السبت، 23 مايو 2015

صفحة أمريكية من العار لم تطوَ بعد ..!

صفحة أمريكية من العار لم تطوَ بعد ..!

كان وصول الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " عام 2008م إلى سدّة الحكم ودخوله مع زوجته وابنتيه من الباب المفضي إلى البيت الأبيض كانت أشبه بصدمة عالمية كبرى وقتئذ ؛ لأن البيت الأبيض كان منيعا في وجه الرجال السود ، البيت الأبيض الذي ظل طوال الحكم الأمريكي حكرا على رجال لون جلودهم أبيض بل إن حتى تسميته أشبه ما تكون ذات مغزى عنصري ..!
ولا يمكن أن تتحدث عن فترة حكم رئيس أمريكي أسود دون أن تخوض في حديث عن رجال ونساء سود كانت لهم جهود جبارة أشبه بمعجزة لتغيير تاريخ مجتمع أمريكي اشتهر بعار التفرقة العنصرية ، على رأس هؤلاء الأبطال أصحاب الكلمة الحق والموقف الحق ، والذين دفعوا ثمن موقفهم المشرف امرأة الحافلة التي فجر موقفها الشجاع في وجه رجل أبيض أراد دون وجه حق استيلاء على مقعدها في المكان المخصص للسود ؛ لأنه لم يجد مقعدا فارغا له في المكان المخصص للبيض ، المرأة التي أُصرّ دائما على ذكر اسمها في كل مقالة استذكر فيها تاريخ العنصرية الأمريكية ، كي يبقى اسمها مشعا في الذاكرة في وجه طوفان النسيان "روزا بانكس " هي التي كانت سببا في قيام تظاهرات واحتجاجات قادها قس معمداني كان غير معروفا يومها ، ولكن صار شهيرا للغاية وهو " مارتن لوثر كنج " ، هذه المرأة التي توفيت عام 2005م صارت أيقونة لحركة الحقوق المدنية ولولا شجاعتها لما كان " باراك أوباما " اليوم رئيسا لدولة عرفت بالعنصرية ، ولعل وصوله إلى موقع السلطة حجب قليلا الرأي العام عن قضايا العنصرية الأمريكية ، والتي لم تشف تماما منها كما خيل للبعض في الأعوام الأخيرة ، فالعنصرية لم يكن تصرفا اجتماعيا نابعا عن مجتمع اعتاد على ممارسته لأعوام طويلة مع شعور متفاقم بالتفوق لذوي الجلود البيضاء على نظرائهم السود فحسب بل كان أشبه بمرضاة الرب ، موقفا دينيا يلتزم به للأسف كثير من الأمريكيين حتى وقتنا الحاضر ..!
 الناشطة الثورية السمراء " آنجيلا ديفيس " من أبرزت من كانت ضد الحراك العنصري منذ الستينات ، و كانت مطلوبة لدى الإف بي آي في عام 1970م لمواقفها الجريئة أشارت بوضوح إلى أن العنصرية الأمريكية ليست مسألة أشخاص وإنما هي منهجية كاملة داخل مؤسسات الدولة الأمريكية لا سيما مؤسسات الشرطة والأمن والسجون ..
 ولعل الأحداث التي جرت العام الماضي في " فرغسون " والعام الحالي في " بالتيمور " يجعلنا أمام حقيقة دامغة على أن العنصرية الأمريكية لم تمت وعلى ما يبدو لن تموت ، فما يزال كثير من الأمريكيين الأفارقة يعانون من التفرقة ، وعدم المساواة بينهم وبين البيض في فرص العمل والتعليم ، مما ضاعف من مشاعر هياجهم وتمردهم على رجال الشرطة البيض الذي لا يكفون في كل فرصة سانحة على الانتقاد منهم ؛ ففي السنوات الأخيرة شهد المجتمع الأمريكي عنفا من رجال الشرطة البيض على الشباب الأمريكي الأسود الذين يذهبون ضحية قتل لأسباب تافهة دون أن يحاسب مرتكبوها على جرائمهم ، مما جعلت التظاهرات والاحتجاجات تتفجر في معظم أنحاء البلاد من هؤلاء المظلومين دون أن يسمع لهم أحد وكما قال " مارتن لوثر كنج " : " إن أعمال الشغب هي لغة غير المسموعين " ، هذه الأعمال التي تتفاقم آثارها و أوراها مع مرور الأعوام ؛ لأنها لا تجد لصرختها صدى يخلصها من العنف الذي تتعرض له باستمرار ، ها هو غلاف مجلة تايم الأمريكية في عددها الأخير توثق أحداث بالتيمور الأخيرة التي ذهب ضحيتها شاب أسود أعزل تسبب رجال الشرطة البيض في قتله ، الغلاف الذي كتب عليه تاريخ عام 1968م وعام 2015م ، أي أنها مشتعلة منذ اغتيال الناشط الإنساني " مارتن لوثر كنج " إلى يومها هذا ، " كنج " الذي قرأ التاريخ جيدا قبل أن يغادر الأرض التي اغتيل عليها في بالتيمور حين قال كلماته في خطبة عام 1968م : " أنه من غير الأخلاقي أن ندين أعمال العنف بدون أن ندين الأسباب التي أدت لإشعال أعمال العنف نفسها ؛ هذه الأسباب هي التي تجعل الأشخاص يشعرون بأنه ليس أمامهم بديل غير الثورة العنيفة " ..
لم تعد العنصرية الأمريكية التي كانت موجهة وما تزال نحو الأمريكيين من الأصول أفريقية وغيرها فحسب ،  بل إن عنصريتها التي لا تكف عن التعاظم والتعالي عند كثير منهم تصوب اليوم نحو كل إنسان مسلم ، كل مسلم في أمريكا يحصر في دائرة عنيفة من الشك والارتياب ، وحين يقع أمر إرهابي فإنهم يشهرون أصابعهم أولا في وجه كل أمريكي مسلم ، وتتمادى هذه العنصرية عندما يوصفون الإرهابي إذا ما كان أمريكيا وغير مسلما بأن أفعال جرمه الإرهابي ناجمة عن الجنون ، أما الإرهابي المسلم فإن صفة الجنون أبعد ما تكون عنه حين يقترف الجرم نفسه الذي اقترفه غيره ..!
وهذا ناجم عن أسباب كثيرة ، ولعل أهمها الجهل المتعمد بالحقائق المزعجة ، فالعنصرية باتت اليوم جزءا لا يتجزأ من حياة المؤسسات الأمريكية كما ذهب الكاتب والباحث الصحفي " نعوم تشومسكي " في آخر حوار معه في صحيفة نيويورك تايمز ..

