الجمعة، 2 أكتوبر 2015

أنقذوا أنفسكم من هذا العالم ..!

أنقذوا أنفسكم من هذا العالم  ..!

" شيشرون " – خطيب روما - المميز ، فضح في زمن ما الإنسانية المدّعاة في نظرته الخطيرة و رتبهم على وفق مقاماتهم في الحياة ومدى استغلال الآخرين لهم  : " 1-  الفقير : يعمل ، 2- الغني : يستغل الرقم 1 ، 3- الجندي يدافع عن الاثنين ، 4- المواطن : يدفع للثلاثة ، 5- الكسول : يعتمد على الأربعة ، 6 _ السكير يشرب من أجل الخمسة ، 7- مدير البنك : يسرق الستة ، 8- المحامي : يغش السبعة ، 9- الطبيب : يقتل الثمانية ، 10 – حفار القبور : يدفن التسعة ، 11- رجل السياسة : يعيش من العشرة.. "!
ولعل المعادلة تلتقي بشكل ما مع مقطع من فيلم المصري " الكيف " 1985م ، حيث دار فيه حوار يستدعي الكثير من التأمل والإنصات ، الحوار الذي دار بين الممثل " جميل راتب " و الممثل " يحيى الفخراني " باللهجة المحكية ، خاطب فيه الممثل " جميل راتب " الذي كان تاجر مخدرات ثريّا شخصية " الفخراني " في الفيلم : " زمان كنت بخش الشاي بنشارة الخشب و أبيعه في بواكي شكلها حلو ، مكتوب عليها شاي " أبو الأصول " ، كسبت والماركة بقالها اسم وسمعة ، وفجأة النشارة غليت و النجارين اتملعنوا ، عبينا الشاي من غير نشارة ، تعرف حصل إليه ..؟ اتخرب بيتي وفلست ، الزباين طفشت وقالوا عليا غشيت الشاي ، مش باقولك مغفلين ..!
رد عليه " يحيى الفخراني " :  هم مش مغفلين اللي زيك أفسدوا ذوقهم ، عودتوهم على الوحش لغاية ما نسيوا طعم الحلو " ..!
أجل ، أصبح الإنسان في ظل هذه السياسات السائدة في وقتنا الحاضر مجرد رقم ، رقم مرهون بمزاجيات السياسيين _ أصحاب السيادات – في هذا العالم التي أسقطت في معادلاتها الإنسان ، السياسات التي تنتصر لهوى مصالحها العظمى و أطماعها الشخصية على حساب كائنات أخضعوهم وفق هواهم ، ترهلت دوافعهم في حياة طموح بعد أن تكالبت عليهم الحياة نفسها بمصاعبها ، غدوا مكافحين لترميم جراحات حياتهم اليومية من جوع و فقر و مرض و تشريد ، و علل اجتماعية واقتصادية عويصة ، شاغلهم لقمة العيش و إطعام أطفالهم ، حتى تناسوا متعة الحياة ولذائذها ، أما المطالبة بحقوقهم أصبحت غاية مستعصية في ظل قوانين تثقل كاهلهم ، قوانين ليست في مصلحة أحد سوى أصحاب القوة ، قوانين وضعت معظمها لتكميم الأفواه وترهيب الأفراد ، في ظل هذه القوانين التي لا تطبق سوى على الإنسان البسيط ، مهيض الجناحين ، مسحوق الحقوق تماما ، أما الثري فيجد ثغرة يفرّ منها أبدا ، والمشكلة ليست في اكتشاف الفساد و الاعتراف به ، فهذا مفروغ منه ، بل المشكلة أن هذا الفساد نفسه يتفشى بجبروت دون أن يجسر أحد على إيقافه ؛ لأن كل من رفع صوت ضميره أمام هذا الفساد المهول طُعن برمّح الغدر ، ولوحق بالمؤامرة ، والأجندة ، من جهلة الوطن ، الذين يعتقدون بأن وحدهم من لهم الحق فيه ، المخدوعين الذين يظنون بأن نقد مساوئ الفساد هو طعن في الوطن ، السُّذج الذين قدّسوا السلطات وأسقطوا مصلحة الأوطان ؛ و بسبب هؤلاء يمضي الفساد شاقا دروبه في كل الأصقاع بلا مواربة بل بكل وقاحة وجبروت ، بينما تحبس العقول التي عصت ، و تُعذّب الأجساد التي قاومت بشرف وجسارة من أجل مصلحة الوطن ..!
هناك من يعيش حتما على أعناق هؤلاء المرعوبين ، الجوعى ، المساكين ، الذين لا صوت لهم ، الذين وجدوا في السكوت ضمانا لئلا يسحقهم جلادو السلطة ، أولئك الذين يعيثون فسادا في الأرض ، يعيشون على حساب الجثث التي تتراكم كل لحظة أضعافا مضاعفة ، تتراكم هذه الجثث و بالقدر نفسه يتراكم الوجع في قلوب أمهاتهم الثكلى ، وجع مرّ ، كبركان يكوي الأفئدة ، أوجاع لم تجد عزاءها أبدا ..
تتراكم الجثث كما تتراكم مصائب الحزانى ، بينما أولئك الجشعون ، أصحاب السياسات ، يراكمون المليارات ، وعلى جيف تلك الجثث التي ينهشونها تتضاعف ثرواتهم يوما بعد يوم حد التجشُّؤ ..!
نعم ، نعم ، في السياسة الإنسان خاسر أبدا ؛ لأنه ضريبة السياسيين الأغبياء ، الأنانيين ، المستبدين ، المتعجرفين ، الحمقى – بلا شك – عديمي الضمير والوجدان ..!

