الاثنين، 31 أغسطس 2009

مقطوعة تدعى " اسمك "


مقطوعة تدعى " اسمك "



" اسمك " يستفز لساني
يبعثر " الأنثى " التي تسكنني
بفوضوية " الأنا "
أعلنتَ " تأثيثه " في َّ ..


* * *


اسمك " الرجولي " الوسيم
يبيح دماء " غيرتي "
الهاطلة احتراقاً في وجهِ كل " فِيه ٍ" تستنطقك ..


* * *


كم دهرا استغرقتني
تلك الأمنية بأن " أقذف "
اسمك خارج جغرافيتي.. ؟!
ياااه !!
متى سيتوقف نبضه عن " الرقص " في صدري ؟!


* * *


ليست كل الأسماء كاسم " رجولتك "
هناك رجال يحملون على " أكتافهم " أكثر من اسم !


* * *


عطشى هي " الألسنة "
التي لم تطبق على أهداب " اسمك "
وغرقى هي " الحروف "
التي لم تمخر عبابها في موانئ " جرسِك " !

* * *


ثنائي " اسم + ذاكرة "
أسماء تمَر مرور الكرام في شريط الذاكرة
أسماء جبُلت عليها الذاكرة
أسماء تُلتصق بجلود الذاكرة
تائهة
/
باطلة
/
معطلة
/
أسماء " الآخرين " عن نغمة التشَهي في احتواء ِ " معناك " .. !



2006 م



* ترجم هذا النص إلى اللغة البولندية في كتاب " بوسع قلبي " للمترجم يوسف شحادة ..



السبت، 29 أغسطس 2009

أجنحة للهبوط



أجنحة للهبوط


" لم أكن أعلم أن الله قد أرسل قبل مجيئي

لكل صحراء مجنونا

أجنحتي للهبوط فقط

إذن : كيف سأعود ..؟ "


موسى بيدج

الخميس، 27 أغسطس 2009

استجابات اللغة الواعدة في الأنا الاجتماعية في نص القاصة ليلى البلوشي " غبش الحي ّ"




استجابات اللغة الواعدة في الأنا الاجتماعية في نص القاصة ليلى البلوشي ( غبش الحي)


الدارسان : حسين الهنداوي – حاتم قاسم


الرأي الأول : حاتم قاسم ( البعد السيسيولوجي في نص غبش الحي )


نقف عند الرغبة و نسدل رواق الليل لنسبر الأنفاس المتصاعدة في رائحتها التي تستذكر الماضي بعبق الحاضر في مونولوج داخـلي يحاكـي الذات ببعد نفسي يتجاوز كل الأمكنة ليرسم لنا أفئدة حاضرة يتداعى فيها الحدث و أما المكان فهو القديم الجديد الغائب الحاضر بين رائحة الذكريات المنعشة و التضاريس القديمة التي ترسم على لوحاتها مكاناً لاستيقاظ الذات ، فالحي القديم بزخارفه و طوبـه وروائح البن و الشاي و الهيل و الزعفران و حكايا الجدة عن البحـر ووحوش الليل و أم الدويس ذكريات عالقة في اختزان الذاكرة المتوقدة بشحنتها العاطفية و بعدها النفسي الذي يعكس لنا رائحة الذكريات المنعشة 0


و تنقلنا الكاتبة عبر منهجية دراماتيكية لتصوير البعد النفســي بمونولوجـية الحدث ، فالتضاريس نفسها و المكان نفسه و لكنها النفوس التي تتغير وفق معطيات شاقولية تتقاطع في النقطة نفسها التي تكشف لنا جوانب القوة و الضعف في الذات البشرية عبر منهج سيكولوجي يلقي بموشوره على البعد النفسي و هذا ما عبرت عنه الكاتبة بالزوجات الثلاث وهنَّ يتآمرن على الرابعة فهي صورة تعكس بارتدادها بعداً نفسياً بنمطه السلوكي 0 (( يبدو أن زوجاته الثلاث يتآمرن على الرابعة ، إنها دائماً ضحية الغيرة 00))