الثلاثاء، 12 مايو 2015

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

جريدة الرؤية

منذ فترة لاحظت أن كثير من الأصدقاء ألغوا حساباتهم في تويتر والفيس بوك ، وسأستثني هنا أولئك الذين قاموا بإلغائها رغبة في التفرغ لمشاريعهم الحياتية ولا سبب آخر كما أفصحوا بذلك ، ومعظم هؤلاء يعطلّون حساباتهم لأجل مسمى ثم يعودون حين يفرغون مما انكبّوا عليه خلال فترة غيابهم الاجتماعي ، أما الآخرون أولئك الذين أعلنوا بأنهم ألغوا حساباتهم ؛ بحجة البعد عن الضجة ، أو لأنه عالم لا يناسبهم ويسعى إلى استفزازهم باستمرار ، أو لأنهم شعروا أن أصواتهم لا تصل ، أو لأنها غدت حملا ثقيلا ، وغير ذلك من أسباب متضافرة ذكروا معظمها قبل المغادرة النهائية ..
على الصعيد الشخصي أستطيع أن أعترف بأن مواقفهم من مواقع التواصل الاجتماعية أدهشتني نوعا ما ، وما أدهشني أكثر هي عملية المغادرة و مباعثها ؛ ربما لأنني لست من النمط الذي يغادر أشياءه ، لست من النوع الذي يهجر حساباته أو يقوم بإلغائها ، والأهم هو أنني لا أحب أن أخلف ورائي عوالم ناقصة أو مبتورة أو باهتة أو ساذجة أو ثقيلة ومقرفة وما إلى ذلك و مهما بدت انطباعاتي عنها ، لا أحب أن أغادرها لكونها لا تعجبني أو لأنها لا تتوافق معي ، أو لأنها تزعجني ؛ لأني لو غادرتها مرة بسبب الآخرين ، لو فعلتها مرة فسأعملها مرارا وسأخلّف ورائي عوالم كثيرة على الصعيد الواقعي أيضا بلا تبرير مقنع سوى أن الآخرين والعالم المحيط بي هو مبعث ذلك الانسحاب ؛ فالحياة الواقعية التي نحياها لا تخلو من المنغّصات التي نواجهها في عوالمنا الافتراضية ، وبتعبير " سورين كيركغارد" : " الحياة ليست معضلة يجب حلها ، بل واقع يجب اختباره " ..
وهنا سأستعيد موقفا مررت به وصديقاتي في أول عام لنا في وظيفة التدريس ، فقد جاء قبولي في مدرسة عرفت فيها مديرتها بأنها شريرة بكل معنى الكلمة وقسوتها ، حتى أن صديقاتي منهن من قدمن استقالتهن إلى وظائف أقل وجعا للرأس ، وأقل انسحاقا للروح ، وإرهاقا للفكر ، ولفيف منهن قدمن طلب نقلهن إلى مدارس أخرى ما عداي ، رفضت وقتها تماما رغم الظروف السيئة المحيطة بي فكرة الهروب والتراجع وأنا التي توقن دائما بأن العالم لن يكون مثلما نريد نحن ، هذا واقع علينا أن نقبل به ، وكانت أمامي تحديات هائلة ، وصعوبات جمة ، في الوقت نفسه كنت مصرة على الاستمرار مهما بلغت حدة الظروف وتمادت نرفزتها ..
و حدث تماما ما توقعته ، ما يحدث غالبا في أكثر المرات إن لم يكن دائما ، ما حدث أن مديرة المدرسة صارت تعي بأنني لست كائنا هشا مثل الباقيات وأن أسلوبها غير التربوي في التعامل هو الذي بدا هشا أمام صمودي الذي قبل بمبدأ التحدي ..
بعد أعوام قليلة المديرة نفسها تعلمت أن تحترم نفسها قبل أن تحترم غيرها ، والأهم أن وجودي على حد – اعترافها – الشخصي ساهم بشكل كبير في تبديل نظرتها للحياة الإدارية ، وفي أسلوب تعاطيها مع الآخرين والعالم ، جعلها تفكر مليا وبحكمة أكبر بأن الحياة من الممكن جدا أن تكون أخف عبئا بابتسامة نابعة من القلب وكلمة لطيفة ..
يحدث كثيرا كثيرا ، يحدث دائما أن نؤثر في الآخرين دون أن نعلم ، أن نكون مفيدين دون أن يخبرنا أحد بذلك ، وليس من الضروري أن نعلم ذلك ، لكن علينا أن نمنح أنفسنا فرصة ، فرصة نستحقها ، فرصة تكسبنا أنفسنا ، فرصة تجعلنا نعدد خسارات الحياة ونستعيد أعباءها على هيئة مواقف مضت في حال سبيلها ومدت أرواحنا في المقابل حزما من التفاعل والأمل و المحبة والسلام والصداقة ، كما قال الشاعر " إبراهيم نصر الله " : " خسرت كثيرا لأكسب نفسي ، ظلالي مملوءة بالأمل ، وقلبي لما يزل بعده ، أخضر " ..
فرصة جعلتنا نقلّص ولو عدوا واحدا من سجل حياتنا الشخصية ونحوّله إلى صديق أو منافس شريف ، فرصة تجعلنا نسقط أقنعة الخوف والرهبة والنفاق والخديعة والغدر والخيانة لتغدو الحقيقة وحدها ، حقيقتنا هي من تقودنا بصمود وبموجبها نتعاطى مع العالم بأسلوبنا النقي وإن نبذنا أسلوبهم ، فالزمن وحده كفيل بكل شيء ..

