤخرا مثلا عرى النخبة الثقافية التي بدت خارج التغطية.. أليست هذه صورة المثقف العربي في النهاية؟
ليلى البلوشي: هنا برز صوت الشعب، صوت الإنسانية قبل صوت المثقف، لأن ما فعله محمد بوعزيزي هذا الإنسان العادي لا يوازيه أي لفظة مهما بدت وقعها في الصوت المثقف، في هذه الحالات وفي مثل هذه الثورات الناس ليست بحاجة إلى مثقف إنها بحاجة إلى تكاتف بشري حقيقي تتحدث بلغتهم المكافحة والبسيطة॥ وليس من المعقول أن يقف الشعب يقرأ تلك الشعارات بينما تلك الحشود متجمهرة بحمية الوطيس في الشوارع العامة متمثلة بوقفتها تلك الشعارات ويرددها بالصوت والصورة، هنا يتغلب الفعل على الكلمة مهما بلغت حدة هذه الكلمات.. تأتي دور الكلمات بعد ذلك، ففي تونس في الوضع الراهن يأتي دور المثقفين في كافة المجالات المختلفة لبث الوعي ولتقوية دعائم الوحدة والوقوف الموحد ضد كل بذرة شريرة تنكل بوحدة الشعب.. هنا في مثل هذه الحالة دور المثقف كدور الخبز؛ لتغذية الوعي الشامل في الشعب..


مجلة أخيار الثقافة: لوحظ في الفترة الأخيرة اشتغال الكتابة على الحرية التي تداخلت مفاهيمها بين الحرية المادية والمعنوية، كيف تنظر ليلى إلى هذه الإشكالية؟
ليلى البلوشي: الحرية مسؤولية بغض النظر عن المفاهيم، لكن ثمة فكرة خاطئة في عقول البعض عن ماهية الحرية خصوصا المرأة الكاتبة فبعضهن يعتقدن أن الحرية هو التفسخ الخلقي، بمعنى أن أتعرى قدر ما أستطيع من ثيابي وأطرح أفكاري الليبرالية المخالفة للقيم، أما بالنسبة للرجل حتى يكون كاتبا ومثقفا، فعليه أن يتخلى عن أخلاقياته ويعاقر الممنوعات كي يغدو كاتبا حرا॥! كل ما سبق هي نماذج عتيقة تحتضن في داخلها حريات منفلتة لا مسؤولة.. هذه المفاهيم الخاطئة هي التي مالت اعتقادات البعض إلى أن الكاتب أو الكاتبة هم منحلون أخلاقيا..! وليس يعني من ترتدي تنوره قصيرة بأنها منحلة ولا من تستر جسدها من رأسها إلى أخمص قدميها هي مثال للأخلاق، هذا يعود لطبيعة كل انسان ونشأته، ما اعنيه هنا هو تحوير الحرية في مفاهيم آثمة تخالف مقاصدها الحقيقية .. الحرية مسؤولية أخلاقية، حريتي ككاتبة لا يعني أن أسفه القيم والمبادئ على حساب أشياء أخرى، يرى البعض أن الكاتب هو إنسان فوضوي لا علاقة له بالأخلاق، بينما لو مررتم على مقالات الأديبة " أحلام مستغانمي " ستجدون أنها كثيرا ما نوهت في مقالاتها أحاديثا حميمية حول علاقتها مع الصلاة وحول الدين، وهي ما تزال قامة أدبية شامخة بالإبداع والالتزام لم يعطل مشوارها الأدبي ولا تألقها الفكري، وحريتها مسؤولة.. في إحدى المرات عبرت لي إحدى الكاتبات عن ضيقها من لبس العباءة وعزت ارتداءها إلى أسباب منها إرضاء الآخرين والمجتمع فقط ..! بالله عليكم، إذا كانت هذه الكاتبة تمارس أمور تخل بقناعاتها الشخصية على حساب الغير، فأي كلمات تلك التي ستضخها لبث مفاهيم الحرية..؟! " من السعادة في كل عصر أن يكون هناك من لديه فردانية كافية وشجاعة كافية ليقف من أجل قناعاته " هكذا يقول " روبرت جرين انجرسول ".. والحريات كما أشرت في إحدى حواراتي السابقة بأنها أنواع، منها ثوري عام لا تكتفي بتحرير نفسها بل لديها نزعة جماعية لتحرير الآخرين معه كحرية غيفارا ونيلسون مانديلا، ومنها أسطوري خاص وهي رغبة الإنسان في تحرير نفسه من سجون مجتمعه।


مجلة أخيار الثقافة: وما مفهوم الحرية بالنسبة إليك ككاتبة؟
ليلى البلوشي: بالنسبة لي هي حرية مسؤولة كما أشرت سابقا، حرية تدفعني نحو تحقيق أهداف وغايات تبني من ذاتي وكياني أمام نفسي والآخرين، الحرية هي أن أقف بصدق أمام البرجماتية، هي أن أفند الأفكار التي تهدم الإنسانية، هي أن أمارس دوري الحيوي في الحياة كأي شخص في هذا العالم الشاسع॥ أي كما يقول " ممدوح عدوان ": " أنا أصرخ ويجب أن تبقى لي هذه الحرية "، والمهم جدا أن يكون الإنسان سيد نفسه حتى يمتلك حريته، والحرية عبء لمن اعتاد على العبودية..


مجلة أخيار الثقافة: لعل الملفت للنظر اشتغال العديد من الكاتبات أيضا على أدب الجسد، والسرير أكثر من اشتغالها على القضايا الإنسانية، كيف تنظرين ككاتبة إلى ذلك؟
ليلى البلوشي: أدب الجسد والسرير تشبعن منه، ظهر في زمن ما كموجه هائلة اجتاحت روايات وقصص الوطن العربي كموضة وطريق سهل للشهرة، عصرنا اليوم لا يتحمل هذا النوع من الترف، كيف اكتب عن جسدين يرسمان حكايتهما في سرير واحد وأنا أقرأ وأشاهد وأسمع آلاف من الأطفال المرضى والمعدمين، ضحايا الزلازل والبراكين والفيضانات॥؟! لكن من الممكن أن أوظفها طبيعيا في مقطع روائي أو قصصي برؤى مختلفة كوسيلة للهروب من الشرور، كواجهة للضياع الإنساني كما نجد في روايات الياباني " هاروكي موراكامي " خصوصا روايتيه " الغابة النروجية " و" جنوب حدود غرب الشمس "، إننا نضخ الحب في كياننا رغم النكبات؛ لأننا بحاجة لهذا الضخ كي نحيا، المسألة هكذا ببساطة ..


