الأربعاء، 15 يوليو 2015

حرب على معالم الحياة والإنسان ..

حربٌ على معالم الحيّاة والإنسان ..!

يبتدئ الروائي الأمريكي " بول أوستر " كتابه السيرة الذاتية الذي يقع تحت عنوان " حكاية شتاء " بعبارة تجسّد موقع الإنسان منذ ولادته قائلا : " صحيح أن باطن قدميك مثبّت على الأرض ، لكنكلما تبقى منك معرّض للهواء" ..
فيزمن الحرب و العنف والقتل المجاني أصبح الإنسانلا سيما - العربي - ليس معرّضا للهواء فحسب بل صار معرضا لجميع أنواع التعذيب ، والقتل ، والتعدي و الاغتصاب ، وسلب وطنه ، وبيته ، وأرضه ، و روحه ، جلّ ما يملكه أصبح مهددا ، معرّضا للشّتات والضياع والتيّه ..!
في الوقت نفسه والزمن التعس نفسه ، صار مستبدوا الموت ، يتفننون في زهق أرواح مختطفيهم ،  فها هي داعش التي انبثقتمن حضيض الأرض حاملة معها لواء الموت ، الموت هو الفعل الوحيد الذي تمارسه منذ زحفهم كالجراد في بقاع الأرض ، فبعد جزّ الرقاب بالسكين وعرض الرؤوس البشرية أمام الملأ ، صارت تأتي الموت وتدعوه بطرق وأساليب غاية في الخسة والدناءة ، تظهر مدى الحقد الكامن تجاه كل معلم من معالم الحياة والإنسان ، فمن ضمن ما نشرته حسابات موالية لتنظيم الدولة صورا لطرق موت جديدة يتبعها التنظيم في إعدام المحكومين بهذه العقوبة ، ليتراوح التنفيذ ما بين الغرق إلى الحرق وصولا إلى التفجير ، ومنها أن يركب المحكوم عليه بالموت سيارة ثم يتم استهدافها بقذيفة RPG ، وصور أخرى يوضع فيه المحكوم عليهم على نسق واحد وتلغيمهم ليتم تفجير العبّوات بأجسادهم فيهلكوا حرقا وتمزيقا ..!
وكأن مستبدي الموت ينتهجون أساليب الموت نفسها في عنفها وشدتها وقسوتها ، فأساليب داعش لا تختلف وربما تكاد تكون مستعارة من أساليب الرئيس الكوري الشمالي الذي سبق و أعدم وزير دفاعه بأسلوب غاية في العنف رميا بنيران مدفع مضاد الطيران ؛ لتتطاير جثته شظايا مدماه ، كما خصص لزوج عمته إعداما من نوع خاص ، حيث جرده من ملابسه وألقى به إلى 120 كلبا تم تجويعها لمدة ثلاثة أيام ، والتي استغرقت أكثر من ساعة وهي تنهش لحمه وعظامه ، هذا الرئيس الذي يقتل لأسباب غاية في الحمق مثلها مثل داعش ومعظم المستبدين في العالم الذين يخترعون أسبابهم لقتل ضحاياهم ، لسحق روح بشرية حرم الله قتلها ، لكن في زمن الموت المجاني أصبح الموت رخيصا ، برخص قيمة الإنسان نفسه ، وصار الموت عنيفا ، ومتوحشا ، وبشعا ، وجماعيا ، يشمل الصغار والكبار ، النساء والرجال ، فسفاح الموت صار يلاحق دم ضحاياه بشبق مجنون ..!
وبعد أن أصبح الموت الجماعي يزهق مئات الأرواح في مجمع تجاري أو ملهى أو أماكن الفواحش كما كانوا يبررون وهم يسحقون الأرواح ، صارت فاجعة الموت اليوم في داخل أطهر أماكن الكون قاطبة و أكثرها أمانا ، صارت في المساجد التي يذكر فيها اسم الله عزوجل ؛ فبعد حادثتي مسجد العنود والقديح في السعودية ، الفاجعة بالفعل الإرهابي عينه تفجع الكويتيين في يوم الجمعة الماضي بتفجير انتحاري نفسه في أحد مساجد الشيعة وزهقت أرواح المصلين وهم ساجدون لله عزوجل ، وصائمون ، وفي يوم مبارك كيوم الجمعة ..!
 في اليوم نفسه جاء الموت جماعيا ليزهق أرواحا عديدة ، في كل من تونس و فرنسا ، تجعل الكلمات هي أيضا تعلن حدادها في حضرة موت هؤلاء الأبرياء ، لا ذنب لهم سوى أنهم تواجدوا في أماكن كان فيه داعش الموت يحوم بمتفجراته متعطشا للدم ..!
وهنا لا أملك سوى أن استعير تغريدة الشاعرة " سعدية مفرح " تعليقا على خبر تفجير انتحاري داعشي نفسه في مسجد الإمام الصادق في الكويت وانفجاران آخران استهدفا تونس و مصنعا في فرنسا : " عندما تستهدف داعش بيوم واحد ؛ مسجدا في الكويت وفندقا في تونس و مصنعا في فرنسا ؛ فإنها تعلن الحرب على كل عناصر الحياة : العبادة والعمل والترفيه! " ..

ليلى البلوشي

في حديقة حمود الشكيلي ..