ليلى البلوشي

الخميس، 30 أبريل 2015

صوتك إذاعي ...

صوتك إذاعي ..

أظرف التعليقات التي قيلت لي ، ولعلها أحلاها أيضا كانت عن حنجرتي ، عبارة عفوية ، سمعتها مرارا بتقدير في أكثر من جلسة ثقافية ، كان آخرها يوم الخميس الماضي في المقهى الثقافي في مهرجان الشارقة القرائي للطفل بعد تقديمي لجلسة الدكتورة نعيمة حسن النجار التي طوقتني بالعبارة إياها بمحبة عميقة : " ليلى صوتك إذاعي "  ..
الإطراء نفسه عزّز بعبارة أكثر إغواء من آخرين أثناء تقديمي لهم : " هذا الصوت يجب أن يقرأ الشعر " ..
هذه التعليقات التي التقطتها أسماع معظم الحاضرين في سقوف تلك القاعات التي احتوتنا ، كانت تلف الفرح حول قلبي الصغير في كل مرة بغبطة كبيرة ؛ لكن في الوقت نفسه تركتني أحلق معها بعيدا ، جعلتني أؤثث في داخلي أمنية كبيرة ، مجنونة ، ومستحيلة ، لكن لكونها أمنية ، ولأن الخيال الخارق يتكفل بكل جنون العالم ومستحيلاته ، ولأنها لا ولن تؤذي أحدا بل ربما ستمتّعهم ، ووحدي أجني عاقبتها خيرا أم شرا حين تتبدى أمامي ، كل ذلك أغراني في أن أتشبث بأمنيتي بتوق أكبر ، أردد وأنا مطبقة على أجفاني كالصبي الحالم في فيلم " طوق الحمام المفقود " الذي يجثو على ركبتيه كفارس أمام وردة حمراء يانعة مطبقا على جفنيه ببراءة فائضة مقربا رأسه الصغير منها ؛ لأنه أدرك بخياله الطفولي الفضفاض بأنها تحلم وهو يريد أن يسرق منها حلمها ..  
أما أنا بكامل خشوعي طوال درب أمنياتي سأردد : لو أن لصوتي مقومات أكبر ، لو أن حنجرتي تغدو سحرية كبطل شخصية الكاتبة الألمانية " كورنيليا فونكه " في روايتها الخيالية البديعة " قلب البحر " الرجل ، الأب ، الذي كانت حنجرته فائضة بحكايات الكتب التي يسكبها بمنتهى الشغف في روح ابنته ، الطفلة الصغيرة ، التي اعتادت أذنيها على سماع الحكايات ، والنوم على نبرة أبيها المضمخة بدفء القصص ، لعل هذا الإصغاء منها ، ولعل صوت الأب المخلص أثناء القراءة ، الصوت الذي يمنح كل كلمة حقها ، ويضع كل فتحة وضمة واستفهام وتعجب في موضعها الصحيح ، وكل فقرة يسردها بطلاقة تجنّب شخصيات الكتاب عاهات سوء القراءة ، وأكثر من ذلك أيضا هي التي منحت صوته موهبة فذة في إخراج الشخصيات من قلب الرواية التي كان يتماهى مع شخوصها بحسّه المذهل ، هذه الموهبة المكلفة ، الموهبة الغريبة ، والباهرة ، من لا يرغب بها ..؟
مهما بدت خطورتها لا يمكن أن يرفضها قارئ كتب مفتون بالحكايات التي يتلقاها ويعيشها كما لو أنها تخصه ، كما لو أن تلك الشخصيات كانت معه دائما كأصدقاء ، وعشاق ، وأعداء كذلك ..!
وما أكثر الشخصيات التي أريد أن انتشلها من الكتب بصوتي ، أرغب في أن أتأبط ذراعيها ونمضي معا  إلى عالمها الغامض ، أن أجس خيباتهم عن قرب ، أن أطير مع خيالاتهم ، أن أطبطب على دموعهم ، أن أتجمّل ، واكتئب ، أرقص ، أغني ، أتأمل ، أنام و آكل ، اكتب ، واقرأ لهم ومعهم ، أن نتلقى الحياة ونتعاطى معها بروح المغامرة التي تقتحم أرواحنا بخيالات مبهجة ..!
