الجمعة، 12 يونيو 2015

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

قرأت منذ وقت قريب قصة عجيبة عن طالب ذهب إلى ألمانيا للدراسة ، وأثناء إقامته هناك وصلته دعوة من صديق له في مدينة هامبورغ ، رتبت ولزملائه الآخرين جلسة ترحيب في أحد المطاعم ، وعندما دخلوا المطعم لاحظوا أن كثير من الطاولات كانت فارغة ، وكان هناك عدد قليل من السيدات الكبيرات في السن يجلسن جانبا ، و طاولة صغيرة تواجد عليها زوجين شابين لم يكن أمامهما سوى اثنين من الأطباق وعلبتين من المشروبات ، مما جعله يتساءل في نفسه عن هذه الوجبة البسيطة في مناسبة رومانسية جمعت بينهما بل تمادى في تساؤلاته حول ماذا ستقوله الفتاة عن بخل هذا الزوج ..؟
طلب زميلهم الطعام وكانوا جياعا فطلب المزيد ، و عبت قائمة طلباتهم الطاولة سريعا ؛ لأن المطعم كان هادئا ..
لم يقضوا وقتا طويلا في تناول الطعام وعندما قاموا للمغادرة ، كان ثلث الطعام المطلوب متبق في الأطباق دون أن يمس ..
وما كادوا يصلون إلى نهاية باب المطعم حتى ناداهم صوت ، توقفوا و التفتوا فلاحظوا أن السيدات الكبيرات في السن كن يتحدثن عنهم إلى مالك المطعم ، وحين تحدثوا إليهم فهموا أنهم يشعرون بالاستياء لإضاعة الكثير من الطعام المتبقي ..
أجاب زميلهم الذي دعاهم : " لقد دفعنا ثمن الطعام الذي طلبناه ، فلماذا تتدخلن فيما لا يعنيكم ..؟ "
لكن إحدى السيدات الكبيرات في السن حدقت فيه بغضب شديد واتجهت نحو الهاتف واستدعت أحدهم ..
بعد مرور دقائق وصل رجل في زي رسمي ، قدم نفسه على أنه ضابط من مؤسسة التأمينات الاجتماعية ، وحرر لهم مخالفة 50 مارك .. التزموا جميعا الصمت من الواقعة العجيبة ، وأخرج زميلهم 50 مارك قدمها مع الاعتذار إلى الموظف ..
قال الضابط بلهجة حازمة : " اطلبوا كمية الطعام الذي بمكنكم استهلاكها ، المال لك لكن الموارد للجميع ، وهناك العديد من الآخرين في العالم يواجهون نقص الموارد ، ليس لديكم سبب لهدر الموارد " ..
قرأت هذه القصة الحقيقية بتأثر عميق ، وأنا أفكر في كمية الهدر الهائل لمعظم مواردنا نحن العرب ، لا سيما في دول الخليج العربي ..!
كميات هائلة من الأطعمة الفائضة عن موائدنا ، تفيض حتى عن حاجة الحيوانات التي تقتات عليها ، كميات هائلة من شتى أنواع الطعام في أوعية القمامات ، معظمها لم يمس ..!
وبما أننا على أعتاب الشهر الفضيل رمضان ، فإن كميات الطعام ستفيض مرتين بل أكثر ، دون أن نفكر ولو لحظة في الجوعى والمشردين فكيف إذن يطرأ ببالنا نحن - المسرفون - ما يسمى بهدر الموارد ..!
للأسف في الشعوب المرفهة الإسراف ليس في الطعام فحسب بل في كل شيء يعد نوعا من الكرم والشهامة ، بل من يقدم ما يسد حاجته فقط ، يعد في نظر هذا المجتمع الذي تعوّد على التبذير إنسانا بخيلا بل ناقص الشهامة أيضا ، ويكون علكة على ألسنة القاصي والداني ..!
نحتاج إلى مراجعة ، مراجعة شاملة لأنظمة حياتنا ، لإعادة بناء أفكارنا المجتمعية ، لننجب جيلا يدرك حجم النعم ، ويؤمن أن الثراء لا يعني إهدار الموارد ولا إسرافها ..!
نحتاج إلى إعادة منظومة علاقاتنا الاجتماعية خاصة ما يسمى بالــــ" وجاهة الاجتماعية " ؛ فهناك مليار جائع في هذا العالم يبيت أياما بلا وجبة ، إنهم يعانون ما يسمى بـــ" الجوع المزمن " حيث لا يعرف مجتمعات الرفاهية معنى شعور الجوع ؛ فالموائد وافرة بما لذ وطاب ، حتى في الشهر الفضيل الذي يفترض فيه أن يعرفوا معنى الجوع ، وأن يعايشوا شعور الفقراء والمشردين في هذا العالم ، يحدث العكس تماما ، حيث يتبارى الجميع في شعور الشبع ، بل وصل الأمر إلى حدوث حالات من الوفاة بسبب التخمة في إحدى الدول الخليجية ..!
شعوب تموت من الجوع وشعوب أخرى تموت من الشبع ، شعوران متضادان في العالم نفسه ..!
ربما نحن أحوج شعوب العالم إلى لجنة تحاسبنا على هدرنا لموارد الكرة الأرضية ، بتأكيد نحن أحوج الأمم لذلك ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 2 يونيو 2015

أطوار القراءة ..