ليلى البلوشي

نساء حوض الشهوات

نساء حوض الشهوات

" حوض الشهوات " عنوان رواية الكاتب  و الإعلامي العماني " محمد اليحيائي " الصادرة عن دار الانتشار العربي 2015م ، هذا العنوان الذي يحمل زخما مندفعا نحو التابوهات و تأويلات شتى في فكر كل ما يطالعه ، فهو حوض يترع بالشهوة كما يراه البعض ، أو حوض يتجلى فيه سيّر غامضة عن رجال من طبقات شتى تسردها امرأة غانية في شبق الليل كما قد يتخيله آخرون ، لكن مما لا شك فيه أن هذا الحوض يستدعي نساء كثيرات ، نساء فاتنات في قصر من قصور الملوك ، ونساء القبائل اللواتي عرف الدلال طريقه إليهن وترسّخ على شكل حوض فائض بماء الشهوة والحب من قبل بعولهن أو آبائهن :" الحوض الذي بناه جدي لبناته ، الوحيد في الولاية كلها " ..
ليس من السهل البتة أن تقرأ رواية تفيض بحكايات النساء ؛ لأن المرأة حكاّءة بفطرتها ، ليس من السهل أن تقرأ رواية تمضي نساؤها عبر دروب تاريخية مضمّخة بذكريات حيّة في فكر كل منهن وفق ما تجتر ذاكرتهن في زمن الحرب ، وفي زمن الرجولة التي تناسلت عبر دهر شديد الوطأة وشديد الملوحة كبحر أحلامهن الذي ظل الدنو منه مطعّما بالحرمان والعيب والحرام ..!
رواية " حوض الشهوات " تترافق ثلاث نسوة في داخل سرد متعدد الأصوات ، سرد مركّب يستدعي قارئا في تمام وعيه ؛ كي يتلمّس الواقع من الخيال ، الحلم من اليقظة ، اليقين من الوهم ، كي لا يتيه عن صوتهن ..
هؤلاء النسوة انتقلن عبر تلك التقاطعات في أزمنة متفاوتة ، لكن حكايتهن تلتقي على قدر ما تفترق ، كل منهن حاملة فتيل ذاكرتها المشتعلة على نار الحروب ، و الأزمات السياسية الوعرة ، بوجود رجال كانوا المعبر الأساسي لخوض تلك الأحداث المنغمسة بهزائم الحروب وانتصارات التاريخ ..
أولى نساء " حوض الشهوات " قوة وبأسا في الحضور هي " الزعيمة " ابنة البطل " مبارك بن حمدان " والتي كانت أقربهن إلى قلبه ، فهي " الزعيمة " كما لقبّها ، وهي التي قامت مقام الولد الذكر حين جعلها ترافقه في أعماله التجارية في سوق هو خاص للرجال فحسب ، لكن الأب كان يؤمن بقوة زعيمته و مدى استحقاقها ؛ كي تصون ذكره وتخلّده كأب و كبطل خاض حروب زمنه ..
" الزعيمة " التي انهارت كل أحلامها دفعة واحدة وبعنف حين همد الأب القدوة وسقط قتيلا في حرب ضروس ، تلك القدوة التي ظلت تفتش عنها طوال سنوات عيشها في كل رجل ولج حياتها المضطربة بعد موت الأب ، بحثت عنه في زوجها المزارع الفقير ففشلت ، وبحثت عنه في ابنها سلطان وفشلت ، وبحثت عنه في ابنها مبارك سمي أبيها – الجد البطل – و فشلت أيضا ، لقد انهارت قدوتها ، لكنها ظلت عنيدة لماضيها التليد ، وفية لبريق سيف الأب ، مخلصة لذكراه ، حتى أنها كانت كالجمل تجتر ذكريات نفسها مرة بعد مرة بلا كلل " لم أعرف إنسانا صلبا طموحا ثاقب البصيرة عنيدا في حلمه مثل أمي " ..
شخصية " الزعيمة " هي شخصية من صلب الواقع ، قد تستجلب الاحباط ، احباط لكل من حولها حين تأبى الاستمتاع بحاضرها و تقبّل من فرضهم القدر السيء عليها كما ظلت تعتقد بخيبة طوال الرواية ، حين تصّر على قلب الواقع الحاضر على وفق قوة حلمها وصلابة روحه ، غير أنها قوية وفي هذه القوة تكمن السر ، فقد كانت تسعى إلى دفع زوجها نحو حياة أغنى ، ودفع كل من ابنيها إلى حياة حافلة تليق بمقام ابنة " مبارك بن حمدان " ، حين أيقنت أنها فشلت تماما في استنساخه في واقع رجال أنجبتهم ..
قوة الزعيمة في تمردها على حاضرها وعنادها لماضيها كم هي قريبة لروح شخصية " متعب الهذال " بطل شخصية الروائي " عبدالرحمن منيف " في خماسية " مدن الملح " في الجزء الأول منه تحديدا حيث أسماه " التيه " ؛ " الهذال " الذي أعلن رفضه للهينة الأجنبية في أرضه ، وحين انصاعت أرضه وأهله و قبيلته عزم أن يختفي ، لعله في ذلك يعلن رفضه التام للحضور في زمن لا يشبهه ، زمن لا يليق بتاريخه ، زمن يسعى كما تصوّر لتشويه تاريخه الأبيّ في أرض جدوده ..!