في حديقة حمود الشكيلي

حين أعود إلى طفولتي كتلميذة ، فإنني لا أتذكّر من المنهاج المدرسي شيئا ، ولعل ذلك أمر طبيعي تماما ؛ لأن تلك المناهج ليست للتذكّر بقدر ما هي معرفة القواعد ، المعرفة التي ترسبت في حيز ما من أعماقنا ، لكن ما يذكر وما نتذكّره حقا هي الكلمات ، النصائح ، التوجيهات ، الوصايا ، الإرشادات ، نبرة معلم حكيم و معلمة حكيمة ، مهما تباينت تسمية ما يقوله المعلم وما تقوله المعلمة من خارج المنهاج الدراسي هو ما يترسخ حقا في أعمق حيزّ من قلب الذاكرة ..
حين أعود إلى تلك الطفولة العتيدة أتذكّر عبارة معلمة اللغة العربية حين شاع في جيلنا قراءة روايات عبير المترجمة ، التي عُرفت بأنها تحوي على عبارات وكلمات غير لائقة – كما كنا نسمع من الكبار – حتى أنها كانت ممنوعة في البيت وفي المدرسة أيضا ، ومن كانوا يجدون بحوزته رواية من إحداها كان يعاقب كما لو أنه اقترف إثما ، وحدها معلمة اللغة العربية لم تر في قراءتها أي غضاضة بل وضحت بعبارة ذات مغزى نبيل : " اقرأن كل شيء طالما الوازع الديني موجود " ..
ومذ يومها صرت اقرأ كل شيء ، المرغوب والممنوع من الكتب ، لعلني كنت بحاجة إلى تلك العبارة التي قالتها معلمة اللغة العربية كي انطلق بجسارة إلى عالم الكتب والقراءة ؛ فالمعلم هو دائما قدوة ، وجل ما يقوله مقدس ومن هنا اكتسب المعلم مكانته الراسخة في معظم دول العالم لا سيما الدول الحديثة ..
اليوم وأنا أتأمل كتاب " شعلة حديقة الكلمات " التي جمعها و أعدها وقدم لها الكاتب العماني " حمود حمد الشكيلي " أكاد أجس تلك الشعلات التي أطلقها المعلم " حمود " في شرايين طلابه وطالباته ..
فكرة هذا الكتاب تذكرني بتجربة المصور الأسترالي " جيمس موليسون " الذي أخذ على عاتقه تأليف كتاب يكون عنوانه " حيث ينام الأطفال " يحكي تفاصيل غرف الأطفال ومكان نومهم في سعيٍّ جديد من نوعه ، و من خلال كاميرته وثق تجربة آسرة لعدد من الأطفال عبر العالم المترامي ، هناك في أوطانهم ، الثرية منها والمعدمة ، المخملية لبعضهم والمتعثرة لبعضهم الآخر ، كوّن من خلال كتابه ظروف الحياة التي يحياها الأطفال في بيئاتهم ، تغدو لمن يطالع الكتاب مع ملصقاته كصلاة تأملية طويلة عن معنى الوجود وغايته ..
ونطالع في حديقة الكلمات للشكيلي قصص قصيرة جدا تناثرت كزهور الربيع بجمال ، تفاوتت درجات نضجها ، معظمها تفيض بالدقة والرصانة ، المثابرة في انتقاء الفكرة ، وإن جاءت أغلبها عفوية ، وهنا يكمن منبع جمالها الأخاذ ، تلك العفوية التي لا يتقنها سوى الصغار لعقولهم الغضة ولنفسياتهم التي تقبل على الحياة بكل محبة و حماس ..
من بعض لك القصص المتقنة كما لو أنها صاغتها أنامل كبيرة ، قصة " الفكرة " للطالب " محمد البادي " حين كتب : " سأل الطالب معلمه : أعطني فكرة قصة ، رد المعلم : إذا أعطيتك فكرة تكون ملكي " ..
أما في قصة " أكلت المعلم " للطالبة " سارة باعبود " فنجد الرؤية المجازية التي ختمت بها الطفلة أقصوصتها الذكية : " وعد المعلم طلابه بالحلوى ، لكنه في اليوم الثاني نسي الحلوى ، فأكل الطلاب المعلم " ..
وتتجلى الطرافة بكل أبعادها في قصة " نملة " للطالب " مروان العدوي " : " نملة صغيرة ، ذات جسم وعقل قادر على احتلال العالم ، لكن قدم الإنسان ثقيلة جدا " ..
والطرافة عينها يجسها القارئ في قصة " في السرير " للطالبة " سماء العدوية " التي تلامس واقعا يمر به معظم الصغار في سن معينة : " تسخر المثانة من المنبه ، تؤدي وظيفتها في الصباح أبكر منه " ..
وفي قصة " الفشل " تتجلى الطرافة مع الواقع أيضا على شكل أقصوصة حوارية من معين الطالبة " لينا طه " : " سأل الأب ابنه : لماذا رسبت ؟ فرد : من كان بجانبي لم يذاكر " ..
" شعلة حديقة الكلمات " حيث الحياة يمكن جدا أن تلتقي عناصرها الكونية في قصة قصيرة جدا من بضع كلمات متراصة بحكمة .. هو الكتاب الأول من نوعه من معين فكر الأطفال ، ولكن يكمن أهمية هذا الكتاب بأنه ثمرة حقيقية عن الجهود التي يبذلها المعلم في سنوات التعليم انتصارا للموهبة ، انتصارا للخبرة التي ترسخت في عقول الطلاب والطالبات بفضل معلم واعٍ وقادر على انتاج جيل ينطلق نحو التفكير الإبداعي و الإنجاز الفكري في مجالات الحياة ليس في الأدب فحسب ، وهنا تكمن وظيفة المعلم الحقيقي ..
اذكر مرة في حوار مع الروائية السعودية " رجاء عالم " أثناء نيلها جائزة البوكر العربية عام 2011م عن روايتها " طوق الحمام " اعترفت بأن اتصالها المباشر مع الأطفال نظرا لوظيفتها هو ما عمّق رؤاها السردية في الكتابة ..
اعتقد ومن واقع - تجربتي الشخصية - أن أكثر وظيفة تلائم وشخصية الكاتب هي وظيفة التعليم ؛ لأن المعلم سيتعاطى مع أرواح جديدة تنجب جديدها في كل عام ، ولأنه يكون على اتصال مباشر ويومي مع عقول و أطباع ونفسيات حقيقية تجسد الواقع بأشكال متباينة  ..