أطوار القراءة  

" يجب أن تكون الكتب ثقيلة ؛ لأنها تخفي كل العالم " هذا ما ذهبت إليه الروائية الألمانية " كورنيليا فونكه " صاحبة الرواية الشهيرة والتي حولت إلى فيلم فنتازيا ساحر " قلب الحبر " ..
لكن هذه الكتب ثقيلة كيف يمكن أن يقرأها الإنسان ..؟ هل يوجهها أسلوب قرائي معين يسعى له القارئ الشغوف ..؟
أوقن دائما أن لكل كتاب طريقة ما ، أسلوب معين لفضّ ما فيه ، بعض الكتب تُقرأ في جلسة واحدة و أخرى على امتداد جلسات ، كتب أخرى تستحوذ على حواس القارئ من العتبة الأولى للنص وتحتضن دهشته الأولى التي تتعاظم كلما امتدت حواسه في أحشاء النص وأخرى تختبر صبرك كقارئ وتجبرك على أن تقطع أشواطا حتى تجسّ لذة سردها ، فـــ" وقت القراءة مختلس دائما كوقت الكتابة و وقت العشق " كما يرى " دانيال بناك " صاحب كتاب " متعة القراءة " ..
الباحث والناقد " عبدالفتاح كيليطو " في كتابه " الأدب و الغرابة " يذهب في حديث مسهب عن كيفية قراءة الكتب ، فهو يرى بأن الحكاية تقرأ قراءتين ، القراءة الأولى هي القراءة " العادية " ، أما القراءة الثانية هي القراءة " العالمة " ..
القراءة العادية تتم من اليمين إلى اليسار ، أي من البداية إلى النهاية وهي القراءة التي اعتاد عليها القارئ ، أما القراءة العالمة هي القراءة التي تتم من النهاية إلى البداية ، ومن اليسار إلى اليمين ؛ ويفسر قوله بأن هذه القراءة تجعل القارئ يلمس البناء السردي عن كثب بل تجعله يعيد صياغة الحكاية بعد تفكيك مكوناتها ..
لكن التحدي الحقيقي يظهر في الفرق ما بين القراءة العادية والقراءة العالمة ..؟
فالقراءة العادية التي اعتاد عليها القارئ العادي تشّد بخناقه وتجعله يبتلع الأحداث بدون مضغ ويقفز الصفحات ، لكي يصل أخيرا إلى النهاية التي يتلهف على معرفتها ، هذا التلهف لإنهاء قراءة الكتاب يدفع القارئ العادي ضريبتها غاليا ؛ ذلك لأنه يجري وراء الوهم ، هذا الوهم يفقده انضباطه وتحكمه في نفسه ويعيش فترة استلاب ..
أما القراءة العالمة ، فهي القراءة التي تحرر القارئ من الوهم ، ومن المشاركة الوجدانية وترفعه إلى مرتبة تجعله يشارك لا الشخصيات بل القائم بالسرد نفسه ..
القارئ هو طموح كل الكُتّاب ، فالكتاب بلا قراء أشبه بمدرسة بلا طلاب ، وكل كتاب ينجب قراءه ، سواء كان قارئا عاديا أم قارئا عالما ؛ لذا ما طرحه " كيليطو " في كتابه عن القراءة العادية والقراءة العالمة تخضع بالدرجة الأولى لنوع الكتاب وجنسه الأدبي ، فالكتب الموسوعات و التاريخ والرحلات وبعض الروايات تتطلب جهدا أكبر لفهمه مقاصدها ، لاستيعاب كثافة المعلومات التي تحويها ؛ لذا تتوق لقارئ عالمي يقدّر ما طرحه ويستوعب كمية الجهد المبذول ، قارئا مكتشفا ، ليس لأنه أثناء القراءة يكتسب معلومات فحسب بل يقوم بفطنة ويقظة تحليلها وربطها ببعض واكتشاف مكامنها السرية ، تمده الصفحات بكثافة مقابل وعيه أثناء القراءة ، بينما ثمة كتب كالمجاميع القصصية وبعض الروايات وكتب الأشعار تتطلب الحالة الوجدانية للقارئ بقدر ما تتطلب أيضا يقظة قرائية فاعلة في دائرة النص ، لذا أرى أن القراءة العالمة هي حاضرة دائما ، ولكن حضورها ضمني متفاوت من قارئ إلى آخر تبعا لوعي القارئ وتغذيته لنفسه بقراءات موسعة في مجالات شتى ، بينما القراءة العادية تكون مسموعة أكثر و حاضرة أكثر ..
القراءة العالمة تتطلب قارئا عالما بمكونات السرد و أصول الحكاية ، لديه خلفية نقدية ، بينما القراءة العادية تختصر في القارئ العادي العابر الذي تكون صلته بالكتاب أيضا عابرة ، الكتاب الذي يكون وليد الصدفة لا وليد الرغبة والسعي كما في القراءة العالمة عند القارئ العالم ..
القراءة العادية هي غير متطلبة وخارج دائرة الشروط ، هي قراءة خاصة وليست عامة ، تكون علاقة القارئ بالكتاب عابرة وغايتها تختصر في جلب المتعة لنفسه ودفع الملل ، لا سيما و أننا في الزمن صار فيه معظم القراء تابعين لا مكتشفين ، في زمن صارت الدعاية هي الطريق إلى الكتاب كما أشار ناشر أمريكي ذات مرة : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر العالم " ..
بينما القراءة العالمة هي قراءة عامة ، تستدعي وجود قارئ طموح تكون القراءة لديه مشروع كمشروع زراعة شجرة ، هذا المشروع قابل للتطور والنمو على مدى الأيام ، تخرج من طور المتعة إلى طور المشاركة ، لتجلب منفعة لنفسها وللآخرين أيضا ، بمعنى هي القراءة التي تنجب مع الزمن قارئا بمرتبة كاتب أو باحث أو ناقد تبعا للتوجهات القرائية .. 
لكل منا طور من أطوار القراءة ، ووحدنا نحن - القراء - نحدد مرتبتها و نمضي لاستكمال دربها الساحر  ..

ليلى البلوشي

السبت، 23 مايو 2015

صفحة أمريكية من العار لم تطوَ بعد ..!