فالصراع دائماً ينصب في نقطة الاهتمام ليؤطر الحدث في بقعة الضوء التي تسلط عليها الكاتبة أشعتها المشرقة فكينونة الحدث المشاكس عند المرأة بدأ منذ نزول آدم إلى الأرض إذا صحت المقولة الشعبية أن حواء هي التي أغوت آدم بأكل تفاحة الحياة مع أن القرآن الكريم أشار إلى أن كليهما أكلا من الشجرة و اشتركا في الجريمة نفسها0


أما أن تكون المرأة على الأرض وراء كل مشكلة فهذا ديدن المجتمعات المتخلفة التي يندفع فيها الرجال وراء انفعالات النســاء صحيح أن المرأة إذا همشت بدأت تغزل خيوط المؤامرات لإثبات وجودها ولـكن ذلك لا يتأتى في الواقع إلا في مجتمع رجولي ينظر للمرأة على أنها تابع لا قيمة له مع أن القيم الدينية الإسلامية تصر على أن النساء شقائق الرجال لهن مالهم و عليهن ما عليهم و الشيء الغريب في هذا النص و إن كنا لا نـرى أن زواج الأربع محل انتقاد لأن الله أكرم به النساء قبل الرجال لحكمة يريدها في مجتمعات كمجتمعات الخليج إذا لم يحسن الرجل قيادة المركبات الأربع فإنه لا شك واقـع(( في حيص بيص )) بحيث يرضي واحدة و تبقى الأخريات في موقع السخط و صناعة المؤامرة 0


و النقطة الثانية التي تعالجها الكاتبة هي نزوة كبار السن مع الفتيات المراهقات بحيث تجعل هذا المعجب يدفع كآلة صرافة من أجل إشباع نزواته 00


الذي لبس البخل ثوباً و جعله شعاره المتحرك وهذا يؤكد اجتماعياً سمات الكثير من الرجال في مجتمعات الكاتبة الذين و إن كانوا في سـن الشــيخوخة ما زالوا يحلمون بالفتيات المراهقات 0 فصورة المرأة عند الكاتبة ما تزال تؤكد على نقطة حبك المؤامرات و صناعة المشكلات وكأنها استقت من معين القرآن الكريم ما ورد في سورة يوسف و في حق هذا النبي النقي (( إن كيدكن عظيم )) 0


الرأي الثاني : حسين الهنداوي ( اللغة الشعرية في نص غبش الحي)


تختزن ذاكرة القاصة ليلى البلوشي في نصها غبش الحي لغة شاعرية ذات أبعاد قزحية فهي بكلماتها و حروفها تبعث في النفس الشـوق إلى الالتقاء بالمجهول الذي يتمثل بما يرسمه الواقع المأساوي من مشكلات أبطالها المرأة فقولها :(( إنه الحي القديم 0000 ، تفوح منه روائح البن والشاي والهيل والزعفران )) (( هكذا توحي ملامحه القابضة و عيناه الغائبتان عن سمرة هذا القمر في يومه المحاق )) 0(( على ما يبدو أن قصة حبه وصلت لطريق مسدود ظاهر ذلك من فمه المفتوح كالجرافة تقصم كل ما تراه 00 تطحن00 تفرم000 تحطم 000تبلع 000تجرش 00تهرمش ، ببساطة تحول من آكل للأخضر و اليابس 00 البارد و الحار 000المالح و السكري ))0


يشير إلى أن لدى القاصة مخزوناً لغوياً يحمل على جناحيه آفاق الخيال القصصي المتمثل بالصورة الفنية في الحي الذي تحول إلى مقهى تفوح منه رائحة البن و الشاي و الهيل و الزعفران ناهيك عن صورة القمر الذي تحول من وجهة نظـر الكاتبة إلى رجل أسمر ذي ملامح قابضة و عينين غائبتيــن و كأنه في يومـه المحاق 0