المرأة الثانية من نساء حوض الشهوات هي " روز جلال " هدية الوالي ، ظل الغموض لصيق هذه المرأة التي جاءت إلى بيت " مبارك بن حمدان " فاقتحمته كالريح ، هي التي كانت الحكاية مثيرة بالنسبة للزعيمة وعلى وفق رؤاها : " تروي أمي الحكاية ، كل مرة بنغمة مختلفة ، الحكاية نفسها روتها روز مرات ومرات ، في كل مرة كأنها ريح خفيفة تنفض الغبار من البيت ومن فيه ومرة كأنها نبتة غريبة زرعت في تربية غريبة " ..
" زور جلال " كانت أمثولة الغموض والجمال بالنسبة للزعيمة ولها منزلتها الرفيعة ؛ لأنها هدية الوالي لــــ" مبارك بن حمدان " ، هي امتداد لتاريخه كبطل كما رأت الزعيمة بل آمنت ، لذلك صلة هذا الافتنان تداعى بمجرد موت " مبارك بن حمدان " ، وغدت " روز جلال " مجرد ماض بهت بريقه في حياة " الزعيمة " ..
لكن " روز جلال " نفسها كانت حكاية فتنة وإغواء كما روتها " ليلى سليمان " فهي المرأة المشتهاة التي تسابق الرجال لبلوغ شبقها لكنها كانت أعتى من ماء ذكورتهم : " كانوا ينهارون ويتراجعون منطفئين أمام القوة الخفية لالتماعة عينيها في الظلام حتى أن أكثرهم جرأة تمكن من ملامسة ركبتيها قبل أن يصاب بدوار يشبه دوار البحر .." .
أما " ليلى سليمان " المرأة الثالثة في " حوض الشهوات " هي رمز للمرأة المناضلة ، التي سعت على طريقتها الخاصة في مقاومة الفساد المستشري في البلد بالهجرة كأنها في هذا البُعد ، بُعد المسافات ، تصون بلدها وتكمم هزائمه في روحها الطليقة ، لتجد لها هناك في غربتها المديدة قرابة ثلاثون عاما مرفأ الكتابة ، فتجدد حكاية " حوض الشهوات " في ذاكرتها عبر الكتابة عن " روز جلال " كأيقونة ساحرة ، هي نفسها التي كانت الأيقونة في قلب وزمن " سالم مطر "  ..
" ليلى سليمان " التي قاومت مرضها بالكتابة واجترار أوضاع الغربة المُرّة بعيدا عن بلدها ، وعن رأس الخيمة حيث وِجهّة أحبابها ، هي نفسها التي حين رحلت لم ترحل حقا ، ليس في قلب وذاكرة " سالم مطر " فحسب بل في قلب وذاكرة كل قارئ واع ، لاحق بأنفاسه روحها طوال الرواية ، حتى أن الأشياء افتقدتها :" أصبح البيت فاغر فمه ينادي ليلى ، صورنا التي على الجدران و أرفف المكتبة وكومودينات السرير ، كتبنا التي على الأرفف " ..
ليس " سالم مطر " وحده آمن أن ليلاه لم تمت بل كل من طالع شخصية " ليلى سليمان " في قلب الأحداث ، فهي كانت تتوارى و تكشف عن نفسها بذكاء كما خطط " اليحيائي " في الرواية ثم علّق روحها المهيمنة على كل شيء كان يخصّها ، كانت بمعنى أدق حكاية يُروى عنها وراوية تروي في آن ..
وظلت حكاية هؤلاء النسوة مفتوحة على تأويلات شتى ، على نهايات لا قفل لها ولا مقبض ، على سرد مستمر في مخيلة القاريء ؛ كي يعيد إحياءها وفق انغماسه في روح النص الروائي  ..
ذهب " بل ولسون " في قوله مرة : " نحن ندرك أن الهزيمة الكاملة هي وحدها الطريق التي تجعلنا قادرين على أن نخطو خطواتنا الأولى نحو التحرر والقوة " ..
وهذا ما حدث تماما مع نساء حوض الشهوات ، كن مهزومات من الوطن ، من الرجال ، من الحروب ، كانت الهزيمة ، هزائم الحروب والحياة هي نبض تحديهّن وقوتهّن وشراستهّن و قسوتهّن ؛ لذا أصبحن كوشم مطبوع في ذاكرة الذاكرة  ..
لذا ظلت حكايتهن تدور كالرحى ، وخلفّن الذكرى ، الذكرى فحسب وراءهن و ثقبنّ سيرهن في أحشاء كل من أحبهن ، كل من كان قريبا منهن ، كل من مرّ عليه تفاصيلهن أكانت أمّا أو حبيبة ، هو اليقين نفسه الذي حفره مؤلفها " اليحيائي " على لسان " سالم مطر " الذي ظل وحيدا متوحدا يجتر ليلاه و أحلامه المقاومة معها :" الحكاية أكبر من أن تروى ، حتى هو ليس بمقدوره تذكر كل تفاصيل الرحلة ، هي رحلت وخلفت وراءها الذكرى ، والذكريات بقي هو من يجترها .."  ..

