‏إظهار الرسائل ذات التسميات غيمة ثرثارة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غيمة ثرثارة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 يونيو 2011

مكتبة أحذية ..






مكتبة أحذية






"امنح فتاة حذاء لائقا، عندها تستطيع أن تغزو العالم"
مارلين مونرو




***
عندما كنت تلميذة صغيرة، بالتحديد في الصف الأول الابتدائي، اذكر مقرر مادة اللغة العربية في ذاك الوقت، كان الدرس الأول في الكتاب معنونا بـ"حذاء هند ورجل نورة"، وثمة جملة لا تزال ملتصقة بذاكرتي، فالمعلمة كانت تحرص على تلقينها لنا بتكرارها عدة مرات، والجملة كانت تقول: (لبست نورة حذاء هند، حذاء هند كبير ورجل نورة صغير..).
ومذاك الدرس، وأنا لا أتوانى عن انتعال أحذية كبيرة استعرض من خلالها وجه الشبه بيني ونورة الصغيرة، التي كانت دائما تنتعل حذاء أختها الكبرى كسبيل استكشاف عوالم من هم أكبر منها سنا بكثير، تكوّر بعد ذلك مفهوم الحذاء ومدلولاته عندي، وطالما تمنى قلبي الصغير بصغر عقلي وقامتي ورجلاي تحديدا أن انتعل الحذاء الأحمر، دون أن يفوتني حلم حصول على حذاء سندريلا؛ كي تتجسد الأسطورة فيني، وأدركت تلك الطفلة التي كنتني مع الأيام أنه كلما كبر الحذاء كبر معه أشياء أخرى..
ثمة أحذية متعددة تلبسنا على أشكال وأحجام وألوان مختلفة، وبعض الأفراد يفرطون أقدامهم بالتدليل، فينتعلون في العام الواحد أكثر من نوع من الأحذية، فهناك أحذية للمدرسة، أحذية للسوق، أحذية للعيد، أحذية للمنزل وأحذية لخارج المنزل إضافة إلى أحذية نقتنيها بلا مناسبة، أحذية لكل الفصول والمناسبات، وفي السنوات الأخيرة حرصن ـ معظم النساء ـ على أن يكون لكل زيّ حذاء خاصا يتلاءم مع لونه، ويذكر أن المغنية "فيرجي" نجمة فريق "بلاك أيد بيز" واجهت موقفا محرجا قبل دقائق من أداء فقرتها على الهواء في برنامج تلفزيوني، حين وجدت أن الحذاء الذي سوف تنتعله غير ملائم لفستان السهرة الذي ترتديه، فأغاثتها من تلك الأزمة المغنية "شيرلي كول" حين قدمت لها حذاء مناسبا من غرفة ملابسها في هيئة التلفزيون، وحين اعتلت "فيرجي" منصة المسرح علقت بقولها: (لقد وقعت لي أزمة في الدقيقة الأخيرة قبل أن أعتلي المسرح، لذلك شكرا لك شيرلي كول لجعلي استعير حذاءك)..
بينما أفراد آخرين الذين تعوزهم حاجات أخرى أهم بكثير من الحذاء؛ فإن الحذاء يمشي في أقدامهم أعواما طويلة حتى يهترئ كفم تمساح مفتوح، وإذا ما ضاق حذاء على قدمين كبيرتين؛ فإن هناك قدمين صغيرتين أخريين سترثان هذا الحذاء.. وهذا ما حدث مع الكاتب "أنيس منصور" حيث حكى قصته المؤلمة مع الحذاء في كتابه (قلوب صغيرة) قائلا: "لو كان لي حذاء جديد ولو مرة واحدة ما جرى ما كان، فقد كنت ارتدي أحذية إخوتي الأكبر مني، هم أكبر مني والأحذية أكبر من قدمي، وكنت أشعر براحة في قدمي وحرية في الحركة أو