كما أن استعمال الكاتبة للتشبيه في وصف الفم بالجرافة التي تقضـم كل ما تراه يحيلنا إلى قدرة الخيال الاصطفائي عند الكاتبة إلى اختزان الصــور الواقعية و تجسيدها بصور واقعية مماثلة و إن كان ذلك لا يرتقي إلى ابتــداع الصورة المثلى للقيمة الإنسانية 0 فقد تحولت عين الكاتبة إلى ( آلة تصويــر الواقع المعاش ) ولكنها في العبارة التالية استطاعت أن تحول المجسـدات إلى معنويات و المعنويات إلى مجسدات فقد تحول هذا الإنسان من وجهة نظرها من آكل عاطفياً إلى أكلٍ للأخضر و اليابس و كأنها تؤكد على الجشـع النفسي الذي يقف وراء نفوس بعض الرجال 0


موقف لا شك أنه يصور واقـع النفــوس المريضة التي تحولت الحياة لدى أصحابها إلى ماديات محسوســة ذات فائدة متناسين رفعة القيم و سمو الإنسانية و جمال العاطفة الحقيقية الصادقة 0 (( هل يتحول الدكتور صالح الأحمدي مستشار لغة الجسد إلى مهمهم يبحث عن مادية الحياة تاركاً وراءه صوت المؤذن يحيك نسيجه الدافئ على أسقف الحي الذي ما يزال غارقاً في أحلامه )) ..




* نشرت الدراسة في 12/ 6 / 2006م في عدة دوريات ومواقع ..

غبش الحي ّ


غبش الحيّ


حل ّ الليل .. توشح الحي بصمت رهيب يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، ولج من بوابتها وأنفاسه تتصاعد شهيقا زفيرا ، إنه الحي القديم بزخارفه وطوبه القديم ، تفوح منه روائح البن والشاي والهال والزعفران ، كأنها ساكـن جسده وعقلـه ، إنه الحي الصاخب فـي النهار وما يلبث أن يكتسح بسواده العتيد فيرحل غارقا في سباته الليلي ، نائيا عـن الحياة بكل تفاصيلها المادية والمعنوية ، كل بقعة من مساحة هذا الحي تحكي قصة .. تلكم القصص المنطوية في جدرانها ، المخبئة بتفاصيلها الدقيقة في عقول الجدات و التي تنساب عفو اللحظة حينما يحكينها لأحفادهن ، " رحمة الله عليك يا جدتي " ..

كنت دائما تتحفينا بحكاياتك الجميلة عن البحر ، عن وحوش الليل ، عن" أم الدويّس " وملاحقاتها المرعبة للنساء والأطفال ، يالـ لذة الذكريات الحميمة القديمة التي تهزنا كبندول لا يكف عن الحركة ، انعطف يسارا حيث رائحة الذكريات المنعشة تنبعث من طرقاته الغائرة رمالا ، ونفسه تحدثه بجمالية تضاريس القديمة .. تابع سير أقدامه إلى أن أوصلته إلى مكان قد ألفه.. " مطعم السهرة " ..

إنه الاسم ذاته لم يتغير شيء ،البقعة المستيقظة الوحيدة النابضة حسا فيها ، سرى في جسده شعور مريح وهو يهدد " حمدا لله لم تجرى عمليات جراحية للحي " جلس على المقعد ذاته والطاولة الفردية ذاتها ، وأنفاس من الدخان تنفث من أفواه تخفي تحت ألسنتها خناقات تكاد تصرخ ، ألقى نظرة على الرجل القاعد أمامه .. فقط تفصلهم عدة خطوات ، كان ذو كرش كبير ورأسه موصولة بصلعته التي اعتنى بتلميعها جيدا لا يدري لم خطر بباله أنه خرج من منزله بعد خناق مصدوم بينه وبين زوجاته الأربع ، هكذا توحي ملامحه القابضة وعيناه الغائبتان عن سمرة هذا القمر في يومه المحاق ، يبدو أن زوجاته الثلاث يتآمرن على الرابعة ، إنها دائما ضحية الغيرة والمؤامرات السرية ، قطع عليه النادل ذو أكتاف عريضة حبل أفكاره حاملا معه " المنيو " ، رفع عقيرته وكأنه يخاطب زرافة ذا رقبة طويلة ، ممتلئ قليلا واختفت شفتاه تحت شاربين كثيفين معقوفين إلى أعلى كجناحي نسر قد نكسا إلى الأسفل كراية سحقتها الهزيمة ، إنها معركته مع النساء ..