ليلى البلوشي

السبت، 26 سبتمبر 2015

كلنّا ميتّون ، كلنّا ، فيا له من سيرك ..!

كلنّا ميتّون ، كلنّا ، فيا له من سيرك ..!

لأن هذا العالم مثير للقيء ، الكآبة ، التجهم ، انتحار الضمير الجمعي ، وتمرير التهم الجاهزة ، لأننا كلنا أصبحنا معلبين في مؤامرة ما ، متهمين بالتفرج والعواء الذي يثقب الحنجرة في صدى أصم ، لأنني عاجزة أمام عويل طفل ، مكسورة في حضرة قلب أم فقدت كل صغارها غرقا في بحر الموت هربا من القاذفات والراجمات ، ومن زلزال قنابل الطغاة على عشّهم الصغير ، لذا لا أريد أن خاطب هذا العالم ؛ فهو عالم ميت تماما ، لا روح فيه ولا نبض ولا ضمير ، عالم أحشاؤه خواء ، متبلد تماما ، أخرس ، أصم ، أعمى ، فانٍّ ..!
لقد افتضح هذا العالم ، افتضح تماما ، تلك الأزمات التي اكتسحت معظم بقاع العالم العربي المشتعل لم يدفع ثمنها سوى الإنسان العربي المعدم ، الذي تأكد تماما أن أرضه ما عادت أرضه ، أن خنوعه وخضوعه أمام الطاغوت في وطنه في زمن السّلم المحفوف بالفساد والمؤامرات هي أول و أعتى أسباب سقوطه المدوّي ، لقد أدرك تماما أنه سقط وأن لا أحد هناك من زبانية السلطة لانتشاله و أبنائه و أخوة أرضه ووطنه من هاوية السقوط ، لقد أدرك تمام الوعي أنه كان أحمقاً وجباباً وعبداً وها هو الآن يدفع ثمن سكوته في وجه الطاعون ذلاًّ وتشريداً في عالم ميت ، ميت تماما ، وعليه وحده أن ينتشل نفسه بنفسه من تيهه في دروب العتمة والضياع ..!
هؤلاء ضحايا صراعات سلطوية يفرون من كل حدب وصوب خوفا على أنفسهم من الموت ، على الأقل لهم سبب يشعرهم بالحياة ، يشعرهم بأهمية المقاومة من أجل الحياة ، تحت نير تلك الظروف الحالكة ، المهلكة ، هم أحياء حقا ، وحدهم الأحياء بيننا نحن الموتى ..!
هم يكافحون لنيل حياة كريمة في ظل عالم ميت ، يكافحون ولا يكفون عن المحاولة ، لقد ذاقوا أشكال الموت من قبل ، خبروها جيدا ، لقد خاضوا تجارب مريرة هم و أبناؤهم شتى أنواع الرهبة ما قبل الموت ، لقد استطاعوا بمقاومتهم أن يعلنوا للعالم الأجمع ، العالم الميت ، أنهم أكثر أحياء منا ، أكثر استحقاقا للحياة ..!
بينما في هذا العالم نحن كالأطياف ، ما عدنا نعرف هل نحن أحياء أم أموات ..؟!
نخشى بأننا ميتون حقا ، نخشى أن نموت كميتة هذا العالم الميت  ، أن نكون جيفة منتّنة ، علاها العفن وتآكلت عظامنا رميماً ..!
نحن الذين نخوض صرعى في حلقتين لا ثالث لهما ، فإما أن نكون موتى متفرجون أو موتى صانعو الموت ..!
الموتى المتفرجون ، الذين لا حيلة لهم ، لا حول ولا قوة لهم ، يوخزهم ضميرهم ، وتوجع قلوبهم كل حالة إنسانية طارئة ، هم على الأقل أموات يدفعون ثمن موتهم المتفرج بالوجع الصامت أمام واقع متبلّد وجدوا أنفسهم فيه عاجزين تماما عن إيقاظه من ميتته الأولى ، هم على الأقل أموات أحياء ..!
بينما الموتى صانعو الموت ، هم أصحاب الميتة الكبرى ، الكاملة ، لأنهم أصحاب سلطة و سيادة ومال وجاه وقدرة ولا يفعلون شيئا سوى صناعة الموت ، المزيد المزيد من الموت ، ولا يكتفون بذلك بل يتفرجون مع المتفرجين المعدمين الذين يتفرجون بوجع نفسي مرير بينما صانعو الموت يتفرجون بسخرية مقيتة ؛ فجلّ مكاسبهم السياسية والمادية والدنيوية كانت بفضل العالم الميت ، بفضل الموتى المتفرجون ، بفضل اللاجئون والخاضعون ، المستسلمون الخانعون ، هم صنيعة هؤلاء ، إنهم يكسبون بفضل سكوتهم ذهبا و بفضل انكسارهم ماسا ، يلهثون كأفاع مسمومة على جثث و شظايا من صنيع سلطتهم الجبارة ..!
" كلنا ميتون ، كلنا ، فيا له من سيرك ..! وكان يجب أن يكون هذا كافيا لنحب بعضنا البعض ، ولكن هيئات ؛ فالتفاهات تفرغنا ، وتسعدنا ، ويستنزفنا اللاشيء " ..!
قالها " تشارلز بوكوفسكي " ومضى ...

ليلى البلوشي

الخميس، 3 سبتمبر 2015

ليلى البلوشي الجوائز لا تعني لي الكثير .

ليلى البلوشي : الجوائز لا تعني لي الكثير ..