ليلى البلوشي

الأحد، 21 يونيو 2015

إيران التي في طنجرة ضغط ..!

إيران التي في طنجرة ضغط ..!

مذ عام 1980م وقع تبدل كبير جدا ومكلف للغاية في تاريخ إيران ، لم يكن التغيير الجذري الشامل على مستوى التسمية فحسب بل جر معه تغييرات شتى لم يكن المواطن الإيراني يتوقعها قط ، فبعد ثورة كونية قادها شباب متمردون حالمون بالتغيير ، شباب استطاعوا بتحديهم العميق على اسقاط نظام الشاه حاملين شموع أمنياتهم التي باتت على وشك الإنارة في محيط كان متعتما بالنسبة لهم ، لكن الشباب أنفسهم سرقت ثورتهم وأجهضت أحلامهم بعد أن ابتلعتها عباءات سوداء أحكمت قبضتها الحديدية باسم الدين ..!
في كل عام  من سنة 1980 م والإيرانيون يحتفلون بذكرى ثورة الخميني ، لكن مع مرور كل سنة يزداد عدد الكافرين بالثورة حتى أنهم بلغوا درجة الإيمان بأن الثورة الإسلامية كانت أعظم و أوجع نكسة تاريخية في حياة إيران والإيرانيين ؛ حيث عصابات الملالي سيطرت على إيران ، ودمرت البيئة ، وشوهت التاريخ والحضارة الفارسية ، ونهبت ثروات الشعب الإيراني المغدور ، بشهادة القادة العسكريين أنفسهم الذين شاركوا ودعموا الثورة الإسلامية إلى أن استولت على الحكم ، وبدأت بممارسة التصفيات الجسدية لآلاف من الشباب ؛ لأنهم نادوا بصوت الحرية والديمقراطية ورفع مستوى دخل الفرد ، أفجع أنواع التعذيب والسجن والقتل والنفي وكان محظوظا من نجا منهم هاربا إلى خارج إيران ..
وقد أسهب " محمد محسن سازكارا " أحد الذين شاركوا في تأسيس الحرس الثوري الذي ساهم في إنشاء هذه القوة العسكرية ، التي تشكل اليوم العمود الفقري لنظام الجمهورية الإيرانية ، يتحدث بحسرة معترفا بأن الزمن لو عاد به إلى الوراء لما شارك في الثورة ، و لأدرك بأن إسقاط نظام الشاه كان خطأ نتيجته كانت مكلفة للغاية للشعب الإيراني الذي كان يتمتع بحريات هائلة مقارنة بزمن الثورة الإسلامية في مجالات ثقافية واجتماعية ودينية وإن كان ثمة تضييق على الصعيد السياسي ..
ينظر الإيرانيون اليوم بكافة أطيافهم بمنتهى الوجع والحنين والخيبة أيضا إلى زمن الشاه و يلتمسون العذر لإخفاقات 36 سنة ماضية في مجالات التنمية والمعيشة والحريات في الغرب ؛ فقد كان شعار المتظاهرين حين حاولوا التخلص من نظام الشاه هو تحسين المعيشة والتخلص من التبعية الغربية ، هذه الشعارات اليوم ما عادت لها جدوى في ظل الضغوط التي يكابدها الشعب ، الشعب نفسه الذي حوله النظام الإسلامي إلى كائن مقموع يمارس تناقضاته على سبل شتى ليحصل على مقدار من حريته الشخصية المسلوبة ؛ فبعد ثلاثة عقود ونصف لم يتحقق منها شيء واختصرت الانتخابات البرلمانية والرئاسية فقط على الاسلاميين ، ولم تعد هناك أحزاب سوى تلك التي تنتمي للنظام ومستوى المعيشة تراجع كثيرا وعم البؤس ، حتى أن طهران و بقية المدن الكبرى هي مجرد بقايا مما بناه الشاه ، والثورة أصبحت مجرد نظام سياسي قمعي ..