أجل ، فوراء كل هزيمة رجل امرأة .. كما قال أستاذ المحققين الذي تتلمذ على يديه " توكو موري " في المسلسل الكرتوني المحقق كونان " أن وراء كل جريمة غامضة امرأة " لو اتكأنا على هذه المقولة فمعنى ذلك أن وراء كل مصيبة امرأة .. ووراء كل خسارة امرأة .. وراء كل حرب امرأة.. ووراء كل إرهاب امرأة.. ووراء كل زلزال امرأة.. ووراء كل مجاعة امرأة.. الخ

يـاللهول .. ! اكتشاف عبقري عظيم " النساء وراء كل شيء في هذا العالم " رحماك يا ربي.. ! أخذ منه قائمة الطلبات نظر فيه وهو يحاول إخفاء غبطته من الاكتشاف الجديد الذي توصل إليه، وهم ّ بتمرير إصبعه على المأكولات.. بدأها بقسم المعجنات ، فطائر لبنة ، زعتر ، جبنه تركية ، كرافت ، جاوزها إلى مأكولات مشوية .. رولكس ، مكسيكي ديلايت راب ، راخ زنجر.. " راخ " ، أطلق ضحكة داخلية يبدو أن هذه الوجبة منسوبة للموسيقي العالمي " باخ " ..!

حدث نفسه: يخترعون أسماء غريبة والطعم واحد هذا ما يطلقون عليه بــ " خداع المستهلك " ، قسم المأكولات البحرية .. ربيان عادي ، ربيان خصوصي ، نغر ، فيليه سمك ، ألطق زفرة .. تنفس صعداء .. أغلق المنيو ثم نظر إلى النادل : أريد كوب شاي ( كَرَك ) يضبط المزاج .. تركه النادل وعلى وجهه علامة استفهام كبيرة ، عدّل من جلسته ، وضع رجلا على رجل ، سمع سعلة من المقعد الذي بمحاذاته كان الرجل يسعل بشكل مريب وكأن روحه تخرج من جسده ، وعيناه محمرتان من أثر السعال ، ما لبث أن هدأت سعلته ثم أشار للنادل أن يحضر له شيشة بنكهة الفراولة ، كان يطلق دفقات من الدخان في الهواء وهو يفتل شاربه مع ابتسامة تزين شفتيه ، كما لو كان منشغلا بفكرة داخلية يستمتع بها ، حدثته نفسه بضحكة على رجل إياه إنه على حافة القبر وتجاعيد تكاد تلتهم ملامحه الغائبة ينفث دخان الفراولة وحبيبته ذات العشرين تتخايل راقصة أمامه ، يبدو أن الفتيات هذا الزمان يفضلن رجال من هذا النوع يدفع ويدفع كآلة صرافه متحركة فلا متعة تضاهي متعة ملاعبة مراهقات حسناوات ! ذلك جليّ على وجهه المنطفئ شحوبا من ملاحقة المراهقات ، كما أن عينه اليسرى ترمش بشكل مريب ، ترك الرجل المسن مع خيال حبيبته ، جاءه النادل حاملا معه صينية عليها كأس من الماء وقدح من الشاي (كَرَك ) ، تذكر صديقه القديم " بو راشد " المنعوت بالبخيل كان إذا ما شعر بالعطش فإنه يطلب كل شيء إلا الماء ، وإذا سئل عن السبب فإنه كان يجيبنا بقاعدته العجيبة " بأن الماء يحضر مع القائمة مجانا أما إذا طلبته أنا بنفسي فمعنى ذلك سأدفع ثمنه من جيبي ..!

" وكثيرا ما كان يردد قوله تعالى الذي حفظه عن ظهر قلب: ( ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين ) ، وكغيره من الذين تظاهروا بالزهد في الدنيا وُورِيَ في قبره أما ثروته الضخمة التي وصلت الملايين يتمتع بها غيره الآن !

