الخميس، 3 سبتمبر 2015

الديانات السماوية الأربع ..!

الديانات السماوية الأربع ..!

في فيلم من أفلام المصرية القديمة ، يعود لزمن الأبيض والأسود ، يفصله عن زمننا الحالي أكثر من أربع وخمسون سنة ، في مقطع من هذا الفيلم تقول الزوجة المسيحية التي اسمها في الفيلم " لويزا جورج " لزوجها المسلم بعد الانتهاء من صلاته : " حرماً " ..
 فيرد عليها الزوج الذي أدى دوره الممثل " حسين صدقي " بكل عفوية وبساطة : " مقدرش أقول لك جمعاً ؛ لأن جمعاً معناه أننا نصلي سوا في الحرم وده معناه أنك تكوني مسلمة وأنا مش أقدر أوجهّك توجيه خاص في الموضوع ده بالذات " أي بمعنى أنه لا ولن يتدخل في أمر ديانتها فهو شأنها الخاص ، شأنها مع ربها وحدها ..
ياااااااه ..!
حوار جرى في القرن الماضي ينم عن حرية حقيقية في نبرة الزمن نفسه ، ذاك الزمن الجميل ، المريح ، الشفاف والنقي ، حيث كان المسلمون والمسيحيون ، وحتى اليهود ، يعيشون في قرى وحارات نفسها ، وتسود بينهم أواصر المحبة والاحترام ، وكانوا يدركون تماما معنى السلام الروحي مع الآخرين ، أولئك الذين يختلفون معهم في الدين ، فالدين هو شأن العبد مع ربه ، حيث الأجيال السابقة الذين أدركوا تماما هذه الحقيقية الربانية وآمنوا بها بكامل أرواحهم ، لذا عاشوا في سلام حقيقي ، سلام واقعي بكل معنى الكلمة ..
لكن الحقيقية نفسها ، الحقيقية الربانية التي أقرها الله عزوجل في كتابه منذ عهد نزوله عن حرية الإنسان في اختيار دينه " ولا اكراه في الدين " هذا المبدأ نفسه الذي جاء صريحا في القرآن الكريم ينكره أولئك الذين يدّعون بأنهم مسلمون ، أولئك الذين وضعوا أنفسهم مكان الله ؛ ليحاسبوا الآخرين على شأن هو خاص بالله وحده ، إله هذا الكون وخالقه ..!
ما يشغل عالمنا العربي في الوقت الراهن هي قضية المذهبية ، القضية ما عادت بين دين ودين آخر فحسب بل نحتت فتنتها بعمق مرعب ليستحيل الصراع العربي إلى قضية مذاهب ، وفي خضم هذا الصراع الذي تجذر في كل شيء واقتحم حتى أدق تفاصيل الحياة ، قرأت تعليقا للصديق الشاعر والمترجم السعودي " عبدالوهاب أبو زيد " من وقت قريب على حسابه الاجتماعي ، تعليقا بقدر ما ينم عن مرارة وحسرة بالقدر نفسه تستصرخ عن حقيقة فاجعة يمر بها عالمنا العربي : " الديانات السماوية ليست ثلاث بل أربع هي اليهودية والمسيحية والسنة والشيعة ، هذا ما يسعى لتحقيقه الحمقى والمتعصبون من حيث لا يعلمون " ..
نحن نعيش في أزمة طائفية واقعية شئنا أم أبينا ، مهما حاولنا طمسها تطفو إلى السطح عبر ممارسات حمقاء لذوي العقول المطموسة عن الفكر السليم ، وعن قلوب سيطر عليها سواد أعمى ، فما عادوا يرون سوى هذا الخلاف المذهبي ، ولن تفلح الدعايات الفاقعة التي تحاول اثبات الود بين أصحاب هذين المذهبين ، فالمذهبية والأفكار الطائفية لن تنقرض عن وجودنا ، عن حياتنا ، عن فكرنا و قلوبنا ، وعن يومنا حتى نكف عن التحدث عنها ، حتى نكف عن طرح صور و مقاطع و جلسات مدعية انسجاما بين هذين المذهبين بينما الدماء تفيض وآلاف من الضحايا يدفعون الثمن ؛ فكل تلك التفاصيل الدعائية المعروضة ما هي سوى تأكيد أحمق على الخناق والنفاق المذهبي الذي تعيشه مجتمعاتنا ، لم يحتاج ، ولم يسع الأولون _ أصحاب الزمن المسالم – لتلك الممارسات التمثيلية التي لا تخلو أكثرها من الإدعّاء كي يثبتوا تعايشهم الحقيقي في زمن كانت أفكارهم نظيفة وقلوبهم نقية بحب الإنسان الآخر بكل اختلافاته الدينية ..!
لن تنقرض المذهبية ولن تموت تلك الأفكار الطائفية حتى يسود الوّد السياسي على صعيد الأنظمة والحكومات ؛ لأن المذهبية ما عكر صفوها بين أصحاب المذاهب المختلفة سوى تلك المشاحنات الدولية بين أصحاب الدول والحكومات ، المذهبية لم تظهر ولم يعرف بها أصحاب الأجيال السابقة ؛ لأن رجال الدين كان همهم الدين نفسه ونصرته وبثه بين الناس بكل ترحاب ، بينما اليوم لا رجال في الدين بل هم تجار في الدين إلا من رحم ربي ، أولئك الذين من على منابرهم يحرضون على سفك دماء أصحاب المذهب الآخر كأن قتل النفس البشرية مباح ، كأنها ليست كبيرة من الكبائر التي حرم الله - عزوجل - حتى أن المسألة صارت منافسة وحشية ، دموية وغاية في العنف ..!
لن تنقرض المذهبية ولن يفنى الاحتقان الطائفي طالما تحقن عقول الصغار بسموم المذهبية ، طالما معظم أولئك الآباء يعصون الاختلاف و يعبدون المثيل و الشبيه ، وحين يغدو التعاطي الإنساني مع الآخر المختلف مثار الشُبهة ..!
لن تنقرض المذهبية وستبقى الأفكار الطائفية مطبوعة في الأفئدة طالما بعض المناهج الدراسية تسقط مبدأ الاحترام مع الآخر المختلف في التعبير عن اختلافه ، طالما تلك المناهج تلغي حق الآخر وتقصيه بعيدا كما لو أنه مرض معّدٍ يجب تجنبّه ..!
علاج المذهبية يكمن في قلوبنا حين نغذيّها بحب الآخر ، ستموت الطائفية حين نقتل شيطانها في عقولنا ..!