صفحة أمريكية من العار لم تطوَ بعد ..!

كان وصول الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " عام 2008م إلى سدّة الحكم ودخوله مع زوجته وابنتيه من الباب المفضي إلى البيت الأبيض كانت أشبه بصدمة عالمية كبرى وقتئذ ؛ لأن البيت الأبيض كان منيعا في وجه الرجال السود ، البيت الأبيض الذي ظل طوال الحكم الأمريكي حكرا على رجال لون جلودهم أبيض بل إن حتى تسميته أشبه ما تكون ذات مغزى عنصري ..!
ولا يمكن أن تتحدث عن فترة حكم رئيس أمريكي أسود دون أن تخوض في حديث عن رجال ونساء سود كانت لهم جهود جبارة أشبه بمعجزة لتغيير تاريخ مجتمع أمريكي اشتهر بعار التفرقة العنصرية ، على رأس هؤلاء الأبطال أصحاب الكلمة الحق والموقف الحق ، والذين دفعوا ثمن موقفهم المشرف امرأة الحافلة التي فجر موقفها الشجاع في وجه رجل أبيض أراد دون وجه حق استيلاء على مقعدها في المكان المخصص للسود ؛ لأنه لم يجد مقعدا فارغا له في المكان المخصص للبيض ، المرأة التي أُصرّ دائما على ذكر اسمها في كل مقالة استذكر فيها تاريخ العنصرية الأمريكية ، كي يبقى اسمها مشعا في الذاكرة في وجه طوفان النسيان "روزا بانكس " هي التي كانت سببا في قيام تظاهرات واحتجاجات قادها قس معمداني كان غير معروفا يومها ، ولكن صار شهيرا للغاية وهو " مارتن لوثر كنج " ، هذه المرأة التي توفيت عام 2005م صارت أيقونة لحركة الحقوق المدنية ولولا شجاعتها لما كان " باراك أوباما " اليوم رئيسا لدولة عرفت بالعنصرية ، ولعل وصوله إلى موقع السلطة حجب قليلا الرأي العام عن قضايا العنصرية الأمريكية ، والتي لم تشف تماما منها كما خيل للبعض في الأعوام الأخيرة ، فالعنصرية لم يكن تصرفا اجتماعيا نابعا عن مجتمع اعتاد على ممارسته لأعوام طويلة مع شعور متفاقم بالتفوق لذوي الجلود البيضاء على نظرائهم السود فحسب بل كان أشبه بمرضاة الرب ، موقفا دينيا يلتزم به للأسف كثير من الأمريكيين حتى وقتنا الحاضر ..!
 الناشطة الثورية السمراء " آنجيلا ديفيس " من أبرزت من كانت ضد الحراك العنصري منذ الستينات ، و كانت مطلوبة لدى الإف بي آي في عام 1970م لمواقفها الجريئة أشارت بوضوح إلى أن العنصرية الأمريكية ليست مسألة أشخاص وإنما هي منهجية كاملة داخل مؤسسات الدولة الأمريكية لا سيما مؤسسات الشرطة والأمن والسجون ..
 ولعل الأحداث التي جرت العام الماضي في " فرغسون " والعام الحالي في " بالتيمور " يجعلنا أمام حقيقة دامغة على أن العنصرية الأمريكية لم تمت وعلى ما يبدو لن تموت ، فما يزال كثير من الأمريكيين الأفارقة يعانون من التفرقة ، وعدم المساواة بينهم وبين البيض في فرص العمل والتعليم ، مما ضاعف من مشاعر هياجهم وتمردهم على رجال الشرطة البيض الذي لا يكفون في كل فرصة سانحة على الانتقاد منهم ؛ ففي السنوات الأخيرة شهد المجتمع الأمريكي عنفا من رجال الشرطة البيض على الشباب الأمريكي الأسود الذين يذهبون ضحية قتل لأسباب تافهة دون أن يحاسب مرتكبوها على جرائمهم ، مما جعلت التظاهرات والاحتجاجات تتفجر في معظم أنحاء البلاد من هؤلاء المظلومين دون أن يسمع لهم أحد وكما قال " مارتن لوثر كنج " : " إن أعمال الشغب هي لغة غير المسموعين " ، هذه الأعمال التي تتفاقم آثارها و أوراها مع مرور الأعوام ؛ لأنها لا تجد لصرختها صدى يخلصها من العنف الذي تتعرض له باستمرار ، ها هو غلاف مجلة تايم الأمريكية في عددها الأخير توثق أحداث بالتيمور الأخيرة التي ذهب ضحيتها شاب أسود أعزل تسبب رجال الشرطة البيض في قتله ، الغلاف الذي كتب عليه تاريخ عام 1968م وعام 2015م ، أي أنها مشتعلة منذ اغتيال الناشط الإنساني " مارتن لوثر كنج " إلى يومها هذا ، " كنج " الذي قرأ التاريخ جيدا قبل أن يغادر الأرض التي اغتيل عليها في بالتيمور حين قال كلماته في خطبة عام 1968م : " أنه من غير الأخلاقي أن ندين أعمال العنف بدون أن ندين الأسباب التي أدت لإشعال أعمال العنف نفسها ؛ هذه الأسباب هي التي تجعل الأشخاص يشعرون بأنه ليس أمامهم بديل غير الثورة العنيفة " ..
لم تعد العنصرية الأمريكية التي كانت موجهة وما تزال نحو الأمريكيين من الأصول أفريقية وغيرها فحسب ،  بل إن عنصريتها التي لا تكف عن التعاظم والتعالي عند كثير منهم تصوب اليوم نحو كل إنسان مسلم ، كل مسلم في أمريكا يحصر في دائرة عنيفة من الشك والارتياب ، وحين يقع أمر إرهابي فإنهم يشهرون أصابعهم أولا في وجه كل أمريكي مسلم ، وتتمادى هذه العنصرية عندما يوصفون الإرهابي إذا ما كان أمريكيا وغير مسلما بأن أفعال جرمه الإرهابي ناجمة عن الجنون ، أما الإرهابي المسلم فإن صفة الجنون أبعد ما تكون عنه حين يقترف الجرم نفسه الذي اقترفه غيره ..!
وهذا ناجم عن أسباب كثيرة ، ولعل أهمها الجهل المتعمد بالحقائق المزعجة ، فالعنصرية باتت اليوم جزءا لا يتجزأ من حياة المؤسسات الأمريكية كما ذهب الكاتب والباحث الصحفي " نعوم تشومسكي " في آخر حوار معه في صحيفة نيويورك تايمز ..