لكم آلمه عدم تمتعه بثروته ، رشف عدة رشفات من الشاي ، شعر بأن رأسه قد أعيدت له توازنه، نظر من حوله ، حيره الصمت المستبد على المكان ، يبدو أنهم ضجروا من الكلام والثرثرة طوال النهار ،والغريب في الأمر أن كلا منهم اختار المكوث لوحده على طاولة خاصة دون رفقة تآنسه ..! أدار رأسه في كل الجوانب ثم رفع يديه وظهره مستند .. إنه التمرين الذي اعتاد ممارسته حين يجلس طويلا على الكرسي، رفع رأسه من جديد وقعت عيناه على شاب ذو تقاطيع وسيمة، كان طاولته زاخرة بمأكولات من شتى الأنواع، المشوي والبحري وسلطات متنوعة..الخ ، كان فمه ممتلئ وهو يحشوه بحبات من الكبة المقلية من الطبق أمامه ، تفَرّس في وجه مرة أخرى ، أطلق صيحته الداخلية : آها ، يبدو أن قاعدتي عن النساء كما استنجت آنفا صحيحة ، نعم ففمه يبوح بكل شيء ، إنه يعاني من أزمة عاطفية ، ويحاول حلّها وفكها من خلال الأكل ، على ما يبدو أن قصة حبه وصلت لطريق مسدود ، ظاهر ذلك من فمه المفتوح كالجرافة تقضم كل ما تراه .. تطحن ، تفرم ، تحطم ، تبلع ، تجرش ، تهرمش ، ببساطة تحول من آكل عاطفيا إلى آكل للأخضر واليابس .. البارد، الحار.. المالح.. والسكري، إنها مسألة خطيرة فعلا ـ أعانه الله ـ أما هو فيضل أن يحتفظ بنصيحة أحد الشعراء ( وعش خاليا فالحب أوله عنى.. وأوسطه سقم وآخره قتل ) ، لا يهم إنه لا يستطيع الاستغناء عنها سيعودان لبعضهما، حينئذ سينحف كشجرة سرو عندما يعود إليها مرة أخرى أما هي فحتما ستكون كشجرة بلوط ، إنها القاعدة المعروفة في عالم العشاق بعد الزواج " الرجال ينحفون كالعصا والنساء ينتفخون كالبالون " .!

رشف رشفات أخرى من القدح ، نظر إلى ساعته ، نهض من مكانه بعد أن دفع الفاتورة .. ألقى نظرة أخيرة على الجالسين في مقاعدهم أخرج من جيب قميصه بطاقات بيضاء دونت عليها عبارات بلون كحلي.. الدكتور صالح الأحمدي مستشاري لغة الجسد وخفايا الشخصية، سلمها بيد النادل وهو يهمهم : في الطابق الأول.. شقة رقم 3، ثم مضى في سبيله مودعا حيّيه القديم الذي فارقه منذ أكثر من عشرة أعوام..
مضى وصوت المؤذن يحيك نسيجه الدافئ على أسقف الحي الذي ما يزال غارقاً في أحلامه ..

الأحد، 23 أغسطس 2009

الساكنات في قلوبنا



الساكنات في قلوبنا



من يتكئ مثلي مساء كل جمعة وحدقتيه مصوبتان كفوّهة مسدس على قناة mbc1 وعقرب ساعته يزنّر رقاص مؤشره على إيقاع الحادي عشر .. سيعرف أن حديثي يشمل مسلسل درامي خليجي يحبطنا في نهاية كل أسبوع بحلقة أكثر إحباطا من أختها المعنون بـ" الساكنات في قلوبنا " ..


مسلسل محبط جدا ، تدلّت حلقاته بقيود خانقة على كل من عنق المرأة والرجل .. والمرأة كالعادة كائن حبيس كعصفور مسكين في قفص المظالم والتضحيات والقلب النقي التي تتنفس على أحلامها الموبوءة وأمانيها المقهورة ..
أما الرجل هو الوحش الهمجي والسفاح والظالم الذي عيناه لا تنامان ، السيد الذي تموء له المرأة بخضوع أمرك مطاع ..!