" كوزيت " بطلة رواية " البؤساء " ، " آنا كارنينا " رائعة " ليو توليستوي " ، " جريجور سامسا " بطل العبقري " كافكا " ، زوجة الطبيب المبهرة في رواية " العمى " لــــ" ساراماغو " ، تلك الأمنية التي تندفع بحماس طفل هاجسه الاكتشاف ، فأجدني في جولة مع " أليس في بلاد العجائب " ونتآمر معا ضد الأرنب الأبيض ، فأحوله إلى ملوخية شهية ، وأعلق ساعته التي كان يثبتها على جيب معطفه الأسود كرجل أنيق على حائط المطبخ كذكرى ، وحين أشرع صفحات أكبر كتاب ضخم في مكتبتي المعنون بــــ " أين كانوا يكتبون ؟" و الذي يحوي بين جنباته على ذكريات خالدة ، صور بيوت ، غرف ، ردهات ، وحدائق أشهر الأدباء في العالم ، حينها أريد أن تستحيل غرفتي الصغيرة - كما يشاء صوتي الجبّار - إلى غرفة كتلك الغرف المأهولة ببصمة من دوّنوا التاريخ على هيئة حكاية مكتوبة فاخترعوا خلودها الأبدي ، فتمتزج روحي بعطر ساكنيها وعرقها ، بأرواح من سلموا رقابهم للحكايات التي كانوا يقتاتون عليها ؛ لأنهم آمنوا بأنها وحدها من ستعتني بهم بوفاء خالص حين يسلمون الرمق لرب الكون ،  فيسحبني صوتي إلى غرفة " مورافيا " التي تطل على البحر شاسع في عزلته الرهيبة ، اكتب فحسب ، وحين أتعب ، أتأمل الكائن الأزرق بصمته المهيب أمامي ، وحين أقلب الصفحة على منزل " أرنست همنغواي " أتجول في ملكوته ، و أمام طاولة الكتابة في مكانه ذاك ، وعلى هيئته الواقفة تماما حين كان فكره ينقل من قلب العاصفة رواية الشيخ والبحر آخذ غليونه و أنفث الدخان على ذكرى الرصاصة التي فشلت في مهمتها ؛ فلقد بقي صاحبها حيّا رغم أنف المسدس الغدّار ..!
 وفي عالم  " فرجينيا وولف " الذي يغلب عليه طابع الوحدة التامة سأنظم إليها وهي في طريقها إلى حتفها ، إلى نهر أوف ؛ كي أوقفها في آخر ثانية من زمن الحتف كما يحدث في الأفلام عادة ، فأحرر جيوب معطفها من الحجارة لتتحرر بدورها من ثقلها ، أوقفها لأقودها من يدها وهي منصاعة تماما كدمية مطيعة بعد صدمة النجاة إلى غرفتها الخاصة للكتابة حيث تترقب كل جزء منها انفجارها الإبداعي ، و أقنعها بكل ألفاظ الأمل التي كنت أنمّيها في جوفي كلما سقطت بأن قراءها ، قراءها المخلصون سيتعافون بفضل كلماتها وحدها رغم أنها مفقوءة بالجرح ؛ لأنها صادقة كحد سكين ..!
وبلا ريب سينحني صوتي بإجلال أمام " ليزل " بطلة " سارقة الكتب " للروائي " ماركوس زوساك " يتيمة الحرب التي قهرت ضربات المدافع بصوتها الحكائي المطمئن ، صوتها الذي أرغب دائما في استعارته حين أنكسر ، صوتها الذي خلق ليضمّد الأحزان ويرممّ أرامل القلوب ، الإجلال عينه سيكون ممزوجا بالنبل أمام الروائي " إنريكو دي لوكا " أمام رائعته " اليوم ما قبل السعادة " و أحد أبطاله الرائعين " دون رايموندو " - بائع الكتب المستعملة - الذي كان يعيرها للطفل الصغير بلا مقابل ؛ ليقينه التام بأن الكتب وجدت لتُقرأ ، اليقين نفسه الذي جعله أروع بائع للكتب المستعملة يمكن لقارئ أن يلتقيه ، العم " دون رايموندو " الذي أخبر الطفل الصغير إياه بأن أعمق حسرات التي صادفها في هذا العالم المثقل بعار الحروب ، هو فراغ جدار كان يسند يوما ، في زمن ما ، مكتبة مباعة ..!
يااااه ، كم أنا حالمة .. و كم خلاّقة هي الحكايات حين يكون لها صوت جبّار ..!
ليلى البلوشي

