الثلاثاء، 25 يناير 2011

الأديبة العمانية ليلى البلوشي في حوار مع مجلة أخبار جزائر الثقافية



الأديبة العمانية ليلى البلوشي لمجلة أخبار جزائر الثقافية :

الحرية مسؤولية بغض النظر عن المفاهيم ، وأعظم ما يتصف به الكاتب : الصدق والتواضع مع نفسه قبل الآخرين ..

२५ / १ / 2011م

تعد ليلى البلوشي واحدة من الكتاب الشباب في سلطنة عمان، نشيطة، وعميقة في فكرها، تشعر أمامها أنك قبالة مثقفة جديرة بالاحترام بصدق، جميلة في أحلامها التي تتجسد في نصوصها أو في مقالاتها الأدبية، وكونها تعيش بعيدا عن سلطنة عمان لم يمنعها من الانتشار عبر الشبكة العنكبوتية ككاتبة عُمانية تحمل خصوصياتها العمانية، مثلما تحمل إرث فكري وثقافي عماني لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه، في هذا الحوار مع مجلة أخبار الثقافة، تحدثت هذه العمانية الجميلة عن هموم المثقف، وأحلامه، في ظل جملة من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة تشكيل على أساس صادق وعملي ..


مجلة أخيار الثقافة: لو طلبت منك أن تقدمي "ليلى البلوشي" للقارئ، فماذا ستقولين عنها؟
ليلى البلوشي: قال لنا مرة مدرب في إحدى دورات تنمية الذات بأن أفضل طريقة يقدم فيها الإنسان نفسه هو سردها في قصة قصيرة : ليلى البلوشي وأنا عمانية ولدت وترعرعت في دولة الإمارات ومازلت مقيمة بها، أحب القراءة، وحبي للقراءة قادني إلى الكتابة وشجرة الكتابة في داخلي تفرعت إلى كتابة القصص القصيرة والمقالات ومحاولات شعرية فاشلة، كما أنني باحثة وناقدة في مجالات أدب الطفولة و حبي لبراءة الأطفال وصدقهم اللامحدود هو ما دفعني لهذا المجال الشاق ، لهذا فلا تندهشوا إذا ما رأيتم أصابعي تضغط على مقص عوضا عن قلم، فثمة أفكار تخدع عقل الطفل العربي وتهدمه لابد من قصها.. ولي هوايات أخرى غير الكتابة منها: التأمل والمشي خصوصا تحت المطر، مراقبة المسنين وهم يتنفسون الحياة، حضور دورات تطوير الذات وبرمجتها، والاستماع إلى الآخرين؛ لهذا دائما أبرر صمتي الكلامي بقولي: " أحب أن اسمع "، ومن خلال ما اسمع أتكلم كتابيا، وأدركت فضيلة الصمت في إحدى محاضرات الأدب في الجامعة، فالمحاضر الدكتور كان بين يديه كتاب للأديب والناقد " شوقي ضيف " وكانت صورته مطبوعة على غلاف الكتاب فقال لنا معرفا له: انظروا لصورة هذا الرجل لقد كان كلامه أنفاس بينما كتاباته مجلدات ضخمة..


مجلة أخيار الثقافة: تطرح في الآونة الأخيرة إشكالية المثقف والراهن.. هل ابتعد المثقف عن راهنه إلى الحد الذي يعود فيه التساؤل عن دور المثقف إزاء واقعه، وإزاء المتغيرات التي تحدث بين الفنية والأخرى؟
ليلى البلوشي: " الأدب يسبق الحياة " كما يقول الكاتب التركي " أورهان باموق ، فعلى المثقف أن يكون مع المتغيرات ويناهضها، ولكن بشروط؛ فبعض المتغيرات تفرز نتائج معاكسة، للمثقف دور مهم وهذا الدور يتبدى أهميته في تصعيد وسائل الوعي لدى الآخرين بشكل ايجابي ، يناهض لديهم الجوانب والإمكانات والطاقات التي تصب في صالح القضية، فالمثقف هو إنسان بطبيعته مضطلع ولديه كم من الخبرات ما ليست موجودة عند الآخر العادي، وهنا يكون التأثير وتبعاته ، والوطن يعلو بوعي مثقفيه॥


مجلة أخيار الثقافة: وكيف تفسرين غياب المثقف عن المتغيرات، فهو إما داخل السلطة يتكلم باسم الحاكم، وإما خارج السلطة منسحب أحيانا عن قضية التأثير والتغيير؟ ما رأيك؟
ليلى البلوشي: المثقف ليس غائب بمعنى لا نستطيع أن نجزم فعليا بغيابه، ثمة اختلاف وجهات ثقافية، بعضها يصب في جانب الحياة العام وبعضها الآخر يصب في الجوانب السياسية أو الاجتماعية أو العاطفية وهلم جرا، ثمة نمط حماسي أولئك الذين يكون عندهم الفعل الكتابي يوازي الفعل الشعوري؛ لهذا لديه نزعة ثورية كلوركا وغيفارا، بينما النمط المفكر فإن ما يجري على الساحة يراه بصمت كمتفرج، لكن تأثيراتها تصب في ممارسات أخرى ككتابة آراء حول رؤيته أو عمل فني تشكيلي معزز للوضع الراهن ، ويبقى نمط أولئك الذين لا في العير ولا في النفير سوى أنهم يدّعون الاهتمام من باب الادعاء بالاهتمام على أساس أنه نوع من برستيج ثقافي॥ إذن التغيير والتأثير يتراوح وفق اختلاف تلك الأنماط ..


مجلة أخيار الثقافة: ما حدث في تونس مؤخرا مثلا عرى النخبة الثقافية التي بدت خارج التغطية.. أليست هذه صورة المثقف العربي في النهاية؟
ليلى البلوشي: هنا برز صوت الشعب، صوت الإنسانية قبل صوت المثقف، لأن ما فعله محمد بوعزيزي هذا الإنسان العادي لا يوازيه أي لفظة مهما بدت وقعها في الصوت المثقف، في هذه الحالات وفي مثل هذه الثورات الناس ليست بحاجة إلى مثقف إنها بحاجة إلى تكاتف بشري حقيقي تتحدث بلغتهم المكافحة والبسيطة॥ وليس من المعقول أن يقف الشعب يقرأ تلك الشعارات بينما تلك الحشود متجمهرة بحمية الوطيس في الشوارع العامة متمثلة بوقفتها تلك الشعارات ويرددها بالصوت والصورة، هنا يتغلب الفعل على الكلمة مهما بلغت حدة هذه الكلمات.. تأتي دور الكلمات بعد ذلك، ففي تونس في الوضع الراهن يأتي دور المثقفين في كافة المجالات المختلفة لبث الوعي ولتقوية دعائم الوحدة والوقوف الموحد ضد كل بذرة شريرة تنكل بوحدة الشعب.. هنا في مثل هذه الحالة دور المثقف كدور الخبز؛ لتغذية الوعي الشامل في الشعب..


مجلة أخيار الثقافة: لوحظ في الفترة الأخيرة اشتغال الكتابة على الحرية التي تداخلت مفاهيمها بين الحرية المادية والمعنوية، كيف تنظر ليلى إلى هذه الإشكالية؟
ليلى البلوشي: الحرية مسؤولية بغض النظر عن المفاهيم، لكن ثمة فكرة خاطئة في عقول البعض عن ماهية الحرية خصوصا المرأة الكاتبة فبعضهن يعتقدن أن الحرية هو التفسخ الخلقي، بمعنى أن أتعرى قدر ما أستطيع من ثيابي وأطرح أفكاري الليبرالية المخالفة للقيم، أما بالنسبة للرجل حتى يكون كاتبا ومثقفا، فعليه أن يتخلى عن أخلاقياته ويعاقر الممنوعات كي يغدو كاتبا حرا॥! كل ما سبق هي نماذج عتيقة تحتضن في داخلها حريات منفلتة لا مسؤولة.. هذه المفاهيم الخاطئة هي التي مالت اعتقادات البعض إلى أن الكاتب أو الكاتبة هم منحلون أخلاقيا..! وليس يعني من ترتدي تنوره قصيرة بأنها منحلة ولا من تستر جسدها من رأسها إلى أخمص قدميها هي مثال للأخلاق، هذا يعود لطبيعة كل انسان ونشأته، ما اعنيه هنا هو تحوير الحرية في مفاهيم آثمة تخالف مقاصدها الحقيقية .. الحرية مسؤولية أخلاقية، حريتي ككاتبة لا يعني أن أسفه القيم والمبادئ على حساب أشياء أخرى، يرى البعض أن الكاتب هو إنسان فوضوي لا علاقة له بالأخلاق، بينما لو مررتم على مقالات الأديبة " أحلام مستغانمي " ستجدون أنها كثيرا ما نوهت في مقالاتها أحاديثا حميمية حول علاقتها مع الصلاة وحول الدين، وهي ما تزال قامة أدبية شامخة بالإبداع والالتزام لم يعطل مشوارها الأدبي ولا تألقها الفكري، وحريتها مسؤولة.. في إحدى المرات عبرت لي إحدى الكاتبات عن ضيقها من لبس العباءة وعزت ارتداءها إلى أسباب منها إرضاء الآخرين والمجتمع فقط ..! بالله عليكم، إذا كانت هذه الكاتبة تمارس أمور تخل بقناعاتها الشخصية على حساب الغير، فأي كلمات تلك التي ستضخها لبث مفاهيم الحرية..؟! " من السعادة في كل عصر أن يكون هناك من لديه فردانية كافية وشجاعة كافية ليقف من أجل قناعاته " هكذا يقول " روبرت جرين انجرسول ".. والحريات كما أشرت في إحدى حواراتي السابقة بأنها أنواع، منها ثوري عام لا تكتفي بتحرير نفسها بل لديها نزعة جماعية لتحرير الآخرين معه كحرية غيفارا ونيلسون مانديلا، ومنها أسطوري خاص وهي رغبة الإنسان في تحرير نفسه من سجون مجتمعه।


مجلة أخيار الثقافة: وما مفهوم الحرية بالنسبة إليك ككاتبة؟
ليلى البلوشي: بالنسبة لي هي حرية مسؤولة كما أشرت سابقا، حرية تدفعني نحو تحقيق أهداف وغايات تبني من ذاتي وكياني أمام نفسي والآخرين، الحرية هي أن أقف بصدق أمام البرجماتية، هي أن أفند الأفكار التي تهدم الإنسانية، هي أن أمارس دوري الحيوي في الحياة كأي شخص في هذا العالم الشاسع॥ أي كما يقول " ممدوح عدوان ": " أنا أصرخ ويجب أن تبقى لي هذه الحرية "، والمهم جدا أن يكون الإنسان سيد نفسه حتى يمتلك حريته، والحرية عبء لمن اعتاد على العبودية..


مجلة أخيار الثقافة: لعل الملفت للنظر اشتغال العديد من الكاتبات أيضا على أدب الجسد، والسرير أكثر من اشتغالها على القضايا الإنسانية، كيف تنظرين ككاتبة إلى ذلك؟
ليلى البلوشي: أدب الجسد والسرير تشبعن منه، ظهر في زمن ما كموجه هائلة اجتاحت روايات وقصص الوطن العربي كموضة وطريق سهل للشهرة، عصرنا اليوم لا يتحمل هذا النوع من الترف، كيف اكتب عن جسدين يرسمان حكايتهما في سرير واحد وأنا أقرأ وأشاهد وأسمع آلاف من الأطفال المرضى والمعدمين، ضحايا الزلازل والبراكين والفيضانات॥؟! لكن من الممكن أن أوظفها طبيعيا في مقطع روائي أو قصصي برؤى مختلفة كوسيلة للهروب من الشرور، كواجهة للضياع الإنساني كما نجد في روايات الياباني " هاروكي موراكامي " خصوصا روايتيه " الغابة النروجية " و" جنوب حدود غرب الشمس "، إننا نضخ الحب في كياننا رغم النكبات؛ لأننا بحاجة لهذا الضخ كي نحيا، المسألة هكذا ببساطة ..