ليلى البلوشي

بوكوفسكي شاعر البيرة والنسا والكسل ..!

بوكوفسكي شاعر البيرة و النساء و الكسل ..!

انفتحت على عالم الشاعر والروائي الأمريكي من أصل ألماني " تشارلز بوكوفسكي " من ديوانه الشعري الذي ترجمه الشاعر " سامر أبو هواش " إلى العربية عبر مشروع كلمة للترجمة عام 2009م ..
النصوص الشعرية التي تألقت في عنوان لافت وملعون " الحب كلب من الجحيم " ذيلها المترجم بمقدمة مؤثرة عن الطفولة الشاقة للطفل " بوكوفسكي " الذي عاش تعيسا في ظل والده العاطل عن العمل ، والذي كان يفرغ نوبات غضبه بالشتم واللكمات مما جعله يبغض والده بل يشكر الرب لأنه زهق روحه وأراح العالم – عالمه الداخلي - من شرّه ، تلك الأبوة التي اسقطت حقها من الحب و التوقير و الاحترام في قلب الطفل " بوكوفسكي " حين أسقط دوره الأبوي بفجاجة مقيتة ..!
" بوكوفسكي " الذي عرفته أكثر كشاعر عصيّ على الوصف من خلال مدونة " معطف على سرير العالم " للمترجم والشاعر الشاب " محمد الضبع " حين سمعت لأول مرة صوت " بوكوفسكي " شعرا من خلال نصه الشعري الشهير " لا تحاول " وهي الكلمة نفسها اختارها كي تنحت اصراراها على شاهدة قبره ، وكأنها تعويذة إلى قلبه ، ولعل ترجمات الشاعر الشاب " الضبع " لعبت دورا هائلا في لفت أنظار كثير من الشعراء والقراء - الشباب - نحو عالمه الشعري المغرق في العتمة والنساء الجميلات وكؤوس البيرة ..
يلقي قصائده الشعرية بعاطفة تهطل كالفيضان دفعة واحدة ، يكمن ألقها المكثف في عفويتها ، بفجاجة يلقن تعاليمه وهو الذي لا تعاليم له ولا الوصايا ، حياته التي تسيّرها قنينة بيرة فهو لا يلقي الشعر دون قناني البيرة التي يغدقها عليه منظمو الأمسية أو حتى الجمهور ، الجمهور الذي يهيم مع سكرته و صوته الشعري الذي يتجسد فيه العنفوان الهائج كلما تدفقت البيرة في دمه دفعات هائلة حتى ندر أن تجد له صورة فوتوغرافية بلا كأس خمرة في يده ، وقد برر حال سكرته الأبدية قائلا ذات مرة : " كان من الجيد أن أشرب وقررت أنني أحب هذه الحالة فهي كانت تبعد الواضح عني ، وربما إذا استطاع المرء بما فيه الكفاية الابتعاد عن الواضح فلن يعود واضحا هو نفسه " ..
و من خلال المترجمة السورية " أماني لازار " وعبر مدونتها الإلكترونية الخصبة بجماليات في الأدب والفكر العالمي المترجم التي تحمل عنوان " الأماني " اقتربت من عالم " بوكوفسكي " القصصي ، سرده الآسر ، جمله تلك التي تنطلق كدعامات حكائية ، وعيه ، لعناته ، ونساؤه ..
الكتابة القصصية التي حفرت إبداعها في ذهنه في سن مبكرة من حياته ، حين كان في ربيعه الرابع والعشرون ، غير أن تقلباته في وظائف متعددة لكسب المال جعله يتخبط كتابيا ، ولكنه بعد أن قدم استقالته كساع للبريد من مكتب البريد وكان حينها في 49 من عمره ، عزم ورغم كل الظروف غير المضمونة ، فلا شيء مضمون في عالم الكتابة أن يتفرغ كليا لعالمه المجنون الكتابة أو كما يحلو له التعبير لكل من يسأله عن وظيفته أو عن مبعث مطاردة النساء الجميلات له " الدق على الآلة الكاتبة " ، وكان هذا تحديا عظيما ومنعطفا في حياته من موظف ملتزم بدوام يومي وراتب شهري إلى كاتب ملعون برتبة كسول وراتب يعتمد على وضعه الكتابي ولا شيء آخر ، هذا التحدي جعله يكتب رواية " مكتب البريد " بعد شهر من استقالته وقد نقلتها المترجمة " ريم غنايم " وهي أولى رواياته التي ترجمت إلى العربية ..!