الثلاثاء، 21 أبريل 2015

فتنة الكتب الأكثر مبيعا ..!

فتنة الكتب الأكثر مبيعا ..!

اعترف أسطورة الإذاعة الأمريكي والذي عدّ عملاقا خلاقا من العصر الذهبي للإذاعة وكاتبا ومنتجا للمرئيات والمسموعات  " نورمان كوروين " قائلا : " لا اقرأ للكتّاب أصحاب الأكثر مبيعا ، لا أثق بهم " ..!
أجدني أضم صوتي لصوته و أعترف بأنني لا اقرأ لأصحاب الكتب الأكثر مبيعا على الأقل في عالمنا العربي وهي تهمة أرفعها عن قوائم الكتب الغربية ؛ فمعايير الغربيين في اختيار أكثر الكتب مبيعا لا يمكن أن تكون شبيهة في دقتها وفي جديتها معايير دور النشر العربية ، لذا معظم الكتب الأكثر مبيعا في قوائم الإصدارات العالمية لم تخذلني قط كقارئة على الرغم من أني كنت اقرأها بلغة وسيطة وكنت أضع كامل ثقتي في المترجم العربي رغم علمي بأن " الترجمة خيانة " كما يعترف بذلك أصحاب هذا الاختصاص ، وعلى الرغم من اللغة الوسيطة التي كنت أتفاعل بها مع الكتاب المترجم غير أنها كانت تفيض بالجمال ، المتعة ، الفائدة ، ودهشة التلقي لهذا الكتاب الغربي الأكثر مبيعا في العالم ..
ولكن الأمر يختلف تماما ويكاد يكون محبطا للغاية حين تقرأ كتابا من ضمن أكثر الكتب مبيعا كما يروج بعض دور نشر عربية ، وهي تستعرض تلك القائمة في واجهة الصفحات الثقافية لبعض الصحف ، وفي أثناء كل معرض كتاب عربي ، وغالبا تكون الأسماء نفسها مكررة مع كل كتاب يقومون بإصداره ، وهم يدركون جيدا أن القارئ الذي لا يقرأ سوى قوائم أكثر الكتب مبيعا سينساق كما تنساق الماشية إلى أقفاصها وراء تلك القائمة بفرح ساذج ، ويجدها مناسبة جيدة ليستعرض عضلاته القرائية ، حين يقوم بنشر صورة غلاف الكتاب الأكثر مبيعا في الانستغرام ، ويتسابق المراهقون والمراهقات في ذلك بعد تفشي موضة تصوير أغلفة الكتب ، في الوقت نفسه يفرح الناشر الفرح الساذج ذاته فخزينته وحده ستفيض بالمال ، بينما الكاتب المسكين لا يهمه من هذه الصفقة سوى أن يكون من ضمن قائمة الأكثر كتب مبيعا في كل معرض كتاب ، وفي كل مناسبة ثقافية ، أما مسألة قراءة محتوى الكتاب فهي غالبا خارج اهتمام كل من الناشر و القارئ و الكاتب أيضا ، وهذا أمر سائد في مجتمعاتنا العربية التي أصبحت تقيّم الكتب من ازدحام حفلات توقيع الكتاب لكاتب ما ، ومن تفشي صور غلاف الكتاب في مواقع التواصل الاجتماعية والانستغرام ..!
وعادة أكثر الكتب مبيعا حقا في العالم العربي هي الكتب التي افتضحت بأنها جنسية وهذا لوحده دافع كاف لتحقيق مبيعات هائلة تعود لخزانة دور النشر طبعا ، أو الكتاب الذي فاز بجائزة مشهورة وهذا دافع ممتاز لمن لا يقرأ سوى الكتب الحائزة على جوائز ؛ لذا فإن قوائم أكثر الكتب مبيعا في عالمنا العربي لا تحتاج سوى لناشر تاجر لديه ملصقات كافية لعبارة أكثر الكتب مبيعا يلصقها على الكتاب على سبيل الإغراء التجاري فيجد اقبالا كبيرا عند جمهرة من قراء لا يقرأون سوى الكتب التي تكون عليها ملصق أكثر الكتب مبيعا ، هذه الوسيلة نفسها أصبحت بعض دور النشر العريقة مضطرة باتباعها على كل كتاب فاز بجائزة عربية أو رشح لجائزة عربية بملصق حائز على جائزة أو رشح لجائزة لزيادة كميات الإقبال عليها  ..
مما لا شك فيه ثمة كتب عربية تستحق لكي تكون ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعا ولكنها لا تجد طريقها إلى القائمة ، ربما لأنها لا تثير الرافعات الإعلامية التي تفتش عن كل ما يفرقعها ، في الوقت نفسه هناك كتب ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعا وتستحق مكانتها بجدارة إبداعية غير أن خلط الحابل بالنابل جعل الأمر ملتبسا على القارئ الجاد و ظلم هذه الفئة في صدارتها تلك ..!
قال مرة ناشر أمريكي : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر في العالم " ..
لكن الطامة الكبرى من – وجهة نظري - حين يلهث بعض النقاد إلى كتب الدعايات الإعلامية ، وحين يكون جل اهتمامهم الكتب التي حازت على جوائز ، ويستثنونها بالدراسات والتحليلات النقدية في سباق لاهث بين هؤلاء النقاد ، فتظهر مئات الدراسات النقدية حول الكتاب نفسه ، في حين هناك آلاف من الكتب العربية بغض النظر عن جودتها أو رداءتها على رفوف الانتظار تترقب فرصتها النقدية من نقاد متخصصين ، فإذا كان هذا حال بعض النقاد في عالمنا العربي فكيف سيكون إذن حال القراء ..؟!
بمن ستثق أيها القارئ .. ؟
أنا شخصيا ومنذ أعوام القراءة الأولى لم أكن أثق سوى بحدسي ، حدسي الذي قادني دائما وحتى هذه اللحظة إلى أروع الكتب عربية كانت أم أجنبية ولم يسبق أن خذلني حدسي بالقدر التي خذلتني بها قوائم الكتب الأكثر مبيعا عربيا ..
أيها القارئ ، يا من تريد أن تتشبع بالقراءة وهي تقودك بحب إلى عوالمها السحرية لا تملك سوى أن تثق بحدسك الذي يرتقي في كل مرة ليلائم ذوقك وفكرك القرائي ، الحدس نفسه الذي سيلتقي مع قراء آخرين في طريق القراءة ، قراء مكتشفين عن كنوز الكتب وأكثرها روعة وجمالا ودهشة وفيضا فكريا ..
 القراء المكتشفون ما أنبلهم في زمن غاب فيه الناقد المكتشف ليحل محله الناقد التابع ، وهذا ربما من حسن حظ الكتب ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

السارد العظيم إيتالو كالفينو

السارد العظيم إيتالو كالفينو

جريدة الرؤية ..