الإيرانيون اليوم يمارسون الحرية على نطاق فردي وبعيدا عن أعين الرقابة التي يفرضها الملالي ، ومن يقرأ السير الذاتية والقصص والروايات ، وكثير من المقالات والمقابلات لفئات من الشباب والمبدعين والكتاب والشعراء والممثلين والمخرجين السينمائيين الذين يحاولون نقل صورة حقيقية بلا رتوش عن الواقع الإيراني الذي بلغ آخر درجة من التحمّل ، من تلك المقابلات ما قالته الكاتبة " سحر دليجاني " وهي كاتبة إيرانية من ضحايا الثورة الإسلامية ، حيث إنها ولدت في إحدى سجون طهران عام 1983م ، أسرتها التي كانت معارضة لنظام الشاه وحين سقط عارضوا الثورة الإسلامية للأسباب نفسها وقد دفع أهلها ضريبة معارضتهم غاليا ، قالت مؤخرا في معرض الدولي للكتاب في بوغوتا ما يختصر الحالة الراهنة في إيران : " إن الشباب الإيرانيين هم تماما بعكس ما يريد النظام أن يكونوا ، فهم مثقفون و حيويون ولا يمكن أن تبقى الأمور معهم على ما هي عليه " موضحة أن الدعاية المركزة للقيم التي تفرضها الجمهورية الإسلامية في المدارس فشلت في أداء مهمتها .. !
تلك الأجيال البريئة التي سكبت الثورة الخمينية في عقولهم الغضة بخزعبلات ، وغذّتهم بأوهام ، وفرضت عليهم أنظمة وقوانينا تستعبدهم وتمنع عنهم التفكير الحر كآدميين وكأجيال لا ذنب لها سوى أنها وجدت نفسها أمام قوى دينية لها أطماعها السياسية في الاستحواذ والتملك ..
مما لا شك فيه باتت إيران تشكل تهديدا في الوقت الراهن على الصعيد الاقليمي والعالمي ، هي التي لا تكلف عن التمدد في العراق و سوريا واليمن و أفغانستان ولبنان ، تواجه اليوم تحديات وضغوطات هائلة من الخارج والداخل أيضا ، في ظل وعي شعبي أصبح يتصاعد مع كل عام من عمر ثورتهم ، فشباب الجيل الجديد ضاقوا ذرعا بسياسة القمع وما عادت مفاهيم الإمامة ، والخلافة ، والقيادة ، و صكوك الجنة والنار أو حتى التبعية الغربية تشكل لديهم فارقا اليوم بل حق تحسين مستوى المعيشة هو أهم مطلب من مطالبهم و لاسيما حين أدركوا أن سعر لتر البنزين في إيران في عهد الشاه كان تومان واحد فقط ، بينما اليوم في عهد الملالي أصبح سعر اللتر 1000 تومان كما ذهب حساب " شؤون إيرانية " في تويتر ..
وهكذا يقارن الإيرانيون بين النظامين بخيبة كبيرة و حسرة قد تستحيل إلى قنبلة موقوتة تحرق الأخضر واليابس .. 
في ظل هذا الضغط الهائل من كل الجبهات فهل ستصمد الجمهورية الإسلامية ..؟