حوار شريف صالح | جريدة النهار

لكل منا بداية.. وما أجمل البدايات.. محبة أول كتاب قرأناه.. وفرحة أول جائزة.. كتاب تركوا فينا بصمة لا تمحى.. وكلمة شجعتنا على مواصلة الطريق.. أصدقاء وأفراد من الأسرة احتفوا بنا وآخرون تمنوا لنا الفشل.. وعبر رحلة الكتاب تولد طقوسنا ومزاجنا الخاص.
النهار تحتفي هنا بتجارب البدايات.. وفيما يلي دردشة مع الكاتبة العمانية ليلى البلوشي:
هل تذكرين أول كتاب وقع في يدك؟
أول كتاب وقع ككنز بين يدي، وأعني ذلك وقع ككنز هي مجموعة قصص بوليسية للصغار كان عنوانها المغامرون الخمسة، هذه الحصيلة المعرفية وجدتها في يوم ما أمام باب منزلنا ولا أعرف حتى هذه اللحظة من وضعها هناك مترقبة قارئا فضوليا مثلي كان في مرحلة يعشق نبش القرطاسيات وتقليب الصفحات.
جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟
الكتابة قرار، طالما قررت على أن تصبح كاتبا فإن الطريق إليها واضح تماما يكمن في القراءة ثم القراءة ثم القراءة وهذا ما فعلته، حفزّت نفسي بنفسي.
كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟
ساراماغو وإدورادو غاليانو عند قراءتهما أشعر برغبة جارفة في الكتابة والقراءة أيضا.
متى وكيف نشرت أول نص لك؟
كان ذلك أثناء زمن المنتديات الثقافية، في إحدى تلك المنتديات التي أصبحت عضوة فيها نشرت لأول مرة قصة قصيرة ظللت أعدّل فيها حتى اليوم.
كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبحي كاتبة؟
العالم لا يتفّهم، لكن سعيك المخلص نحو الكتابة كفيل بتفهمهم شاءوا أم أبوا!
هل هناك أصدقاء شجعوك؟
الأصدقاء كانوا يتساءلون: ماذا ستجنين من الكتابة؟ ولكن بعد أعوام حين أصبحت لي إصدارات ورقية أخذوا يسألونني مندفعين: كيف يمكن أن نصبح كتّاباً؟!
ما طقوسك مع الكتابة؟
لا طقوس معينة، لكن الفكرة الملّحة تفرض عليّ الجلوس لساعات طويلة من أجل ترجمتها إلى كلمات وعبارات وانفعالات ومواقف.
تجربة أول كتاب نشرته؟
تجربة لذيذة، مازلت أستشعر تدفقها في روحي لا سيما حين لمست اسمي المدون بيدي.
ماذا تعني لك الجوائز؟
لا تعني لي الكثير ولكن تعني الكثير للنقاد والقراء ما يجعلهم في حال نيلك إحداها يندفعون نحو عالمك الكتابي وتجربتك كما لو اكتشفوا منجما من الماس كان أمامهم من قبل لكن لم يكن ثمة تحريض حقيقي على نبشه والجائزة فعلّت هذا التحريض وهذه هي أهم المشكلات التي تواجه الكاتب والكتاب في عالمنا العربي!
كتاب كنت تتمنين لو أنت من كتبته؟
رواية أن تقرأ لوليتا في طهران للروائية الإيرانية آذر نفيسي
عمل تخططين لإصداره قريبًا؟
في العادة لا أعمل خططا لأعمالي، الخطط تقيّد أتركها تنساب بحرية مطلقة ثم بعد ذلك آخذ عدسة التدقيق لأضبط نبراتها ومواقفها
حكمتك ككاتبة؟
الكاتب لا يخسر أبدا... سبق ووضعت هذه الحكمة على لسان بطلي هنري ميللر المفترض في كتابي رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن.

في معنى أن تكون إنسانيا ..!

في معنى أن تكون إنسانياً ..!

فوجئ ركاب طائرة من الدرجة الاقتصادية زهيدة الثمن بالنجمة " أنجلينا جولي " و زوجها " براد بيت " برفقة أولادهم وهم يصعدون على متن الطائرة وبين الركاب المحتشدين يحاولون الوصول لأماكنهم ، وبعد أن انتشرت العائلة في أماكنها المتفرقة ، سأل أحد الفضوليين النجمة " أنجلينا جولي " : لماذا تركبين هذه الدرجة الرخيصة ..؟ " ..
فأجابت : " بالفرق بين جلوسي في الدرجة الاقتصادية وأن أجلس في الدرجة الأولى أستطيع توفير مبلغ من المال به نستطيع أن نوفّر خمسين خيمة للاجئين ينامون في العراء ولا يملكون شيئا .."