مجلة أخيار الثقافة: هذا يقودني إلى سؤالك عن مدى اقترابك من المتن السردي النسائي في الوطن العربي؟
ليلى البلوشي: المتن السردي النسائي لا اجزم متابعتي الدائمة له، لكن ثمة فعلا أقلام مغايرة بدأت تعي واقعها، بدأت تكتب بتطلع أكبر نحو الآخر، أعني بالآخر هنا الإنسان والعالم على سبيل المثال لا حصر الكاتبة السعودية " زينب البحراني "، لديها عقل كتابي حافل وهي نشيطة جدا، إنها من ذاك النمط الذي يشعرك بأنه يفهمك ويفهم معاناتك جيدا، ولا اعرفها شخصيا حتى لا يؤول كلامي على أنه ثناء على معرفة شخصية بيننا، رغم انه ليس ثناء بقدر ما هو حقيقة॥


مجلة أخيار الثقافة: وماذا عن سلطنة عمان؟ حدثينا عن المشهد الثقافي والأدبي في سلطنة عمان؟
ليلى البلوشي: يقول المتنبي: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به॥ حديثي الآن عن المشهد الثقافي والأدبي في عمان هو عن رؤية وعن سماع وأتابع المشهد الإبداعي من الخارج بعدسة القلب ومرآة العقل، في آخر قراءة عن هذا المشهد قُدمتْ ورقة عن المشهد الثقافي والأدبي في سلطنة عمان في الملتقى الثقافي الأول لدول مجلس التعاون الخليجي الذي أقامته اتحاد الكتاب في الشارقة ، ونشرت في إحدى الجرائد المحلية الإماراتية حيث أقيم، أضحكتني الأسماء الواردة؛ لأنها متوقعة تماما، حتى يخال للبعض أن المشهد الثقافي في عمان كأنه معرض لفن تشكيلي في كل معرض مقام مهما تباعدت فتراتها الزمنية، فإنها تستعرض اللوحات نفسها على الجدران ..! طوال تلك السنوات ونحن نقرأ الأسماء عينها سواء في صحف عمان ومجلاتها وكتب نقادها ومهرجاناتها وكأن لا أحد غيرهم .. عندما اقرأ صحف ومجلات بلادي أقول لنفسي: أين الباقون والباقيات؟ ثمة أسماء أعرفها في عقلي وآخرون اسمع عنهم من الصديقات، ولكن لم يحدث أن قرأت لهم، ونادرا ما اسمع عنهم في مهرجان أو مؤتمر ثقافي..! قالت لي مرة إحدى القاصات شاكية إنهم لا ينشرون لي في الصحيفة الفلانية، سألتها: لماذا وكتابتك مبدعة؟ قالت ببساطة: لأنني لا املك واسطة.. هكذا ببساطة مطلقة..! كتابتها لا ينقصها الإبداع وحجب عن النشر، بينما ثمة كتابات خالية من الإبداع وتنشر..! الناقد " حامد بن عقيل " قال في أحد حواراته بأن " كل ثقافة ناشئة تحتاج إلى ما تتشبث به؛ كي تتضمن لها من خلاله وجودا ثقافيا مميزا " هؤلاء الناشئة في عمان إن لم تستقبلهم صحف ومجلات بلادهم فمن سيحتضن إبداعاتهم ..؟! فالترويج للإنتاجية بالعلاقات الشخصية ومنافع خاصة هو تظلم حقيقي يقضي على الإبداع الحقيقي ويقتله.. تكررت هذه الشكوى من كتاب عديدين ومن كلا الجنسين خصوصا في الآونة الأخيرة، وهذا طبيعي لأن الوعي بدأ يجس النبض ..! ما يفسد الأدب في عمان للأسف هو " الشللية "، من فترة قريبة جدا قال لي أحد الصحفيين هناك ليلى اكتبي في عمان، سأحاول جرك للكتابة في عمان لقد قتلتنا الشللية هنا، والفارغون أكثر ضجيجا..! ومن وقت ليس ببعيد بعثت لي إحدى الكاتبات رسالة فحواها أن السفير العماني في اسبانيا وقع اختاره على ترجمة بعض قصائدي الشعرية للغة الاسبانية وكانت ثمة قائمة بأسماء الشعراء المختارين، والذي اختار هذه القائمة هو السفير نفسه، وقع اختياره عليّ وفق متابعاته الشخصية واختياره تلك الأسماء دون غيرها ليست من الضروري لأفضليتهم على غيرهم، فلابد أن للسفير خطة معينة جعلته يضم تلك الأسماء ضمن جدولة الترجمة، وكانت القائمة تحمل بعض أسماء جديدة لشعراء لم اعرفهم ولم اقرأ لهم، والمتوقع دون أدنى شك إذا ما اعتمد السفير على غيره من الكتاب في وضع تلك القائمة؛ لتغيبت منها أسماء معينة .. ! صراحتي هذه تطعن فقط الشلليين، علا وعسى توقظ ضمائرهم النائمة في بياتها الذي لا ينتهي، حكمّوا ضمائركم ولو لمرة واحدة، أفسحوا المجال للآخرين، لسنا في ساحة " حرب " اكسروا الراء لتكون " حب "، أيها الشلليون لا داعي مطلقا لأن نتوكأ على الآخرين، ولا أن نضخ مديحا ليس في مكانه على أحد؛ فالإبداع الحقيقي وحده يشق طريقه بقوة في كل مكان، كالقلب الدافق بالحب يفترشه الحب في كل مكان.. سقف وطني زاخم بعدد كبير من الكتاب والكاتبات، ينبغي عليهم ألا يقفوا مكتوفي الأيدي في وجه أولئك الشلليين الذين يهمشونهم في الظل، وأن يطالبوا بحقوقهم في النشر والإبداع وأن يؤمنوا بقدراتهم.. بينما في المجتمعات الأخرى نجد تواصل محب بين الكتاب، على سبيل المثال ساحة الأدب الثقافي في السودان فصراعات الجنوب والشمال على المستوى السياسي لم تطل علاقات كتابهم، ففي كل الحوارات والدراسات السودانية هناك ذكر حاشد وحافل بأسماء الآخرين والمثقف المحاور في كل حواراته تجد لديه حرص على ذكر غيره قبل نفسه بتواضع جم ، وآخر ما قرأته حوار مع الروائي المرشح لجائزة بوكر العربية الروائي " أمير تاج سر " ولم ينس كعادة المثقف السوداني عن ذكر الآخرين ..الجهة المشرقة في المشهد الثقافي والأدبي في عمان هو" الملتقى الأدبي للشباب " للرمز الثقافة والأب الروحي الشيخ " هلال العامري " - فليمدده الله بالصحة والعافية وبعمر مديد - فهذا الشيخ الشاب هو دافق الروح والإبداع في أوصال الملتقى الأدبي الذي يقام سنويا في ولاية من ولايات سلطنة عمان العامرة، خرّج أجيالا من الكتاب والكاتبات وكأنه يخّرج أبناءه وبناته، إنني أقف أمام هذا الرجل بفكره النبيل بامتنان واحترام وحب كبير ।