من يغطس في عتمة عالم " بوكوفسكي " سيتعرف على طباعه النفسية ، وعلى أنه كائن يحيا في عالمين ، منقلب ما بين الواقعية الموجعة التي تفاقمت بعد طفولته التعسة مع وجهه الذي لحقه التشويه في أكثر مراحل الإنسان صدمة زمن المراهقة ، تلك الحبوب جلدته بقسوة عنيفة فخلفت ثقوبا في تقاطيعه حتى أنه كان ينعت نفسه بالبشع ، تلك الدمامة التي استعاض عنها بالكتابة ، الكتابة هي حل مؤقت لأزمات الروح ، الكتابة هي انتصار ضمني في عالم متوحش ووحشي وعالمه الخيالي المفرط في حميمية الجسد والبيرة والنساء ..!
على الرغم من تلك الدمامة كان " بوكوفسكي " شاعرا محاطا بالنساء أو هكذا يخال لكل من يتطفل على عوالمه الكتابية شعرها وسردها ، وقد تزوج أكثر من مرة ، ولعل روايته الأخيرة التي ترجمها " شارل شهوان " إلى العربية من منشورات الجمل المعنونة بـــ" النساء " تكشف جل علاقاته وغرامياته بالنساء في حياته ، الرواية التي تفيض بإيروتيكية ، بشهوة فاضحة ولكنه نكهها بسخرية فاضحة أيضا ، حتى يعتقد قارئها بأنه يعطي دروسا مجانية في عالم الجنس ، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحات الرواية عن الجسد الطافح بالشهوات ، عن نساء حسناوات ، التقى بهن " بوكوفسكي " في حياته ، صلاته بالنساء الجميلات و البشعات والكبيرات والصغيرات و الشاعرات والمومسات توثقت أكثر حين أصبح شاعرا ، تلكم النساء كان يحولهن بعد شهوة الجسد العنيفة إلى كتلة كتابية متفجرة بلغم الكلمات و غزل العبارات ، الشاعر الذي يبقى وفيا رغم عن كل خياناته لجسد القصيدة وحدها ، يفرغ فيها معالم الحياة التي يخوضها بجنون كائن استثنائي ..
ولكنه وعلى الرغم من ذلك لم يخل من عقدة الضعف تجاه النساء المحترمات وحدهن دون بقية النساء اللواتي كان يجدهن في بحثه الحثيث عن رغبة مشبعة " النساء المحترمات كن يرعبنني ؛ لأنهن في نهاية الأمر يردن الحصول على روحك وما كان تبقى من روحي كنت متمسكا به ، كنت بشكل أساسي أرغب بشدة المومسات ، النسوة الفاجرات ؛ لأنهن كم مهلكات و قاسيات وما كن يطالبن بأي متطلبات شخصية ، لم تكن تخسر شيئا إطلاقا حين يغادرن " ..
كان يتقلب من امرأة إلى امرأة ، بالأدق كن النساء ، المزيج منهن ، يتقلبن في فراشه ، تلك العلاقات التي لم تعرف معنى الدوام ، ربما لأنها كانت تنبع من حرمان الروح ، علاقات جسدية تخلو من الحب الحقيقي دون أن تفقد شبقها في نبش رغبات ممنوعة ، فهو لم يحب في حياته سوى امرأة واحدة أو امرأتين ، ذلك الحب الذي حين يخسر روحه النابض فهو يستعيض عن الخسران الهائل في روحه بمحاولات تعويض تعبر أجساد شتى منهوكة ، مستهلكة و ساقطة من معنى إنساني ونبيل ، ولعل ذلك نابع من يقينه بأن علاقات البشر مهووسة بالسادية والمازوشية وتماهى ذلك بقوة في شخصيته المضطربة وتعاطيه مع النساء من حوله عبر اعترافات عن أدق تفاصيل النساء اللواتي عرفهن في حياته والتقاهن ، و رواية " النساء " تشهد على تاريخه الفاضح في عالم معجون بعرق النساء و فروجهن ..!