مجلة أخيار الثقافة: هذا يقودني إلى سؤالك عن مدى اقترابك من المتن السردي النسائي في الوطن العربي؟
ليلى البلوشي: المتن السردي النسائي لا اجزم متابعتي الدائمة له، لكن ثمة فعلا أقلام مغايرة بدأت تعي واقعها، بدأت تكتب بتطلع أكبر نحو الآخر، أعني بالآخر هنا الإنسان والعالم على سبيل المثال لا حصر الكاتبة السعودية " زينب البحراني "، لديها عقل كتابي حافل وهي نشيطة جدا، إنها من ذاك النمط الذي يشعرك بأنه يفهمك ويفهم معاناتك جيدا، ولا اعرفها شخصيا حتى لا يؤول كلامي على أنه ثناء على معرفة شخصية بيننا، رغم انه ليس ثناء بقدر ما هو حقيقة॥


مجلة أخيار الثقافة: وماذا عن سلطنة عمان؟ حدثينا عن المشهد الثقافي والأدبي في سلطنة عمان؟
ليلى البلوشي: يقول المتنبي: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به॥ حديثي الآن عن المشهد الثقافي والأدبي في عمان هو عن رؤية وعن سماع وأتابع المشهد الإبداعي من الخارج بعدسة القلب ومرآة العقل، في آخر قراءة عن هذا المشهد قُدمتْ ورقة عن المشهد الثقافي والأدبي في سلطنة عمان في الملتقى الثقافي الأول لدول مجلس التعاون الخليجي الذي أقامته اتحاد الكتاب في الشارقة ، ونشرت في إحدى الجرائد المحلية الإماراتية حيث أقيم، أضحكتني الأسماء الواردة؛ لأنها متوقعة تماما، حتى يخال للبعض أن المشهد الثقافي في عمان كأنه معرض لفن تشكيلي في كل معرض مقام مهما تباعدت فتراتها الزمنية، فإنها تستعرض اللوحات نفسها على الجدران ..! طوال تلك السنوات ونحن نقرأ الأسماء عينها سواء في صحف عمان ومجلاتها وكتب نقادها ومهرجاناتها وكأن لا أحد غيرهم .. عندما اقرأ صحف ومجلات بلادي أقول لنفسي: أين الباقون والباقيات؟ ثمة أسماء أعرفها في عقلي وآخرون اسمع عنهم من الصديقات، ولكن لم يحدث أن قرأت لهم، ونادرا ما اسمع عنهم في مهرجان أو مؤتمر ثقافي..! قالت لي مرة إحدى القاصات شاكية إنهم لا ينشرون لي في الصحيفة الفلانية، سألتها: لماذا وكتابتك مبدعة؟ قالت ببساطة: لأنني لا املك واسطة.. هكذا ببساطة مطلقة..! كتابتها لا ينقصها الإبداع وحجب عن النشر، بينما ثمة كتابات خالية من الإبداع وتنشر..! الناقد " حامد بن عقيل " قال في أحد حواراته بأن " كل ثقافة ناشئة تحتاج إلى ما تتشبث به؛ كي تتضمن لها من خلاله وجودا ثقافيا مميزا " هؤلاء الناشئة في عمان إن لم تستقبلهم صحف ومجلات بلادهم فمن سيحتضن إبداعاتهم ..؟! فالترويج للإنتاجية بالعلاقات الشخصية ومنافع خاصة هو تظلم حقيقي يقضي على الإبداع الحقيقي ويقتله.. تكررت هذه الشكوى من كتاب عديدين ومن كلا الجنسين خصوصا في الآونة الأخيرة، وهذا طبيعي لأن الوعي بدأ يجس النبض ..! ما يفسد الأدب في عمان للأسف هو " الشللية "، من فترة قريبة جدا قال لي أحد الصحفيين هناك ليلى اكتبي في عمان، سأحاول جرك للكتابة في عمان لقد قتلتنا الشللية هنا، والفارغون أكثر ضجيجا..! ومن وقت ليس ببعيد بعثت لي إحدى الكاتبات رسالة فحواها أن السفير العماني في اسبانيا وقع اختاره على ترجمة بعض قصائدي الشعرية للغة الاسبانية وكانت ثمة قائمة بأسماء الشعراء المختارين، والذي اختار هذه القائمة هو السفير نفسه، وقع اختياره عليّ وفق متابعاته الشخصية واختياره تلك الأسماء دون غيرها ليست من الضروري لأفضليتهم على غيرهم، فلابد أن للسفير خطة معينة جعلته يضم تلك الأسماء ضمن جدولة الترجمة، وكانت القائمة تحمل بعض أسماء جديدة لشعراء لم اعرفهم ولم اقرأ لهم، والمتوقع دون أدنى شك إذا ما اعتمد السفير على غيره من الكتاب في وضع تلك القائمة؛ لتغيبت منها أسماء معينة .. ! صراحتي هذه تطعن فقط الشلليين، علا وعسى توقظ ضمائرهم النائمة في بياتها الذي لا ينتهي، حكمّوا ضمائركم ولو لمرة واحدة، أفسحوا المجال للآخرين، لسنا في ساحة " حرب " اكسروا الراء لتكون " حب "، أيها الشلليون لا داعي مطلقا لأن نتوكأ على الآخرين، ولا أن نضخ مديحا ليس في مكانه على أحد؛ فالإبداع الحقيقي وحده يشق طريقه بقوة في كل مكان، كالقلب الدافق بالحب يفترشه الحب في كل مكان.. سقف وطني زاخم بعدد كبير من الكتاب والكاتبات، ينبغي عليهم ألا يقفوا مكتوفي الأيدي في وجه أولئك الشلليين الذين يهمشونهم في الظل، وأن يطالبوا بحقوقهم في النشر والإبداع وأن يؤمنوا بقدراتهم.. بينما في المجتمعات الأخرى نجد تواصل محب بين الكتاب، على سبيل المثال ساحة الأدب الثقافي في السودان فصراعات الجنوب والشمال على المستوى السياسي لم تطل علاقات كتابهم، ففي كل الحوارات والدراسات السودانية هناك ذكر حاشد وحافل بأسماء الآخرين والمثقف المحاور في كل حواراته تجد لديه حرص على ذكر غيره قبل نفسه بتواضع جم ، وآخر ما قرأته حوار مع الروائي المرشح لجائزة بوكر العربية الروائي " أمير تاج سر " ولم ينس كعادة المثقف السوداني عن ذكر الآخرين ..الجهة المشرقة في المشهد الثقافي والأدبي في عمان هو" الملتقى الأدبي للشباب " للرمز الثقافة والأب الروحي الشيخ " هلال العامري " - فليمدده الله بالصحة والعافية وبعمر مديد - فهذا الشيخ الشاب هو دافق الروح والإبداع في أوصال الملتقى الأدبي الذي يقام سنويا في ولاية من ولايات سلطنة عمان العامرة، خرّج أجيالا من الكتاب والكاتبات وكأنه يخّرج أبناءه وبناته، إنني أقف أمام هذا الرجل بفكره النبيل بامتنان واحترام وحب كبير ।


مجلة أخيار الثقافة: كيف تفسرين غياب صوت المثقف العماني عنا في الجزائر، وفي المغرب العربي، خصوصا الصوت النسائي؟
لا أدري ، ربما يعشقون شرانقهم ببساطة ॥! وجهت هذه السؤال لنفسي منذ سنوات، عندما كنت انشر في كثير من المواقع الأدبية لدول الوطن العربي دون أن ألمح أو أجد أي كاتب أو كاتبة عمانية عدا الشاعرة " ريم اللواتي " وكنا أنا وهي الفراشتان الوحيدتان من العمانيات تنشران في بعض تلك المواقع.. واذكر جيدا أن بعض المواقع الالكترونية الأدبية في عمان كانت من ضمن شروطها أن يكون العضو كاتبا أو كاتبة عمانية ولا يسمح لغيرهم في الدخول وعندما سجلت في إحداها منذ سنوات اضطر مدير الموقع من أن يتأكد من هويتي؛ فالكثيرون كانوا يعتقدون بأني إماراتية ومازال ..! وأيضا الأمر نفسه في مسابقاتهم والتي تطلب مشاركا عمانيا، وربما للمسابقات ظروفها وخططها الخاصة كما في كل دولة .. قصارى القول: إذا أنا لم أطرق باب جارتي الجديدة؛ فلن أعرفها يوما، والانتظار كي تأتي هي إلي وتعرف بنفسها فهو انتظار ضائع..


مجلة أخيار الثقافة: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ ومن السرد النسوي الجزائري؟
ليلى البلوشي: اقترابي من الأدب الجزائري كان قريبا مذ البدء في الكتابة، فاحتكاكي بكتاب الوطن العربي كان قبل احتكاكي بكتاب من وطني، كنت اكتب وأشارك في مواقعهم، ولي صداقات تربطني مع كتابهم وكاتباتهم مذ وقت طويل كالقاصة فاطمة الغولي والقاص صباح السعدي॥ وفي الأدب الجزائري ظهرت بعد آسيا جبار وأحلام مستغانمي أسماء مبدعة لا يمكن تهميشها مطلقا كياسمينة صالح وفضيلة الفاروق والقاصة نسيمه بولوفة وفاطمة بريهوم وغيرهن الكثير، الصوت النسائي في الجزائر بارز ومتنوع ..


مجلة أخيار الثقافة: ماذا تقرأين الآن؟
ليلى البلوشي: الآن اقرأ كتاب " هندسة الكلام " للمؤلف الدكتور " إبراهيم الغنيم " ، هو كتاب ابتكاري رائع بحوزتي مذ مدة طويلة وهذه هي قراءتي الثالثة للكتاب نفسه ॥


مجلة أخيار الثقافة: ماذا تكتبين؟
ليلى البلوشي: آخر ما كتبت مقالة بعنوان " رجاء نقاش في عيد ميلادي " سينشر قريبا بإذن الله ॥


مجلة أخيار الثقافة: كلمة ترغبين في قولها عبر موقعنا؟
ليلى البلوشي: الحروف المكابرة لا تمنح أدبا؛ فأعظم ما يتصف به الكاتب في كل زمان ومكان هما الصدق والتواضع مع نفسه قبل الآخرين ..

الجمعة، 14 يناير 2011

نصيحة هنري ميللر : اقرأ أقل ما يمكن ..!



نصيحة هنري ميللر : اقرأ أقل ما يمكن ..!

" لقد لاحظت مؤخراً أنَّ الشبّان يتحولون أكثر فأكثر إلى الكتب الميتافيزيقية ، والغامضة والصوفية بالإضافة إلى الإباحية والبذيئة ، في هذا الكتاب أعتقد أنهم سيجدون أجوبة وإشارات سوف توجههم إلى ذلك النوع من الأدب المفيد والدائم.."

هذه ملحوظة من ضمن الملحوظات التي صدرها " هنري ميللر " في مقدمة كتابه المسمى بـ ( الكتب في حياتي ) هذا الكتاب لم يصدر للعربية بعد ، لكن المترجم العاشق لأدب هنري ميللر " أسامة المنزلجي " اقتطع أجزاء منه وقدمها بلغة عربية رائقة ..

في هذه السطور يسرد هنري ميللر عن الكتب التي قرأها ، وكتب تاق في الحصول عليها ، فحينما كان شابا في الثامنة عشر رغب في الحصول على كتاب " اعترافات رجل أحمق " لسترينبرغ ؛ لكنه كان أمرا مستحيلا ؛ لأنها وعلى وفق مسار عقول تلك السنوات التي عاشها وقتئذ ، كان هذا الكتاب من ضمن الكتب المفسدة للأخلاق ..

" ما الذي يجعل الكتاب حيا ..؟"
يهجمنا هنري ميللر بهذا السؤال الملغز .. لكنه لا يسعف أنفاسنا برهة ؛ كي تشتم جوابا في حيز العقل ، فهو ينسل جوابه بثقة : " والجواب في اعتقادي بسيط ، الكتاب يبقى حيا عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ إلى آخر " ..