مجلة أخيار الثقافة: كيف تفسرين غياب صوت المثقف العماني عنا في الجزائر، وفي المغرب العربي، خصوصا الصوت النسائي؟
لا أدري ، ربما يعشقون شرانقهم ببساطة ॥! وجهت هذه السؤال لنفسي منذ سنوات، عندما كنت انشر في كثير من المواقع الأدبية لدول الوطن العربي دون أن ألمح أو أجد أي كاتب أو كاتبة عمانية عدا الشاعرة " ريم اللواتي " وكنا أنا وهي الفراشتان الوحيدتان من العمانيات تنشران في بعض تلك المواقع.. واذكر جيدا أن بعض المواقع الالكترونية الأدبية في عمان كانت من ضمن شروطها أن يكون العضو كاتبا أو كاتبة عمانية ولا يسمح لغيرهم في الدخول وعندما سجلت في إحداها منذ سنوات اضطر مدير الموقع من أن يتأكد من هويتي؛ فالكثيرون كانوا يعتقدون بأني إماراتية ومازال ..! وأيضا الأمر نفسه في مسابقاتهم والتي تطلب مشاركا عمانيا، وربما للمسابقات ظروفها وخططها الخاصة كما في كل دولة .. قصارى القول: إذا أنا لم أطرق باب جارتي الجديدة؛ فلن أعرفها يوما، والانتظار كي تأتي هي إلي وتعرف بنفسها فهو انتظار ضائع..


مجلة أخيار الثقافة: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ ومن السرد النسوي الجزائري؟
ليلى البلوشي: اقترابي من الأدب الجزائري كان قريبا مذ البدء في الكتابة، فاحتكاكي بكتاب الوطن العربي كان قبل احتكاكي بكتاب من وطني، كنت اكتب وأشارك في مواقعهم، ولي صداقات تربطني مع كتابهم وكاتباتهم مذ وقت طويل كالقاصة فاطمة الغولي والقاص صباح السعدي॥ وفي الأدب الجزائري ظهرت بعد آسيا جبار وأحلام مستغانمي أسماء مبدعة لا يمكن تهميشها مطلقا كياسمينة صالح وفضيلة الفاروق والقاصة نسيمه بولوفة وفاطمة بريهوم وغيرهن الكثير، الصوت النسائي في الجزائر بارز ومتنوع ..


مجلة أخيار الثقافة: ماذا تقرأين الآن؟
ليلى البلوشي: الآن اقرأ كتاب " هندسة الكلام " للمؤلف الدكتور " إبراهيم الغنيم " ، هو كتاب ابتكاري رائع بحوزتي مذ مدة طويلة وهذه هي قراءتي الثالثة للكتاب نفسه ॥


مجلة أخيار الثقافة: ماذا تكتبين؟
ليلى البلوشي: آخر ما كتبت مقالة بعنوان " رجاء نقاش في عيد ميلادي " سينشر قريبا بإذن الله ॥


مجلة أخيار الثقافة: كلمة ترغبين في قولها عبر موقعنا؟
ليلى البلوشي: الحروف المكابرة لا تمنح أدبا؛ فأعظم ما يتصف به الكاتب في كل زمان ومكان هما الصدق والتواضع مع نفسه قبل الآخرين ..

الجمعة، 14 يناير 2011

نصيحة هنري ميللر : اقرأ أقل ما يمكن ..!



نصيحة هنري ميللر : اقرأ أقل ما يمكن ..!

" لقد لاحظت مؤخراً أنَّ الشبّان يتحولون أكثر فأكثر إلى الكتب الميتافيزيقية ، والغامضة والصوفية بالإضافة إلى الإباحية والبذيئة ، في هذا الكتاب أعتقد أنهم سيجدون أجوبة وإشارات سوف توجههم إلى ذلك النوع من الأدب المفيد والدائم.."

هذه ملحوظة من ضمن الملحوظات التي صدرها " هنري ميللر " في مقدمة كتابه المسمى بـ ( الكتب في حياتي ) هذا الكتاب لم يصدر للعربية بعد ، لكن المترجم العاشق لأدب هنري ميللر " أسامة المنزلجي " اقتطع أجزاء منه وقدمها بلغة عربية رائقة ..

في هذه السطور يسرد هنري ميللر عن الكتب التي قرأها ، وكتب تاق في الحصول عليها ، فحينما كان شابا في الثامنة عشر رغب في الحصول على كتاب " اعترافات رجل أحمق " لسترينبرغ ؛ لكنه كان أمرا مستحيلا ؛ لأنها وعلى وفق مسار عقول تلك السنوات التي عاشها وقتئذ ، كان هذا الكتاب من ضمن الكتب المفسدة للأخلاق ..

" ما الذي يجعل الكتاب حيا ..؟"
يهجمنا هنري ميللر بهذا السؤال الملغز .. لكنه لا يسعف أنفاسنا برهة ؛ كي تشتم جوابا في حيز العقل ، فهو ينسل جوابه بثقة : " والجواب في اعتقادي بسيط ، الكتاب يبقى حيا عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ إلى آخر " ..

ثم يشهر عن عشقه للكتب ، وأن تلكم الصفحات البيضاء المذيلة بخطوط سوداء هي أحد الأشياء التي يدللها بشر بعمق ، وأن درجة رقي المرء تتضاعف كلما ساهم بكل يسر في مشاطرة الآخرين معه في كتبه ..
يعترف بهذا دون أن يفوته تقديم تفسيرا نموذجيا للكتب التي تبقى حبيس مكتبة صاحبها :
" وكتاب يتمدد بتكاسل على رف هو ذخيرة ضائعة سدى .. كالمال ، يجب جعل الكتب في حالة تداول مستمر ، استعر وأعرّ إلى أقصى مدى كتابا ومالا معا ، وعندما تمتلك كتابا ذا عقل وروح تغتني ، ولكن عندما تعطيه لشخص آخر تغتني ثلاث أضعاف " .

ويقارب هنري ميللر في طرحه هذا الكاتب البرازيلي " باولو كويليو " الذي اعترف مرة أنه لا يحتفظ في مكتبه سوى بأربعمائة كتاب فقط ؛ يحتفظ بها لأسباب وجدانية وبعضها الآخر يعيد قراءتها باستمرار ، أما بقية الكتب التي جمعها وقرأها طوال تلك السنوات وزعها على أصحابه ، ووضع بعضا منها في مكتبة عامة ؛ فهناك يكون للكتاب أكبر فائدة من أن تبقى حبيس مكتبة بيته ..

لكن النصيحة الأكثر أهمية في هذا الكتاب ، تلك التي يرميها لنا بجسارة مدهشة : " اقرأ أقل ما يمكن ..! " ..
فيصدم قراؤه بهذه النصيحة المجانية ، التي لا يمكن سوى أن تنم عن جنون ما ليست بغريبة عن عقيلة هذا الرجل ، خصوصا حين يتبع قائلا بعد تلك النصيحة : " أوه ، لا ينتبك الشك في أني حسدت أولئك الذين غرقوا في الكتب ، أنا أيضا ، أود في سري أن أخوض في تلك الكتب كلها التي طالما عبثت بها في عقلي ، لكني أعلم أن هذا ليس هاما ، أنا أعلم الآن أني لم احتج إلى قراءة حتى عشر ما قرأت .."