ليلى البلوشي

الجمعة، 12 يونيو 2015

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

قرأت منذ وقت قريب قصة عجيبة عن طالب ذهب إلى ألمانيا للدراسة ، وأثناء إقامته هناك وصلته دعوة من صديق له في مدينة هامبورغ ، رتبت ولزملائه الآخرين جلسة ترحيب في أحد المطاعم ، وعندما دخلوا المطعم لاحظوا أن كثير من الطاولات كانت فارغة ، وكان هناك عدد قليل من السيدات الكبيرات في السن يجلسن جانبا ، و طاولة صغيرة تواجد عليها زوجين شابين لم يكن أمامهما سوى اثنين من الأطباق وعلبتين من المشروبات ، مما جعله يتساءل في نفسه عن هذه الوجبة البسيطة في مناسبة رومانسية جمعت بينهما بل تمادى في تساؤلاته حول ماذا ستقوله الفتاة عن بخل هذا الزوج ..؟
طلب زميلهم الطعام وكانوا جياعا فطلب المزيد ، و عبت قائمة طلباتهم الطاولة سريعا ؛ لأن المطعم كان هادئا ..
لم يقضوا وقتا طويلا في تناول الطعام وعندما قاموا للمغادرة ، كان ثلث الطعام المطلوب متبق في الأطباق دون أن يمس ..
وما كادوا يصلون إلى نهاية باب المطعم حتى ناداهم صوت ، توقفوا و التفتوا فلاحظوا أن السيدات الكبيرات في السن كن يتحدثن عنهم إلى مالك المطعم ، وحين تحدثوا إليهم فهموا أنهم يشعرون بالاستياء لإضاعة الكثير من الطعام المتبقي ..
أجاب زميلهم الذي دعاهم : " لقد دفعنا ثمن الطعام الذي طلبناه ، فلماذا تتدخلن فيما لا يعنيكم ..؟ "
لكن إحدى السيدات الكبيرات في السن حدقت فيه بغضب شديد واتجهت نحو الهاتف واستدعت أحدهم ..
بعد مرور دقائق وصل رجل في زي رسمي ، قدم نفسه على أنه ضابط من مؤسسة التأمينات الاجتماعية ، وحرر لهم مخالفة 50 مارك .. التزموا جميعا الصمت من الواقعة العجيبة ، وأخرج زميلهم 50 مارك قدمها مع الاعتذار إلى الموظف ..
قال الضابط بلهجة حازمة : " اطلبوا كمية الطعام الذي بمكنكم استهلاكها ، المال لك لكن الموارد للجميع ، وهناك العديد من الآخرين في العالم يواجهون نقص الموارد ، ليس لديكم سبب لهدر الموارد " ..
قرأت هذه القصة الحقيقية بتأثر عميق ، وأنا أفكر في كمية الهدر الهائل لمعظم مواردنا نحن العرب ، لا سيما في دول الخليج العربي ..!
كميات هائلة من الأطعمة الفائضة عن موائدنا ، تفيض حتى عن حاجة الحيوانات التي تقتات عليها ، كميات هائلة من شتى أنواع الطعام في أوعية القمامات ، معظمها لم يمس ..!
وبما أننا على أعتاب الشهر الفضيل رمضان ، فإن كميات الطعام ستفيض مرتين بل أكثر ، دون أن نفكر ولو لحظة في الجوعى والمشردين فكيف إذن يطرأ ببالنا نحن - المسرفون - ما يسمى بهدر الموارد ..!
للأسف في الشعوب المرفهة الإسراف ليس في الطعام فحسب بل في كل شيء يعد نوعا من الكرم والشهامة ، بل من يقدم ما يسد حاجته فقط ، يعد في نظر هذا المجتمع الذي تعوّد على التبذير إنسانا بخيلا بل ناقص الشهامة أيضا ، ويكون علكة على ألسنة القاصي والداني ..!
نحتاج إلى مراجعة ، مراجعة شاملة لأنظمة حياتنا ، لإعادة بناء أفكارنا المجتمعية ، لننجب جيلا يدرك حجم النعم ، ويؤمن أن الثراء لا يعني إهدار الموارد ولا إسرافها ..!
نحتاج إلى إعادة منظومة علاقاتنا الاجتماعية خاصة ما يسمى بالــــ" وجاهة الاجتماعية " ؛ فهناك مليار جائع في هذا العالم يبيت أياما بلا وجبة ، إنهم يعانون ما يسمى بـــ" الجوع المزمن " حيث لا يعرف مجتمعات الرفاهية معنى شعور الجوع ؛ فالموائد وافرة بما لذ وطاب ، حتى في الشهر الفضيل الذي يفترض فيه أن يعرفوا معنى الجوع ، وأن يعايشوا شعور الفقراء والمشردين في هذا العالم ، يحدث العكس تماما ، حيث يتبارى الجميع في شعور الشبع ، بل وصل الأمر إلى حدوث حالات من الوفاة بسبب التخمة في إحدى الدول الخليجية ..!
شعوب تموت من الجوع وشعوب أخرى تموت من الشبع ، شعوران متضادان في العالم نفسه ..!
ربما نحن أحوج شعوب العالم إلى لجنة تحاسبنا على هدرنا لموارد الكرة الأرضية ، بتأكيد نحن أحوج الأمم لذلك ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 2 يونيو 2015

أطوار القراءة ..