العبارة المفعمة بالحكمة التي انسابت بسلاسة من الممثلة الهوليوودية الشهيرة " أنجلينا جولي " لم تأت من باب التباهي أو إدعّاء التواضع ، لم تأت سوى بعد خبرة مريرة وتجوال حقيقي في مخيمات اللاجئين السوريين و الصوماليين والأفغانيين وكمبوديين وغيرهم أولئك الذين شردتهم الحرب ، لقد أدركت هذه الممثلة " الكافرة " كما ينعتها أدعياء وتجار الدين معنى أن توفر مبلغا من المال لعائلة متشردة ، لأم لا تملك قوت يومها ، لأب عاجز ، لطفل وحيد ، وهي الثرية والتي لديها من القصور والمنتجعات والجزر في معظم أنحاء العالم ، معنى أن يشعر الثري بالمعدم ، معنى أن يشعر غير المسلم بالمسلم ، معنى أن يشعر الأجنبي بالعربي ، كل هذه المعاني ليس من السهل أن يستوعبها ثري ، مسلم ، عربي ، يتمتع بالجشع ، لن يستوعبها الثري الذي سلب أموال المعدمين في وطنه وأصبح فاحش الثراء على حساب قوتهم وحقوقهم المسلوبة ، لن يستوعبها من يملك كل شيء في حياته اليومية و يصحو على مائدة متنوعة من ألذ خيارات الأرض وينام على تخمة ، لن يستوعبها كل من يرى العالم من شرفته الفخمة التي تطل على أبهّة قصور غيره ، لن يستوعبها كل من أسقط معنى الإنسانية في تلافيف روحه ..!
كثير من البرامج الترفيهية التي تم عرضها على الشاشة في شهر رمضان الفضيل ، ولعل من أشهرها برنامج " رامز واكل الجو " حيث ذكرت قناة العربية الإخبارية أن ميزانية البرنامج بلغت ملايين الدولارات ، وذكرت تقارير صحافية أخرى أن أجرة الضيف وحدها بلغت حوالي نصف مليون دولار وتتضمن التكاليف أيضا إقامة الضيف ثلاثة أيام في أحد فنادق دبي وتذكرة الطائرة ذهابا و إيابا ، بالإضافة إلى أجرة الطائرة التي تنفذ فيها المقالب ، وتبلغ 20 ألف دولار يوميا ..!
السؤال الذي يصدر نفسه الآن بعد عرض الميزانية الضخمة : ما الذي يجنيه المشاهد من هذا البرنامج وما على شاكلته ..؟
ما هي المتعة في استعراض صراخ الآخرين أو تخويفهم هذا على افتراض إذا كان برنامج مقالب حقيقي وليس تمثيلي بالاتفاق مع الممثلين اعتادوا على حرفة التمثيل وصياغة المشاهد وفق تصورات المتابع لإضفاء التأثير  ..؟
من هو الكسبان الحقيقي وراء عرض مثل هذه البرامج سوى مقدمها وطاقم العمل و الضيوف الممثلين المشاركين ، فكل واحد منهم يستلم مستحقاته من آلاف الدولارات ..؟!
كم واحد من طاقم البرنامج أو المشاركين فيه فكر أنه يمكن لحلقة واحدة ، حلقة واحدة فحسب بكامل ميزانيتها الباهظة يمكن أن تنقذ عائلة ، عائلتين ، ثلاث ، بل عشر من المشردين اللاجئين على أصقاع العالم العربي وحدوده ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تبني آلاف الآبار في قرىً نائية يقطع أهلها مئات الأميال للحصول على الماء وعبء الحمل الثقيل نفسه بقطع الأميال نفسها في طريق العودة ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تنبي أكثر من مدرسة لملايين من الأطفال بلا تعليم ، أن توّفر مستشفيات و أجهزة و أدوية لمرضى السرطان والفشل الكلوي ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تساهم في إنقاذ حياة مئات الأطفال يعانون من سوء التغذية في أصقاع العالم العربي المنكوب حيث الجوع ولا شيء سوى الجوع ، يمكن لحلقة واحدة أن تزرع مئات الأشجار الصحية لبيئة أنقى من شوائب المصانع والعوادم وسائل المواصلات الملوّثة ..!
هنا يكمن المعنى الإنساني بين أن تسخّر الأموال في إنتاج برامج يكون المشاهد هو الكاسب الوحيد من عرضها ، برامج تشرع له ولغيره آفاقا نحو عمل مثمر ، نحو عمل إنساني ، نحو الإحساس بالآخرين و التخفيف من آلامهم و معاناتهم في ظل عالم عربي واقع في معترك الحروب والتشرد والعنف والجوع والمرض ...
وبين برامج لا غرض لها سوى إثارة مشاعر سلبية ، تفيض بالعنف ، وتخلو من كل معنى إنساني نبيل ، يكون العرض من ورائها هي كسب ملايين الدولارات على حساب مشاهدين لا يملك معظمهم كهرباء لمشاهدتهم ..!