هنري ميللر في السطور التالية يدافع بشدة عن نصيحته التي يقّر بأنها لم يلقها عن تهوّر ؛ ولاختبار هذه النصيحة النفيسة يورد عدة أسباب لوجهة نظره :

· " فعندما تصادف كتابا ترغب في قراءته ، أو تعتقد أنك يجب أن تقرأه ، دعه وشأنه بضعة أيام ، ولكن فكر فيه بأشد ما يمكنك من تركيز ، دع العنوان واسم المؤلف يدوران في عقلك ، فكر ماذا يمكن أن تكتب لو أتيحت لك الفرصة ؟ " ..
· " اسأل نفسك بجدية إذا كان ضروريا أن تضيف هذا العمل إلى مخزونك من المعرفة أو إلى ذخيرتك من المتعة ، حاول أن تتخيل ماذا يعني لك أن تضيع هذه المتعة أو الفائدة الإضافية ؟ " ..
· " إذا وجدت أنه لابد أن تقرأ الكتاب ، فانتبه بأي فطنة استثنائية تتعامل معه .. انتبه، أنه مهما كان مثيرا ، فإنه القليل جدا مما يحتويه الكتاب جديد حقا عليك ، وإذا كنت صادقا مع نفسك ، فسوف تكشف أن مكانتك ارتفعت عن مجرد بذل الجهد لمقاومة دوافعك " ..

ميللر بنصائحه تلك يتوق أن يجعل من القارئ ليس مجرد عينان تلهثان خلف عبارات وكلمات متراصة ، بل يريد أن يخلق منه عقلا ذواقا يتخير ما يرغب به عن جدارة متمكنة ، فالكتب الجديرة بالقراءة تلك التي تتصف بالأصالة سواء في الأسلوب ، أو المحتوى النادر في مخزون الأدب ..
ويضع أنموذجا لقارئ فذّ يدعى " بليز سيندرار " فهو قارئ عبقري ، بل قرأ لمعظم الكتاب بلغتهم الأم ، وحينما يعشق كاتبا يلتهم كل كتبه حتى آخر كتاب ألفه ، دون أن يسقط من مجال اهتمامه الرسائل والدراسات التي ألفت عن الكاتب نفسه .
وهو على رأي ميللر ، رجل حيوي ومغامر ومكتشف ، ألف عددا كبيرا من الكتب ، وهو رجل يعرف كيف يبدد وقته بفخامة ، أنه بمعنى ما " يوليوس قيصر الأدب " كما يلقبه ..

نصيحة هنري ميللر عرضت جانبا مهما في قانون القراءة والقارئ ، ولاشك لكل منا مجموعة من الكتب ، التي وجدنا بعد مرور قسط من الزمن ، أنها لم تحفز فينا شيئا ذال بال ، بينما كتب أخرى ثقبت جانبا مهما في أريحة النفس والعقل ، وثمة كتب كثيرة نحلم في الحصول عليها لا امتلاكها ؛ فالكتاب المسافر الذي يعصر من يد إلى يد ، وتصدأ أوراقه من تقلبات الفصول والأزمنة ، حتى ليبدو وكأنه شيخ وقور ، هو الكتاب التي عرف جيدا كيف يحفر مكانه بحق في ذاكرة وقلب التاريخ ، ولن تشمل قط مقطعا من قصيدة " للويس بورخس " والتي يقول فيها :
" هناك باب موصد حتى نهاية الأزمنة
بين كتب مكتبتي
هناك كتاب لن أفتحه أبدا " ..


ليلى البلوشي

الأحد، 2 يناير 2011

لصوص النوم


لصوص النوم

جيء ليلة لملك الفرس " كسرى أنو شروان " بإنسان متشرد فسأله : ماذا تفعل في هذا الليل ؟ فأجاب : أهيم على وجهي ..! فضحك كسرى وقال : الذي يسير وحيدا في الليل يكون عاشقا أو لصا ، فأيهما أنت ؟ فأجاب المتشرد : لا هذا ولا ذاك ..!
قال له كسرى : قل عاشقا تنج من العقاب ..!
فرد عليه : سمعا وطاعة ، أنا عاشق ..!
فقدم له كسرى مبلغا من المال قائلا له : اذهب إلى عشيقتك ومعك هذا المال ، فإذا لم تكن لك عشيقة اتخذها ، المرء لا يعيش دون عشيقة وإلا صار لصا ..!

* * *
في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " حكاية للفيلسوف " نيتشه " يفصل فيها حديثا عن النوم تحت مسمى " حول منابر الفضيلة " فيقول فيه :

" تجنبوا اللقاء مع الذين ينامون نوما سيئا ويسهرون الليل ..!"
" يخجل اللص في حضرة النوم ، فيتسلل بطيئا في الليل ، ولكن لا خجل عند حارس الليل ؛ فهو ينفخ بوقه بلا خجل " ..
" عشرات المرات يجب أن تتصالح مع نفسك كل يوم ؛ لأن التغلب على النفس يولد الاستياء ، والذي لم يتصالح مع نفسه ينام نوما سيئا " ..

هنالك فضائل كما يرى " نيتشه " يجب أن نأخذها بعين الاعتبار ، بل يجب أن نتصف بها ؛ كي ننام نوما جيدا ..

فيجب أن تتساءل حينما يجافيك النوم ليلا بنصل الأرق :

" هل خنت أحدا ؟ " " هل سمحت لنفسي أن أتمنى جارية قريبي ؟ "
فإن ذلك يمنع النوم الجيد ..
" عش بسلام مع ربك وجارك " ، " عش في سلام مع شيطان جارك ، وإلا سيزورك ليلا "
" احترم مديرك وأطعه ، حتى وإن كان مديرك أعرج ..! "
" اعتقد أن الراعي الأفضل هو الذي يرعى خرافه في المراعي الخصبة " وهو من شروط النوم الجيد ..
" إنني أفضل المجتمع الصغير على المجتمع الحقود ، ولكن حتى المجتمع الصغير يجب أن يأتي ويذهب في الوقت المحدد " فهذا من شروط النوم الجيد .

" يعجبني معدمو الروح ، فهم يساهمون في النوم الجيد " ..

هل النوم يحتاج إلى دعوة ..؟!

يتحدث " نيتشه " عن هذا بلباقة فيقول : " أتجنب دعوة النوم إلي ..!
فالنوم لا يريد أن ينادى ، وهو سيد الفضائل كلها ..! "
لكنه فكره لا يدعه لحاله ، فيمضغ تفكيره ويتساءل كصبر بقرة : " ما هي المرات العشر التي تغلبت فيها على نفسي خلال النهار ..؟ "

وخلال قيامه بهذه العملية مع أفكار متضاربة تكر وتفر ، كالمد والجزر ؛ فإذا بالنوم يحل عليه فورا ، الذي هو سيد الفضائل كلها ..

ويختمها باعتراف : " إن النوم يضربني على عيني ، فتثقل عيناي ، النوم يلامس ثغري ، فيبقى مفتوحا قليلا .. حقا ، يأتيني النوم بخطوات هادئة ، إنه الأفضل بين جميع اللصوص ، يسلب مني أفكاري لأقف غيبا كهذا المنبر ، ولكنني لا أطيل الوقوف في هذه الوضعية ، فأستلقي حينئذ " ..