هذا السجل العتيق في تاريخ الجينات البشرية في تكرر مستمر كدورة الحياة فكل جزء منها يتمطى في نظام دقيق ومحكم وحريص ..
طوال تلك الأعوام والمجتمع يعيد ويكرر وينبش ما دفن وترسب ولكن مع كل جيل تجدد بحذاقة في سرد أسلوب النقاش والعرض بحيل مفبركة .. ولا تفعل غير ذلك حقا !
فعلى من سنلقي اللوم .. ؟!
هل سنشهر أصابعنا بحنق على الرجل بأنه الوحش الذي لابد له من ترويضه .. أم أننا سنضّخ حناجرنا بمستوى أعلى من الصراخ الذي استنفذ منه ما استنفذ في المطالبة في فك قيود المرأة ..؟!
أم سنقف محايدين حتى تتساوى كفّة الميزان بين الطرفين ، فنعلل بأن الرجل يتصرف على ذاك النحو حرصا منه على أنثاه .. أو نعلن إن المرأة من حقها أن ترسخ وجودها في المجتمع بقواعد معينة ؟


فعبر أحقاب تاريخية ماضية كان الوضع الفطري يصنف المرأة بأنها الجارية التي تقيد بالأصفاد وتجر من عنقها شهية البياض والنعومة بأيد جلادين بلا ذنب ؛ سوى أنها إغراء يهدد سلامة المجتمع الشرقي المحافظ .. وهو ليس بالشيء المدهش وتاريخ مكرر يتكرر بأشكال وتحت مسميات مختلفة تتخفى في زي تنكري تستدعيه الحياة المتطورة ... لكن تبين في وسط دهشتنا أن " الرجل " أيضا يجرجر بالأصفاد ذاتها و للأسف هنالك جوقة من الرجال مقيدين حقا ..!


الرجل كائن بشري وجد نفسه في مجتمع مضمخ حتى أعلاه بالقيم الاجتماعية المتسلسلة ببعضها في دوران لا نهائي .. في دوران محكم الأقفال .. وثمة صوت أعلى منه يأمره بالرجولة المنفوخة بالعنف والقسوة والسيطرة ، فإن عصا غدا فأرا وإن ترققت مشاعره أحتقر إلى قائمة بلا شخصية ..!


إذن الرجل مكبل مثله مثل المرأة تماما .. فلماذا نحاكمه بالمقصلة وحده في هذا الواقع المطوق بالمتاريس ؟!
والرجل ليس ملام حين يتصرف على ذاك النحو ؛ لأن تلك التصورات الخاطئة حفرت فيه منذ خشونة أظفاره فانتشر فيه السوس .. فما نتيجة سعي المرأة إلى الخروج من أقفاص والمطالبة بالحرية إن كان العقل الذكوري مبرمج على تفكير آلي كهاتف محمول درج على تقنية ثابتة ..؟!


مازلنا نبرر قولنا في كل مرة بأن الوعي هو هدف تلك الدراما المعروضة .. وهل بعد ذاك الكم الهائل من العرض عبر تلك القرون أفلحنا في إعدام سوء الظن على مستوى الأجيال ؟!
المجتمع ككل متآمر على ترسيخ تلك الغمزات اللاذوقية في الحدود الفاصلة بين الرجل والمرأة والتي لوثتها إكراهات الموروث وأصفاد التناقضات التي تتصافح بأيد مرفهة بقفازات الرياء .. حتى في مجال الإعلانات التجارية دائما تسعى إلى تشييء المرأة كدمية والتي تثير شبق الرجال .. فلماذا هذا السعي الملّح على حفر مثل هذه الصور المتكررة وتحطيم مُثل الثقة المتبادلة بين الرجل والمرأة ..؟!
ثمة عقد اجتماعية متوارثة لا غرض منها سوى أن تكون البنت كأمها وجدتها ويكون الرجل كوالده وجده كساعة مهما طرأ تغيير على شكلها الخارجي تبقى عقاربها لاهثة بالطريقة المكررة نفسها ..!


فالمجتمع العربي وكما عبر المستعرب الشرقي الياباني " نوبوأكي نوتوهارا " في كتابه " العرب من وجهة نظر يابانية : " مشغول بفكرة النمط الواحد على غرار الحاكم الواحد ، والقيمة الواحدة والدين الواحد وهكذا ، ولذلك يحاول الناس أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم ، وتحت هذه الظروف تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين ، أعني يغيب مفهوم المواطن الفرد لتحل مكانه فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد ، في هذه المجتمعات يحاول الفرد أن يميز نفسه بالنسب كالكنية أو العشيرة أو بالثروة أو بالمنصب أو بالشهادة العالية في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود القمع وتذوب استقلالية الفرد وقيمته كانسان يغيب أيضا الوعي بالمسؤولية " ..