ثم يشهر عن عشقه للكتب ، وأن تلكم الصفحات البيضاء المذيلة بخطوط سوداء هي أحد الأشياء التي يدللها بشر بعمق ، وأن درجة رقي المرء تتضاعف كلما ساهم بكل يسر في مشاطرة الآخرين معه في كتبه ..
يعترف بهذا دون أن يفوته تقديم تفسيرا نموذجيا للكتب التي تبقى حبيس مكتبة صاحبها :
" وكتاب يتمدد بتكاسل على رف هو ذخيرة ضائعة سدى .. كالمال ، يجب جعل الكتب في حالة تداول مستمر ، استعر وأعرّ إلى أقصى مدى كتابا ومالا معا ، وعندما تمتلك كتابا ذا عقل وروح تغتني ، ولكن عندما تعطيه لشخص آخر تغتني ثلاث أضعاف " .

ويقارب هنري ميللر في طرحه هذا الكاتب البرازيلي " باولو كويليو " الذي اعترف مرة أنه لا يحتفظ في مكتبه سوى بأربعمائة كتاب فقط ؛ يحتفظ بها لأسباب وجدانية وبعضها الآخر يعيد قراءتها باستمرار ، أما بقية الكتب التي جمعها وقرأها طوال تلك السنوات وزعها على أصحابه ، ووضع بعضا منها في مكتبة عامة ؛ فهناك يكون للكتاب أكبر فائدة من أن تبقى حبيس مكتبة بيته ..

لكن النصيحة الأكثر أهمية في هذا الكتاب ، تلك التي يرميها لنا بجسارة مدهشة : " اقرأ أقل ما يمكن ..! " ..
فيصدم قراؤه بهذه النصيحة المجانية ، التي لا يمكن سوى أن تنم عن جنون ما ليست بغريبة عن عقيلة هذا الرجل ، خصوصا حين يتبع قائلا بعد تلك النصيحة : " أوه ، لا ينتبك الشك في أني حسدت أولئك الذين غرقوا في الكتب ، أنا أيضا ، أود في سري أن أخوض في تلك الكتب كلها التي طالما عبثت بها في عقلي ، لكني أعلم أن هذا ليس هاما ، أنا أعلم الآن أني لم احتج إلى قراءة حتى عشر ما قرأت .."

هنري ميللر في السطور التالية يدافع بشدة عن نصيحته التي يقّر بأنها لم يلقها عن تهوّر ؛ ولاختبار هذه النصيحة النفيسة يورد عدة أسباب لوجهة نظره :

· " فعندما تصادف كتابا ترغب في قراءته ، أو تعتقد أنك يجب أن تقرأه ، دعه وشأنه بضعة أيام ، ولكن فكر فيه بأشد ما يمكنك من تركيز ، دع العنوان واسم المؤلف يدوران في عقلك ، فكر ماذا يمكن أن تكتب لو أتيحت لك الفرصة ؟ " ..
· " اسأل نفسك بجدية إذا كان ضروريا أن تضيف هذا العمل إلى مخزونك من المعرفة أو إلى ذخيرتك من المتعة ، حاول أن تتخيل ماذا يعني لك أن تضيع هذه المتعة أو الفائدة الإضافية ؟ " ..
· " إذا وجدت أنه لابد أن تقرأ الكتاب ، فانتبه بأي فطنة استثنائية تتعامل معه .. انتبه، أنه مهما كان مثيرا ، فإنه القليل جدا مما يحتويه الكتاب جديد حقا عليك ، وإذا كنت صادقا مع نفسك ، فسوف تكشف أن مكانتك ارتفعت عن مجرد بذل الجهد لمقاومة دوافعك " ..

ميللر بنصائحه تلك يتوق أن يجعل من القارئ ليس مجرد عينان تلهثان خلف عبارات وكلمات متراصة ، بل يريد أن يخلق منه عقلا ذواقا يتخير ما يرغب به عن جدارة متمكنة ، فالكتب الجديرة بالقراءة تلك التي تتصف بالأصالة سواء في الأسلوب ، أو المحتوى النادر في مخزون الأدب ..
ويضع أنموذجا لقارئ فذّ يدعى " بليز سيندرار " فهو قارئ عبقري ، بل قرأ لمعظم الكتاب بلغتهم الأم ، وحينما يعشق كاتبا يلتهم كل كتبه حتى آخر كتاب ألفه ، دون أن يسقط من مجال اهتمامه الرسائل والدراسات التي ألفت عن الكاتب نفسه .
وهو على رأي ميللر ، رجل حيوي ومغامر ومكتشف ، ألف عددا كبيرا من الكتب ، وهو رجل يعرف كيف يبدد وقته بفخامة ، أنه بمعنى ما " يوليوس قيصر الأدب " كما يلقبه ..

نصيحة هنري ميللر عرضت جانبا مهما في قانون القراءة والقارئ ، ولاشك لكل منا مجموعة من الكتب ، التي وجدنا بعد مرور قسط من الزمن ، أنها لم تحفز فينا شيئا ذال بال ، بينما كتب أخرى ثقبت جانبا مهما في أريحة النفس والعقل ، وثمة كتب كثيرة نحلم في الحصول عليها لا امتلاكها ؛ فالكتاب المسافر الذي يعصر من يد إلى يد ، وتصدأ أوراقه من تقلبات الفصول والأزمنة ، حتى ليبدو وكأنه شيخ وقور ، هو الكتاب التي عرف جيدا كيف يحفر مكانه بحق في ذاكرة وقلب التاريخ ، ولن تشمل قط مقطعا من قصيدة " للويس بورخس " والتي يقول فيها :
" هناك باب موصد حتى نهاية الأزمنة
بين كتب مكتبتي
هناك كتاب لن أفتحه أبدا " ..


ليلى البلوشي

الأحد، 2 يناير 2011

لصوص النوم


لصوص النوم

جيء ليلة لملك الفرس " كسرى أنو شروان " بإنسان متشرد فسأله : ماذا تفعل في هذا الليل ؟ فأجاب : أهيم على وجهي ..! فضحك كسرى وقال : الذي يسير وحيدا في الليل يكون عاشقا أو لصا ، فأيهما أنت ؟ فأجاب المتشرد : لا هذا ولا ذاك ..!
قال له كسرى : قل عاشقا تنج من العقاب ..!
فرد عليه : سمعا وطاعة ، أنا عاشق ..!
فقدم له كسرى مبلغا من المال قائلا له : اذهب إلى عشيقتك ومعك هذا المال ، فإذا لم تكن لك عشيقة اتخذها ، المرء لا يعيش دون عشيقة وإلا صار لصا ..!

* * *
في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " حكاية للفيلسوف " نيتشه " يفصل فيها حديثا عن النوم تحت مسمى " حول منابر الفضيلة " فيقول فيه :

" تجنبوا اللقاء مع الذين ينامون نوما سيئا ويسهرون الليل ..!"
" يخجل اللص في حضرة النوم ، فيتسلل بطيئا في الليل ، ولكن لا خجل عند حارس الليل ؛ فهو ينفخ بوقه بلا خجل " ..
" عشرات المرات يجب أن تتصالح مع نفسك كل يوم ؛ لأن التغلب على النفس يولد الاستياء ، والذي لم يتصالح مع نفسه ينام نوما سيئا " ..

هنالك فضائل كما يرى " نيتشه " يجب أن نأخذها بعين الاعتبار ، بل يجب أن نتصف بها ؛ كي ننام نوما جيدا ..

فيجب أن تتساءل حينما يجافيك النوم ليلا بنصل الأرق :

" هل خنت أحدا ؟ " " هل سمحت لنفسي أن أتمنى جارية قريبي ؟ "
فإن ذلك يمنع النوم الجيد ..
" عش بسلام مع ربك وجارك " ، " عش في سلام مع شيطان جارك ، وإلا سيزورك ليلا "
" احترم مديرك وأطعه ، حتى وإن كان مديرك أعرج ..! "
" اعتقد أن الراعي الأفضل هو الذي يرعى خرافه في المراعي الخصبة " وهو من شروط النوم الجيد ..
" إنني أفضل المجتمع الصغير على المجتمع الحقود ، ولكن حتى المجتمع الصغير يجب أن يأتي ويذهب في الوقت المحدد " فهذا من شروط النوم الجيد .

" يعجبني معدمو الروح ، فهم يساهمون في النوم الجيد " ..

هل النوم يحتاج إلى دعوة ..؟!

يتحدث " نيتشه " عن هذا بلباقة فيقول : " أتجنب دعوة النوم إلي ..!
فالنوم لا يريد أن ينادى ، وهو سيد الفضائل كلها ..! "
لكنه فكره لا يدعه لحاله ، فيمضغ تفكيره ويتساءل كصبر بقرة : " ما هي المرات العشر التي تغلبت فيها على نفسي خلال النهار ..؟ "

وخلال قيامه بهذه العملية مع أفكار متضاربة تكر وتفر ، كالمد والجزر ؛ فإذا بالنوم يحل عليه فورا ، الذي هو سيد الفضائل كلها ..

ويختمها باعتراف : " إن النوم يضربني على عيني ، فتثقل عيناي ، النوم يلامس ثغري ، فيبقى مفتوحا قليلا .. حقا ، يأتيني النوم بخطوات هادئة ، إنه الأفضل بين جميع اللصوص ، يسلب مني أفكاري لأقف غيبا كهذا المنبر ، ولكنني لا أطيل الوقوف في هذه الوضعية ، فأستلقي حينئذ " ..

* * *

أقول : " عين الظالم لا تنام " ..

إذن ، جلّ هذا العالم ساهر ؛ إلا أقلهم أولئك الذين في قلوبهم غصّة مَظْلمة ، لم يأذن الله تعالى لها أن تقضى بعد ..!


أقول : " العاشق يؤرقه النوم ، فليله طويل بطول عشقه " ..

إلى حيث ينام قلبه يكون حضوره يقظا ..


أقول : " إن المرأة إذا غاب بعلها ، هجم عليها سواد الليل ، السواد كله " ..

وقد انشد :

تطاول هذا الليـل واخضّل جانبه وأرقت أن لا خليـل ألاعبه
فو الله لولا الله لا رب غيـره لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصـدني وأكرم بعـلي أن تنال مراكبه


أقول : " الوحيد ، يعزله النوم ، فيكتنفه عزلتان ، عزلته وعزلة ليله " ..

إنه سائر وحيد في معترك الكون ، ما أكبر الكون من حواليه ، وما أصغر كونه الداخلي ، فهو وحيد بها .. !


أقول : " علة في الجسد ، تمنع النوم من الزيارة ، وإن زاره كان طيفا " ..

فالمريض لا يجد في نومه لذة ، الألم وحده يلتذ في جسده ، يسحقه سحقا هو وليله كله ، إنه خبير في أنس لياليه ..


أقول : " الغائب عن عيون الوطن ، رفيقه في غربته أرقه " ..

يهيم في الليل متأبطا ذكرى وطن حبيس في القلب ، والخطوات تنتشله في حنين طويل لا ينتهي ، فليله سرمدي كإحدى أغاني أم كلثوم ..
أقول : " الحزن صاحب الأرق " ..

ما أكثر الأوجاع هذا العالم ، فكيف بها إذن أن تفنى في خدعة النوم ، حتى للنوم منها نصيب في هيئة كابوس يستفيق ولا يتعب من استفاقاته المتكررة ، فالليل ليله ، وهو بصاحبه حر ..!


أقول : " الحالمون يرفضون النوم " ..

خشية أن تضيع أحلامهم في زحمة النوم ..!
وهي الحالمة التي لا تنام ، تعد النجوم في الليل بعدد أحلامها ، وما أتعس الذين لا يحلمون ، ما أتعس أولئك الحالمون ؛ حين تضيع أحلامهم في فوضى الحياة بغفلة سبات أو لحظة جبن ..!


أقول : " الجائع يمنعه قعقعة بطنه من النوم " ..

يستدعي الطعام بشتى الطرق ، ليس ارضاء للنوم بل ارضاء لنفسه الجائعة ، فما أسعد لياليه فلا تكاد تخلو من خلوات اللذة تلك ..!


أقول : " إن الشبعان ، لا ينفك يتقلب في فراشه مؤرقا " ..

فالنوم يبقى خفيفا كلما أكلت أكثر ، لكن الجوع فلا يتعب أبدا ..!


أقول : " المتعبد ، مؤتنس بظلمة ليله " ..