الثلاثاء، 12 مايو 2015

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

جريدة الرؤية

منذ فترة لاحظت أن كثير من الأصدقاء ألغوا حساباتهم في تويتر والفيس بوك ، وسأستثني هنا أولئك الذين قاموا بإلغائها رغبة في التفرغ لمشاريعهم الحياتية ولا سبب آخر كما أفصحوا بذلك ، ومعظم هؤلاء يعطلّون حساباتهم لأجل مسمى ثم يعودون حين يفرغون مما انكبّوا عليه خلال فترة غيابهم الاجتماعي ، أما الآخرون أولئك الذين أعلنوا بأنهم ألغوا حساباتهم ؛ بحجة البعد عن الضجة ، أو لأنه عالم لا يناسبهم ويسعى إلى استفزازهم باستمرار ، أو لأنهم شعروا أن أصواتهم لا تصل ، أو لأنها غدت حملا ثقيلا ، وغير ذلك من أسباب متضافرة ذكروا معظمها قبل المغادرة النهائية ..
على الصعيد الشخصي أستطيع أن أعترف بأن مواقفهم من مواقع التواصل الاجتماعية أدهشتني نوعا ما ، وما أدهشني أكثر هي عملية المغادرة و مباعثها ؛ ربما لأنني لست من النمط الذي يغادر أشياءه ، لست من النوع الذي يهجر حساباته أو يقوم بإلغائها ، والأهم هو أنني لا أحب أن أخلف ورائي عوالم ناقصة أو مبتورة أو باهتة أو ساذجة أو ثقيلة ومقرفة وما إلى ذلك و مهما بدت انطباعاتي عنها ، لا أحب أن أغادرها لكونها لا تعجبني أو لأنها لا تتوافق معي ، أو لأنها تزعجني ؛ لأني لو غادرتها مرة بسبب الآخرين ، لو فعلتها مرة فسأعملها مرارا وسأخلّف ورائي عوالم كثيرة على الصعيد الواقعي أيضا بلا تبرير مقنع سوى أن الآخرين والعالم المحيط بي هو مبعث ذلك الانسحاب ؛ فالحياة الواقعية التي نحياها لا تخلو من المنغّصات التي نواجهها في عوالمنا الافتراضية ، وبتعبير " سورين كيركغارد" : " الحياة ليست معضلة يجب حلها ، بل واقع يجب اختباره " ..
وهنا سأستعيد موقفا مررت به وصديقاتي في أول عام لنا في وظيفة التدريس ، فقد جاء قبولي في مدرسة عرفت فيها مديرتها بأنها شريرة بكل معنى الكلمة وقسوتها ، حتى أن صديقاتي منهن من قدمن استقالتهن إلى وظائف أقل وجعا للرأس ، وأقل انسحاقا للروح ، وإرهاقا للفكر ، ولفيف منهن قدمن طلب نقلهن إلى مدارس أخرى ما عداي ، رفضت وقتها تماما رغم الظروف السيئة المحيطة بي فكرة الهروب والتراجع وأنا التي توقن دائما بأن العالم لن يكون مثلما نريد نحن ، هذا واقع علينا أن نقبل به ، وكانت أمامي تحديات هائلة ، وصعوبات جمة ، في الوقت نفسه كنت مصرة على الاستمرار مهما بلغت حدة الظروف وتمادت نرفزتها ..
و حدث تماما ما توقعته ، ما يحدث غالبا في أكثر المرات إن لم يكن دائما ، ما حدث أن مديرة المدرسة صارت تعي بأنني لست كائنا هشا مثل الباقيات وأن أسلوبها غير التربوي في التعامل هو الذي بدا هشا أمام صمودي الذي قبل بمبدأ التحدي ..
بعد أعوام قليلة المديرة نفسها تعلمت أن تحترم نفسها قبل أن تحترم غيرها ، والأهم أن وجودي على حد – اعترافها – الشخصي ساهم بشكل كبير في تبديل نظرتها للحياة الإدارية ، وفي أسلوب تعاطيها مع الآخرين والعالم ، جعلها تفكر مليا وبحكمة أكبر بأن الحياة من الممكن جدا أن تكون أخف عبئا بابتسامة نابعة من القلب وكلمة لطيفة ..
يحدث كثيرا كثيرا ، يحدث دائما أن نؤثر في الآخرين دون أن نعلم ، أن نكون مفيدين دون أن يخبرنا أحد بذلك ، وليس من الضروري أن نعلم ذلك ، لكن علينا أن نمنح أنفسنا فرصة ، فرصة نستحقها ، فرصة تكسبنا أنفسنا ، فرصة تجعلنا نعدد خسارات الحياة ونستعيد أعباءها على هيئة مواقف مضت في حال سبيلها ومدت أرواحنا في المقابل حزما من التفاعل والأمل و المحبة والسلام والصداقة ، كما قال الشاعر " إبراهيم نصر الله " : " خسرت كثيرا لأكسب نفسي ، ظلالي مملوءة بالأمل ، وقلبي لما يزل بعده ، أخضر " ..
فرصة جعلتنا نقلّص ولو عدوا واحدا من سجل حياتنا الشخصية ونحوّله إلى صديق أو منافس شريف ، فرصة تجعلنا نسقط أقنعة الخوف والرهبة والنفاق والخديعة والغدر والخيانة لتغدو الحقيقة وحدها ، حقيقتنا هي من تقودنا بصمود وبموجبها نتعاطى مع العالم بأسلوبنا النقي وإن نبذنا أسلوبهم ، فالزمن وحده كفيل بكل شيء ..