ليلى البلوشي


الأربعاء، 15 يوليو 2015

حرب على معالم الحياة والإنسان ..

حربٌ على معالم الحيّاة والإنسان ..!

يبتدئ الروائي الأمريكي " بول أوستر " كتابه السيرة الذاتية الذي يقع تحت عنوان " حكاية شتاء " بعبارة تجسّد موقع الإنسان منذ ولادته قائلا : " صحيح أن باطن قدميك مثبّت على الأرض ، لكنكلما تبقى منك معرّض للهواء" ..
فيزمن الحرب و العنف والقتل المجاني أصبح الإنسانلا سيما - العربي - ليس معرّضا للهواء فحسب بل صار معرضا لجميع أنواع التعذيب ، والقتل ، والتعدي و الاغتصاب ، وسلب وطنه ، وبيته ، وأرضه ، و روحه ، جلّ ما يملكه أصبح مهددا ، معرّضا للشّتات والضياع والتيّه ..!
في الوقت نفسه والزمن التعس نفسه ، صار مستبدوا الموت ، يتفننون في زهق أرواح مختطفيهم ،  فها هي داعش التي انبثقتمن حضيض الأرض حاملة معها لواء الموت ، الموت هو الفعل الوحيد الذي تمارسه منذ زحفهم كالجراد في بقاع الأرض ، فبعد جزّ الرقاب بالسكين وعرض الرؤوس البشرية أمام الملأ ، صارت تأتي الموت وتدعوه بطرق وأساليب غاية في الخسة والدناءة ، تظهر مدى الحقد الكامن تجاه كل معلم من معالم الحياة والإنسان ، فمن ضمن ما نشرته حسابات موالية لتنظيم الدولة صورا لطرق موت جديدة يتبعها التنظيم في إعدام المحكومين بهذه العقوبة ، ليتراوح التنفيذ ما بين الغرق إلى الحرق وصولا إلى التفجير ، ومنها أن يركب المحكوم عليه بالموت سيارة ثم يتم استهدافها بقذيفة RPG ، وصور أخرى يوضع فيه المحكوم عليهم على نسق واحد وتلغيمهم ليتم تفجير العبّوات بأجسادهم فيهلكوا حرقا وتمزيقا ..!
وكأن مستبدي الموت ينتهجون أساليب الموت نفسها في عنفها وشدتها وقسوتها ، فأساليب داعش لا تختلف وربما تكاد تكون مستعارة من أساليب الرئيس الكوري الشمالي الذي سبق و أعدم وزير دفاعه بأسلوب غاية في العنف رميا بنيران مدفع مضاد الطيران ؛ لتتطاير جثته شظايا مدماه ، كما خصص لزوج عمته إعداما من نوع خاص ، حيث جرده من ملابسه وألقى به إلى 120 كلبا تم تجويعها لمدة ثلاثة أيام ، والتي استغرقت أكثر من ساعة وهي تنهش لحمه وعظامه ، هذا الرئيس الذي يقتل لأسباب غاية في الحمق مثلها مثل داعش ومعظم المستبدين في العالم الذين يخترعون أسبابهم لقتل ضحاياهم ، لسحق روح بشرية حرم الله قتلها ، لكن في زمن الموت المجاني أصبح الموت رخيصا ، برخص قيمة الإنسان نفسه ، وصار الموت عنيفا ، ومتوحشا ، وبشعا ، وجماعيا ، يشمل الصغار والكبار ، النساء والرجال ، فسفاح الموت صار يلاحق دم ضحاياه بشبق مجنون ..!
وبعد أن أصبح الموت الجماعي يزهق مئات الأرواح في مجمع تجاري أو ملهى أو أماكن الفواحش كما كانوا يبررون وهم يسحقون الأرواح ، صارت فاجعة الموت اليوم في داخل أطهر أماكن الكون قاطبة و أكثرها أمانا ، صارت في المساجد التي يذكر فيها اسم الله عزوجل ؛ فبعد حادثتي مسجد العنود والقديح في السعودية ، الفاجعة بالفعل الإرهابي عينه تفجع الكويتيين في يوم الجمعة الماضي بتفجير انتحاري نفسه في أحد مساجد الشيعة وزهقت أرواح المصلين وهم ساجدون لله عزوجل ، وصائمون ، وفي يوم مبارك كيوم الجمعة ..!
 في اليوم نفسه جاء الموت جماعيا ليزهق أرواحا عديدة ، في كل من تونس و فرنسا ، تجعل الكلمات هي أيضا تعلن حدادها في حضرة موت هؤلاء الأبرياء ، لا ذنب لهم سوى أنهم تواجدوا في أماكن كان فيه داعش الموت يحوم بمتفجراته متعطشا للدم ..!
وهنا لا أملك سوى أن استعير تغريدة الشاعرة " سعدية مفرح " تعليقا على خبر تفجير انتحاري داعشي نفسه في مسجد الإمام الصادق في الكويت وانفجاران آخران استهدفا تونس و مصنعا في فرنسا : " عندما تستهدف داعش بيوم واحد ؛ مسجدا في الكويت وفندقا في تونس و مصنعا في فرنسا ؛ فإنها تعلن الحرب على كل عناصر الحياة : العبادة والعمل والترفيه! " ..

ليلى البلوشي

في حديقة حمود الشكيلي ..