إنه ممتلئ بها ، روحه العظيمه تشتاق خلوات الليل ، فهل ثمة خلوة أحلى وألذ وأمتع من خلوة مع الله ..!

أقول : " وحدهم الأطفال ينامون ببراءة كبيرة " ..

ينامون بلا إنذار ، بلا خوف ، بلا حذر ، من تعب نهار مجهد باللعب إلى مخدة تخدرهم ببراءة عميقة ..
لنكن أبرياء إذن ؛ كي ننعم بنوم الأطفال ..!

* * *

في شذرات من يوميات " بودلير " يقول عن النوم :

" فيما يختص بالنوم ، تلك المغامرة الكئيبة لكل ليلة ، كان يمكن القول إن الناس ينامون يوميا بجرأة غير معقولة ، لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر " ..


" نوم أبيض " يقول عنه الشاعر " عباس بيضون " :

" لا أنام في سرير، لا أذهب إلى فراشي في الساعة نفسها تقريباً كما يفعل الجميع ، لا أذهب إلى فراشي بتاتاً ولا أفكر في أن أذهب ، لعلمي أنني إذا فعلت ذلك لا أنام ، إذا دعوت النوم وتحضرّت لن يحضر ، إذا دخلت تحت اللحاف وسوّيته فوقي ، بعد أن أكون خلعت ثيابي ووضبتها ولبست البيجاما ، إذا وضعت رأسي على الوسادة وأطفأت النور بعد أن أكون تأكدت من إغلاق النوافذ ، لن أنام ، لقد طردت النوم بكل هذه الحركات ، جعلته أبعد فأبعد حركة بعد حركة ، لو فعلت ذلك سيطير النعاس من عينيّ تماماً ، لن يأتي النوم بقدمه إلى هذا الفخ ، هذا الترتيب سيجعله يهرب ، ما أفعله حين أعود في ساعة غير محددة من الليل هو التمدد أمام التلفزيون بثيابي ، وفي الحر بثيابي الداخلية ، التمدد لا يخيف النوم فإن أتمدد غالباً وليس للرقاد وحده ، أضع رأسي على وسادة فوق ذراع الكنبة وأتطلع إلى التلفزيون وانظر في كتاب ، اللمبة مضاءة والبيت مشعشع والتلفزيون والع وأنا فقط أتفرج ، ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً ، بوسعه أن يخرج ويتسلل ، أنا لا انتظره لكني وسط الفيلم أدير رأسي على الوسادة ولا أعرف كيف أكون نمت ، أنا كمن لم ينم ، حتى وأنا غاف لست نائماً حقيقياً ، لا زلت في ثيابي ولست في فراشي ، لا بد أن التعب خطفني ، التعب فقط وإن كان نوماً .. "
والفنان الإسباني العبقري " خوان ميرو " كان يعشق النوم ، لدرجة قبل أن ينام كان يكتب على باب غرفته من الخارج : " الفنان يعمل ، فلا تزعجوه " ..

بينما يقول الكاتب " آلان لايتمان " في روايته " أحلام آينشتاين " :

" الضوء يخطط الحياة في هذا العالم ، ولذلك فإن الشخص الذي يولد عند الغروب يمضي النصف الأول من حياته في الليل ، يتعلم مهنا داخلية كالحياكة وصناعة الساعات ، يقرأ كثيرا ، يصبح مفكرا ، يأكل كثيرا ، يخاف من الظلمة الشاملة في الخارج ، يحرث الظلال ... أما الذي يولد عند شروق الشمس يتعلم مهنا خارجية كالزراعة والبناء ، يصبح قوي البنية ، يتجنب الكتب والمشاريع الذهنية ، يكون مشرقا ولا يخش أي شيء " ..

وأنا ولدت في الليل ، في منتصف ليلة شتوية ماطرة بالتحديد ؛ لكني لا أجيد الحياكة ولا صناعة الساعات ، ورغم لصوص النوم الحائمة من حولي غير أني أجيد النوم بشدة ؛ كأن بي عضة من " ذبابة تسي تسي " ؛ فقط حينما يكون دمي فقيرا ..

ولكن لمن يتناول حبوبا منومة من عيار قوي دون أن يغمض له جفن كبطل " ميلان كونديرا " في روايته " كائن لا تحتمل خفته " ؛ فما عليه و- على مسؤوليتي- سوى بكتاب " تأملات قبل النوم " لأوشو ؛ فإنه يبدد ليس فقط لصوص النوم ، بل أيضا لصوص الحسد والحقد والكذب والخيانة والخوف والجشع والاكتئاب .......
ونوما هنيئا مقدما ..



ليلى البلوشي

الأحد، 19 ديسمبر 2010

القاصة الشابة ليلى البلوشي في حوار مع ملحق ( شباب عمان )



القاصة الشابة ليلى البلوشية لـ ( شباب عمان )

الكتابة بكافة أشكالها تجريب ومتعة مطلقة مع حس مسؤول

حاورها : ناصر أبو عون

ليلى البلوشية قاصة عمانية شابة روحا وقلما تخصصت في الكتابة عن النفس الإنسانية : نموذج للمبدع المنفتح على العالم يكتب ليحيا ويحيا ليؤرخ للفكر الإنساني – قاصة تتنفس الوطن في كل عرف تكتبه – تنشر فكرها حبرا على صفحات الصحف الخليجية والعربية ومن أولى العمانيات اللاتي انطلقن بالإبداع العماني في الفضاء الالكتروني – تواصلنا معها الكترونيا ودار الحوار التالي :

1- بداية يمكننا أن نعرج على تجربتك بشكل عام في عوالم النص الإبداعي .. أين تجد ليلى البلوشي نفسها في القصة أم التدوين الإلكتروني أم الكتابة المقالية والنقدية ؟

أنا إنسانة قبل كل شيء ، والانسان كتلة من المشاعر والأحاسيس وحيث تقودني مشاعري الإنسانية أقف بالتزام ، بمعنى الكتابة بكافة أشكالها هي بالنسبة لي تجريب قبل كل شيء ومتعة مطلقة مع حس مسؤول ، أحيانا يتملكني شعور غريب هو أنني كاتبة وحيثما يثقل علي هذا المفهوم أشعر بحجم المسؤولية التي تقع على كاهلي ، أشعر أن مشاعري وأحاسيسي ليست ملكي إنها للآخرين ، مفهوم " الآخرين " بالتحديد بدأ يأخذ أهميته في داخلي ، يكبر ، هنا تبدأ الهموم الداخلية للكاتب تذوب ، تضمحل ، تتلاشى في ذات الآخرين ..
والكاتب عادة يتراوح بين انفعالين ينبثقان من أعماقه في وقت من الأوقات هما " الخوف " و" الفرح " ؛ أما الخوف هو ذاك القلق الإبداعي ليس فقط من التوقف عن الكتابة بل العجز عن إنجاب الجديد ، والفرح هي تلك الحرية التي يتنفّسها في لحظات الانعتاق الذاتي عن كل شيء خصوصا مسؤولية الكتابة ..

في بداياتي كنت ذاتية بمعنى ما ، والروائي " عبدالرحمن منيف " أشار إلى ذاتية الكاتب في عمله الأول قائلا : " مادة السيرة الذاتية جاهزة وتعطي نفسها بسخاء ، فإن الإغراء الذي تتضمنه والذي يصل إلى بعض الأحيان حد الغواية ، يوقع الكثير من كتاب الرواية ، وخاصة في الرواية الأولى " ، لكن الهم الكتابي يكبر معنا ويطغى على خصوصياتنا ويتجاوزها عابرا إلى العموميات ، الحياة الممتلئة المحاطة بالكاتب هي التي تصنع منه واقعه الكتابي ، خاصة في الانطلاقة الأولى ، لكن بعد ذلك سرعان ما يكتفي الكاتب في الحديث عن ذاته ، ليتحرر منها إلى التحدث عن أشخاص وعوالم مختلفة ، بينما ذاته الخاصة يكون حضورها متذبذب في كل كتابة وكتابة ، وتغدو الشخصيات التي يكتب عنها الكاتب هم بمثابة أصدقاء يألفهم ويألفونه بمرور الأيام وكأنهم كانوا أقرباء أو رفقة ، تحقيق الإشباع الذاتي ضرورة ؛ لأنها وحدها تعيد للكاتب توازنه في الرؤية إلى العالم والأشخاص بالطريقة الصحيحة ، وتجربة الكاتب التركي " أورهان باموق " مقاربة تماما لحديثي هذا ؛ فهذا الكاتب في معظم أعماله الكتابية كان متواجدا بعضها بطريقة مقنعة خلف شخصية ما وبعضها الآخر تمثلها بلحمه ودمه ..
أما عن التدوين الالكتروني فاسمح لي بتبديل اللفظة إلى " انفتاح الكتروني " ، وهذا الانفتاح غدا بمثابة خشبة مسرح ، جمهوره من مشارق الأرض ومغاربها ؛ فهي تضع الكاتب على مشاهدات حية مع الآخرين ما يسمى بلغة تواصل وتحاور، بل وضعتني - شخصيا - في مواقف عديدة ، لعل من أكثرها طرافة حينما بعث لي مقدم إحدى القنوات التي تبث في دبي دعوة ؛ كي أشاركه في حلقة أسبوعية في برنامجه الذي يتحدث عن قضايا تواجهها المجتمع وجاءت استضافتي في حلقة من حلقاته ، الأمر برمته أدهشني فثمة مختصون أجدر مني بكثير يتناقشون في مثل تلك القضايا ، وحينما استفسرته عن سبب اختياره لي قال بأنه تصفح مدونتي وشعر بأنني مختصة في مثل هذه القضايا التي تعنى بالجوانب النفسية ..!
وكما في كل دعوة تصلني دائما أقدم لهم اعتذاري بلباقة ؛ لأنني بكل بساطة وأقولها على ملأ : لا أجد نفسي في الحوارات الشفهية ولا المقابلات الحية سواء مع التلفاز أو الإذاعة ..


2- كثير من الكاتبات يلجأن إلى القلم لسرد ما يحصل، مما يؤكد انهن خارج تيار الوعي النقدي الذي يوصي بالربط بين قضايا المرأة و الرجل بحركة الصيرورة التاريخية وتفاعل الإنسان مع حقائق الواقع المعاش و تبدلها في الزمان و المكان .. كيف ليلى البلوشي حاولت الانفلات من هذا الشرك الذي وقعت فيها كثير من كاتبات خليجيات وعمانيات يمتهن الكتابة التسجيلية ؟

لا أدري لم أشعر دائما بأن الكُتاب والكاتبات براء مما يكتبون ، والعلة في تناقض المجتمع الذي يتنفسون فيه ، أصبحنا نعيش في مجتمع ينجب في اليوم أكثر من ألف مفهوم ، وألف شكل إبداعي ، وألف تيار نقدي وهلم جرا .. ثم يقع كل ما ينجبه العالم من جديد على رأس الكاتب ..!
ساحة الكتابة الإبداعية لم تعد مساحتها مختصرة وضئيلة كسوق عكاظ القديم ، اليوم غدا الأدب شاسع المفهوم كبطن الحوت ، حتى ليشعر المرء بأن الأدب غدا موديل " عارض أزياء " والكتاب هم " مصممين " بينما النقاد هم " الحكم " على الأذواق والصرعات التي تظهر يوما بعد يوم بزخم غريب وغامض ومدهش ولاهث للغاية ..
كل يفصّل على مزاجه ، والكتابة كما يعرف مقترفيه مزاج ..
لكن الفارق أنه مزاج مسؤول في النهاية .. انظروا ماذا فعلت الكتابة مع الروائي الايطالي " روبيرتو سافيانو " ؛ المطارد حاليا من المافيا في كل بقعة من العالم ؛ فالكتابة كلفته راحته واستقراره ؛ لدرجة أنه لا يستطيع البقاء في مسكن واحد أكثر من أسبوع ولا التحرك من بقعة إلى أخرى مهما كانت ضئيلة المسافة دون حراسة مشددة ، والجرم نفسه اقترفته الكلمات مع الشاعر " والت ويتمان " حينما أصدر ديوانه الشعري " أوراق العشب " وطولب بجلده عقابا له ، ويومها قال : " توقعت الجحيم ونلته " ..!