* * *

أقول : " عين الظالم لا تنام " ..

إذن ، جلّ هذا العالم ساهر ؛ إلا أقلهم أولئك الذين في قلوبهم غصّة مَظْلمة ، لم يأذن الله تعالى لها أن تقضى بعد ..!


أقول : " العاشق يؤرقه النوم ، فليله طويل بطول عشقه " ..

إلى حيث ينام قلبه يكون حضوره يقظا ..


أقول : " إن المرأة إذا غاب بعلها ، هجم عليها سواد الليل ، السواد كله " ..

وقد انشد :

تطاول هذا الليـل واخضّل جانبه وأرقت أن لا خليـل ألاعبه
فو الله لولا الله لا رب غيـره لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصـدني وأكرم بعـلي أن تنال مراكبه


أقول : " الوحيد ، يعزله النوم ، فيكتنفه عزلتان ، عزلته وعزلة ليله " ..

إنه سائر وحيد في معترك الكون ، ما أكبر الكون من حواليه ، وما أصغر كونه الداخلي ، فهو وحيد بها .. !


أقول : " علة في الجسد ، تمنع النوم من الزيارة ، وإن زاره كان طيفا " ..

فالمريض لا يجد في نومه لذة ، الألم وحده يلتذ في جسده ، يسحقه سحقا هو وليله كله ، إنه خبير في أنس لياليه ..


أقول : " الغائب عن عيون الوطن ، رفيقه في غربته أرقه " ..

يهيم في الليل متأبطا ذكرى وطن حبيس في القلب ، والخطوات تنتشله في حنين طويل لا ينتهي ، فليله سرمدي كإحدى أغاني أم كلثوم ..
أقول : " الحزن صاحب الأرق " ..

ما أكثر الأوجاع هذا العالم ، فكيف بها إذن أن تفنى في خدعة النوم ، حتى للنوم منها نصيب في هيئة كابوس يستفيق ولا يتعب من استفاقاته المتكررة ، فالليل ليله ، وهو بصاحبه حر ..!


أقول : " الحالمون يرفضون النوم " ..

خشية أن تضيع أحلامهم في زحمة النوم ..!
وهي الحالمة التي لا تنام ، تعد النجوم في الليل بعدد أحلامها ، وما أتعس الذين لا يحلمون ، ما أتعس أولئك الحالمون ؛ حين تضيع أحلامهم في فوضى الحياة بغفلة سبات أو لحظة جبن ..!


أقول : " الجائع يمنعه قعقعة بطنه من النوم " ..

يستدعي الطعام بشتى الطرق ، ليس ارضاء للنوم بل ارضاء لنفسه الجائعة ، فما أسعد لياليه فلا تكاد تخلو من خلوات اللذة تلك ..!


أقول : " إن الشبعان ، لا ينفك يتقلب في فراشه مؤرقا " ..

فالنوم يبقى خفيفا كلما أكلت أكثر ، لكن الجوع فلا يتعب أبدا ..!


أقول : " المتعبد ، مؤتنس بظلمة ليله " ..

إنه ممتلئ بها ، روحه العظيمه تشتاق خلوات الليل ، فهل ثمة خلوة أحلى وألذ وأمتع من خلوة مع الله ..!

أقول : " وحدهم الأطفال ينامون ببراءة كبيرة " ..

ينامون بلا إنذار ، بلا خوف ، بلا حذر ، من تعب نهار مجهد باللعب إلى مخدة تخدرهم ببراءة عميقة ..
لنكن أبرياء إذن ؛ كي ننعم بنوم الأطفال ..!

* * *

في شذرات من يوميات " بودلير " يقول عن النوم :

" فيما يختص بالنوم ، تلك المغامرة الكئيبة لكل ليلة ، كان يمكن القول إن الناس ينامون يوميا بجرأة غير معقولة ، لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر " ..


" نوم أبيض " يقول عنه الشاعر " عباس بيضون " :

" لا أنام في سرير، لا أذهب إلى فراشي في الساعة نفسها تقريباً كما يفعل الجميع ، لا أذهب إلى فراشي بتاتاً ولا أفكر في أن أذهب ، لعلمي أنني إذا فعلت ذلك لا أنام ، إذا دعوت النوم وتحضرّت لن يحضر ، إذا دخلت تحت اللحاف وسوّيته فوقي ، بعد أن أكون خلعت ثيابي ووضبتها ولبست البيجاما ، إذا وضعت رأسي على الوسادة وأطفأت النور بعد أن أكون تأكدت من إغلاق النوافذ ، لن أنام ، لقد طردت النوم بكل هذه الحركات ، جعلته أبعد فأبعد حركة بعد حركة ، لو فعلت ذلك سيطير النعاس من عينيّ تماماً ، لن يأتي النوم بقدمه إلى هذا الفخ ، هذا الترتيب سيجعله يهرب ، ما أفعله حين أعود في ساعة غير محددة من الليل هو التمدد أمام التلفزيون بثيابي ، وفي الحر بثيابي الداخلية ، التمدد لا يخيف النوم فإن أتمدد غالباً وليس للرقاد وحده ، أضع رأسي على وسادة فوق ذراع الكنبة وأتطلع إلى التلفزيون وانظر في كتاب ، اللمبة مضاءة والبيت مشعشع والتلفزيون والع وأنا فقط أتفرج ، ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً ، بوسعه أن يخرج ويتسلل ، أنا لا انتظره لكني وسط الفيلم أدير رأسي على الوسادة ولا أعرف كيف أكون نمت ، أنا كمن لم ينم ، حتى وأنا غاف لست نائماً حقيقياً ، لا زلت في ثيابي ولست في فراشي ، لا بد أن التعب خطفني ، التعب فقط وإن كان نوماً .. "
والفنان الإسباني العبقري " خوان ميرو " كان يعشق النوم ، لدرجة قبل أن ينام كان يكتب على باب غرفته من الخارج : " الفنان يعمل ، فلا تزعجوه " ..

بينما يقول الكاتب " آلان لايتمان " في روايته " أحلام آينشتاين " :

" الضوء يخطط الحياة في هذا العالم ، ولذلك فإن الشخص الذي يولد عند الغروب يمضي النصف الأول من حياته في الليل ، يتعلم مهنا داخلية كالحياكة وصناعة الساعات ، يقرأ كثيرا ، يصبح مفكرا ، يأكل كثيرا ، يخاف من الظلمة الشاملة في الخارج ، يحرث الظلال ... أما الذي يولد عند شروق الشمس يتعلم مهنا خارجية كالزراعة والبناء ، يصبح قوي البنية ، يتجنب الكتب والمشاريع الذهنية ، يكون مشرقا ولا يخش أي شيء " ..