في حديقة حمود الشكيلي

حين أعود إلى طفولتي كتلميذة ، فإنني لا أتذكّر من المنهاج المدرسي شيئا ، ولعل ذلك أمر طبيعي تماما ؛ لأن تلك المناهج ليست للتذكّر بقدر ما هي معرفة القواعد ، المعرفة التي ترسبت في حيز ما من أعماقنا ، لكن ما يذكر وما نتذكّره حقا هي الكلمات ، النصائح ، التوجيهات ، الوصايا ، الإرشادات ، نبرة معلم حكيم و معلمة حكيمة ، مهما تباينت تسمية ما يقوله المعلم وما تقوله المعلمة من خارج المنهاج الدراسي هو ما يترسخ حقا في أعمق حيزّ من قلب الذاكرة ..
حين أعود إلى تلك الطفولة العتيدة أتذكّر عبارة معلمة اللغة العربية حين شاع في جيلنا قراءة روايات عبير المترجمة ، التي عُرفت بأنها تحوي على عبارات وكلمات غير لائقة – كما كنا نسمع من الكبار – حتى أنها كانت ممنوعة في البيت وفي المدرسة أيضا ، ومن كانوا يجدون بحوزته رواية من إحداها كان يعاقب كما لو أنه اقترف إثما ، وحدها معلمة اللغة العربية لم تر في قراءتها أي غضاضة بل وضحت بعبارة ذات مغزى نبيل : " اقرأن كل شيء طالما الوازع الديني موجود " ..
ومذ يومها صرت اقرأ كل شيء ، المرغوب والممنوع من الكتب ، لعلني كنت بحاجة إلى تلك العبارة التي قالتها معلمة اللغة العربية كي انطلق بجسارة إلى عالم الكتب والقراءة ؛ فالمعلم هو دائما قدوة ، وجل ما يقوله مقدس ومن هنا اكتسب المعلم مكانته الراسخة في معظم دول العالم لا سيما الدول الحديثة ..
اليوم وأنا أتأمل كتاب " شعلة حديقة الكلمات " التي جمعها و أعدها وقدم لها الكاتب العماني " حمود حمد الشكيلي " أكاد أجس تلك الشعلات التي أطلقها المعلم " حمود " في شرايين طلابه وطالباته ..
فكرة هذا الكتاب تذكرني بتجربة المصور الأسترالي " جيمس موليسون " الذي أخذ على عاتقه تأليف كتاب يكون عنوانه " حيث ينام الأطفال " يحكي تفاصيل غرف الأطفال ومكان نومهم في سعيٍّ جديد من نوعه ، و من خلال كاميرته وثق تجربة آسرة لعدد من الأطفال عبر العالم المترامي ، هناك في أوطانهم ، الثرية منها والمعدمة ، المخملية لبعضهم والمتعثرة لبعضهم الآخر ، كوّن من خلال كتابه ظروف الحياة التي يحياها الأطفال في بيئاتهم ، تغدو لمن يطالع الكتاب مع ملصقاته كصلاة تأملية طويلة عن معنى الوجود وغايته ..
ونطالع في حديقة الكلمات للشكيلي قصص قصيرة جدا تناثرت كزهور الربيع بجمال ، تفاوتت درجات نضجها ، معظمها تفيض بالدقة والرصانة ، المثابرة في انتقاء الفكرة ، وإن جاءت أغلبها عفوية ، وهنا يكمن منبع جمالها الأخاذ ، تلك العفوية التي لا يتقنها سوى الصغار لعقولهم الغضة ولنفسياتهم التي تقبل على الحياة بكل محبة و حماس ..
من بعض لك القصص المتقنة كما لو أنها صاغتها أنامل كبيرة ، قصة " الفكرة " للطالب " محمد البادي " حين كتب : " سأل الطالب معلمه : أعطني فكرة قصة ، رد المعلم : إذا أعطيتك فكرة تكون ملكي " ..
أما في قصة " أكلت المعلم " للطالبة " سارة باعبود " فنجد الرؤية المجازية التي ختمت بها الطفلة أقصوصتها الذكية : " وعد المعلم طلابه بالحلوى ، لكنه في اليوم الثاني نسي الحلوى ، فأكل الطلاب المعلم " ..
وتتجلى الطرافة بكل أبعادها في قصة " نملة " للطالب " مروان العدوي " : " نملة صغيرة ، ذات جسم وعقل قادر على احتلال العالم ، لكن قدم الإنسان ثقيلة جدا " ..
والطرافة عينها يجسها القارئ في قصة " في السرير " للطالبة " سماء العدوية " التي تلامس واقعا يمر به معظم الصغار في سن معينة : " تسخر المثانة من المنبه ، تؤدي وظيفتها في الصباح أبكر منه " ..
وفي قصة " الفشل " تتجلى الطرافة مع الواقع أيضا على شكل أقصوصة حوارية من معين الطالبة " لينا طه " : " سأل الأب ابنه : لماذا رسبت ؟ فرد : من كان بجانبي لم يذاكر " ..
" شعلة حديقة الكلمات " حيث الحياة يمكن جدا أن تلتقي عناصرها الكونية في قصة قصيرة جدا من بضع كلمات متراصة بحكمة .. هو الكتاب الأول من نوعه من معين فكر الأطفال ، ولكن يكمن أهمية هذا الكتاب بأنه ثمرة حقيقية عن الجهود التي يبذلها المعلم في سنوات التعليم انتصارا للموهبة ، انتصارا للخبرة التي ترسخت في عقول الطلاب والطالبات بفضل معلم واعٍ وقادر على انتاج جيل ينطلق نحو التفكير الإبداعي و الإنجاز الفكري في مجالات الحياة ليس في الأدب فحسب ، وهنا تكمن وظيفة المعلم الحقيقي ..
اذكر مرة في حوار مع الروائية السعودية " رجاء عالم " أثناء نيلها جائزة البوكر العربية عام 2011م عن روايتها " طوق الحمام " اعترفت بأن اتصالها المباشر مع الأطفال نظرا لوظيفتها هو ما عمّق رؤاها السردية في الكتابة ..
اعتقد ومن واقع - تجربتي الشخصية - أن أكثر وظيفة تلائم وشخصية الكاتب هي وظيفة التعليم ؛ لأن المعلم سيتعاطى مع أرواح جديدة تنجب جديدها في كل عام ، ولأنه يكون على اتصال مباشر ويومي مع عقول و أطباع ونفسيات حقيقية تجسد الواقع بأشكال متباينة  ..

ليلى البلوشي

الأحد، 21 يونيو 2015

إيران التي في طنجرة ضغط ..!

إيران التي في طنجرة ضغط ..!