الكاتب إنه ذاك الرجل الذي تاه بقاربه في النهر ، وكافح بما يفوق أضعاف طاقته الطبيعية في التجديف عكس التيار ؛ كيلا يسقط في الشلال ، وعلى حين فجأة لاحت له فكرة وطبقها ، جذف مع التيار ، بكل قوة نحو الشلال ، وصاح بأعلى صوته : الآن أنا حر ..!
وما أعظم الدور الذي تلعبه " الحرية " في حياة كل كاتب ؛ فهي أنشودتهم الأبدية التي لن تجد دربها إلى الأفول مطلقا مادام ثمة فرقعة روح في جسده المسجى ..!
والحرية أنواع ، منهم من يتوق إلى حرية شبيهة بحرية " لوركا " و" غيفارا " وهي حرية مخلدة في نظري ، ومنهم من يكتفي بتحرير ذاته الحبيسة في قمقم العالم الصغير الكابت على أنفاسه حتى الاختناق ، وهنا الحرية تغدو بمثابة أسطورة خاصة ..


3- دعينا نبدأ من مفهوم ( الإبداع ) كمنطقة مشتركة ننطلق منها إلى مساحات أرحب وصولا إلى قناعات حقيقية يمكن تأصيلها وترسيخها نقديا .. فالبعض يرى الإبداع ( تمرد ورفض وردة شبقها الهدم والبناء ) ، ولكنني أفضل المفهوم الذي يراه قراءة جديدة للعالم بالاختلاف والائتلاف.بل حرية تريد التموقع في الوجود وتجعل الكائن متحدا في الممكن المدهش الجميل .. كيف تنظر ليلى البلوشي إلى الإبداع بوجه عام ، وأدب المرأة بوجه خاص ؟

الإبداع بوجه عام أي بمفهوم شامل ومطلق هو ما يحاكي المشاعر الإنسانية ، فكل ما يكتب ثم يومض في داخلي ضوءا ما ، أهزوجة ما ، فرقعة ما كالألعاب النارية هو إبداع في نظري الشخصي ..
على سبيل المثال رائعة " نيتشه " وهو يتغنى بتلك العبارات :
" كأنه البحر قلبي شاسع
ووجهك فيه
مبللا بالشمس يبتسم "
الفيلسوف " نيتشه " هنا عبر بكلمات بسيطة جدا عما يجيش في داخله من مشاعر، لكن العبقرية تكمن في حسن ترتيب هذه الكلمات ، وهذا ما يسمى بالإبداع ..
فثمة في الكون كلمات كثيرة جدا وللازدياد يمكن الاستعانة بقاموس ، لكن اللغز الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذا الزخم ليغدو إبداعا بمفهومه الحقيقي ..
" الأدب المرأة " سأستعير عبارة من جدتي " غادة السمان " عن مفهوم أدب المرأة : " بالنسبة لي ، ليس مهما أن يكون ما تكتبه المرأة مشابها لما يكتبه الرجل ، فالمقياس في الأدب هو الوصول إلى الحالة الإبداعية بغض النظر عن الموضوع ، نسائيا كان ، أم إيديولوجيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو فكاهيا .....، فلماذا يصير ما تكتبه المرأة عن امرأة " أدبا نسائيا " ؟ فهي حرة في اختيار مادة كتابتها وأبطالها " امرأة " ، أو " رجلا " أو قطة " .." ..
أنا شخصيا انتهيت من كتابة قصة جديدة بطلها " ذبابة " ، ولكن لا أدري تحت أي مسمى يدرج بطل قصتي " الذبابة " .. ؟!


4- أعتقد أن خطيئة ( أدب المرأة ) هو عجزه عن الانطلاق من معنى (إن الأنوثة هي الطاقة الداخلية المتحركة من الداخل الى الخارج في نسيج البنية التحتية للمجتمع وخليته الوحيدة ) بل زاد الطين بلة بأخذ يبحث عن تكامل العلاقة بينها و بين الرجل، و يعالج الموضوع من أبهت و أسخف جوانبه .. كيف عالجت ليلى البلوشي هذه العلاقة عبر كتاباتها القصصية ؟

في نظري ثمة خطأ شائع وكبير جدا ، ويبدو أن العالم من حولنا درج عليه حتى أضحى واقعا ..!
أولا دعني أوضح المفهوم الفارق بين لفظتي : " المرأة / الأنثى " من دراسة أجرتها الكاتبة الفرنسية " سيمون دي بوفوار " وضحت الفارق بين المفهومين بشكل لافت للنظر مفسرة : " اللبس الحاصل في مفهوم الكتابة النسائية ما هو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى والكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة " ، فالصيغة الأولى تركز على أهمية خاصية لدى المرأة وهي " الأنوثة " وتلخص المرأة في صفتها الجنسية .
أما صيغة " المرأة والكتابة " فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي ، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع .."
إذن مفهوم " أدب المرأة " في نظري هو سخرية لاذعة قذفها العالم في وجه المرأة ؛ ليظهر لنا البون الفاغر بين ما يكتبه الرجل باعتباره حقا طبيعيا من المجتمع وبين ما تكتبه المرأة باعتباره قسرا .. فالمجتمع هنا هو العدو الحقيقي فهو مع حرية الرجل مقابل قمع المرأة ؛ لهذا يسعى بدأب غريب إلى استحداث مفاهيم فاصلة غرضها تهميش الآخر وقمعه والتسلق عليه ..!

5- إن المرأة مصنع من الأحلام ! هي حارثة مثالية لأوهامها الصامتة ! متفوقة في علم حساب الذات لكنها متمكنة في الوقت نفسه من إحداث الثقوب و التلصص على العالم من خلالها .. كيف تمكنت ليلى البلوشي من اختراق مشيمة عالمها والانفلات خارج دائرة الجنوسة ؟

ليست المرأة وحدها مصنع من الأحلام ، حتى الرجل لديه زخم من الأحلام يتوق إلى قبضها فهو ليس صخرة أو شجرة ..!
لا أدري إن تمكنت فعلا من ذلك ، لكن ما أدريه بكافة حواسي التي املكها هي أنني اكتب ببساطة مطلقة جدا ، وبعفوية كبيرة جدا ، وتلكما " البساطة " و" العفوية " يحركهما انفعال مهم جدا في كتابتي هو " الصدق " ..

المبدع لا يستحق صفة الإبداع إلا لكونه مجموع انفعالات إنسانية صادقة لا تنطلق من عالمه وحده بل هي خليط معاناة الآخرين وهو جزء منها ، الجزء الأهم ، فالبشر المنكوبون لا وقت لديهم لنقل خيباتهم إلى العوالم الأخرى ، إنهم مشغولون بترقيع جراحاتهم ، والمبدع وحده هو حامل الشعلة ، تلك التي تبرق في السماوات كلها ، فجراحات الآخرين هي جراحاته ..

وأضيف إليهم صفة تأصلت بقوة مرعبة في أعماقي : المسؤولية ..

6- كيف تناولت ليلى البلوشي قضايا المرأة العربية في أعمالها ؟ تنويه أنا أعتقد أن الإبداع ظاهرة إنسانية لا علاقة لها بالجنوسة واصطلاح ما يسمى بالكتابة النسوية مصطلح عنصري وزائف وكثيرا تبريري للتعبير عن الاضطهاد الذكوري المصطنع في أغلب حالاته !!

في بداياتي ، في كتاباتي القديمة كانت المرأة العربية شاغلي ، لكنني حاليا اكتب بشكل عام ، لأنه ليس ثمة معاناة المرأة وحدها ، نحن نحيا في كوكب ليست المرأة وحدها المعذبة فيه بل الرجل والطفل والشيخ الكبير أي الأسرة بأكملها كمفهوم مجتمعي ، ففي البلدان التي نكبّت بزلازل أو فيضانات أو براكين لم تكن ضحيتها المرأة فقط بل شملت أسرّ كاملة ، ولا أبالغ إن قلت إن معاناة الرجل في بعض الحالات أعظم من معاناة المرأة نفسها ؛ لأن الرجل مطارد من المجتمع بمفاهيم عتيقة لصقت به كالسلحفاة التي تحمل بيتها على ظهرها ..! لعل من أهم تلك المفاهيم " الشهامة " و" القوة " و" المسؤولية " لتكتمل أسطورة الرجولة وكثير من الرجال للأسف تنقصهم هذه الصفات ، لكنهم يدّعونها من أجل ارضاء المجتمع من حواليهم لا أكثر ولا أقل ، وهذا يحدث فجوة عميقة في داخله ، تشقه إلى شخصيتين ، شخصيته الحقيقية وشخصيته المدّعية وهنا يظهر الخلل ، والرجل حين يفشل في إحداث تغيير على واقعه الخاص ؛ فإن تأثير هذا العجز يكون شاملا لجوانب حياته العامة ويتبدى في هيئة عار وخزي من نفسه الضعيفة هذا من جانب ، بينما من جانب آخر الضغط المستمر الذي ينكل به العامة من حوله نتيجة شعوره بالنقص ؛ لهذا للاضطهاد الذكوري أسبابه ..
بينما المرأة ليست مطاردة بالمطالبة ؛ لهذا فهي ليست مضطرة أبدا للإدعاء سواء أمام نفسها أو أمام الآخرين ..

على مدى تلك القرون جرى تطبيع الرجل في أن يكون صاحب كلمة واحدة لا عدة كلمات ..! بينما المرأة حينما تقول شيئا ثم تتراجع عنه تبرر فعلتها بنبرة هادئة : حرمة ورجعت في كلامها ، هل ثمة مشكلة ..؟!

وسأختم هذا السؤال بانطباع الفيلسوف " أوشو " عن المرأة والرجل في كتابه " الحدس أبعد من أي حس " قائلا : " المرأة أكثر اهتماما بمكان وجودها ، باللحظة الآنية ، وهذا ما يجعلها أكثر تناسقا وجمالا ، أما الرجل يحاول دائما أن يثبت شيئا ما ، ولذلك يضطر للقتال والتنافس بصورة دائمة " ..


7- إن مفهوم الأنسنة يتطلب تجاوز مرحلة النظر إلى الجسد باعتباره محوراً وحيداً للعلاقة بين الرجل والمرأة. هل نجحت ليلى البلوشي في بناء شخصيات روائية تتجاوز هذه الحالة إلى ما هو أكثر جوهرية وعمقاً وحقيقيةً تستعصي على التزييف باعتبار أن شخوص الرواية مرآة واقعنا العربي ؟

لم اكتب الرواية بعد ، لكن سأقول : لماذا نضيّق الأدب في التجنيس دائما ..؟! الأدب ليس فقط قضايا المرأة والرجل ، ثمة قضايا وطن ، واقتصاد متهالك ، وبشر منكوبون ، وأطفال شوارع ، وكرة أرضية معرّضة لهزات وبراكين .. إلى لا آخره ..
انظروا إلى أعمال " كونديرا " التي يتزعمها المعلومة لا الإنسان ..!
لابد أن نرمم رؤيتنا للأدب ككل ، خاصة المعنيين به فئة الكتّاب ، على الكاتب أن يكون متفرجا ، يختار مقعده من العالم ويتفرج كمحايد ليس على الآخرين فقط بل حتى على نفسه ، هذا التفرج يجعله في مقام " المتأمل " فلا يفوته شيء من داخله وخارج العالم ، كما حدث مع بطل رواية " ألبرتو مورافيا " في روايته " البصاص " فالبطل هنا يراقب غيره وفي الوقت نفسه يراقب نفسه ، أو الأصح يختلس النظر إلى نفسه عبر اختلاسه النظر إلى الآخر ..!
ولا تستفزكم لفظة " التفرج " أيها القراء ؛ لأن الكاتب المتلصص على تفاصيلكم هو متفرج ومتفرج عليه في النهاية ..!
ثمة روايات شاملة ، غاصت في قضايا كبيرة وسرية ومقدسة ، على سبيل المثال لا الحصر رواية " كافكا على الشاطئ " للياباني " هاروكي موراكامي " ورواية " أرجوحة النفس " لـ " هرتا موللر " ورواية " أطفال منتصف الليل " لـ " سلمان رشدي .. هذه الروايات الثلاث التي ذكرتها لكل منها حس تاريخي وإبداعي خاص ، وفي الوقت عينه تضع القارئ على دراية بما يجري مع الآخر في عالمه المكاني والزماني المختلف عنه .. هذا التنافر في العلاقات يعجبني كثيرا ..