وأنا ولدت في الليل ، في منتصف ليلة شتوية ماطرة بالتحديد ؛ لكني لا أجيد الحياكة ولا صناعة الساعات ، ورغم لصوص النوم الحائمة من حولي غير أني أجيد النوم بشدة ؛ كأن بي عضة من " ذبابة تسي تسي " ؛ فقط حينما يكون دمي فقيرا ..

ولكن لمن يتناول حبوبا منومة من عيار قوي دون أن يغمض له جفن كبطل " ميلان كونديرا " في روايته " كائن لا تحتمل خفته " ؛ فما عليه و- على مسؤوليتي- سوى بكتاب " تأملات قبل النوم " لأوشو ؛ فإنه يبدد ليس فقط لصوص النوم ، بل أيضا لصوص الحسد والحقد والكذب والخيانة والخوف والجشع والاكتئاب .......
ونوما هنيئا مقدما ..



ليلى البلوشي

الأحد، 19 ديسمبر 2010

القاصة الشابة ليلى البلوشي في حوار مع ملحق ( شباب عمان )



القاصة الشابة ليلى البلوشية لـ ( شباب عمان )

الكتابة بكافة أشكالها تجريب ومتعة مطلقة مع حس مسؤول

حاورها : ناصر أبو عون

ليلى البلوشية قاصة عمانية شابة روحا وقلما تخصصت في الكتابة عن النفس الإنسانية : نموذج للمبدع المنفتح على العالم يكتب ليحيا ويحيا ليؤرخ للفكر الإنساني – قاصة تتنفس الوطن في كل عرف تكتبه – تنشر فكرها حبرا على صفحات الصحف الخليجية والعربية ومن أولى العمانيات اللاتي انطلقن بالإبداع العماني في الفضاء الالكتروني – تواصلنا معها الكترونيا ودار الحوار التالي :

1- بداية يمكننا أن نعرج على تجربتك بشكل عام في عوالم النص الإبداعي .. أين تجد ليلى البلوشي نفسها في القصة أم التدوين الإلكتروني أم الكتابة المقالية والنقدية ؟

أنا إنسانة قبل كل شيء ، والانسان كتلة من المشاعر والأحاسيس وحيث تقودني مشاعري الإنسانية أقف بالتزام ، بمعنى الكتابة بكافة أشكالها هي بالنسبة لي تجريب قبل كل شيء ومتعة مطلقة مع حس مسؤول ، أحيانا يتملكني شعور غريب هو أنني كاتبة وحيثما يثقل علي هذا المفهوم أشعر بحجم المسؤولية التي تقع على كاهلي ، أشعر أن مشاعري وأحاسيسي ليست ملكي إنها للآخرين ، مفهوم " الآخرين " بالتحديد بدأ يأخذ أهميته في داخلي ، يكبر ، هنا تبدأ الهموم الداخلية للكاتب تذوب ، تضمحل ، تتلاشى في ذات الآخرين ..
والكاتب عادة يتراوح بين انفعالين ينبثقان من أعماقه في وقت من الأوقات هما " الخوف " و" الفرح " ؛ أما الخوف هو ذاك القلق الإبداعي ليس فقط من التوقف عن الكتابة بل العجز عن إنجاب الجديد ، والفرح هي تلك الحرية التي يتنفّسها في لحظات الانعتاق الذاتي عن كل شيء خصوصا مسؤولية الكتابة ..

في بداياتي كنت ذاتية بمعنى ما ، والروائي " عبدالرحمن منيف " أشار إلى ذاتية الكاتب في عمله الأول قائلا : " مادة السيرة الذاتية جاهزة وتعطي نفسها بسخاء ، فإن الإغراء الذي تتضمنه والذي يصل إلى بعض الأحيان حد الغواية ، يوقع الكثير من كتاب الرواية ، وخاصة في الرواية الأولى " ، لكن الهم الكتابي يكبر معنا ويطغى على خصوصياتنا ويتجاوزها عابرا إلى العموميات ، الحياة الممتلئة المحاطة بالكاتب هي التي تصنع منه واقعه الكتابي ، خاصة في الانطلاقة الأولى ، لكن بعد ذلك سرعان ما يكتفي الكاتب في الحديث عن ذاته ، ليتحرر منها إلى التحدث عن أشخاص وعوالم مختلفة ، بينما ذاته الخاصة يكون حضورها متذبذب في كل كتابة وكتابة ، وتغدو الشخصيات التي يكتب عنها الكاتب هم بمثابة أصدقاء يألفهم ويألفونه بمرور الأيام وكأنهم كانوا أقرباء أو رفقة ، تحقيق الإشباع الذاتي ضرورة ؛ لأنها وحدها تعيد للكاتب توازنه في الرؤية إلى العالم والأشخاص بالطريقة الصحيحة ، وتجربة الكاتب التركي " أورهان باموق " مقاربة تماما لحديثي هذا ؛ فهذا الكاتب في معظم أعماله الكتابية كان متواجدا بعضها بطريقة مقنعة خلف شخصية ما وبعضها الآخر تمثلها بلحمه ودمه ..
أما عن التدوين الالكتروني فاسمح لي بتبديل اللفظة إلى " انفتاح الكتروني " ، وهذا الانفتاح غدا بمثابة خشبة مسرح ، جمهوره من مشارق الأرض ومغاربها ؛ فهي تضع الكاتب على مشاهدات حية مع الآخرين ما يسمى بلغة تواصل وتحاور، بل وضعتني - شخصيا - في مواقف عديدة ، لعل من أكثرها طرافة حينما بعث لي مقدم إحدى القنوات التي تبث في دبي دعوة ؛ كي أشاركه في حلقة أسبوعية في برنامجه الذي يتحدث عن قضايا تواجهها المجتمع وجاءت استضافتي في حلقة من حلقاته ، الأمر برمته أدهشني فثمة مختصون أجدر مني بكثير يتناقشون في مثل تلك القضايا ، وحينما استفسرته عن سبب اختياره لي قال بأنه تصفح مدونتي وشعر بأنني مختصة في مثل هذه القضايا التي تعنى بالجوانب النفسية ..!
وكما في كل دعوة تصلني دائما أقدم لهم اعتذاري بلباقة ؛ لأنني بكل بساطة وأقولها على ملأ : لا أجد نفسي في الحوارات الشفهية ولا المقابلات الحية سواء مع التلفاز أو الإذاعة ..