كثير من النساء تشامخن إلى أعلى مراتب الوظائفية مثلها مثل الرجل ، لكن هل كفّ الرجل عن ممارسة تسلطه عليها ؟
ماتزال أعداد مهولة من النساء يعانين على أيدي الرجال على كافة الأصعدة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية .. فهل مراكزهم الوظيفية فعلت شيئا ؟
وإن فعلوا كان فعلهم بإتباع سياسة الإكراه .. وليس على أساس من الود الإنساني والتفاهم .. أي أن الرجل لم يفعلها عن طيب خاطر وتفهم منه .. بل ربما خضوعه كان يقنِّع وراءه دوافعا شخصية ..!


المطلوب أن يعامل كلاهما آخره بإنسانية مطلقة على دعائم التكامل لا كمنافس لابد من قهره ، فلكل منهما أحلامه التي يسعى لتحقيقها ولكل منهما أحاسيسه وطموحه وأهدافه في الحياة .. والكف عن الضغط الوعظي الذي يتقاذفه كل طرف على الآخر بطريقة همجية ..
هنالك صراع مخيف بينهما في تصاعد بركاني تتسارع خطواته ولا تبطئ .. تتسع ولا تضيق .. ثمة فوضى أخلاقية تتبهرج في عرض مفاتنها .. فغرت فوهة التأرجح المضني الذي سبرنا فيه دون أن نحدد مسارنا بين أحكامنا الأخلاقية الصميمة والأحكام الاجتماعية المتوارثة حتى وقعنا في فخ التناقض .. !


المجتمع ليس بحاجة إلى تحرير لا المرأة ولا الرجل .. قبل تحرير ذينك الجنسين يجب تحرير الأفكار المتعفنة المتكئة على ترسبات ديناصورية التي تجتر تعاليمها كشيء مقدس لا يمكن الحياة من دونها ..
السر في القلب هذا العضو العضلي الممتلئ بالحجارة ، هذا العضو الذي يحلم بالشمس ونفض الغبار وخيوط العنكبوت التي تشابكت حوله كغابة مهجورة تغصنت فيه الأحاسيس كفروع متخدرة مشلولة لا روح فيها .. فعندما نضخ الحياة في القلب سيطلق أحاسيسه بعفوية دون رهبة سرعان ما يضخ طاقة هائلة في الأدمغة التي كانت معطلة عن التفكير الإنساني كجبل هامد .. إن مجتمعاتنا بلا عافية ؛ لأننا لا نعرف كيف نحب كما عبر الشاعر نزار قباني .. ينقصها الرحمة والرأفة ، بل ليس لديها ما يكفي من الدين ليجعلهم على وفاق مع بعضهم البعض ..
المطالبة بالكف عن ترميم القيم الاجتماعية المحنّطة .. إن التلميع يعلو كل شيء سوى المشاعر الإنسانية يتفشى فيها الصدأ يوما بعد آخر ..
المطلوب ترقيع منطاد الثقة التي انفقأت فتخبطت في فوضى السقوط .. نحن نعيش في مجتمع مطارد بالشك بامتياز .. أشرك بغرسه في تربة عقولها كلا الجنسين بلا تبرئة أي منهما ..


فالأم على سبيل المثال في بريطانيا تقول لابنتها التي تسير في الشارع : ( انتبهي وأنت تسيرين في الشارع ، فأنت لا تعرفين من هو الرجل الذي ستقابلينه عند المنعطف فقد يكون ذلك الرجل هو فارس الأحلام ) .. والأم في خليجها إلى محيطها تقول لابنتها التي تسير في الشارع : ( احذري وأنت تسيرين في الشارع ، فأنت لا تعرفين الرجل الذي ستقابلينه عند المنعطف فقد يكون دنيئا وقد يخطفك ويغتصبك ) ..!
وكل جيل يترعرع على الاستفهامات نفسها : لماذا الرجل مطارد بسوء الظن دائما ؟ هل حقا هو كائن متوحش ؟ ولكن ماذا عن آبائنا واخوتنا وكل رجل قريب لنا أو تعاطينا معه ؟ وهل حقا المرأة مصلوبة أبدا على سجية السقوط في مستنقع الرذيلة بسهولة ..؟ هذا ما يدعى بسياسية التعميم المرضي التي ماتزال مترئسة بجدارة في برمجة عقول الشرقيين .. فيتفاقم من جيل إلى جيل بالتوارث دون أن نحرك ساكنين .. !