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

القاصة أزهار أحمد في " أنا ويوكي " والحصان الذي فقد ذاكرته " ..



القاصة أزهار أحمد في " أنا ويوكي " و " الحصان الذي فقد ذاكرته " ॥

القاصة " أزهار أحمد " من الكاتبات اللاتي يشهد لهن بجهودهن الكبيرة في مجال ارتقاء ونهوض أدب الطفل في سلطنة عمان ، ليس على مستوى الإصدارات الطفولية الموجهة للطفل والتي صدر لها منها حتى الآن مجموعتين ، بل يضاف لها جهودها المتفرقة الشخصية للاهتمام بالطفولة في مجالات عدة ، توثقت بعضها في إنشاء ورش خاصة للأطفال تعنى بتعليمهم أساليب الكتابة القصصية ، وكل هذا يجعلنا أمام كاتبة طموحة ومعطاءة ولها غايات كاشفة كالشمس للارتقاء بالطفولة في مجالات شاسعة ..

* * *

* استثمار وقت الفراغ في " أنا ويوكي " 1

" أنا ويوكي " مجموعة تخاطب الناشئة ما بين 12 إلى 18 سنة ..
فالكاتبة وظفت شخصيتين لسرد مجموعة حكايات ، تمر بهما ذينك الشخصيتين في أحداث الحياة اليومية ، وهما في العقد الثاني من عمرهما ، التقيا في معهد للدراسة بمدينة " يورك " جنوب بريطانيا ..
لسان الحكاية الفعلي هي " ندى " وهي فتاة خليجية من سلطنة عمان ، تحكي قصصا ووقائع مختلفة جمعتها وصديقتها من أصل ياباني " يوكي " ..

ومن خلال ذلك نرى أمامنا مجموعة قصصية اعتمدت في سير أحداثها على بؤرة الشخصيات ، بمعنى أننا أمام قصة شخصيات ، وفي مثل هذا النوع من القصص تكون الشخصية هي في واجهة العمل القصصي ، وذلك يستدعي من الكاتب جهدا كبيرا ؛ كي يدعم شخصياته بشكل جيد في سرد الأحداث والوقائع يوظفها معها جنبا إلى جنب ، حتى تكون مؤهلة للقيام بدورها الحيوي الفعال ويضيف إليها من الخيال والمرح والحماسة ؛ لتؤثر في كيان الطفل وتدفعه دفعا إلى متابعتها بتشويق كبير ..

ومن جانب آخر نجد عناية بالأسلوب التحليلي حيث جاء على وفاق مع الشخصيتين ؛ فقد وصفتهما الكاتبة ورسمت حالتهما النفسية في مواقف مختلفة ، فثمة انفعالات محتشدة من الفرح إلى الدهشة إلى الحزن إلى الخيبة إلى الفزع إلى الضحك ، وهكذا جاءت خليط تلك الانفعالات بمرتبة مثيرات توقظ أحاسيس الطفل وتحرك مشاعره ، ليكون بذلك متعاطفا معها سعيدا لسعادتها وخائفا لخوفها .. انفعال فرح في قول ندى : " وقبل أن نسمع نداء القطار شعرت أني سعيدة وأكاد أطير من الفرح " ..
وانفعال حزن : " نظرت يوكي إلى نظارتها الجديدة المحطمة بحزن .." .
ولكي تضفي الكاتبة مصداقية أكبر وتفاعلا من قارئها الصغير ، فإنها جعلتهما تتحدثان بضمير المتكلم ..
وتكاد تخلو المجموعة من صراعات كبيرة التي تتأزم بها الأحداث ، فمعظم الأحداث هي خلق حياة يومية ، جاءت عادية لكنها في الوقت نفسه عرفت جيدا كيف تحول عاديتها إلى عوالم لا تخلو من الدهشة والفرح والامتلاء ، لتعطي بذلك انطباعا بهاجس الإمتاع ، ولعل خلو المجموعة من أزمة العقد الكبيرة والصراعات الممتدة هذا ما حررها من عناصر الثبوت في المكان والزمان ، فنحن هنا أمام مجموع أمكنة ومجموع أزمنة ، يختلف تعاقبهما تبعا للأحداث المختلفة ، وعنصري المكان والزمان هنا تشكلان انفتاحا على عوالم الكبار ، فمكان هنا هو : معهد الدراسة / سينما / سوق / رحلة إلى البدو / شاطئ ..الخ .
كما الزمان : الصباح / مساء ..

أيضا لا أفكار محددة ، بل هي خليط من أفكار طارئة بالتحديد نظرا ؛ لأن الشخصيتين هما في سن البلوغ تعشقان المغامرة وتحبان التجريب ، تحرصان على إنجاب أفكار مغامرة وضجها مع الأحداث اليومية ، هي أفكار خاصة ، مستقلة ، وكأنهما تخاطبان الطفل على أن يجيد طرح أفكاره الخاصة ، وأن يعرف جيدا كيف يصنع من أفكاره عالما مستقلا بالدهشة والجمال ..

والمجموعة هنا عنيت بأطفال تعدوا مراحلهم الطفولية الأولى وهم على أعتاب المراهقة والبلوغ ، وهي مرحلة حرجة جدا في حياة الطفل تصاحبها تغيرات على عدة أصعدة نفسيا وجسديا ، كما أنها مرحلة انتقال الطفل من طفولته إلى عالم يضج بالكبار ، ومن المهم جدا أن نهيئ الطفل لعالمه الجديد ، أن ننبهه إلى جماليات ومتع هذا العالم بكل اختلافاته وتغيراته ؛ فهي مرحلة عمرية لا تقل إمتاعا وأهمية عن المرحلة الطفولية التي كان فيها بأحلامه وتطلعاته ، بأحاسيسه ومشاعره ، بكافة مزاجياته وتقلباته ..
جاءت أحجام الحكايات متفاوتة من حيث عدد الصفحات ومعظم الحكايات تتعدى الصفحة الواحدة مع حوارات قصيرة نراها هنا وهناك في عمق الأحداث وبذلك نحت نفسها عن مطب الترهل ، رغم أن ذاك السرد الطولي مع معظم أحداث المروية يتماشى مع المرحلة العمرية ، فالقصص هنا لا تحاكي أطفال ما بين الرابعة والتاسعة ، بل ناشئة على أعتاب المرحلة الطفولية المتأخرة مثلما أوضحنا سابقا ؛ ويبدو أن الكاتبة أدركت نهجها الحكائي مذ البدء حيث أنها نوعت في حواراتها رغم قصرها إلى حوارات خارجية وأخرى داخلية ، الحوار الخارجي في مثل قول : " أخذنا هدايانا ويوكي تقول بامتعاض : يا لها من مفاجأة ، أما أنا فكنت هادئة وصامتة وقلت في خوف : كدت أجربه ، هل تصدقين ..؟ " ..
والحوار الداخلي : " قلت في نفسي : ها يوكي أنت الآن لست غاضبة وتأكلين حلاوتي أيضا " ..
وتعاقبت أساليب ما بين الإنشائي والخبري خصوصا في افتتاح مطلع الحكايات ، ففي الحكاية الأولى من المجموعة المعنونة بـ " أنا ويوكي في مقاطعة البحيرة " تقول الكاتبة على لسان الشخصية بأسلوب خبري : " حين كنت في العشرين من عمري وكانت يوكي أكبر مني بعام واحد ، التقينا في معهد للدراسة بمدينة يورك جنوب بريطانيا .."
بينما الإنشائي تبدى في قصة " أنا ويوكي نلعب البولينج " وتقول افتتاحية القصة : " هل تعلمون شيئا ..؟ في هذه القصة ستحبونني كثيرا .." ..

كما عنيت الكاتبة بلغتها جيدا ، فجاءت راقية ، موحية ، حركية ، منفعلة حيث يستدعي الانفعال ، لغة مطرزة بالصور التشبيهية والكنايات : " كان يقف كالتمثال ضاما يديه إلى صدره " ، " الجبال مكسوة بالأزهار والبحيرات مغطاة بالطيور والسماء جميلة وصافية " ، " كأننا ثبتنا بمسامير في الرمال " ..

يضاف لهذه المجموعة " أنا ويوكي " ؛ أنها تعلّم الطفل كيف يستثمر وقت فراغه ، كيف يحوّل أحداث اليومية العادية في حياته إلى أخرى مضمخة بالتشويق والدهشة ، إنها تضج فيهم حب الحياة وتجريبها على نحو ممتع قدر المستطاع ، وقد وظفت الكاتبة رسالتها هذه في ثنايا حكاياتها ودعمتها بعنصر مهم وهو الطرافة ، وهذا بدوره قضى على رتابة عادية الأحداث كما أنها غلفتها بعنصر آخر لا يقل عن الأول أهمية وهو عنصر الضحك ..


* عناوين مبتكرة وأفكار عصرية في " الحصان الذي فقد ذاكرته " 2

ما يثير لوهلة أولى في هذه المجموعة التي تتناسب وأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 5 و 14 عاما ، هو العنوان المعنون به المجموعة بـ " الحصان الذي فقد ذاكرته " ؛ هذا العنوان ينجب دفقة من التساؤلات المدهشة التي ستطرأ على عقل قارئها مهما كان سنه ، ولا يتوحد هذا العنوان الذي يشكل مفتتح القصص كلها في عامل الحفز ، فثمة عناوين أخرى في المجموعة نفسها تتميز بقدرتها العالية على الإثارة والجمالية والغرابة في الآن معا ، على نحو: " صائد الأحلام " ، " العلكة السحرية " ، " مصباح أديسون " ، " السمكة المنفوخة " وغيرها من العناوين في مجموعة واحدة من شأنه أن يخلق إبداعه المتفرد ، ولعل من أهمها هي الحيرة التي يجد القارئ الصغيرة نفسه أمامها ، فأي قصص المجموعة سيبدأ في التهامها مشبعا به شغف فضوله ، أيبدأ بقصة التي انتقتها الكاتبة لتتصدر غلاف المجموعة أم بقصة الأولى أم الثالثة أم الأخيرة ..؟ أتوقع أن حيرة كهذه غرست بشكل أو بآخر في عقل القارئ الصغير ..

العناوين المبتكرة جذب معه أفكارا متعددة وشخصيات متعددة بتعدد أفكارها ، ففي القصة الأولى من المجموعة والتي عنوانها " صائد الأحلام " بطله صبي في 12 من عمره ، يريد أن يصيد الأحلام ويجمعها في علب ، ثم يصنع منها سلعا رائعة ملونة ..
وفي قصة " العلكة السحرية " ثمة دمية على هيئة كلب ، لديها القدرة على الكلام وتمضغ علكة سحرية تقوم بأفعال سحرية حيث تطير مع صاحبتها إلى غيمة ..
بينما قصة " مصباح أديسون " بطلها طفل مر بتجارب مؤلمة حيث مات معظم أقربائه ؛ وهذه التجارب الموجعة عن الموت جعلته يتحدى الموت بشتى الأشكال ردحا من الزمن في حياته ، وهذه القصة تطرح تساؤلات فلسفية بريئة في ذات الوقت يحاول فيها الطفل أن يعرف ماهية لغز الموت من خلالها حيث يقول : " ما هو شكل الموت ..؟ متى يأتي ..؟ وهل هناك أناس يختارهم ..؟ هل يتربص بأحد معين ..؟ " ولكنه في ختام القصة يعرف أن العمل وحده هو ما يجعل الإنسان يتغلب على شعور الموت ، بالروح يبق المرء لا بجسده وحده ..
في حين تصدمنا القصة التي انتخبتها الكاتبة لتتصدر غلاف مجموعتها القصصية " الحصان الذي فقد ذاكرته " فنجد أمامنا حصانا اسمه " الأبيض الأسرع " رائع الجمال ، ممشوق ، لونه كالثلج ، ومن أذكى الأحصنة وأنشطها .. ولكم ينخدع الطفل بهذا الوصف الافتتاحي الذي أطلت به القاصة بطلها في المجموعة ، لتصدمه على حين فجأة بأن هذا الحصان نفسه التي تحدثت عنه بكل تلك الروائع يعاني في إحدى الصباحات من فقدان ذاكرته ، ولم يكتف بذلك بل طفق يقوم بممارسات تخالف واقعه المخلوق كحصان ..!
وتستمر قصص المجموعة في عرض أفكارها التي تتصف معظمها بالغرابة ، كما وظفت الكاتبة فيها جرعات من الخيال في كل قصة بمقاطع من الأحداث تنافي الواقع ، تستفز عقل الطفل تدفعه إلى التخيل الابتكاري ..