في رسالة بعثها الروائي الإيطالي " إيتالو كالفينو " إلى صديقه الروائي الإيطالي " ميكيلي " المعروف بروايته " منغوليا على خطى ماركو بولو " ما يميز هذه الرسالة القصيرة هي الحديث الموجز والعميق في آن عن كيفية كتابة رواية وقصة قصيرة ومقالة ، فالروائي الإيطالي " إيتالو كالفينو " في بداية الرسالة نراه يبدي نوعا من الحسد على سبيل المزاح لصديقه الروائي الإيطالي ؛ لأنه يعلم جيدا أنه يقضي جل وقته في كتابة أطنان من الروايات المحبوكة حول موضوعات شتى بينما يبدد هو وقته ، فقد كان يأمل أن يجمع قصصه القصيرة التي كتبها في وقت ما في كتاب قصير ، لطيف و أنيق ومرتب كما يعبر ، غير أن صديقه الشاعر والروائي والناقد الإيطالي " تشيزاري بافيزي " – أهم الأدباء الإيطاليين في قرن العشرين - رفض الفكرة موضحا له ربما بنزعة نقدية بأن القصص القصيرة لا تباع وأن عليه أن يكتب رواية ، غير أن " كالفينو " أباح لصديقه في الرسالة بأنه مستعد كي يقضي حياته جلها في كتابة القصص موضحا في اعترافه بميزة كتابة القصص القصيرة وكأنه يغازلها في قصيدة منمقة : " لا أشعر الآن بضرورة ملحة لكتابة رواية ، أستطيع كتابة القصص القصيرة لبقية حياتي ، قصصا لطيفة مقتضبة بحيث تستطيع أن تنهيها بمجرد أن تبدأ بكتابتها ، قصصا تكتبها وتقرأ دون أخذ استراحة ، مستديرة وكاملة كالبيض ، قصصا إن أضفت أو حذفت منها كلمة واحدة يتفكك النص كله " ..
وحين يكتفي من تبيان وجهة نظره في كتابة القصة القصيرة وميزتها الجمالية ككاتب عاشق لكتابة القصص القصيرة نراه في المقطع الآخر من الرسالة نفسها يفرد حديثا شخصيا عن رأيه في الرواية وكتابتها ، موضحا من خلالها الجهد الذي يبذله ككاتب كي يكتب رواية ، كتابة مشوبة بعاطفة متوترة : " أما في ما يتعلق بالرواية ، فدوما ما تحتوي على لحظات ميتة ، على أجزاء حيث تربط مقطعا بآخر ، شخصيات تشعر بأنها ليست مكتملة تماما ، تتطلب الرواية مقاربة مختلفة ، أكثر استرخاء ولا تتطلب أن تتوقف عن التنفس وأسنانك تصّر مثلما أفعل حين أكتب ، أكتب وأنا أقضم أظافري "
ثم يبعد عن نفسه تهمة خمول أفكاره الروائية في رأسه ، بل يقر بأن رأسه يفيض بأفكار روايات ، حتى أنه يستطيع أن يكتب عشر روايات ، غير أن ما يربكه حول مسألة كتابة رواية هو أنه يستطيع التنبؤ بالروايات الفظيعة حول الأفكار الروائية التي سيكتب عنها ، حيث لديه أفكار نقدية ونظرية متكاملة حول الرواية وهذا ما يربكه حين يعزم بكتابتها ..!
وتتجلى تلك الربكة في كتابة رواية عند " إيتالو كالفينو " حين يخبر صديقه بأنه يكتب حاليا رواية مثله مثل بقية أصدقائه الروائيين والروائيات ، شارحا له الصعوبات التي يواجهها ككتاب رواية تظهر في الوقت نفسه مدى دقته وجديته في مشروعه الروائي وهي درس لكل من يستسهل كتابة الرواية في وقتنا الحاضر : " الأبله المعتوه نيكوسيا يكتب رواية جيدة حول الانفصاليين الصقليين ، ستكون رواية ناجحة ، إذ لديه أسلوب خاص وجديد ، ناتاليا أيضا تكتب رواية ، شأنها شأن بافيزي ، أنا أيضا بدأت بكتابة رواية : كتبت أربع صفحات في أسبوع ، تمضي الأسابيع دون أن أستطيع إضافة فاصلة إلى الجملة ، تنقضي أيام وأنا أتساءل ما إذا كانت مفردة " تصعد " أنسب من مفردة " ترتقي " في تلك الجملة " ..
بعد أن يسرد لصديقه الروائي ميزة كتابة القصص القصيرة والوقت الذي يستغرقه في كتابة الروايات ، يتحدث عن المقالات الأسبوعية وما يحتاجه كاتب المقالات : " أضف إلى ذلك ، أنه يتوجب علي كتابة مقالات وهذا يقتلني ، الجميع يطلب مقالات وأنا أكتبها ؛ لأن كتابة مقال تستغرق نصف ساعة ، كتابة مقال وليس إعداد المقال ، فإعداد المقال يتطلب أن تقرأ كتبا ، أن تجد أفكارا وأن تشمّر ساعديك ، علاوة على ذلك ، أنا من ذاك النوع الذي ينتقل من قمة السطحية إلى قمة الدقة خلال لحظة " ..
في الرسالة العميقة نفسها يضع أنموذجا عن كيفية الإعداد لكتابة مقالة ، فلا تكمن صعوبة المقالة في تحريرها من الرأس ساعة الكتابة ، بل أثناء اختيار الفكرة المناسبة ، وأثناء القراءة عن تلك الفكرة ، والتي قد تستغرق أسابيعا ؛ كي تتأكد من ثلاث كلمات فحسب عن الكاتب الذي تكتب عنه ..
هذا الشرح المسهب تظهر شخصية " إيتالو كالفينو " ككاتب قصة ورواية ومقال وتحقيقات صحفية أيضا ، تؤكد للقارئ بأنه كاتب جاد في مشروعه الكتابي ، كاتب يتحرى الدقة في كل كلمة يكتبها ، بل كل كلمة لديه تخضع لجلسات من التحقيق والتأمل والرجوع للمعاجم والقواميس وقراءة كميات هائلة من الكتب ، ليقدم للقارئ مادة كتابية كثيفة الإبداع ، وكل من قرأ لــــ" إيتالو كالفينو " يدرك حجم الدهشات التي تحتويها كتابته ، كثافة الأخيلة ، وسعة الجهد المبذول في مطاردة الحكايات بفراسة واعية ..
ومن لم يقرأ بعد لـــــ" إيتالو كالفينو " عسى أن تكون هذه المقالة التي شرّحته داخليا ككاتب متعدد المواهب في شتى أجناس الأدب أن تغريه لخوض عوالمه الساحرة بحق ..

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 31 مارس 2015

سلاح القراءة


سلاح القراءة ..