ليلى البلوشي

الخميس، 30 أبريل 2015

صوتك إذاعي ...

صوتك إذاعي ..

أظرف التعليقات التي قيلت لي ، ولعلها أحلاها أيضا كانت عن حنجرتي ، عبارة عفوية ، سمعتها مرارا بتقدير في أكثر من جلسة ثقافية ، كان آخرها يوم الخميس الماضي في المقهى الثقافي في مهرجان الشارقة القرائي للطفل بعد تقديمي لجلسة الدكتورة نعيمة حسن النجار التي طوقتني بالعبارة إياها بمحبة عميقة : " ليلى صوتك إذاعي "  ..
الإطراء نفسه عزّز بعبارة أكثر إغواء من آخرين أثناء تقديمي لهم : " هذا الصوت يجب أن يقرأ الشعر " ..
هذه التعليقات التي التقطتها أسماع معظم الحاضرين في سقوف تلك القاعات التي احتوتنا ، كانت تلف الفرح حول قلبي الصغير في كل مرة بغبطة كبيرة ؛ لكن في الوقت نفسه تركتني أحلق معها بعيدا ، جعلتني أؤثث في داخلي أمنية كبيرة ، مجنونة ، ومستحيلة ، لكن لكونها أمنية ، ولأن الخيال الخارق يتكفل بكل جنون العالم ومستحيلاته ، ولأنها لا ولن تؤذي أحدا بل ربما ستمتّعهم ، ووحدي أجني عاقبتها خيرا أم شرا حين تتبدى أمامي ، كل ذلك أغراني في أن أتشبث بأمنيتي بتوق أكبر ، أردد وأنا مطبقة على أجفاني كالصبي الحالم في فيلم " طوق الحمام المفقود " الذي يجثو على ركبتيه كفارس أمام وردة حمراء يانعة مطبقا على جفنيه ببراءة فائضة مقربا رأسه الصغير منها ؛ لأنه أدرك بخياله الطفولي الفضفاض بأنها تحلم وهو يريد أن يسرق منها حلمها ..  
أما أنا بكامل خشوعي طوال درب أمنياتي سأردد : لو أن لصوتي مقومات أكبر ، لو أن حنجرتي تغدو سحرية كبطل شخصية الكاتبة الألمانية " كورنيليا فونكه " في روايتها الخيالية البديعة " قلب البحر " الرجل ، الأب ، الذي كانت حنجرته فائضة بحكايات الكتب التي يسكبها بمنتهى الشغف في روح ابنته ، الطفلة الصغيرة ، التي اعتادت أذنيها على سماع الحكايات ، والنوم على نبرة أبيها المضمخة بدفء القصص ، لعل هذا الإصغاء منها ، ولعل صوت الأب المخلص أثناء القراءة ، الصوت الذي يمنح كل كلمة حقها ، ويضع كل فتحة وضمة واستفهام وتعجب في موضعها الصحيح ، وكل فقرة يسردها بطلاقة تجنّب شخصيات الكتاب عاهات سوء القراءة ، وأكثر من ذلك أيضا هي التي منحت صوته موهبة فذة في إخراج الشخصيات من قلب الرواية التي كان يتماهى مع شخوصها بحسّه المذهل ، هذه الموهبة المكلفة ، الموهبة الغريبة ، والباهرة ، من لا يرغب بها ..؟
مهما بدت خطورتها لا يمكن أن يرفضها قارئ كتب مفتون بالحكايات التي يتلقاها ويعيشها كما لو أنها تخصه ، كما لو أن تلك الشخصيات كانت معه دائما كأصدقاء ، وعشاق ، وأعداء كذلك ..!
وما أكثر الشخصيات التي أريد أن انتشلها من الكتب بصوتي ، أرغب في أن أتأبط ذراعيها ونمضي معا  إلى عالمها الغامض ، أن أجس خيباتهم عن قرب ، أن أطير مع خيالاتهم ، أن أطبطب على دموعهم ، أن أتجمّل ، واكتئب ، أرقص ، أغني ، أتأمل ، أنام و آكل ، اكتب ، واقرأ لهم ومعهم ، أن نتلقى الحياة ونتعاطى معها بروح المغامرة التي تقتحم أرواحنا بخيالات مبهجة ..!