2- كثير من الكاتبات يلجأن إلى القلم لسرد ما يحصل، مما يؤكد انهن خارج تيار الوعي النقدي الذي يوصي بالربط بين قضايا المرأة و الرجل بحركة الصيرورة التاريخية وتفاعل الإنسان مع حقائق الواقع المعاش و تبدلها في الزمان و المكان .. كيف ليلى البلوشي حاولت الانفلات من هذا الشرك الذي وقعت فيها كثير من كاتبات خليجيات وعمانيات يمتهن الكتابة التسجيلية ؟

لا أدري لم أشعر دائما بأن الكُتاب والكاتبات براء مما يكتبون ، والعلة في تناقض المجتمع الذي يتنفسون فيه ، أصبحنا نعيش في مجتمع ينجب في اليوم أكثر من ألف مفهوم ، وألف شكل إبداعي ، وألف تيار نقدي وهلم جرا .. ثم يقع كل ما ينجبه العالم من جديد على رأس الكاتب ..!
ساحة الكتابة الإبداعية لم تعد مساحتها مختصرة وضئيلة كسوق عكاظ القديم ، اليوم غدا الأدب شاسع المفهوم كبطن الحوت ، حتى ليشعر المرء بأن الأدب غدا موديل " عارض أزياء " والكتاب هم " مصممين " بينما النقاد هم " الحكم " على الأذواق والصرعات التي تظهر يوما بعد يوم بزخم غريب وغامض ومدهش ولاهث للغاية ..
كل يفصّل على مزاجه ، والكتابة كما يعرف مقترفيه مزاج ..
لكن الفارق أنه مزاج مسؤول في النهاية .. انظروا ماذا فعلت الكتابة مع الروائي الايطالي " روبيرتو سافيانو " ؛ المطارد حاليا من المافيا في كل بقعة من العالم ؛ فالكتابة كلفته راحته واستقراره ؛ لدرجة أنه لا يستطيع البقاء في مسكن واحد أكثر من أسبوع ولا التحرك من بقعة إلى أخرى مهما كانت ضئيلة المسافة دون حراسة مشددة ، والجرم نفسه اقترفته الكلمات مع الشاعر " والت ويتمان " حينما أصدر ديوانه الشعري " أوراق العشب " وطولب بجلده عقابا له ، ويومها قال : " توقعت الجحيم ونلته " ..!

الكاتب إنه ذاك الرجل الذي تاه بقاربه في النهر ، وكافح بما يفوق أضعاف طاقته الطبيعية في التجديف عكس التيار ؛ كيلا يسقط في الشلال ، وعلى حين فجأة لاحت له فكرة وطبقها ، جذف مع التيار ، بكل قوة نحو الشلال ، وصاح بأعلى صوته : الآن أنا حر ..!
وما أعظم الدور الذي تلعبه " الحرية " في حياة كل كاتب ؛ فهي أنشودتهم الأبدية التي لن تجد دربها إلى الأفول مطلقا مادام ثمة فرقعة روح في جسده المسجى ..!
والحرية أنواع ، منهم من يتوق إلى حرية شبيهة بحرية " لوركا " و" غيفارا " وهي حرية مخلدة في نظري ، ومنهم من يكتفي بتحرير ذاته الحبيسة في قمقم العالم الصغير الكابت على أنفاسه حتى الاختناق ، وهنا الحرية تغدو بمثابة أسطورة خاصة ..


3- دعينا نبدأ من مفهوم ( الإبداع ) كمنطقة مشتركة ننطلق منها إلى مساحات أرحب وصولا إلى قناعات حقيقية يمكن تأصيلها وترسيخها نقديا .. فالبعض يرى الإبداع ( تمرد ورفض وردة شبقها الهدم والبناء ) ، ولكنني أفضل المفهوم الذي يراه قراءة جديدة للعالم بالاختلاف والائتلاف.بل حرية تريد التموقع في الوجود وتجعل الكائن متحدا في الممكن المدهش الجميل .. كيف تنظر ليلى البلوشي إلى الإبداع بوجه عام ، وأدب المرأة بوجه خاص ؟

الإبداع بوجه عام أي بمفهوم شامل ومطلق هو ما يحاكي المشاعر الإنسانية ، فكل ما يكتب ثم يومض في داخلي ضوءا ما ، أهزوجة ما ، فرقعة ما كالألعاب النارية هو إبداع في نظري الشخصي ..
على سبيل المثال رائعة " نيتشه " وهو يتغنى بتلك العبارات :
" كأنه البحر قلبي شاسع
ووجهك فيه
مبللا بالشمس يبتسم "
الفيلسوف " نيتشه " هنا عبر بكلمات بسيطة جدا عما يجيش في داخله من مشاعر، لكن العبقرية تكمن في حسن ترتيب هذه الكلمات ، وهذا ما يسمى بالإبداع ..
فثمة في الكون كلمات كثيرة جدا وللازدياد يمكن الاستعانة بقاموس ، لكن اللغز الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذا الزخم ليغدو إبداعا بمفهومه الحقيقي ..
" الأدب المرأة " سأستعير عبارة من جدتي " غادة السمان " عن مفهوم أدب المرأة : " بالنسبة لي ، ليس مهما أن يكون ما تكتبه المرأة مشابها لما يكتبه الرجل ، فالمقياس في الأدب هو الوصول إلى الحالة الإبداعية بغض النظر عن الموضوع ، نسائيا كان ، أم إيديولوجيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو فكاهيا .....، فلماذا يصير ما تكتبه المرأة عن امرأة " أدبا نسائيا " ؟ فهي حرة في اختيار مادة كتابتها وأبطالها " امرأة " ، أو " رجلا " أو قطة " .." ..
أنا شخصيا انتهيت من كتابة قصة جديدة بطلها " ذبابة " ، ولكن لا أدري تحت أي مسمى يدرج بطل قصتي " الذبابة " .. ؟!


4- أعتقد أن خطيئة ( أدب المرأة ) هو عجزه عن الانطلاق من معنى (إن الأنوثة هي الطاقة الداخلية المتحركة من الداخل الى الخارج في نسيج البنية التحتية للمجتمع وخليته الوحيدة ) بل زاد الطين بلة بأخذ يبحث عن تكامل العلاقة بينها و بين الرجل، و يعالج الموضوع من أبهت و أسخف جوانبه .. كيف عالجت ليلى البلوشي هذه العلاقة عبر كتاباتها القصصية ؟

في نظري ثمة خطأ شائع وكبير جدا ، ويبدو أن العالم من حولنا درج عليه حتى أضحى واقعا ..!
أولا دعني أوضح المفهوم الفارق بين لفظتي : " المرأة / الأنثى " من دراسة أجرتها الكاتبة الفرنسية " سيمون دي بوفوار " وضحت الفارق بين المفهومين بشكل لافت للنظر مفسرة : " اللبس الحاصل في مفهوم الكتابة النسائية ما هو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى والكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة " ، فالصيغة الأولى تركز على أهمية خاصية لدى المرأة وهي " الأنوثة " وتلخص المرأة في صفتها الجنسية .
أما صيغة " المرأة والكتابة " فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي ، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع .."
إذن مفهوم " أدب المرأة " في نظري هو سخرية لاذعة قذفها العالم في وجه المرأة ؛ ليظهر لنا البون الفاغر بين ما يكتبه الرجل باعتباره حقا طبيعيا من المجتمع وبين ما تكتبه المرأة باعتباره قسرا .. فالمجتمع هنا هو العدو الحقيقي فهو مع حرية الرجل مقابل قمع المرأة ؛ لهذا يسعى بدأب غريب إلى استحداث مفاهيم فاصلة غرضها تهميش الآخر وقمعه والتسلق عليه ..!