ليلى البلوشي

واحد هندي ..!

واحد هندي ..!

منذ فترة قريبة أعلنت دولة الإمارات عن بناء معبد هندوسي كبير في إمارة أبوظبي للجالية الهندية الموجودة على أراضيها ، والذين يتجاوز عددهم مليوني هندي تقريبا ، يعتنقن معظهم المذهب الهندوسي ، على إثر زيارة رئيس وزراء الهند " ناريندرا مودي " ، وقد صاحب هذاالإعلان ضجة هائلة ما بين مؤيدين ومعارضين في مواقع التواصل الاجتماعية تويتر والفيسبوك أهم منبرين للنقاش عبر العالم ..
وقبل أن أبيّن وجهة نظري في هذه المسألة أود أن أشير إلى دراسة حديثة كشفت فيها " الأمم المتحدة " عن احتمال زيادة عدد سكان الهند خلال سنوات قادمة ، ليتجاوز عدد الصينيين خلال عام 2022م وهذا يسبق التوقعات السابقة التي أكدت أن الزيادة ستحدث قبل ست سنوات مضت ..
هذه الزيادة تؤكد أن معظم سكان العالم هم من الهنود ، الذين يتصفون عبر العالم ببشرة داكنة و حبهم الغريب للمأكولات الحريفة وطقوسهم وعاداتهم الدينية العديدة ، الشعب الهندي الذي يتحدث سكانه أكثر من مئة لغة و يعتنقون أكثر من مئة مذهب ديني ، يعيشون في بقعة مزدحمة في العالم وهم منتشرون كالنمل في جميع أنحاء العالم ..
الهند كدولة عظمى شهدت صراعات مريرة عبر تاريخها الطويل ، صراعات مع الاحتلال البريطاني و صراعات أهلية ما بين مسلميها والهندوس ، ناهيك عن صراع الطبقات التي لم يسلم منها حتى الآن الإنسان الهندي ، هذا الإنسان نفسه الذي عانى وما يزال يعاني من النظرة العنصرية التي تطارده من الإنسان الغربي والعربي على سواء ، فدول الغرب كانوا ينظرون إلى الهند كشعب آسيوي هم أقل شأنا منهم ، بينما الشعوب العربية و لاسيما الخليجية منها حيث يستقر ملايين من العمالة الهندية على أراضيها ؛ فإن هذا الهندي يعدونه صفرا حتى لو كان حاملا شهادة دكتوراه بينما الذي يستهجنه ليس سوى مواطن حامل جنسية دولة نفطية لا مؤهلات له سوى كون هذا العالم جعله متفوقا لأنه صدف القدر أنه يعيش في دولة نفطية ثرية ..!
لكن الإنسان الهندي الذي عانى وما يزال يعاني من النظرة العنصرية استطاع أن يتفوق على نفسه ، استطاع أن يثبت للعالم الأجمع بأن قيمة الإنسان في عمله ، وما يحمله من مبادئ ، وليس مما في جيوبه ولا في أراضيه من آبار نفظ تدر عليه بالعيش المرفّه ، هذا الهندي الذي اضطرته ظروف الحياة القاسية إلى مغادرة وطنه الذي يرتبط به دينيا قبل أن يكون ارتباطه بأرضه اجتماعيا ، فالإنسان الهندي معروف عنه بأنه كائن اجتماعي ويعيش ضمن عائلات ممتدة ، لهم طقوس وواجبات دينية مقدسة ، كما لهم أعياد يجسدون من خلالها معتقداتهم التي ورثوها عن أجدادهم منذ ملايين السنين وهم بلا كلل أو تذمر أو حتى شعور باللاجدوى متمسكون حتى وقتنا الحاضر بهذه الأمور ، ربما إيمانا منهم ببركتها على حياتهم الشاقة ..
هذا الإنسان الهندي الذي تفوق على نفسه من نواح عدة ، الهند التي أقامت أول معهد هندي للتكنولوجيا عام 1950م في وقت كانت كوريا تطحنها الحرب الأهلية والصين كانت تحت نير العهد الماوي ، والعالم يشهد على إنجازاته في مجالات علمية وكونية مهمة ، وقد أبهرت العالم في سبتمر الماضي حين أطلقت مركبة فضائية حول كوكب المريخ وكان معظم الطاقم من النساء الهنديات المتوفقات علميا وفكريا ..
هند التي تنعم اليوم بنظام ديمقراطي متميز في العالم ، فهي الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في دول العالم الثالث ، ويعود تصلب هذه الديمقراطية إلى التعدد والتنوع في أديان والقوميات والأجناس ، الهند التي تزدهر فيها الطبقة الوسطى بعد أن سادت كل من الطبقتين المعدمة و الثرية على تفاصيل حياتهم المتعثرة ..
الإنسان الهندي نتيجة التنوع ، والتعدد ، والتزاوج المختلط ، نتيجة التسامح السائد عند الطبقة المتعلمة أصبحوا يتمتعون بمزيج بديع من الجمال الجسدي و الروحي كذلك ..
ينس أو يتناسى كثير من الشعوب العربية ولا سيما الخليجية أنالفضل يعود للعمالة الهندية في تطور بنيتهم الجغرافية وارتفاع العمران ؛ هذه الأيدي العاملة التي بقيت وفية وتعمل بإخلاص ساعات طويلة وتحت ضغط ظروف صعبة و بأجر زهيد من أجل توفير لقمة العيش لهم ولأبنائهم الذين تركوهم رغما عنهم في بلادهم الفقيرة ، من أجل تعليم أبنائهم الذي بنوا بجدارة مستقبل الهند وحفروا تفوقها عبر العالم ، لقد عانى جيل الآباء ليتمتع الأبناء اليوم بمعيشة رغيدة ..
الهنود اليوم ما عادوا يطمحون للسفر إلى دول الخليج العربية لتحسين ظروف حياتهم بل إنهم أصبحوا نتيجة تفوقهم علميا وفكريا كجيل عصري تجاه متغيرات الكون يتوقون للسفر إلى أرض الأحلام والمشاريع الهائلة والمستقبل المضمون في بلد كأمريكا و أوروبا ؛ حيث يحظى الهندي بمعاملة تليق بمؤهله العلمي ، حيث يسود التسامح ، وحيث ينظر للإنسان بإيجابية بعيدا عن نير العنصرية والتعصب إلا في حالات نادرة ..
الإنسان الهندي ما عاد يطمح للعمل في دول خليجية ؛ لأن معظم من هم في هذه الدول لا يقدرون مؤهلاته ولا يحترمونه كإنسان له حقوق وواجبات ، ومع غلاء المعيشة و الأجور الزهيدة ، وجد أن سفره إلى أمريكا حيث تتوافر شروط احترام الإنسان و حقوقه وواجباته أفضل له ولمستقبل أبنائه ولوطنه أيضا ..
بعد أعوام قليلة سيكون العالم معظمه من الهنود ، الأعلى كثافة سكانية ، الهندي الذي تفوق على نفسه في كل مجالات الحياة ، الهندي نفسه الذي نطارده نحن – أهل الخليج – ولا استثني أحدا بالدونية ونردد مرارا بلا إنسانية وكثير من سخط : واحد هندي ..!
الهندي نفسه الذي ننكر ذكورته نحن - نساء الخليج – حين نرفع غشاوة الوجه ونحن نكلمه ، وحين لا نبالي بالشعرات الطافحة من الحجاب ونردد : واحد هندي .. يعني " صفر " من الأشخاص ..!
على الإنسان العربي لا سيما الخليجي أن يقف قليلا ويتأمل حقائق التاريخ ، التاريخ الذي لا يرحم ، حين كان الأجداد القدماء ما قبل ظهورالذهب الأسود يكابدون رزقهم في الهند في ظل إمبراطورتيها العظمى ، و التاريخ نفسه بعد ظهور النفط قلب موازين العالم ، التاريخ هو نفسه ولا ينصت سوى للمتفوقين ، من يدري بعد زمن في ظل أزمات هذا العالم المتقشف ، وفي ظل الحروب و العنف ، ونقص في المواد الغذائية والمياه و نضوب النفظ ، سيجد ربما الخليجي نفسه أجيرا في الهند التي عرفت جيدا كيف تتفوق على نفسها ، عرفت جيدا كيف تتعلم من دروس التاريخ و تصون تقلباته بالعلم والفكر ..!

ليلى البلوشي

الموت سيرة متخمة ..!

الموت سيرة متخمة ..!