" كوزيت " بطلة رواية " البؤساء " ، " آنا كارنينا " رائعة " ليو توليستوي " ، " جريجور سامسا " بطل العبقري " كافكا " ، زوجة الطبيب المبهرة في رواية " العمى " لــــ" ساراماغو " ، تلك الأمنية التي تندفع بحماس طفل هاجسه الاكتشاف ، فأجدني في جولة مع " أليس في بلاد العجائب " ونتآمر معا ضد الأرنب الأبيض ، فأحوله إلى ملوخية شهية ، وأعلق ساعته التي كان يثبتها على جيب معطفه الأسود كرجل أنيق على حائط المطبخ كذكرى ، وحين أشرع صفحات أكبر كتاب ضخم في مكتبتي المعنون بــــ " أين كانوا يكتبون ؟" و الذي يحوي بين جنباته على ذكريات خالدة ، صور بيوت ، غرف ، ردهات ، وحدائق أشهر الأدباء في العالم ، حينها أريد أن تستحيل غرفتي الصغيرة - كما يشاء صوتي الجبّار - إلى غرفة كتلك الغرف المأهولة ببصمة من دوّنوا التاريخ على هيئة حكاية مكتوبة فاخترعوا خلودها الأبدي ، فتمتزج روحي بعطر ساكنيها وعرقها ، بأرواح من سلموا رقابهم للحكايات التي كانوا يقتاتون عليها ؛ لأنهم آمنوا بأنها وحدها من ستعتني بهم بوفاء خالص حين يسلمون الرمق لرب الكون ،  فيسحبني صوتي إلى غرفة " مورافيا " التي تطل على البحر شاسع في عزلته الرهيبة ، اكتب فحسب ، وحين أتعب ، أتأمل الكائن الأزرق بصمته المهيب أمامي ، وحين أقلب الصفحة على منزل " أرنست همنغواي " أتجول في ملكوته ، و أمام طاولة الكتابة في مكانه ذاك ، وعلى هيئته الواقفة تماما حين كان فكره ينقل من قلب العاصفة رواية الشيخ والبحر آخذ غليونه و أنفث الدخان على ذكرى الرصاصة التي فشلت في مهمتها ؛ فلقد بقي صاحبها حيّا رغم أنف المسدس الغدّار ..!
 وفي عالم  " فرجينيا وولف " الذي يغلب عليه طابع الوحدة التامة سأنظم إليها وهي في طريقها إلى حتفها ، إلى نهر أوف ؛ كي أوقفها في آخر ثانية من زمن الحتف كما يحدث في الأفلام عادة ، فأحرر جيوب معطفها من الحجارة لتتحرر بدورها من ثقلها ، أوقفها لأقودها من يدها وهي منصاعة تماما كدمية مطيعة بعد صدمة النجاة إلى غرفتها الخاصة للكتابة حيث تترقب كل جزء منها انفجارها الإبداعي ، و أقنعها بكل ألفاظ الأمل التي كنت أنمّيها في جوفي كلما سقطت بأن قراءها ، قراءها المخلصون سيتعافون بفضل كلماتها وحدها رغم أنها مفقوءة بالجرح ؛ لأنها صادقة كحد سكين ..!
وبلا ريب سينحني صوتي بإجلال أمام " ليزل " بطلة " سارقة الكتب " للروائي " ماركوس زوساك " يتيمة الحرب التي قهرت ضربات المدافع بصوتها الحكائي المطمئن ، صوتها الذي أرغب دائما في استعارته حين أنكسر ، صوتها الذي خلق ليضمّد الأحزان ويرممّ أرامل القلوب ، الإجلال عينه سيكون ممزوجا بالنبل أمام الروائي " إنريكو دي لوكا " أمام رائعته " اليوم ما قبل السعادة " و أحد أبطاله الرائعين " دون رايموندو " - بائع الكتب المستعملة - الذي كان يعيرها للطفل الصغير بلا مقابل ؛ ليقينه التام بأن الكتب وجدت لتُقرأ ، اليقين نفسه الذي جعله أروع بائع للكتب المستعملة يمكن لقارئ أن يلتقيه ، العم " دون رايموندو " الذي أخبر الطفل الصغير إياه بأن أعمق حسرات التي صادفها في هذا العالم المثقل بعار الحروب ، هو فراغ جدار كان يسند يوما ، في زمن ما ، مكتبة مباعة ..!
يااااه ، كم أنا حالمة .. و كم خلاّقة هي الحكايات حين يكون لها صوت جبّار ..!
ليلى البلوشي