5- إن المرأة مصنع من الأحلام ! هي حارثة مثالية لأوهامها الصامتة ! متفوقة في علم حساب الذات لكنها متمكنة في الوقت نفسه من إحداث الثقوب و التلصص على العالم من خلالها .. كيف تمكنت ليلى البلوشي من اختراق مشيمة عالمها والانفلات خارج دائرة الجنوسة ؟

ليست المرأة وحدها مصنع من الأحلام ، حتى الرجل لديه زخم من الأحلام يتوق إلى قبضها فهو ليس صخرة أو شجرة ..!
لا أدري إن تمكنت فعلا من ذلك ، لكن ما أدريه بكافة حواسي التي املكها هي أنني اكتب ببساطة مطلقة جدا ، وبعفوية كبيرة جدا ، وتلكما " البساطة " و" العفوية " يحركهما انفعال مهم جدا في كتابتي هو " الصدق " ..

المبدع لا يستحق صفة الإبداع إلا لكونه مجموع انفعالات إنسانية صادقة لا تنطلق من عالمه وحده بل هي خليط معاناة الآخرين وهو جزء منها ، الجزء الأهم ، فالبشر المنكوبون لا وقت لديهم لنقل خيباتهم إلى العوالم الأخرى ، إنهم مشغولون بترقيع جراحاتهم ، والمبدع وحده هو حامل الشعلة ، تلك التي تبرق في السماوات كلها ، فجراحات الآخرين هي جراحاته ..

وأضيف إليهم صفة تأصلت بقوة مرعبة في أعماقي : المسؤولية ..

6- كيف تناولت ليلى البلوشي قضايا المرأة العربية في أعمالها ؟ تنويه أنا أعتقد أن الإبداع ظاهرة إنسانية لا علاقة لها بالجنوسة واصطلاح ما يسمى بالكتابة النسوية مصطلح عنصري وزائف وكثيرا تبريري للتعبير عن الاضطهاد الذكوري المصطنع في أغلب حالاته !!

في بداياتي ، في كتاباتي القديمة كانت المرأة العربية شاغلي ، لكنني حاليا اكتب بشكل عام ، لأنه ليس ثمة معاناة المرأة وحدها ، نحن نحيا في كوكب ليست المرأة وحدها المعذبة فيه بل الرجل والطفل والشيخ الكبير أي الأسرة بأكملها كمفهوم مجتمعي ، ففي البلدان التي نكبّت بزلازل أو فيضانات أو براكين لم تكن ضحيتها المرأة فقط بل شملت أسرّ كاملة ، ولا أبالغ إن قلت إن معاناة الرجل في بعض الحالات أعظم من معاناة المرأة نفسها ؛ لأن الرجل مطارد من المجتمع بمفاهيم عتيقة لصقت به كالسلحفاة التي تحمل بيتها على ظهرها ..! لعل من أهم تلك المفاهيم " الشهامة " و" القوة " و" المسؤولية " لتكتمل أسطورة الرجولة وكثير من الرجال للأسف تنقصهم هذه الصفات ، لكنهم يدّعونها من أجل ارضاء المجتمع من حواليهم لا أكثر ولا أقل ، وهذا يحدث فجوة عميقة في داخله ، تشقه إلى شخصيتين ، شخصيته الحقيقية وشخصيته المدّعية وهنا يظهر الخلل ، والرجل حين يفشل في إحداث تغيير على واقعه الخاص ؛ فإن تأثير هذا العجز يكون شاملا لجوانب حياته العامة ويتبدى في هيئة عار وخزي من نفسه الضعيفة هذا من جانب ، بينما من جانب آخر الضغط المستمر الذي ينكل به العامة من حوله نتيجة شعوره بالنقص ؛ لهذا للاضطهاد الذكوري أسبابه ..
بينما المرأة ليست مطاردة بالمطالبة ؛ لهذا فهي ليست مضطرة أبدا للإدعاء سواء أمام نفسها أو أمام الآخرين ..

على مدى تلك القرون جرى تطبيع الرجل في أن يكون صاحب كلمة واحدة لا عدة كلمات ..! بينما المرأة حينما تقول شيئا ثم تتراجع عنه تبرر فعلتها بنبرة هادئة : حرمة ورجعت في كلامها ، هل ثمة مشكلة ..؟!

وسأختم هذا السؤال بانطباع الفيلسوف " أوشو " عن المرأة والرجل في كتابه " الحدس أبعد من أي حس " قائلا : " المرأة أكثر اهتماما بمكان وجودها ، باللحظة الآنية ، وهذا ما يجعلها أكثر تناسقا وجمالا ، أما الرجل يحاول دائما أن يثبت شيئا ما ، ولذلك يضطر للقتال والتنافس بصورة دائمة " ..


7- إن مفهوم الأنسنة يتطلب تجاوز مرحلة النظر إلى الجسد باعتباره محوراً وحيداً للعلاقة بين الرجل والمرأة. هل نجحت ليلى البلوشي في بناء شخصيات روائية تتجاوز هذه الحالة إلى ما هو أكثر جوهرية وعمقاً وحقيقيةً تستعصي على التزييف باعتبار أن شخوص الرواية مرآة واقعنا العربي ؟

لم اكتب الرواية بعد ، لكن سأقول : لماذا نضيّق الأدب في التجنيس دائما ..؟! الأدب ليس فقط قضايا المرأة والرجل ، ثمة قضايا وطن ، واقتصاد متهالك ، وبشر منكوبون ، وأطفال شوارع ، وكرة أرضية معرّضة لهزات وبراكين .. إلى لا آخره ..
انظروا إلى أعمال " كونديرا " التي يتزعمها المعلومة لا الإنسان ..!
لابد أن نرمم رؤيتنا للأدب ككل ، خاصة المعنيين به فئة الكتّاب ، على الكاتب أن يكون متفرجا ، يختار مقعده من العالم ويتفرج كمحايد ليس على الآخرين فقط بل حتى على نفسه ، هذا التفرج يجعله في مقام " المتأمل " فلا يفوته شيء من داخله وخارج العالم ، كما حدث مع بطل رواية " ألبرتو مورافيا " في روايته " البصاص " فالبطل هنا يراقب غيره وفي الوقت نفسه يراقب نفسه ، أو الأصح يختلس النظر إلى نفسه عبر اختلاسه النظر إلى الآخر ..!
ولا تستفزكم لفظة " التفرج " أيها القراء ؛ لأن الكاتب المتلصص على تفاصيلكم هو متفرج ومتفرج عليه في النهاية ..!
ثمة روايات شاملة ، غاصت في قضايا كبيرة وسرية ومقدسة ، على سبيل المثال لا الحصر رواية " كافكا على الشاطئ " للياباني " هاروكي موراكامي " ورواية " أرجوحة النفس " لـ " هرتا موللر " ورواية " أطفال منتصف الليل " لـ " سلمان رشدي .. هذه الروايات الثلاث التي ذكرتها لكل منها حس تاريخي وإبداعي خاص ، وفي الوقت عينه تضع القارئ على دراية بما يجري مع الآخر في عالمه المكاني والزماني المختلف عنه .. هذا التنافر في العلاقات يعجبني كثيرا ..