مذ عام 1980م وقع تبدل كبير جدا ومكلف للغاية في تاريخ إيران ، لم يكن التغيير الجذري الشامل على مستوى التسمية فحسب بل جر معه تغييرات شتى لم يكن المواطن الإيراني يتوقعها قط ، فبعد ثورة كونية قادها شباب متمردون حالمون بالتغيير ، شباب استطاعوا بتحديهم العميق على اسقاط نظام الشاه حاملين شموع أمنياتهم التي باتت على وشك الإنارة في محيط كان متعتما بالنسبة لهم ، لكن الشباب أنفسهم سرقت ثورتهم وأجهضت أحلامهم بعد أن ابتلعتها عباءات سوداء أحكمت قبضتها الحديدية باسم الدين ..!
في كل عام  من سنة 1980 م والإيرانيون يحتفلون بذكرى ثورة الخميني ، لكن مع مرور كل سنة يزداد عدد الكافرين بالثورة حتى أنهم بلغوا درجة الإيمان بأن الثورة الإسلامية كانت أعظم و أوجع نكسة تاريخية في حياة إيران والإيرانيين ؛ حيث عصابات الملالي سيطرت على إيران ، ودمرت البيئة ، وشوهت التاريخ والحضارة الفارسية ، ونهبت ثروات الشعب الإيراني المغدور ، بشهادة القادة العسكريين أنفسهم الذين شاركوا ودعموا الثورة الإسلامية إلى أن استولت على الحكم ، وبدأت بممارسة التصفيات الجسدية لآلاف من الشباب ؛ لأنهم نادوا بصوت الحرية والديمقراطية ورفع مستوى دخل الفرد ، أفجع أنواع التعذيب والسجن والقتل والنفي وكان محظوظا من نجا منهم هاربا إلى خارج إيران ..
وقد أسهب " محمد محسن سازكارا " أحد الذين شاركوا في تأسيس الحرس الثوري الذي ساهم في إنشاء هذه القوة العسكرية ، التي تشكل اليوم العمود الفقري لنظام الجمهورية الإيرانية ، يتحدث بحسرة معترفا بأن الزمن لو عاد به إلى الوراء لما شارك في الثورة ، و لأدرك بأن إسقاط نظام الشاه كان خطأ نتيجته كانت مكلفة للغاية للشعب الإيراني الذي كان يتمتع بحريات هائلة مقارنة بزمن الثورة الإسلامية في مجالات ثقافية واجتماعية ودينية وإن كان ثمة تضييق على الصعيد السياسي ..
ينظر الإيرانيون اليوم بكافة أطيافهم بمنتهى الوجع والحنين والخيبة أيضا إلى زمن الشاه و يلتمسون العذر لإخفاقات 36 سنة ماضية في مجالات التنمية والمعيشة والحريات في الغرب ؛ فقد كان شعار المتظاهرين حين حاولوا التخلص من نظام الشاه هو تحسين المعيشة والتخلص من التبعية الغربية ، هذه الشعارات اليوم ما عادت لها جدوى في ظل الضغوط التي يكابدها الشعب ، الشعب نفسه الذي حوله النظام الإسلامي إلى كائن مقموع يمارس تناقضاته على سبل شتى ليحصل على مقدار من حريته الشخصية المسلوبة ؛ فبعد ثلاثة عقود ونصف لم يتحقق منها شيء واختصرت الانتخابات البرلمانية والرئاسية فقط على الاسلاميين ، ولم تعد هناك أحزاب سوى تلك التي تنتمي للنظام ومستوى المعيشة تراجع كثيرا وعم البؤس ، حتى أن طهران و بقية المدن الكبرى هي مجرد بقايا مما بناه الشاه ، والثورة أصبحت مجرد نظام سياسي قمعي ..
الإيرانيون اليوم يمارسون الحرية على نطاق فردي وبعيدا عن أعين الرقابة التي يفرضها الملالي ، ومن يقرأ السير الذاتية والقصص والروايات ، وكثير من المقالات والمقابلات لفئات من الشباب والمبدعين والكتاب والشعراء والممثلين والمخرجين السينمائيين الذين يحاولون نقل صورة حقيقية بلا رتوش عن الواقع الإيراني الذي بلغ آخر درجة من التحمّل ، من تلك المقابلات ما قالته الكاتبة " سحر دليجاني " وهي كاتبة إيرانية من ضحايا الثورة الإسلامية ، حيث إنها ولدت في إحدى سجون طهران عام 1983م ، أسرتها التي كانت معارضة لنظام الشاه وحين سقط عارضوا الثورة الإسلامية للأسباب نفسها وقد دفع أهلها ضريبة معارضتهم غاليا ، قالت مؤخرا في معرض الدولي للكتاب في بوغوتا ما يختصر الحالة الراهنة في إيران : " إن الشباب الإيرانيين هم تماما بعكس ما يريد النظام أن يكونوا ، فهم مثقفون و حيويون ولا يمكن أن تبقى الأمور معهم على ما هي عليه " موضحة أن الدعاية المركزة للقيم التي تفرضها الجمهورية الإسلامية في المدارس فشلت في أداء مهمتها .. !
تلك الأجيال البريئة التي سكبت الثورة الخمينية في عقولهم الغضة بخزعبلات ، وغذّتهم بأوهام ، وفرضت عليهم أنظمة وقوانينا تستعبدهم وتمنع عنهم التفكير الحر كآدميين وكأجيال لا ذنب لها سوى أنها وجدت نفسها أمام قوى دينية لها أطماعها السياسية في الاستحواذ والتملك ..
مما لا شك فيه باتت إيران تشكل تهديدا في الوقت الراهن على الصعيد الاقليمي والعالمي ، هي التي لا تكلف عن التمدد في العراق و سوريا واليمن و أفغانستان ولبنان ، تواجه اليوم تحديات وضغوطات هائلة من الخارج والداخل أيضا ، في ظل وعي شعبي أصبح يتصاعد مع كل عام من عمر ثورتهم ، فشباب الجيل الجديد ضاقوا ذرعا بسياسة القمع وما عادت مفاهيم الإمامة ، والخلافة ، والقيادة ، و صكوك الجنة والنار أو حتى التبعية الغربية تشكل لديهم فارقا اليوم بل حق تحسين مستوى المعيشة هو أهم مطلب من مطالبهم و لاسيما حين أدركوا أن سعر لتر البنزين في إيران في عهد الشاه كان تومان واحد فقط ، بينما اليوم في عهد الملالي أصبح سعر اللتر 1000 تومان كما ذهب حساب " شؤون إيرانية " في تويتر ..
وهكذا يقارن الإيرانيون بين النظامين بخيبة كبيرة و حسرة قد تستحيل إلى قنبلة موقوتة تحرق الأخضر واليابس .. 
في ظل هذا الضغط الهائل من كل الجبهات فهل ستصمد الجمهورية الإسلامية ..؟