الثلاثاء، 21 أبريل 2015

فتنة الكتب الأكثر مبيعا ..!

فتنة الكتب الأكثر مبيعا ..!

اعترف أسطورة الإذاعة الأمريكي والذي عدّ عملاقا خلاقا من العصر الذهبي للإذاعة وكاتبا ومنتجا للمرئيات والمسموعات  " نورمان كوروين " قائلا : " لا اقرأ للكتّاب أصحاب الأكثر مبيعا ، لا أثق بهم " ..!
أجدني أضم صوتي لصوته و أعترف بأنني لا اقرأ لأصحاب الكتب الأكثر مبيعا على الأقل في عالمنا العربي وهي تهمة أرفعها عن قوائم الكتب الغربية ؛ فمعايير الغربيين في اختيار أكثر الكتب مبيعا لا يمكن أن تكون شبيهة في دقتها وفي جديتها معايير دور النشر العربية ، لذا معظم الكتب الأكثر مبيعا في قوائم الإصدارات العالمية لم تخذلني قط كقارئة على الرغم من أني كنت اقرأها بلغة وسيطة وكنت أضع كامل ثقتي في المترجم العربي رغم علمي بأن " الترجمة خيانة " كما يعترف بذلك أصحاب هذا الاختصاص ، وعلى الرغم من اللغة الوسيطة التي كنت أتفاعل بها مع الكتاب المترجم غير أنها كانت تفيض بالجمال ، المتعة ، الفائدة ، ودهشة التلقي لهذا الكتاب الغربي الأكثر مبيعا في العالم ..
ولكن الأمر يختلف تماما ويكاد يكون محبطا للغاية حين تقرأ كتابا من ضمن أكثر الكتب مبيعا كما يروج بعض دور نشر عربية ، وهي تستعرض تلك القائمة في واجهة الصفحات الثقافية لبعض الصحف ، وفي أثناء كل معرض كتاب عربي ، وغالبا تكون الأسماء نفسها مكررة مع كل كتاب يقومون بإصداره ، وهم يدركون جيدا أن القارئ الذي لا يقرأ سوى قوائم أكثر الكتب مبيعا سينساق كما تنساق الماشية إلى أقفاصها وراء تلك القائمة بفرح ساذج ، ويجدها مناسبة جيدة ليستعرض عضلاته القرائية ، حين يقوم بنشر صورة غلاف الكتاب الأكثر مبيعا في الانستغرام ، ويتسابق المراهقون والمراهقات في ذلك بعد تفشي موضة تصوير أغلفة الكتب ، في الوقت نفسه يفرح الناشر الفرح الساذج ذاته فخزينته وحده ستفيض بالمال ، بينما الكاتب المسكين لا يهمه من هذه الصفقة سوى أن يكون من ضمن قائمة الأكثر كتب مبيعا في كل معرض كتاب ، وفي كل مناسبة ثقافية ، أما مسألة قراءة محتوى الكتاب فهي غالبا خارج اهتمام كل من الناشر و القارئ و الكاتب أيضا ، وهذا أمر سائد في مجتمعاتنا العربية التي أصبحت تقيّم الكتب من ازدحام حفلات توقيع الكتاب لكاتب ما ، ومن تفشي صور غلاف الكتاب في مواقع التواصل الاجتماعية والانستغرام ..!
وعادة أكثر الكتب مبيعا حقا في العالم العربي هي الكتب التي افتضحت بأنها جنسية وهذا لوحده دافع كاف لتحقيق مبيعات هائلة تعود لخزانة دور النشر طبعا ، أو الكتاب الذي فاز بجائزة مشهورة وهذا دافع ممتاز لمن لا يقرأ سوى الكتب الحائزة على جوائز ؛ لذا فإن قوائم أكثر الكتب مبيعا في عالمنا العربي لا تحتاج سوى لناشر تاجر لديه ملصقات كافية لعبارة أكثر الكتب مبيعا يلصقها على الكتاب على سبيل الإغراء التجاري فيجد اقبالا كبيرا عند جمهرة من قراء لا يقرأون سوى الكتب التي تكون عليها ملصق أكثر الكتب مبيعا ، هذه الوسيلة نفسها أصبحت بعض دور النشر العريقة مضطرة باتباعها على كل كتاب فاز بجائزة عربية أو رشح لجائزة عربية بملصق حائز على جائزة أو رشح لجائزة لزيادة كميات الإقبال عليها  ..
مما لا شك فيه ثمة كتب عربية تستحق لكي تكون ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعا ولكنها لا تجد طريقها إلى القائمة ، ربما لأنها لا تثير الرافعات الإعلامية التي تفتش عن كل ما يفرقعها ، في الوقت نفسه هناك كتب ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعا وتستحق مكانتها بجدارة إبداعية غير أن خلط الحابل بالنابل جعل الأمر ملتبسا على القارئ الجاد و ظلم هذه الفئة في صدارتها تلك ..!
قال مرة ناشر أمريكي : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر في العالم " ..
لكن الطامة الكبرى من – وجهة نظري - حين يلهث بعض النقاد إلى كتب الدعايات الإعلامية ، وحين يكون جل اهتمامهم الكتب التي حازت على جوائز ، ويستثنونها بالدراسات والتحليلات النقدية في سباق لاهث بين هؤلاء النقاد ، فتظهر مئات الدراسات النقدية حول الكتاب نفسه ، في حين هناك آلاف من الكتب العربية بغض النظر عن جودتها أو رداءتها على رفوف الانتظار تترقب فرصتها النقدية من نقاد متخصصين ، فإذا كان هذا حال بعض النقاد في عالمنا العربي فكيف سيكون إذن حال القراء ..؟!
بمن ستثق أيها القارئ .. ؟
أنا شخصيا ومنذ أعوام القراءة الأولى لم أكن أثق سوى بحدسي ، حدسي الذي قادني دائما وحتى هذه اللحظة إلى أروع الكتب عربية كانت أم أجنبية ولم يسبق أن خذلني حدسي بالقدر التي خذلتني بها قوائم الكتب الأكثر مبيعا عربيا ..
أيها القارئ ، يا من تريد أن تتشبع بالقراءة وهي تقودك بحب إلى عوالمها السحرية لا تملك سوى أن تثق بحدسك الذي يرتقي في كل مرة ليلائم ذوقك وفكرك القرائي ، الحدس نفسه الذي سيلتقي مع قراء آخرين في طريق القراءة ، قراء مكتشفين عن كنوز الكتب وأكثرها روعة وجمالا ودهشة وفيضا فكريا ..
 القراء المكتشفون ما أنبلهم في زمن غاب فيه الناقد المكتشف ليحل محله الناقد التابع ، وهذا ربما من حسن حظ الكتب ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

السارد العظيم إيتالو كالفينو

السارد العظيم إيتالو كالفينو

جريدة الرؤية ..