أطوار القراءة  

" يجب أن تكون الكتب ثقيلة ؛ لأنها تخفي كل العالم " هذا ما ذهبت إليه الروائية الألمانية " كورنيليا فونكه " صاحبة الرواية الشهيرة والتي حولت إلى فيلم فنتازيا ساحر " قلب الحبر " ..
لكن هذه الكتب ثقيلة كيف يمكن أن يقرأها الإنسان ..؟ هل يوجهها أسلوب قرائي معين يسعى له القارئ الشغوف ..؟
أوقن دائما أن لكل كتاب طريقة ما ، أسلوب معين لفضّ ما فيه ، بعض الكتب تُقرأ في جلسة واحدة و أخرى على امتداد جلسات ، كتب أخرى تستحوذ على حواس القارئ من العتبة الأولى للنص وتحتضن دهشته الأولى التي تتعاظم كلما امتدت حواسه في أحشاء النص وأخرى تختبر صبرك كقارئ وتجبرك على أن تقطع أشواطا حتى تجسّ لذة سردها ، فـــ" وقت القراءة مختلس دائما كوقت الكتابة و وقت العشق " كما يرى " دانيال بناك " صاحب كتاب " متعة القراءة " ..
الباحث والناقد " عبدالفتاح كيليطو " في كتابه " الأدب و الغرابة " يذهب في حديث مسهب عن كيفية قراءة الكتب ، فهو يرى بأن الحكاية تقرأ قراءتين ، القراءة الأولى هي القراءة " العادية " ، أما القراءة الثانية هي القراءة " العالمة " ..
القراءة العادية تتم من اليمين إلى اليسار ، أي من البداية إلى النهاية وهي القراءة التي اعتاد عليها القارئ ، أما القراءة العالمة هي القراءة التي تتم من النهاية إلى البداية ، ومن اليسار إلى اليمين ؛ ويفسر قوله بأن هذه القراءة تجعل القارئ يلمس البناء السردي عن كثب بل تجعله يعيد صياغة الحكاية بعد تفكيك مكوناتها ..
لكن التحدي الحقيقي يظهر في الفرق ما بين القراءة العادية والقراءة العالمة ..؟
فالقراءة العادية التي اعتاد عليها القارئ العادي تشّد بخناقه وتجعله يبتلع الأحداث بدون مضغ ويقفز الصفحات ، لكي يصل أخيرا إلى النهاية التي يتلهف على معرفتها ، هذا التلهف لإنهاء قراءة الكتاب يدفع القارئ العادي ضريبتها غاليا ؛ ذلك لأنه يجري وراء الوهم ، هذا الوهم يفقده انضباطه وتحكمه في نفسه ويعيش فترة استلاب ..
أما القراءة العالمة ، فهي القراءة التي تحرر القارئ من الوهم ، ومن المشاركة الوجدانية وترفعه إلى مرتبة تجعله يشارك لا الشخصيات بل القائم بالسرد نفسه ..
القارئ هو طموح كل الكُتّاب ، فالكتاب بلا قراء أشبه بمدرسة بلا طلاب ، وكل كتاب ينجب قراءه ، سواء كان قارئا عاديا أم قارئا عالما ؛ لذا ما طرحه " كيليطو " في كتابه عن القراءة العادية والقراءة العالمة تخضع بالدرجة الأولى لنوع الكتاب وجنسه الأدبي ، فالكتب الموسوعات و التاريخ والرحلات وبعض الروايات تتطلب جهدا أكبر لفهمه مقاصدها ، لاستيعاب كثافة المعلومات التي تحويها ؛ لذا تتوق لقارئ عالمي يقدّر ما طرحه ويستوعب كمية الجهد المبذول ، قارئا مكتشفا ، ليس لأنه أثناء القراءة يكتسب معلومات فحسب بل يقوم بفطنة ويقظة تحليلها وربطها ببعض واكتشاف مكامنها السرية ، تمده الصفحات بكثافة مقابل وعيه أثناء القراءة ، بينما ثمة كتب كالمجاميع القصصية وبعض الروايات وكتب الأشعار تتطلب الحالة الوجدانية للقارئ بقدر ما تتطلب أيضا يقظة قرائية فاعلة في دائرة النص ، لذا أرى أن القراءة العالمة هي حاضرة دائما ، ولكن حضورها ضمني متفاوت من قارئ إلى آخر تبعا لوعي القارئ وتغذيته لنفسه بقراءات موسعة في مجالات شتى ، بينما القراءة العادية تكون مسموعة أكثر و حاضرة أكثر ..
القراءة العالمة تتطلب قارئا عالما بمكونات السرد و أصول الحكاية ، لديه خلفية نقدية ، بينما القراءة العادية تختصر في القارئ العادي العابر الذي تكون صلته بالكتاب أيضا عابرة ، الكتاب الذي يكون وليد الصدفة لا وليد الرغبة والسعي كما في القراءة العالمة عند القارئ العالم ..
القراءة العادية هي غير متطلبة وخارج دائرة الشروط ، هي قراءة خاصة وليست عامة ، تكون علاقة القارئ بالكتاب عابرة وغايتها تختصر في جلب المتعة لنفسه ودفع الملل ، لا سيما و أننا في الزمن صار فيه معظم القراء تابعين لا مكتشفين ، في زمن صارت الدعاية هي الطريق إلى الكتاب كما أشار ناشر أمريكي ذات مرة : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر العالم " ..
بينما القراءة العالمة هي قراءة عامة ، تستدعي وجود قارئ طموح تكون القراءة لديه مشروع كمشروع زراعة شجرة ، هذا المشروع قابل للتطور والنمو على مدى الأيام ، تخرج من طور المتعة إلى طور المشاركة ، لتجلب منفعة لنفسها وللآخرين أيضا ، بمعنى هي القراءة التي تنجب مع الزمن قارئا بمرتبة كاتب أو باحث أو ناقد تبعا للتوجهات القرائية .. 
لكل منا طور من أطوار القراءة ، ووحدنا نحن - القراء - نحدد مرتبتها و نمضي لاستكمال دربها الساحر  ..

ليلى البلوشي

السبت، 23 مايو 2015

صفحة أمريكية من العار لم تطوَ بعد ..!

صفحة أمريكية من العار لم تطوَ بعد ..!