ويمكن وصف هذه الأفكار التي انتقتها الكاتبة لعرض أحداث قصصها بأنها أفكار عصرية ، تحاكي الواقع الحالي الذي يعيش فيه الطفل ، حيث العولمة غدت مثل محقق الأمنيات بالنسبة له ، فما يكاد يتمنى شيئا حتى يجده منتصبا أمامه بطريقة أو بأخرى ، فعالم الطفل اليوم زاخر بأشياء كثيرة على مستوى البرامج الترفيهية والألعاب الالكترونية والمواقع المعروضة والمسابقات القائمة كلها تخاطب الطفل وتهيئ له مطالبه ، لهذا على كاتب الأطفال أن يراعي هذه التطورات وأن يكون جاريا لها ، كي يحقق أهدافه التربوية من عرض قصص تلامس في الطفل فضوله ، تضج خيالاته بأفكار إبتكارية تصنع منه طفلا مبدعا ، يفكر ، يخترع ، ينظر إلى الحياة نظرة مغايرة تحفز فيه ممارسة دوره بأي شكل من الأشكال ؛ ليغدو صانع مستقبله مذ هو طفل صغير .. هذا ما يؤكده " فيشر " : " إذا كان على أطفالنا أن يتوقعوا إشكالية التغيير، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي ، وأن يتغلبوا عليها ويتعلموا مواجهتها ، فإنهم بالإضافة إلى حاجتهم إلى تعلم كيفية التأقلم مع المستقبل ، فإن عليهم أن يتعلموا كيف يشكلون أيضا إذا كان إعداد الأطفال لمواجهة التغيرات السريعة هو أحد تحديات التربية ، فإن تعليمهم التفكير بإبداع يصبح حاجة ملحة " ..

كما نرى أن الكاتبة اختارت في مجموعتها هذه التنوع على مستوى اختيار الشخصيات ، فنجد أمامنا شخصيات إنسانية كـ قصة " صائد الأحلام " ، " مصباح أديسون " ، " أنا والبقرة والتلفزيون " ، حيوانات كمال " ، " صديق الكراكي " ، " بطل الغيوم " ..
وشخصيات حيوانية كـ قصة " الحصان الذي فقد ذاكرته " ، " السمكة المنفوخة " ، " الفيل المستقرس " ..
وشخصيات أخرى أنسنتها الكاتبة كـ دمية كلوب في قصة " العلكة السحرية " ..
ومما لا شك فيه أن التعدد في اختيار الشخصيات ، يحاكي مزاجيات الطفل ، فالطفل يضجر في بعض الأحيان حين تكون المجموعة زاخرة بشخصيات من نمط واحد ، بينما تعدد أنماط الشخصيات تحاكي أذواق الأطفال المتفاوتة والمختلفة بين كل مرحلة ومرحلة ، فالمعروف أن أطفال في مراحلهم الأولى تلاقي الشخصيات الحيوانية النسبة الأكبر من اهتمامهم ، بينما أطفال في مراحلهم المتأخرة يميلون إلى قصص ذات شخصيات إنسانية ؛ لكونها بالنسبة لهم واقعية أكثر مهما غدت غريبة في عرض أفكارها ..

ثمة ثيمة مشتركة سيطرت على بعض شخصيات المجموعة ، وهذه الثيمة هي " ثيمة الأحلام " فبعض الشخصيات شكلت الرؤى التي يراها في الليل دورا كبيرا في هامش حياته ، كما نجد في القصة الأولى من قصص المجموعة " صائد الأحلام " ، وقصة " أنا والبقرة والتلفزيون " ، وقصة " صديق الكراكي " ، " حيوانات كمال " أخيرا قصة " السمكة المنفوخة " ..
وهؤلاء جميعا جعلتهم أحلامهم يتصرفون بتصرفات غريبة ؛ على سبيل المثال بطلة قصة " حيوانات كمال " يتخلى عن تناول جميع أنواع اللحوم ويصبح نباتيا ؛ لأنه حلم بكابوس مخيف يرى فيه فلاحا ضخما يسحب حيواناته من مزرعته يذبحها ويرميها في مرجل كبير يغلي ..

هناك قصة من قصص المجموعة تدعى بـ " قصة شادي الطويلة " ، نلامس أن هذه القصة وجودها خطأ في المجموعة الزاخرة بشخصيات متنوعة وأفكار مثيرة ، فهذه القصة موجهة للكبار وليست للصغار ، والشخصيات التي انتقتها الكاتبة هما اثنان شاب وشابة بالغان يناقشان أمورا يعنى بها الكبار سواء من حيث الاهتمام أو التصرفات ..
ولعل هذا يلفتنا إلى شيء مهم في قصص الموجهة للأطفال ، فسوف يلاحظ معظم الكبار الذين يقرؤون القصص لأطفالهم أو التي يقرأها الطفل بنفسه ، بأنهم دائما يركزون على الشخصية التي تكون في مثل سنهم ، فإذا ما كانت الحكاية زاخرة بشخصيات متنوعة من كبار وصغار ، فإن الطفل يركز جل اهتمامه في الحكاية على شخصية الطفل في القصة ؛ لأنها تحاكيه ، ولأنها تغري فضوله ، ولأنها تحرك غيرته نحوه فهو يريد أن يكون مثله بغض النظر عن الدور الذي يؤديه ، إذن الأطفال ينجذبون إلى شخصيات تماثلهم في المراحل العمرية ، وفي الاهتمامات ، وفي حس المغامرة ؛ لأنها وبإضافة ما ذكرنا من أسباب تمثل بالنسبة له قدوة يقتدي بها ..

تفاوتت القصص في تقديم شخصياتها في مفتتح حكاياتها ، فبعض القصص تقدم الشخصية في قالب تعريفي للأطفال ؛ وهذا من شأنه أن يوثق العلاقة بين الطفل القارئ وصاحب الشخصية كقصة " مصباح أديسون " : " يعيش سامي حياة هادئة مثلكم مع والديه وإخوته وأقاربه ، يذهب إلى المدرسة ولديه أصدقاء ومعلمات ومعلمون ، يحب السباحة والوجبات السريعة والآيس كريم ..." .
وبعضها الآخر تدخل في موضوعها مباشرة دون تعريف بالشخصية كقصة " كليلة والأستاذ سعيد " : " بينما كانت البعوضة كليلة تطير وتصورت عند نافذة بيت الأستاذ سعيد ، رأت بقعة حمراء كبيرة على طاولة .."

ولا يغيب عن المجموعة التوافق بين رؤى الكاتبة للأشياء وتصوراتها لها وبين رؤى الأطفال لها ، ومن المهم جدا أن يراعي الكاتب قصص الأطفال هذا التصور التعبيري للأشياء .. ولكل قصة زمن ومكان وحدث وصراع وشخصيات ، ويمكن وصف العقد في القصة لم تكن في الأحداث ولكنها جاءت للأفكار الغريبة الطارئة التي يفكر بها كل شخصية ولهذا تتماثل شخصيات الكاتبة هنا في غرائبية خيالاتها ، كما اتضح عناية الكاتبة بلغتها حيث أنها لغة متمكنة في إيصال أفكارها للطفل ، وموصوفة بأبعادها الواقعية والشاعرية في الآن معا ..

الحكايات هنا تحاكي البيئات القريبة من الطفل ، والطفل حريص على أن ينبت إبداعه في هذه البيئة ؛ لرغبة التفرد في الانجاز وللتمتع ، وتحرضه على التفكير الإبداعي ، وتقول له بحب كبير أن ثمة متع في الحياة جديرة بصيدها كما الأحلام ..


على هامش النقد الفني :

مجموعة " أنا ويوكي " جاء غلافها متوافقا مع المرحلة العمرية المخصص لها ، الصور متناثرة في الصفحات وتفاوت الألوان ، لكنها جاءت غامقة توحي بأجواء الكآبة أكثر منها بالفرح ، فالأطفال في كل مراحلهم الطفولية يميلون غالبا للألوان المبهجة والفاتحة في درجاتها ، كما نوع الخط جاء متعبا للعينين ..
بينما نجد المجموعة الثانية " الحصان الذي فقد ذاكرته " أن المجموعة هنا استوفت الشروط الملائمة لكتاب الطفل من حيث الغلاف السميك غير قابل للتمزق مطلقا ، والخطوط الواضحة والألوان والرسوم المليئة بالفرح والمعبرة بشكل جيد عن شخصياتها ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ " أنا ويوكي " حكايات للناشئة والشباب ، أزهار أحمد ، الغلاف واللوحات الداخلية حسني مجاهد ، المراجعة اللغوية هشام حمزة ، مطبعة المستقبل ، أبوظبي ، ط1 ، 2007م .
2 ـ " الحصان الذي فقد ذاكرته " ، أزهار أحمد ، رسوم ابتهاج ، النادي الثقافي ، ط1 ، 2010م .



ليلى البلوشي

الأحد، 19 سبتمبر 2010

ذاكرة " منصور الصويم " شريرة


ذاكرة " منصور الصويم " شريرة *

" يظهر الشر عندما يسودنا الاعتقاد أن كل شيء يمتلكه الآخرون هو من حقنا " ..