ليلى البلوشي

الجمعة، 12 يونيو 2015

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

قرأت منذ وقت قريب قصة عجيبة عن طالب ذهب إلى ألمانيا للدراسة ، وأثناء إقامته هناك وصلته دعوة من صديق له في مدينة هامبورغ ، رتبت ولزملائه الآخرين جلسة ترحيب في أحد المطاعم ، وعندما دخلوا المطعم لاحظوا أن كثير من الطاولات كانت فارغة ، وكان هناك عدد قليل من السيدات الكبيرات في السن يجلسن جانبا ، و طاولة صغيرة تواجد عليها زوجين شابين لم يكن أمامهما سوى اثنين من الأطباق وعلبتين من المشروبات ، مما جعله يتساءل في نفسه عن هذه الوجبة البسيطة في مناسبة رومانسية جمعت بينهما بل تمادى في تساؤلاته حول ماذا ستقوله الفتاة عن بخل هذا الزوج ..؟
طلب زميلهم الطعام وكانوا جياعا فطلب المزيد ، و عبت قائمة طلباتهم الطاولة سريعا ؛ لأن المطعم كان هادئا ..
لم يقضوا وقتا طويلا في تناول الطعام وعندما قاموا للمغادرة ، كان ثلث الطعام المطلوب متبق في الأطباق دون أن يمس ..
وما كادوا يصلون إلى نهاية باب المطعم حتى ناداهم صوت ، توقفوا و التفتوا فلاحظوا أن السيدات الكبيرات في السن كن يتحدثن عنهم إلى مالك المطعم ، وحين تحدثوا إليهم فهموا أنهم يشعرون بالاستياء لإضاعة الكثير من الطعام المتبقي ..
أجاب زميلهم الذي دعاهم : " لقد دفعنا ثمن الطعام الذي طلبناه ، فلماذا تتدخلن فيما لا يعنيكم ..؟ "
لكن إحدى السيدات الكبيرات في السن حدقت فيه بغضب شديد واتجهت نحو الهاتف واستدعت أحدهم ..
بعد مرور دقائق وصل رجل في زي رسمي ، قدم نفسه على أنه ضابط من مؤسسة التأمينات الاجتماعية ، وحرر لهم مخالفة 50 مارك .. التزموا جميعا الصمت من الواقعة العجيبة ، وأخرج زميلهم 50 مارك قدمها مع الاعتذار إلى الموظف ..
قال الضابط بلهجة حازمة : " اطلبوا كمية الطعام الذي بمكنكم استهلاكها ، المال لك لكن الموارد للجميع ، وهناك العديد من الآخرين في العالم يواجهون نقص الموارد ، ليس لديكم سبب لهدر الموارد " ..
قرأت هذه القصة الحقيقية بتأثر عميق ، وأنا أفكر في كمية الهدر الهائل لمعظم مواردنا نحن العرب ، لا سيما في دول الخليج العربي ..!
كميات هائلة من الأطعمة الفائضة عن موائدنا ، تفيض حتى عن حاجة الحيوانات التي تقتات عليها ، كميات هائلة من شتى أنواع الطعام في أوعية القمامات ، معظمها لم يمس ..!
وبما أننا على أعتاب الشهر الفضيل رمضان ، فإن كميات الطعام ستفيض مرتين بل أكثر ، دون أن نفكر ولو لحظة في الجوعى والمشردين فكيف إذن يطرأ ببالنا نحن - المسرفون - ما يسمى بهدر الموارد ..!
للأسف في الشعوب المرفهة الإسراف ليس في الطعام فحسب بل في كل شيء يعد نوعا من الكرم والشهامة ، بل من يقدم ما يسد حاجته فقط ، يعد في نظر هذا المجتمع الذي تعوّد على التبذير إنسانا بخيلا بل ناقص الشهامة أيضا ، ويكون علكة على ألسنة القاصي والداني ..!
نحتاج إلى مراجعة ، مراجعة شاملة لأنظمة حياتنا ، لإعادة بناء أفكارنا المجتمعية ، لننجب جيلا يدرك حجم النعم ، ويؤمن أن الثراء لا يعني إهدار الموارد ولا إسرافها ..!
نحتاج إلى إعادة منظومة علاقاتنا الاجتماعية خاصة ما يسمى بالــــ" وجاهة الاجتماعية " ؛ فهناك مليار جائع في هذا العالم يبيت أياما بلا وجبة ، إنهم يعانون ما يسمى بـــ" الجوع المزمن " حيث لا يعرف مجتمعات الرفاهية معنى شعور الجوع ؛ فالموائد وافرة بما لذ وطاب ، حتى في الشهر الفضيل الذي يفترض فيه أن يعرفوا معنى الجوع ، وأن يعايشوا شعور الفقراء والمشردين في هذا العالم ، يحدث العكس تماما ، حيث يتبارى الجميع في شعور الشبع ، بل وصل الأمر إلى حدوث حالات من الوفاة بسبب التخمة في إحدى الدول الخليجية ..!
شعوب تموت من الجوع وشعوب أخرى تموت من الشبع ، شعوران متضادان في العالم نفسه ..!
ربما نحن أحوج شعوب العالم إلى لجنة تحاسبنا على هدرنا لموارد الكرة الأرضية ، بتأكيد نحن أحوج الأمم لذلك ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 2 يونيو 2015

أطوار القراءة ..