كان وصول الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " عام 2008م إلى سدّة الحكم ودخوله مع زوجته وابنتيه من الباب المفضي إلى البيت الأبيض كانت أشبه بصدمة عالمية كبرى وقتئذ ؛ لأن البيت الأبيض كان منيعا في وجه الرجال السود ، البيت الأبيض الذي ظل طوال الحكم الأمريكي حكرا على رجال لون جلودهم أبيض بل إن حتى تسميته أشبه ما تكون ذات مغزى عنصري ..!
ولا يمكن أن تتحدث عن فترة حكم رئيس أمريكي أسود دون أن تخوض في حديث عن رجال ونساء سود كانت لهم جهود جبارة أشبه بمعجزة لتغيير تاريخ مجتمع أمريكي اشتهر بعار التفرقة العنصرية ، على رأس هؤلاء الأبطال أصحاب الكلمة الحق والموقف الحق ، والذين دفعوا ثمن موقفهم المشرف امرأة الحافلة التي فجر موقفها الشجاع في وجه رجل أبيض أراد دون وجه حق استيلاء على مقعدها في المكان المخصص للسود ؛ لأنه لم يجد مقعدا فارغا له في المكان المخصص للبيض ، المرأة التي أُصرّ دائما على ذكر اسمها في كل مقالة استذكر فيها تاريخ العنصرية الأمريكية ، كي يبقى اسمها مشعا في الذاكرة في وجه طوفان النسيان "روزا بانكس " هي التي كانت سببا في قيام تظاهرات واحتجاجات قادها قس معمداني كان غير معروفا يومها ، ولكن صار شهيرا للغاية وهو " مارتن لوثر كنج " ، هذه المرأة التي توفيت عام 2005م صارت أيقونة لحركة الحقوق المدنية ولولا شجاعتها لما كان " باراك أوباما " اليوم رئيسا لدولة عرفت بالعنصرية ، ولعل وصوله إلى موقع السلطة حجب قليلا الرأي العام عن قضايا العنصرية الأمريكية ، والتي لم تشف تماما منها كما خيل للبعض في الأعوام الأخيرة ، فالعنصرية لم يكن تصرفا اجتماعيا نابعا عن مجتمع اعتاد على ممارسته لأعوام طويلة مع شعور متفاقم بالتفوق لذوي الجلود البيضاء على نظرائهم السود فحسب بل كان أشبه بمرضاة الرب ، موقفا دينيا يلتزم به للأسف كثير من الأمريكيين حتى وقتنا الحاضر ..!
 الناشطة الثورية السمراء " آنجيلا ديفيس " من أبرزت من كانت ضد الحراك العنصري منذ الستينات ، و كانت مطلوبة لدى الإف بي آي في عام 1970م لمواقفها الجريئة أشارت بوضوح إلى أن العنصرية الأمريكية ليست مسألة أشخاص وإنما هي منهجية كاملة داخل مؤسسات الدولة الأمريكية لا سيما مؤسسات الشرطة والأمن والسجون ..
 ولعل الأحداث التي جرت العام الماضي في " فرغسون " والعام الحالي في " بالتيمور " يجعلنا أمام حقيقة دامغة على أن العنصرية الأمريكية لم تمت وعلى ما يبدو لن تموت ، فما يزال كثير من الأمريكيين الأفارقة يعانون من التفرقة ، وعدم المساواة بينهم وبين البيض في فرص العمل والتعليم ، مما ضاعف من مشاعر هياجهم وتمردهم على رجال الشرطة البيض الذي لا يكفون في كل فرصة سانحة على الانتقاد منهم ؛ ففي السنوات الأخيرة شهد المجتمع الأمريكي عنفا من رجال الشرطة البيض على الشباب الأمريكي الأسود الذين يذهبون ضحية قتل لأسباب تافهة دون أن يحاسب مرتكبوها على جرائمهم ، مما جعلت التظاهرات والاحتجاجات تتفجر في معظم أنحاء البلاد من هؤلاء المظلومين دون أن يسمع لهم أحد وكما قال " مارتن لوثر كنج " : " إن أعمال الشغب هي لغة غير المسموعين " ، هذه الأعمال التي تتفاقم آثارها و أوراها مع مرور الأعوام ؛ لأنها لا تجد لصرختها صدى يخلصها من العنف الذي تتعرض له باستمرار ، ها هو غلاف مجلة تايم الأمريكية في عددها الأخير توثق أحداث بالتيمور الأخيرة التي ذهب ضحيتها شاب أسود أعزل تسبب رجال الشرطة البيض في قتله ، الغلاف الذي كتب عليه تاريخ عام 1968م وعام 2015م ، أي أنها مشتعلة منذ اغتيال الناشط الإنساني " مارتن لوثر كنج " إلى يومها هذا ، " كنج " الذي قرأ التاريخ جيدا قبل أن يغادر الأرض التي اغتيل عليها في بالتيمور حين قال كلماته في خطبة عام 1968م : " أنه من غير الأخلاقي أن ندين أعمال العنف بدون أن ندين الأسباب التي أدت لإشعال أعمال العنف نفسها ؛ هذه الأسباب هي التي تجعل الأشخاص يشعرون بأنه ليس أمامهم بديل غير الثورة العنيفة " ..
لم تعد العنصرية الأمريكية التي كانت موجهة وما تزال نحو الأمريكيين من الأصول أفريقية وغيرها فحسب ،  بل إن عنصريتها التي لا تكف عن التعاظم والتعالي عند كثير منهم تصوب اليوم نحو كل إنسان مسلم ، كل مسلم في أمريكا يحصر في دائرة عنيفة من الشك والارتياب ، وحين يقع أمر إرهابي فإنهم يشهرون أصابعهم أولا في وجه كل أمريكي مسلم ، وتتمادى هذه العنصرية عندما يوصفون الإرهابي إذا ما كان أمريكيا وغير مسلما بأن أفعال جرمه الإرهابي ناجمة عن الجنون ، أما الإرهابي المسلم فإن صفة الجنون أبعد ما تكون عنه حين يقترف الجرم نفسه الذي اقترفه غيره ..!
وهذا ناجم عن أسباب كثيرة ، ولعل أهمها الجهل المتعمد بالحقائق المزعجة ، فالعنصرية باتت اليوم جزءا لا يتجزأ من حياة المؤسسات الأمريكية كما ذهب الكاتب والباحث الصحفي " نعوم تشومسكي " في آخر حوار معه في صحيفة نيويورك تايمز ..