جريدة الرؤية

أعظم تعريف قرأته عن " القارئ " في حياتي هي العبارة التي قالها الكاتب الأورغوياني " كارلوس ليسكانو " صاحب كتاب " الكاتب والآخر " ترجمة "  نهى أبو عرقوب " : " أول ما يعزز الابتكار هو القارئ ، إنه يبتكر كاتبه الخاص انطلاقا من الكتاب الذي يقرأ " ..
وبدأت أوقن منذ مدة طويلة أن " القارئ " ولا أعني هنا بالقارئ العادي بل " القارئ المكتشف " هو من سيرفع الركود الذي تعاني منه معظم القراءات في عالمنا العربي ، لاسيما حين ولى النقاد الحقيقيون المكتشفون منذ زمن " رجاء النقاش " و " إحسان عباس " وغيرهما ، ومذ وجدت الكتب نفسها في عالم أكثر نقاده أصبحوا تابعين لرافعات إعلامية ، تلك التي تلمّع الكتب التي تصاحبها إعلانات قوية ، أو تلك التي أصبحت تتمتع ببريق الجوائز ، هنا في مثل هذا الوضع الثقافي المتردي ، لا يبقى للكتاب والكاتب سوى القارئ المكتشف ، الذي يقرأ بوعي ، ويقتنص بذكاء الكتاب الجيد من على رفوف الكتب المزدحمة ، بل حتى الكتاب السيئ له نصيب من المتابعة والاهتمام عند القارئ المكتشف ، لتجريب ذائقته الشخصية ، وميوله الفكرية في انتقاء ما يراه بوعيه ، وبكامل حريته القرائية ، بعيدا عن ما يفرضه الذوق الدعائي العام على شريحة واسعة من قراء يفتقدون للوعي القرائي ، ويرضخون لوميض كيفما كان باهرا أو باهتا دون الأخذ في الاعتبار لأي معايير منطقية ؛ لفقدانهم ميزة تذوّق الكتب دون وساطات براقة ..!
لم يفاخر " بورخيس " يوما بأنه كاتب عظيم رغم عظمته بل كان يفاخر بأنه قارئ محترف ، لذا العالم الثقافي الغربي يدرك أهمية " القارئ " على الكتاب من ناحية وعلى الكاتب من ناحية أخرى لما له من أبعاد ثقافية لتنشئة مجتمع قرائي حضاري متعدد ومخلص أبدا للجمال ؛ لذا هم يولون أهمية كبيرة لموضوع تطوير طرق القراءة ولتحويل الفرد العادي إلى قارئ جيد ، لاسيما عند شريحة من تلامذة المدارس ، فقد تطرّق كثيرا الكاتب الأمريكي " تيم باركس " لطرح موضوع القراءة ، ومن إحدى مقالاته المهمة مقالة عنونها بــــ" سلاح القراء " ترجمة المترجمة السورية " أماني لازار " ، في هذه المقالة يتساءل عن الوسيلة الأكثر عقلانية التي يمكنه أن يتبعها ليقود طلابه ليقظة أعظم في حالة القراءة ، فبدأ يفكر بالطريقة التي يتبعها لدى القراءة تظهر فعالية القراءة ، وتأكد بعد تفكير عميق أن سلاح القراءة يكمن في " القلم " وحينها وجه طلابه قائلا لهم : " من الآن فصاعدا اقرؤوا والقلم بيدكم ، ليس بجانبكم على الطاولة لكن بالفعل في يدكم ، جاهزة ، مسلحة ، ودوما اكتبوا ثلاثة أو أربعة تعليقات على كل صفحة ، على الأقل تعليق نقدي واحد وحتى عدواني ، ضعوا إشارات استفهام بقرب كل ما تجدونه مشبوها وضعوا خطا تحت أي شيء تقدرونه حقا ، كونوا أحرارا لكتابة " عظيم " لكن أيضا " لا أصدق كلمة من هذا " وحتى " هراء " ..
" تيم باركس " يوقن أن القلم هو سلاح قوي من شأنه أن يطور القدرات القرائية بل يعمل على تحفيز الأداء القرائي ، فالعقل الذي يقوم بعملية القراءة يبقى منصتا لصوته الداخلي بينما القلم في اليد فهو متحفّز يترقب إشارة عقلية كي يبدأ بمهمة التنقيب عن جوهر القراءة في عوالم الكتاب ، وكلما كان الكتاب محرضا كلما بدت عملية القراءة أكثر متعة وفي الوقت نفسه تتطلب جهدا أكبر ؛ لأن القراءة هنا تخرج من طور المتعة واللذة إلى طور الاكتشاف ، والقلم هو اليقظة التي تنبه القارئ إلى أهمية وضع خط وإلى كتابة تعليقات شخصية لا تنم عن وعي قرائي فحسب بل تعمل على رفع فعالية الرؤية النقدية عند القارئ وبتعبير " تيم باركس " قائلا : " الحقيقة المجردة في وضع يد متزنة مستعدة للقيام بالفعل يغير سلوكنا تجاه النص .. لم نعد مستهلكين سلبيين لمونولوج أدبي لكن مشاركين إيجابيين في حوار ، سيتذكر الطلاب أن قراءاتهم تباطأت عندما أمسكوا بالقلم في يدهم لكن في نفس الوقت صار النص أكثر كثافة ، أكثر متعة " ..
وفي آخر المقالة يؤكد " باركس " على نظرية قرائية مهمة حين أشار بذكاء قائلا : " إن قراءة الكتب الرديئة بمقاومة يقظة أفضل من التهام الكتب الجيدة في افتتان غافل " ..

ليلى البلوشي

الأربعاء، 11 مارس 2015

في قراءة كفاح المرأة ..