أطوار القراءة  

" يجب أن تكون الكتب ثقيلة ؛ لأنها تخفي كل العالم " هذا ما ذهبت إليه الروائية الألمانية " كورنيليا فونكه " صاحبة الرواية الشهيرة والتي حولت إلى فيلم فنتازيا ساحر " قلب الحبر " ..
لكن هذه الكتب ثقيلة كيف يمكن أن يقرأها الإنسان ..؟ هل يوجهها أسلوب قرائي معين يسعى له القارئ الشغوف ..؟
أوقن دائما أن لكل كتاب طريقة ما ، أسلوب معين لفضّ ما فيه ، بعض الكتب تُقرأ في جلسة واحدة و أخرى على امتداد جلسات ، كتب أخرى تستحوذ على حواس القارئ من العتبة الأولى للنص وتحتضن دهشته الأولى التي تتعاظم كلما امتدت حواسه في أحشاء النص وأخرى تختبر صبرك كقارئ وتجبرك على أن تقطع أشواطا حتى تجسّ لذة سردها ، فـــ" وقت القراءة مختلس دائما كوقت الكتابة و وقت العشق " كما يرى " دانيال بناك " صاحب كتاب " متعة القراءة " ..
الباحث والناقد " عبدالفتاح كيليطو " في كتابه " الأدب و الغرابة " يذهب في حديث مسهب عن كيفية قراءة الكتب ، فهو يرى بأن الحكاية تقرأ قراءتين ، القراءة الأولى هي القراءة " العادية " ، أما القراءة الثانية هي القراءة " العالمة " ..
القراءة العادية تتم من اليمين إلى اليسار ، أي من البداية إلى النهاية وهي القراءة التي اعتاد عليها القارئ ، أما القراءة العالمة هي القراءة التي تتم من النهاية إلى البداية ، ومن اليسار إلى اليمين ؛ ويفسر قوله بأن هذه القراءة تجعل القارئ يلمس البناء السردي عن كثب بل تجعله يعيد صياغة الحكاية بعد تفكيك مكوناتها ..
لكن التحدي الحقيقي يظهر في الفرق ما بين القراءة العادية والقراءة العالمة ..؟
فالقراءة العادية التي اعتاد عليها القارئ العادي تشّد بخناقه وتجعله يبتلع الأحداث بدون مضغ ويقفز الصفحات ، لكي يصل أخيرا إلى النهاية التي يتلهف على معرفتها ، هذا التلهف لإنهاء قراءة الكتاب يدفع القارئ العادي ضريبتها غاليا ؛ ذلك لأنه يجري وراء الوهم ، هذا الوهم يفقده انضباطه وتحكمه في نفسه ويعيش فترة استلاب ..
أما القراءة العالمة ، فهي القراءة التي تحرر القارئ من الوهم ، ومن المشاركة الوجدانية وترفعه إلى مرتبة تجعله يشارك لا الشخصيات بل القائم بالسرد نفسه ..
القارئ هو طموح كل الكُتّاب ، فالكتاب بلا قراء أشبه بمدرسة بلا طلاب ، وكل كتاب ينجب قراءه ، سواء كان قارئا عاديا أم قارئا عالما ؛ لذا ما طرحه " كيليطو " في كتابه عن القراءة العادية والقراءة العالمة تخضع بالدرجة الأولى لنوع الكتاب وجنسه الأدبي ، فالكتب الموسوعات و التاريخ والرحلات وبعض الروايات تتطلب جهدا أكبر لفهمه مقاصدها ، لاستيعاب كثافة المعلومات التي تحويها ؛ لذا تتوق لقارئ عالمي يقدّر ما طرحه ويستوعب كمية الجهد المبذول ، قارئا مكتشفا ، ليس لأنه أثناء القراءة يكتسب معلومات فحسب بل يقوم بفطنة ويقظة تحليلها وربطها ببعض واكتشاف مكامنها السرية ، تمده الصفحات بكثافة مقابل وعيه أثناء القراءة ، بينما ثمة كتب كالمجاميع القصصية وبعض الروايات وكتب الأشعار تتطلب الحالة الوجدانية للقارئ بقدر ما تتطلب أيضا يقظة قرائية فاعلة في دائرة النص ، لذا أرى أن القراءة العالمة هي حاضرة دائما ، ولكن حضورها ضمني متفاوت من قارئ إلى آخر تبعا لوعي القارئ وتغذيته لنفسه بقراءات موسعة في مجالات شتى ، بينما القراءة العادية تكون مسموعة أكثر و حاضرة أكثر ..
القراءة العالمة تتطلب قارئا عالما بمكونات السرد و أصول الحكاية ، لديه خلفية نقدية ، بينما القراءة العادية تختصر في القارئ العادي العابر الذي تكون صلته بالكتاب أيضا عابرة ، الكتاب الذي يكون وليد الصدفة لا وليد الرغبة والسعي كما في القراءة العالمة عند القارئ العالم ..
القراءة العادية هي غير متطلبة وخارج دائرة الشروط ، هي قراءة خاصة وليست عامة ، تكون علاقة القارئ بالكتاب عابرة وغايتها تختصر في جلب المتعة لنفسه ودفع الملل ، لا سيما و أننا في الزمن صار فيه معظم القراء تابعين لا مكتشفين ، في زمن صارت الدعاية هي الطريق إلى الكتاب كما أشار ناشر أمريكي ذات مرة : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر العالم " ..
بينما القراءة العالمة هي قراءة عامة ، تستدعي وجود قارئ طموح تكون القراءة لديه مشروع كمشروع زراعة شجرة ، هذا المشروع قابل للتطور والنمو على مدى الأيام ، تخرج من طور المتعة إلى طور المشاركة ، لتجلب منفعة لنفسها وللآخرين أيضا ، بمعنى هي القراءة التي تنجب مع الزمن قارئا بمرتبة كاتب أو باحث أو ناقد تبعا للتوجهات القرائية .. 
لكل منا طور من أطوار القراءة ، ووحدنا نحن - القراء - نحدد مرتبتها و نمضي لاستكمال دربها الساحر  ..

ليلى البلوشي