الثلاثاء، 12 مايو 2015

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

جريدة الرؤية

منذ فترة لاحظت أن كثير من الأصدقاء ألغوا حساباتهم في تويتر والفيس بوك ، وسأستثني هنا أولئك الذين قاموا بإلغائها رغبة في التفرغ لمشاريعهم الحياتية ولا سبب آخر كما أفصحوا بذلك ، ومعظم هؤلاء يعطلّون حساباتهم لأجل مسمى ثم يعودون حين يفرغون مما انكبّوا عليه خلال فترة غيابهم الاجتماعي ، أما الآخرون أولئك الذين أعلنوا بأنهم ألغوا حساباتهم ؛ بحجة البعد عن الضجة ، أو لأنه عالم لا يناسبهم ويسعى إلى استفزازهم باستمرار ، أو لأنهم شعروا أن أصواتهم لا تصل ، أو لأنها غدت حملا ثقيلا ، وغير ذلك من أسباب متضافرة ذكروا معظمها قبل المغادرة النهائية ..
على الصعيد الشخصي أستطيع أن أعترف بأن مواقفهم من مواقع التواصل الاجتماعية أدهشتني نوعا ما ، وما أدهشني أكثر هي عملية المغادرة و مباعثها ؛ ربما لأنني لست من النمط الذي يغادر أشياءه ، لست من النوع الذي يهجر حساباته أو يقوم بإلغائها ، والأهم هو أنني لا أحب أن أخلف ورائي عوالم ناقصة أو مبتورة أو باهتة أو ساذجة أو ثقيلة ومقرفة وما إلى ذلك و مهما بدت انطباعاتي عنها ، لا أحب أن أغادرها لكونها لا تعجبني أو لأنها لا تتوافق معي ، أو لأنها تزعجني ؛ لأني لو غادرتها مرة بسبب الآخرين ، لو فعلتها مرة فسأعملها مرارا وسأخلّف ورائي عوالم كثيرة على الصعيد الواقعي أيضا بلا تبرير مقنع سوى أن الآخرين والعالم المحيط بي هو مبعث ذلك الانسحاب ؛ فالحياة الواقعية التي نحياها لا تخلو من المنغّصات التي نواجهها في عوالمنا الافتراضية ، وبتعبير " سورين كيركغارد" : " الحياة ليست معضلة يجب حلها ، بل واقع يجب اختباره " ..
وهنا سأستعيد موقفا مررت به وصديقاتي في أول عام لنا في وظيفة التدريس ، فقد جاء قبولي في مدرسة عرفت فيها مديرتها بأنها شريرة بكل معنى الكلمة وقسوتها ، حتى أن صديقاتي منهن من قدمن استقالتهن إلى وظائف أقل وجعا للرأس ، وأقل انسحاقا للروح ، وإرهاقا للفكر ، ولفيف منهن قدمن طلب نقلهن إلى مدارس أخرى ما عداي ، رفضت وقتها تماما رغم الظروف السيئة المحيطة بي فكرة الهروب والتراجع وأنا التي توقن دائما بأن العالم لن يكون مثلما نريد نحن ، هذا واقع علينا أن نقبل به ، وكانت أمامي تحديات هائلة ، وصعوبات جمة ، في الوقت نفسه كنت مصرة على الاستمرار مهما بلغت حدة الظروف وتمادت نرفزتها ..
و حدث تماما ما توقعته ، ما يحدث غالبا في أكثر المرات إن لم يكن دائما ، ما حدث أن مديرة المدرسة صارت تعي بأنني لست كائنا هشا مثل الباقيات وأن أسلوبها غير التربوي في التعامل هو الذي بدا هشا أمام صمودي الذي قبل بمبدأ التحدي ..
بعد أعوام قليلة المديرة نفسها تعلمت أن تحترم نفسها قبل أن تحترم غيرها ، والأهم أن وجودي على حد – اعترافها – الشخصي ساهم بشكل كبير في تبديل نظرتها للحياة الإدارية ، وفي أسلوب تعاطيها مع الآخرين والعالم ، جعلها تفكر مليا وبحكمة أكبر بأن الحياة من الممكن جدا أن تكون أخف عبئا بابتسامة نابعة من القلب وكلمة لطيفة ..
يحدث كثيرا كثيرا ، يحدث دائما أن نؤثر في الآخرين دون أن نعلم ، أن نكون مفيدين دون أن يخبرنا أحد بذلك ، وليس من الضروري أن نعلم ذلك ، لكن علينا أن نمنح أنفسنا فرصة ، فرصة نستحقها ، فرصة تكسبنا أنفسنا ، فرصة تجعلنا نعدد خسارات الحياة ونستعيد أعباءها على هيئة مواقف مضت في حال سبيلها ومدت أرواحنا في المقابل حزما من التفاعل والأمل و المحبة والسلام والصداقة ، كما قال الشاعر " إبراهيم نصر الله " : " خسرت كثيرا لأكسب نفسي ، ظلالي مملوءة بالأمل ، وقلبي لما يزل بعده ، أخضر " ..
فرصة جعلتنا نقلّص ولو عدوا واحدا من سجل حياتنا الشخصية ونحوّله إلى صديق أو منافس شريف ، فرصة تجعلنا نسقط أقنعة الخوف والرهبة والنفاق والخديعة والغدر والخيانة لتغدو الحقيقة وحدها ، حقيقتنا هي من تقودنا بصمود وبموجبها نتعاطى مع العالم بأسلوبنا النقي وإن نبذنا أسلوبهم ، فالزمن وحده كفيل بكل شيء ..

ليلى البلوشي