في روايته " انقطاعات الموت " عن دار مسكلياني للنشر ، ترجمة " صالح علماني " يذهب السارد العظيم " ساراماغو " إلى حبس الموت في قمقم و إحكام السدادة عليه ؛ كي يكون حبيسا لفترة من الزمن لا يعرف تقديرها سوى السارد نفسه ..
هذا الموت الذي يكون موتا حياًّ ، متكلماً ، يعرف ما يفعله ، يعي بدوره تمام الوعي و فوق هذا ساخر بالوجود و أهله ، كاشف عن أكثر أقنعتهم زيفاً ..!
هذا الموت الذي يستقر في بلدة صغيرة يغدو راوياً ، مراوغاً ، يرى أهل تلك البلدة تتقلب مشاعرهم ما بين رغبة الخلود وما بين الشعور بعبء الآخرين الذين كبروا حتى ما عادوا يرغبون في الحياة ، أولئك العاجزين ، أولئك المرضى ، أولئك الذين تعبوا الحياة وجلّ رغبتهم تكمن في قبر ضئيل حتى قيامة الأحياء ..
الموت الذي تحبه وتبغضه في آن ، تقع في حبه ؛ لأنه عزم على أن يحررك من ثقل انتظاره ، وتبغضه لأنه في الوقت نفسه يبقي على أحياء أموات ، أحياء كان يجب أن يلفظوا أنفاسهم من مئات السنين ، أحياء أموات لا شيء فيهم صالح للنبض سوى قلوبهم العليلة بوجع العمر الثقيل ..!
ولأن الموت هو الراوي والحاكم و المتفرج ، لأنه قاضي كل الجماهير في تلك البلدة الغريبة التي اختارها الموت لاختبار قدراته ، فإنه يبدل خططه ويعتمد على ارسال بطاقات بنفسجية ، تغدو كنذير مسبق لصاحبها على أن يعد نفسه للرحيل الأبدي إلى قبره ، يمنحه سبعة أيام فحسب ؛ كي يعّد نفسه كميت بعد تلك المهلة القصيرة ، كي يودع أهله ، كي يسدد دينه ، كي يتخلى أو يستغني أو يعرض للبيع كل ما عاد يحتاجه كميت بعد أيام قليلة ..
لقد عاد الموت بطريقته إلى تلك البلدة بعد عبء الخلود المخيف في كل روح اعتقدت أنها خالدة أبدا ، لقد جاء بعد أن أصبح في مصاف الأمنية ، عاد بعد أن شاخت الأرواح المتعبة وأرهقها عبء الوجود ..
بعد قراءة الرواية تجد نفسك في عالم أشد الأمور حدوثا فيه هو " الموت " تلتفت من حولك ، تلتفت كبوم يدير رأسه كاملا جهات العالم ، إلى الشمال و الجنوب ، إلى الشرق و الغرب ، فلا تجد سوى الموت الأكثر حضورا و تأثيرا ..
الموت الذي يغدو العدو الأكبر لبشر يحلمون بالخلود ، بالشباب الدائم ، بأحلام كبيرة ، بثروات هائلة ، بأبناء وخدم وحشم ، كل هذه الأمور تتلاشى في غمضة عين إذا جاء الموت وسجل حضوره بينهم ..!
ربما أكثر الذين يهابون الموت هم من يعتقدون أنهم يملكون الحياة ، هم الذين امتلكوا كل شيء في هذه الحياة ، وحين يأتيهم الموت يُبهتون على كل الثروات التي سيخلفونها وراءهم ، يموتون مرتين بل مئات المرات لأن كل ما امتلكوه لا يمكنهم حملها معهم إلى حيز ضئيل في أرض جرداء تحوي عظامهم ، يموتون فزعين ، مرتعبين ، مكبوتين لأن الوجود خرج عن طوعهم وقطع صلته بهم ، هم الأشباح الأموات ..
الموت إنه الفعل الغامض الذي لم يستطيعوا يوما قهره ، لأنهم يدركون أنه وحده القادر على قبض أرواحهم ، أنه وحده الذي لا يقبل بالرشاوي ، ولا يطمع بالكنوز ، ولا يتباهى بامتلاك الأشياء ، لأنه وحده يخلص الآخرين من ممتلكاتهم ، وحده يفصلهم عن أشيائهم ، وحده قادر وقدير حين يأتيه النداء من أعلى السماوات السبع من المولى – عزوجل – الذي يقبض الأرواح و يحييها في الوقت نفسه في كلمتين سحريتين غاية في الرهبة والرغبة " كن فيكون " ..
الموت نفسه تختلف النظرة إليه ، تتفاوت الرهبة نحوه ، تلين إليه القلوب ، تتوقه العقول ، حين تكون في مواجهة كائن معدم ، الذي ولد وهو لا يملك سوى اسمه وجوارحه ، الذي ولد واضطر لتأجير جسده لأعمال شاقة ، تسحقه وتسحق روحه حتى حين يأتي الموت يجد راحته في حضورها البهيّ ..!
الموت الذي يأتي غزيرا ، متوحشا ، هجوميا ، مسلحًّا في كل من سوريا والعراق والصومال و اليمن و الأفغانستان و ميانمار ، و القائمة العربية الاسلامية تطول ، الموت في هذه الدول لا يأتي سوى محملا بقذائف و رشاشات حديثة الصنع و تصيب غايتها بدقة ، من ميزاتها أنها تقبض الأرواح بشكل جماعي ، موت كامل الدسم ، يتجشأ بعد كل وليمة دم ..!
الموت نفسه سيأتي ، وسيدرك بأننا ميتون ، ميتون ، في أدنى درجات الموت - موتى متفرجون -  ميتون ويحكمنا الموتى ، الموتى الخائبون ..!

ليلى البلوشي