في قراءة كفاح المرأة

جريدة الرؤية

من أدهش ما قرأته عن المرأة هذا العام عن ناشطة أفغانية ترتدي درعا حديديا على عوراتها لتفادي التحرش باللمس على تلك المناطق ، تسير بجسارة بدرعها الحديدي في شوارع كابول وسط دهشة الناس واستهجانهم تعبيرا منها عن همجية شعبها وتخلفه ..
ومن أتعس ما قرأته عن المرأة هذا العام واستفزني كامرأة هي عبارة الوقحة لأحد مغتصبي فتاة في دلهي حين قال : " عندما تتعرض الفتاة للاغتصاب لا ينبغي لها أن تقاوم ، عليها أن تلتزم الصمت وتسمح باغتصابها بعدها سيتركونها بعد الانتهاء منها وسيضربون الشاب فقط " ..!
ففي عام 16 من ديسمبر عام 2012م ذهبت فتاة تبلغ من العمر 23 عاما لمشاهدة الفيلم السينمائي " حياة باي " بصحبة صديق لها ، وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء اليوم نفسه صعدت مع صديقها حافلة خارج الخدمة على متنها ستة رجال ، خمسة بالغين وسادس صغير السن ، حين رأى الرجال الفتاة الجميلة برفقة صديقها قاموا بضربه بلا مقدمات ثم تناوبوا على اغتصاب الفتاة قبل أن يهاجموها بقوة مستخدمين آلة حديدية و توفيت متأثرة بإصابات داخلية كبيرة ..!
في بلاد يعبد أكثر من نصف شعبه آلهة نساء ولكن للأسف الشديد تتعرض فيه نساؤه لمعاملة سيئة للغاية ، في بلاد معظم نسائه علماء ومخترعات ولكنهن يتعرضن للعنف وعدم احترام حريتهن واستقلالهن ، هذا الكبت من المجتمع الهندي عن سوء معاملة المرأة جعلها في نظرهن ضحية هشة ومخذولة ومعرضة للدهس باستمرار بينما جعل الرجل يمتلك من الجرأة والوقاحة ؛ كي يتهجم عليها في وضح النهار وسط أناس كثيرين في الشارع دون أن يتجرأ أحدهم التدخل لإنقاذ الفتاة الضحية ، بل من تصل الوقاحة شدتها عند لفيف منهم حين يقومون بتصوير الفتاة أثناء تعرضها للاغتصاب وتسجيل صوت صرخاتها دون أن ينجدوها ، دون أن يشعروا ولو قليلا بالخجل والأسى ..!
هذه الانتهاكات التي تمارس ضد النساء في الهند تحديدا لها أسبابها كما عرضتها مخرجة سينمائية التي حاورت المغتصبين وتوقعت أن تسمع صوت الندم يثقب حناجرهم وهم يحكون بخجل مشوب بالتوتر ما اقترفوه ببشاعة في حق الضحية ، ولكن جل توقعاتها تحطمت حين رأيت مدى جرأتهم ، وحين لمست كمية وقاحتهم ، وحين عرفت كيف أن فكرهم المضل يرى المرأة في بلادها الذي يعيش الحداثة والتحضر مجرد سلعة للمتعة وليس كيانا مساويا للرجل على الرغم من القوانين التي فرضتها الحكومة في دستورها عن حقوق المرأة وجعلها في مصاف الرجل ، ولكن مجتمع كالهند لا يأخذون القوانين التي تتعلق بالمرأة على محمل الجد ، وذهبت بأن قصة الانتهاك تبدأ من الطفولة منذ بداية مولد الفتاة التي لا يرحب المجتمع بها مثلما يفعل مع الصبي عندما توزع الحلوى عند مولد الصبي وليست الفتاة ، عندما يحظى الصبي برعاية أكبر مقارنة بالفتاة ، عندما تفرض القيود على حركة المرأة وتخضع حريتها واختياراتها لقيود ، وعندما ترسل إلى بيت زوجها أشبه بالعبيد ، من هنا تفشى التبرير للرجال في مجتمع كالهند على استغلال المرأة وعلى تشييئها على وفق أهوائهم ..!
ومن أجمل ما قرأته عن المرأة في هذا العام هي عبارة " شمسية حسيني " : " لقد كان أمرا مهما أن أصبح معلمة ، إنها طريقتي الوحيدة في القول لهؤلاء الذين اعتدوا علي أنهم لم يربحوا " و " شميسة " هي اليوم معلمة أفغانية حين سكب عليها رجلان على وجهها الحمض الكاوي أمام مدرستها عام 2008م ، عزمت أن تكون معلمة للصغار في المدرسة نفسها ..
ومن رائع ما قرأته أيضا عن كفاح النساء المعرضات للاعتداء الخطوة الجريئة التي قامت بها امرأة هندية تدعى " روبا " وهي مصممة أزياء ، عندما عرضت على نساء تعرضن للحرق بماء النار دخول مجال عرض الأزياء ، وكأنها رسالة في وجه المعتدي الظالم بأن  " الجميلات هن القويات " كما ذهب الشاعر محمود درويش في شعره ..
ومن الخطوات السديدة أيضا يظهر مدى تحدي المرأة للعالم العنيف ومدى كفاحهن في سبيل العيش الكريم هو قيام امرأة صاحبة صالون تجميل بتوظيف فتيات تعرضن للحرق والتشويه بماء النار للعمل في مجال التجميل ، كسبا للزرق ومنحهن ثقة بأنفسهن بل إثبات للرجل البغيض الذي تعدى عليهن بأنهن مكافحات ويظلن أبدا على الرغم من كل شيء نساء مكافحات ..
سأستعير عبارة من الروائية التركية " أليف شافاق " وهي رسالة قصيرة ذات مضمون لكل امرأة : " إذا كنت هشة مثل كأس الشاي ، فإما أن تجدي طريقة كي لا تواجهي ماء يغلي أو أن تنكسري بأسرع ما يمكن ، لذلك توقفي عن كونك امرأة شبيهة بالكأس " ..
ولعل أكثر النساء في العالم جسدت فيهن عبارة الروائية " شافاق " هي " روزا باركس " المرأة الأمريكية الزنجية – هذا النعت الذي كان المجتمع الأمريكي ينعتها وبني جنسها وأنا أبغضه شخصيا - التي رفضت أن تخلي مقعدها في الحافلة من أجل رجل أبيض عندما أمرها السائق بذلك عام 1955م ، وقد عدّ المجتمع الأمريكي الأبيض فعلتها جريمة أدخلتها السجن على الرغم من أنها كانت جالسة في الجزء المخصص للسود في الحافلة ، ولكن قسم البيض كان مشغولا بالكامل فأراد الشخص الأبيض مقعدها ..!
على المرأة أن تكون مكافحة حقيقية في هذا العالم كي تحيا بسلام ..

ليلى البلوشي