في رسالة بعثها الروائي الإيطالي " إيتالو كالفينو " إلى صديقه الروائي الإيطالي " ميكيلي " المعروف بروايته " منغوليا على خطى ماركو بولو " ما يميز هذه الرسالة القصيرة هي الحديث الموجز والعميق في آن عن كيفية كتابة رواية وقصة قصيرة ومقالة ، فالروائي الإيطالي " إيتالو كالفينو " في بداية الرسالة نراه يبدي نوعا من الحسد على سبيل المزاح لصديقه الروائي الإيطالي ؛ لأنه يعلم جيدا أنه يقضي جل وقته في كتابة أطنان من الروايات المحبوكة حول موضوعات شتى بينما يبدد هو وقته ، فقد كان يأمل أن يجمع قصصه القصيرة التي كتبها في وقت ما في كتاب قصير ، لطيف و أنيق ومرتب كما يعبر ، غير أن صديقه الشاعر والروائي والناقد الإيطالي " تشيزاري بافيزي " – أهم الأدباء الإيطاليين في قرن العشرين - رفض الفكرة موضحا له ربما بنزعة نقدية بأن القصص القصيرة لا تباع وأن عليه أن يكتب رواية ، غير أن " كالفينو " أباح لصديقه في الرسالة بأنه مستعد كي يقضي حياته جلها في كتابة القصص موضحا في اعترافه بميزة كتابة القصص القصيرة وكأنه يغازلها في قصيدة منمقة : " لا أشعر الآن بضرورة ملحة لكتابة رواية ، أستطيع كتابة القصص القصيرة لبقية حياتي ، قصصا لطيفة مقتضبة بحيث تستطيع أن تنهيها بمجرد أن تبدأ بكتابتها ، قصصا تكتبها وتقرأ دون أخذ استراحة ، مستديرة وكاملة كالبيض ، قصصا إن أضفت أو حذفت منها كلمة واحدة يتفكك النص كله " ..
وحين يكتفي من تبيان وجهة نظره في كتابة القصة القصيرة وميزتها الجمالية ككاتب عاشق لكتابة القصص القصيرة نراه في المقطع الآخر من الرسالة نفسها يفرد حديثا شخصيا عن رأيه في الرواية وكتابتها ، موضحا من خلالها الجهد الذي يبذله ككاتب كي يكتب رواية ، كتابة مشوبة بعاطفة متوترة : " أما في ما يتعلق بالرواية ، فدوما ما تحتوي على لحظات ميتة ، على أجزاء حيث تربط مقطعا بآخر ، شخصيات تشعر بأنها ليست مكتملة تماما ، تتطلب الرواية مقاربة مختلفة ، أكثر استرخاء ولا تتطلب أن تتوقف عن التنفس وأسنانك تصّر مثلما أفعل حين أكتب ، أكتب وأنا أقضم أظافري "
ثم يبعد عن نفسه تهمة خمول أفكاره الروائية في رأسه ، بل يقر بأن رأسه يفيض بأفكار روايات ، حتى أنه يستطيع أن يكتب عشر روايات ، غير أن ما يربكه حول مسألة كتابة رواية هو أنه يستطيع التنبؤ بالروايات الفظيعة حول الأفكار الروائية التي سيكتب عنها ، حيث لديه أفكار نقدية ونظرية متكاملة حول الرواية وهذا ما يربكه حين يعزم بكتابتها ..!
وتتجلى تلك الربكة في كتابة رواية عند " إيتالو كالفينو " حين يخبر صديقه بأنه يكتب حاليا رواية مثله مثل بقية أصدقائه الروائيين والروائيات ، شارحا له الصعوبات التي يواجهها ككتاب رواية تظهر في الوقت نفسه مدى دقته وجديته في مشروعه الروائي وهي درس لكل من يستسهل كتابة الرواية في وقتنا الحاضر : " الأبله المعتوه نيكوسيا يكتب رواية جيدة حول الانفصاليين الصقليين ، ستكون رواية ناجحة ، إذ لديه أسلوب خاص وجديد ، ناتاليا أيضا تكتب رواية ، شأنها شأن بافيزي ، أنا أيضا بدأت بكتابة رواية : كتبت أربع صفحات في أسبوع ، تمضي الأسابيع دون أن أستطيع إضافة فاصلة إلى الجملة ، تنقضي أيام وأنا أتساءل ما إذا كانت مفردة " تصعد " أنسب من مفردة " ترتقي " في تلك الجملة " ..
بعد أن يسرد لصديقه الروائي ميزة كتابة القصص القصيرة والوقت الذي يستغرقه في كتابة الروايات ، يتحدث عن المقالات الأسبوعية وما يحتاجه كاتب المقالات : " أضف إلى ذلك ، أنه يتوجب علي كتابة مقالات وهذا يقتلني ، الجميع يطلب مقالات وأنا أكتبها ؛ لأن كتابة مقال تستغرق نصف ساعة ، كتابة مقال وليس إعداد المقال ، فإعداد المقال يتطلب أن تقرأ كتبا ، أن تجد أفكارا وأن تشمّر ساعديك ، علاوة على ذلك ، أنا من ذاك النوع الذي ينتقل من قمة السطحية إلى قمة الدقة خلال لحظة " ..
في الرسالة العميقة نفسها يضع أنموذجا عن كيفية الإعداد لكتابة مقالة ، فلا تكمن صعوبة المقالة في تحريرها من الرأس ساعة الكتابة ، بل أثناء اختيار الفكرة المناسبة ، وأثناء القراءة عن تلك الفكرة ، والتي قد تستغرق أسابيعا ؛ كي تتأكد من ثلاث كلمات فحسب عن الكاتب الذي تكتب عنه ..
هذا الشرح المسهب تظهر شخصية " إيتالو كالفينو " ككاتب قصة ورواية ومقال وتحقيقات صحفية أيضا ، تؤكد للقارئ بأنه كاتب جاد في مشروعه الكتابي ، كاتب يتحرى الدقة في كل كلمة يكتبها ، بل كل كلمة لديه تخضع لجلسات من التحقيق والتأمل والرجوع للمعاجم والقواميس وقراءة كميات هائلة من الكتب ، ليقدم للقارئ مادة كتابية كثيفة الإبداع ، وكل من قرأ لــــ" إيتالو كالفينو " يدرك حجم الدهشات التي تحتويها كتابته ، كثافة الأخيلة ، وسعة الجهد المبذول في مطاردة الحكايات بفراسة واعية ..
ومن لم يقرأ بعد لـــــ" إيتالو كالفينو " عسى أن تكون هذه المقالة التي شرّحته داخليا ككاتب متعدد المواهب في شتى أجناس الأدب أن تغريه لخوض عوالمه الساحرة بحق ..

ليلى البلوشي