ثمة خوف .. فالرجل الذي يكون كالخاتم في يد المرأة ، لا يكون كذلك إلا بدافع خوف .. والمرأة التي تكون جارية في يد الرجل لا تكون إلا بغريزة الخوف الذكوري المتسلط عليها كذلك .. !


ثمة جهل .. ومعظم الذين تتصف أدمغتهم بالجهل هم طبقة المتعلمين للأسف ، الأميّ أكثر مرونة في التقبل من المتعلم حامل درجة دكتوراه .. فالأول ينطلق من بساطته والأخير من دكتاتورية الأنا ..


إنها أنفاس حق لدعم المجتمع الأسري على قواعد الثقة وأسس الحب والتأثيث النقي .. بعد نبذ التورية الاجتماعية وردم الأفكار الجاهزة التي يرتوي عليها الأجيال بالتناوب فالكل يلج من الدهليز نفسه ويتوه فيه دون الجرأة بإسدال القناع عن حقيقة قذارتها ؛ من أجل بناء جيل جديد له رؤاه وحريته و التحرر هنا لا يعني تحررنا من أخلاقنا وثيابنا وعاداتنا والمثل الاجتماعية الأصيلة ، بل التحرر هنا مصلوب على الآلية في ممارسة قوانين اجتماعية متوارثة تخلو من أي معنى انساني .. تحرر العقول المحشوة بالأفكار السلبية التي ليس منها غرض سوى أنها تعلن تعبدها للأزلام الجاهلية التي عفى عليها الدهر والتي ما تزال تؤدي فروض طاعتها بصورة ساذجة تتكشف عن هشاشة أصحابها وتناقضاتهم .. لنعبّد ذاك الدهليز وليكن الطريق أمامنا فيسحا باستقامة كالصراط المستقيم ..

الجمعة، 21 أغسطس 2009

عابرة



عابرة


" فأقنع نفسي :

بأن المسافات ، كذب خطى

والصداقات ، كذب أنيق

والنساء الجميلات ، ............

تكرار آه "


عدنان الصائغ


من ديوان " غيمة صمغ "

الاثنين، 17 أغسطس 2009

رائحة الأنفلونزا


رائحة الأنفلونزا

13

فكرة خارقة عن عاداتي التي احتفظت بأصالة روتينها حتى الآن ،

في أن أقضي نهاري بطوله وعرضه في مقعد لا أتزعزع عنه كسجين مربوط بقيد ،
لكنها فكرة معجنة بالاختراع .. والحاجة اللئيمة هي التي خضعتني لذلك ..!
ولكن لا بأس من المجازفة أحيانا ..
في الماضي حين كان المطر يرقص رقصته الشهيرة مع الغيمة ،
كان ذلك سببا كافيا بالنسبة لي للبقاء كتمثال شمعي ،
حتى يأمر الله السماء بعقم مؤقت عن الحبل ..
أو حين يرتسم على وجه النادل عبارة : ( عفوا سنغلق ) ..
ولكن الآن فكرة السير و الخنازير تبخ الأرض من حولنا برائحتها النفاذة دون كمامة واقية مرعبة جدا ؛

لعل من محاسن نعاتي العتيقة هو أنني لا أحبذ مصافحة الناس باليد ،
إضافة إلى الجلوس والفضفضة معها كذلك ..
وهكذا لن أكون شاذة عن هذه القاعدة على الأقل في هذه الأيام ..
بفضل سيرة الخنازير السيئة ،
والتي على ما يبدو سأدين لها كثيرا شريطة أن تبقي رائحتها بعيدا عني .. !