- باولو كويليو -
* * *

هل ثمة بشر متجذرون من نبتة خبيثة وأخرى خيرة ..؟! ولماذا نحكم على زمرة من البشر بأنهم أشرار بينما يغدو بعض الآخر حاملي خير ..؟! من أين وكيف يتوالد الشر والخير في قلب الإنسانية .. ؟! هذه الأسئلة ولدتها في عقلي رواية " ذاكرة شرير " للكاتب السوداني " منصور الصويم " ، فأن تكون أمام ذاكرة متعفنة بالشر ، ليس بأي شر إنها ذاكرة لم تكتف بشرها ، شر الإنسانية بل قفزت إلى عوالم أخرى ؛ كي تستنهض جبروت الشر ، طوفانه ، فرعونه بعد أن اعتقدنا من أنه مات مذ زمن موسى ..
نجد تواطؤا وثيقا ، متناميا ، بين المكان والذاكرة هنا ، إنهما أشبه بتوأمين سياميين ، فالمكان هو مجموع أمكنة والذاكرة تغتذي عليها ، تكبر ، تنمو ، تثقل ، تغدو بشهية حوت وبشساعة صهريج والشر فيه ومنه وعليه أعلاه وأسفله ، كله..
تقول الذاكرة التي تقر بوجودها الخام ، ببراءتها الأولى ، بكينونتها الداخلية قبل وئدها : " أنا كسحي .. آدم كسحي .. أنصت الآن بكياني ومسامي ، بتاريخي ، وذاكرة أيامي الماضية ، أنصت إلى القطار ، إلى صافرة القطار ، إلى اهتزاز عرباته وتوجع وأنين سكته الحديد " ..
هذه ذاكرة آدم كسحي ، الطفل ، قبل أن تضيع في متاهات ذاكرة الآخرين ، قبل أن تؤثثها كل آخر على هواه ، ويختلي فيه وكأنه ملك مدفوع الثمن ، وآدم كسحي لا في العير ولا في النفير ، والذاكرة تنتشله من امرأة إلى امرأة ، وفي شرهن تتماهى ذاكرته ببصمتهن ، وما أجمل شر النساء ..!
كانت أولى نساء الذاكرة ، ذاكرة كسحي هي أمه " مريم الكراتيه " المرأة الفاتنة ذات شعر ناعم ، شبق جنود ورجالات الأمكنة كلها ، حضانته الأولى ، في حجرها والعربة تجرهما والذاكرة هنا درب ، بداية درب .. وحين يبصقها الدرب إلى حتفها يجد كسحي نفسه على ظهر وهيبة .. الأم البديلة ، وهنا الذاكرة تسترخي ، تستطيل ، تتشكل على مهل ، على ثرثرة النساء ، على دفئهن ، على أنوثتهن الطاغية وهن يكبرن حبة حبة ، كما الذاكرة المشتهاة ..
بين كل هؤلاء النسوة بأريج فتنهن هل تبقى " مريم كاراتيه " ذاكرته الأولى متشبثة بجدار ذاكرته وكأنها لم تأفل ولا ثانيه عنها ، وتتوجع الذاكرة حين ترفع صوت اعترافها : " أينسى الطفل سريعا ، يتجاوز الفقد والاحتياج ، ويتحايل على الحياة ؟ هل نسي الطفل ، آدم ، الكائن الوحيد الذي عرفه ، الذي ظل طيلة أعوامه الأولى ملتصقا به ؟ سقطت مريم العظيمة من الذاكرة ، تفرقت في روائح شتى ، وعيون عدة ، وضحكات مباغتة .. صارت ذكرى بعيدة ، تنتمي إلى زمن قديم ومشوش ، آدم ، الطفل الجميل ، ذو الوجه الملائكي ، وهب نفسه لوهيبة .. " ..
" وهيبة " المرأة الحنون انتشلت الكسحي من متاهات شر النهار لتقوده إلى أمان شر آخر ، إلى شر مسقوف ، في بيت كبير إلى غرف وصالات ، بأثاث ثقيل وخفيف ، مستورد وغالي ، المكان مدهش ومبهر ، وذاكرة الشر في بحبوحة العيش تتلمس ثلاجاتها المتعددة وتلفزيوناتها الملونة ، الغريب العجيب من الأجهزة الالكترونية والكهربية ..
وفي القاع ، في مخابئ سرية ، يهجس لسان الشر طلاسم فك السحر ، أسرار طرد الشياطين ، ردء العيش إلى حفظ ورد الأبواب السبعة بمقاطعها الثمانية والثمانين ، إنه شر مصاب بفصام الأمكنة ، فالمكان هو من ولّد هذا الشر ، وهو شر الأقنعة ، شر الشياطين ..
والذاكرة كريمة بالنساء ، خصبة بمرابعهن ، مطلقات يبحثن عن سبل لإعادة أزواجهن ، متزوجات يسعين إلى تقييد أزواجهن برباطهن إلى الأبد ، صبايا وعوانس يحلمن باستجلاب عرسان قبل احتراق العمر ، عواجيز ينقبن في حيوات لا تخصهن ويحلمن باستعادة الضائع من أعمارهن .. وكسحي يسير على خطى نصيحة الشيخ إنه يغرقهن في الوهم ؛ كي تبقى ذاكرته متوقدة بهن .. وبـ " سنية الحلبية " وهي ربق ذاكرة آدم كسحي ، ناره التي إذا ما تأججت من هولها ما انطفأت : " رغبت في تفاصيل جسدها ، مستصحبا حريق أيامي الماضية ، واهبا بعنفوان طليق لذتي لأولى النساء ، وأكثرهن قدرة على الإشباع ، المعلمة الأولى .." ..
وتتراجع ذاكرة النساء ، فالكسحي يهرب منهن ، من الشيخ الذي استهلك جل فحولته لإطعام نسائه الجوعى ، يهرب إلى مكانه الأول ، فالذاكرة والمكان في شراك عناق أبدي ، ولا يتوق الهرب سوى إلى موطنه الأول ، حداثة عهده ، ذاكرة الذاكرات : " هناك عند المثلث أعود مثلما كنت .. منكفئا على نفسي ، عيناي مغمضتان ، أبعدني بطيئا عن أصوات العربات ، وعن الأبواق الهادرة ، وعن روائح الاحتراق ؛ أغوص بداخلي وأنقب بقلب واجف عن صدى أيام غابت إلى الأبد " ..
وهناك في عراء أمكنة الشمس تتقدس ذاكرة النساء في " مريم العذراء " تستغيث بها الأمان المفقود ، فثمة عيون مأفونة بالشر تكاد تلتهمه بل التهمته : " مريم الرسولة تواجهك باسمة وشحوب الزمن قد اعتلى ثوبها الأحمر المتموج .. تبتسم لها قبل أن تلتقي عيناك بالعيون الشريرة المحدقة بك في ظفر .. الحذاء الضخم يضغط بقوة على صدرك .. العصي المكهربة تتأرجح قرب وجهك " ..
إنه شر وليس شر .. شر الطيبين ، العاجزين ، المنكسرين ، الظمأى ، الجائعين ، معاقي الحرب ، المجذومين .. شر يحبل بالنهار على ضوء الشمس لينسى في الليل عتمته و ثقله بغفلة النوم وغفلة اللذة ما استرقه النهار من براءته ، من حريته ، من مبان شاهقة ما كانت قاماتهم لتطولها ؛ فلفظتهم وألقت بهم في حفر الشماسة والطين وعفن السلسيون ، واستجداء لا ينتهي ، يتوالد بأكثر من طريقة ، بألف وجه ، بألف يد ورجل لكنه لا يموت ، يخنق من حرياته كما الأسد عن عرينه بين جدران موصدة الأبواب ، حبس مؤقت عن وطن لا وطن ، عن وطن خلق لهم وحدهم مذ انتشلتهم أمهاتهم من ظلمة الرحم إلى ظلمة العالم الشرير ، ذاكرة الكسحي وذاكرة الشماسة والمتسولين هي ذاكرة عالم ولد ليكون شريرا ؛ لأنه يبغي أن يحيا كما يحيا كل آدمي على سطح أرض صلبة ، ولكن الفارق هي أن أرضهم مذ الوطأة الأولى هشة ورغم ذلك أقدامهم ما انفكت ملتصقة بها حتى آخر رمق رغم هشاشة الموطن ..
والشر ، الشر كله دائما إذا ما وعد وفى ؛ فالشر لا يخلف مواعيده أبدا ، وآدم كسحي أيقونة عالم شرير وعدنا بعوده ، بعد ذاكرة امرأة ملعونة وأدته مؤقتا ..

* * *
" هل يموت الشر ؟
هل للخير
في زحمة الشر
سمات ومزايا ؟ "

_ عبدالله البردوني _

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· رواية " ذاكرة شريرة " للروائي السوداني منصور الصويم ، الحاصلة على جائزة الطيب صالح للرواية في عام 2005م .

الاثنين، 6 سبتمبر 2010

اكتب حلمك قصة



اكتب حلمك قصة / فاصل السباعي

كنت جالسا في شرفة المقهى المطلة على الشارع ، لمحت بين المارة رجلا نبيل السمت ، خيل إلي أنه من أصحابي القدامى .
فجأة اعترضه أحدهم ، وأخذ يجاذبه الحديث ، ولكن الحديث ، الذي تخللته البسمات ، سرعان ما انقلب إلى تجهم وعبوس أبداهما الآخر ، فأذعن له من خيل إلي أنه صاحبي ، وارتد عن طريقه ، ومضى أمامه ، وذاك في إثره على مبعد خطوة أو خطوتين ..
وما هي إلا لحظة حتى انضم إلى المرفق ثان وثالث ، فتوقف صاحبي ، والتفت إليهم يحاورهم ... فإذا الحوار ينقلب إلى مشادة رأيتها غير متكافئة ..!
دخل في روعي ، وأنا أشهد من شرفة المقهى ، أن بريئا قد وقع في محنة ، فاستثيرت نخوتي على نحو متعاظم ، وزين لي أن أفعل من أجله شيئا ..
نزلت إليهم ..
كان الصاحب القديم قد أسس لهم قياده ، هو ذا يمشي أمامهم طائعا ، وهم يحيطون به ، من وراء ، على شكل " قوس " ..
اقتحمت القوس ، لأهمس في أذن صاحبي : ما بالك ؟
أجابني ، دون أن تختلج في محياه خالجة : يريدون أن يقتادوني إلى السجن ..! فتراجعت نحو ثلاثة : بأي حق تقتادونه إلى السجن ..؟
أهاب بي أحدهم : امض في طريقك ، نحن من رجال الأمن ..!
أجفلت بادئ الأمر ، ولكن حذرا استفاق في صدري ، نبهت الصاحب : يقولون إنهم من رجال الأمن ... هل طالبتهم بأن يطلعوك على بطاقاتهم الرسمية ..؟
قهقه عاليا : وكيف يكونون من رجال الأمن ، وأنا نفسي رجل الأمن ..؟!
وإذ سمع الثلاثة ذلك لاذوا بالفرار ..!
شعرت بنشوة الظفر :
ما دمت رجل أمن ، أيها الصاحب ، فلم لم تصرح لهم بذلك من البداية ؟ وأدركت أنه هو الذي كان ينصب لهم شركا ..
أعلن : ولكني لست من رجال الأمن ..!
وفي غمرة ما اعتراني من ذهول ، ألوى علي يسألني منتهرا : وأنت من تكون يا رجل ..؟
فتبدد ظني بأنه صاحب لي قديم ، واندفعت أقول : أنا ....... رجل أمن ..!
فأمرني متجهم الوجه : أرني بطاقتك الرسمية ..!
ومن عجب أني ما كدت أدخل يدي في جيب سترتي ، حتى رأيته يرتد إلى الوراء ، مطلقا ساقيه للريح ..!
ومضيت ، في مواجهة الشرفة الوسيعة ، أمشي مختالا ..
فجأة اعترضني رجل غريب ، شديد البنية : ما حملك على اعتراضهم ..؟
كان يشاهد ، إذن ، من الشرفة كل شيء ..
استهنت به ، وقد دخل في وهمي أني من رجال الأمن حقا : وما خطبك ، يا هذا ..؟
أسألك : من أنت ..؟
أنا .... رجل أمن ..!
هلا أطلعتني على بطاقتك الرسمية ..؟
أدخلت يدي ، ثابت الجنان ، في جيب سترتي ، وأنا أتوقع من الغريب أن يلوذ بالفرار ..
ولكنه ظل يحدجني بنظرة بددت وهمي العظيم ، ولما لم يكن بد من أن تخرج يدي بيضاء ، فقد أدركت أني وقعت ضحية لنخوتي الفضولية ..
أمرني : هيا سر معي ..
سألته بلهجة بعيدة عن الاستهانة : هل تسمح بأن تطلعني على بطاقتك الرسمية ، أيها السيد ..؟
ولكنه لم يحفل بطلبي ، بل تأبط ساعدي ، وعانق بكفه القاسية كفي ، لاويا معصمي حتى أحسسته يتقصف ، مضى بي ، وقد داخلني شك في أن يكون رجل أمن حقيقيا ، وإلا لم َ لم يبرر لي بطاقته الرسمية ..؟!
وكنت ما أزال أمام المقهى ، رفعت عيني إلى الشرفة ، التي غصت الآن بالرواد ، وهم جميعا يتطلعون إلي ..
أعليت صوتي مناديا : يا أهل النخوة ، خلصوني ..!
فانطلقت من صفوفهم ضحكات عالية ..
إني في محنة .... فخلصوني ..
وتعالت ضحكاتهم الصاخبة ، حتى سدت آذان السماء ، فبدوا لي كأنهم نظارة في شرفة مسرح ، يتابعون ، متلذذين ، آخر مشهد من مسرحية هزلية ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاضل السباعي :

ولد في حلب ، عام 1929م ، درس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة ، وعمل محاميا بحلب ومدرسا ، بدأ بنظم الشعر ثم تحول إلى القصة منذ منتصف الخمسينات ، وكتب أيضا المقالة والنقد وقصصا عن اللغة الفرنسية والانجليزية والألمانية والروسية ولغات أخرى .. عضو مؤسس في اتحاد كتاب العرب 1969م ، وأسس دار أشبيليا للنشر والتوزيع ..
له مؤلفات كثيرة منها : أزهر الحزن / الألم على نار هادئة / اعترافات ناس طيبين ..