هكذا كنت أقول لنفسي، ولا بد أنني كنت أقول ذلك في حالة دفاع عن النفس، عندما يتعجب زملائي في المدرسة من هذا المنظر الغريب، ولم يكن دفاعا عن نفس ضد شخص واحد وإنما ضد كثيرين، فقد كان بعض زملائي يجيئون ليتفرجوا على حذائي كم هو طويل، كم هو كبير، وصرت أشعر بأنني فعلا مضحك والذي كان يؤلمني أنني لا أستطيع أن أفعل شيئا ولا أعرف كيف أداري حذائي ولا أين أضع قدمي.."
عقدة الكاتب "أنيس منصور" تفاقمت مع الأيام بحيث أخذ يتصور أن كل تلميذ يقع منه قلم على الأرض أو مسطرة إنما هي حيلة ليلقي نظرة على حذائه، لدرجة أصبح أول من يدخل الفصل وآخر من يخرج منه..!
وللكاتب التركي الساخر "عزيز نيسين" قصة ظريفة بعنوان (الحذاء الضيق) حيث تروي القصة عن رجل له صديق عاشق لفتاة، اضطرته الظروف إلى أن يستدين مبلغا من المال؛ كي يشتري حذاء جديدا ليرافق صديقه إلى منزل الفتاة التي يحبها، فيجد أن الحذاء الذي على مقاس قدميه أعلى سعرا من الأحذية الأخرى، ونتيجة قلة ذات اليد يشتري حذاء أقل من مقاسه بدرجة واحدة، وطوال الطريق تتوجع قدماه من الألم، وفي أثناء الزيارة كان صديقه يثرثر ويحكي لأهل الفتاة قصصا ساخرة بينما هو تقبّع في صمته، متعرق بشدة والاحتقان يأخذه بينما كل قطعة من جسده تلتهب من الحمى ، ولم يملك صاحبه أمام حجر صمته سوى أن ينعته بالخجول أمام أهل الفتاة، وحين خروجهم من منزل الفتاة تسأله والدتها إذا ما كان متزوجا، فيحرك رأسه إشارة بلا.. وطوال الطريق يؤنبه صاحبه على صمته، بينما يتحامل الألم كثيرا على قدميه، وحين يصل إلى مقر عمله يلقي بجسده على الأريكة وتتداعى أيادي كل من زملائه لمساعدته في خلع الحذاء الذي كان لاصقا ويأبى على النزع، حتى يحمل كل واحد منهم سكينا ومشرطا وموس حلاقة فيمزقوا الحذاء قطعة قطعة، وعندما عانقت قدميه حريتهما ظل لمدة ثلاثة أيام غير قادر على المشي، ويبدو أن تلك الحرية كلفته فاتسع معه مقاس قدميه حتى غدا أكبر من مقاس قدميه المعتاد بمرتين، لكن الطرافة هو أن والد الفتاة زاره في منزله عدة مرات وعبرّ له عن إعجابه بخلاله الكريمة وخجله وارتأى أن يختاره زوجا لابنته ، عوضا عن صديقه التافه والثرثار وعديم الحياء، ولكن حينما كثف والد الفتاة من زياراته ، توجه هو إلى درج طاولته واخرج منه الحذاء المقطوع الذي ضاق على قدميه ورماه أمامه صارخا: ها هي الأخلاق والتربية والخجل خذه وزوجّه ابنتك..!
إذا ما كان حذاء ضيقا على القدمين يكفل زواجا مباركا على صاحبه؛ فلينتهز الفرصة كل ذي حاجة إذن..! لكن ماذا عن استغناء شخص محتضر عن حذائه مقابل رغبة أخيرة يحصل عليها بعد مغادرته روحا إلى العالم الآخر..؟!
ففي قصة "ليف تولستوي" (ثلاث ميتات) يطلب حوذي شاب بعد أن ترهل حذاؤه من العم خفيدور الحوذي المريض حذاؤه ، بعد أن اتفق الجميع من حواليه أن شخصا مريضا مثله وعلى شفا الموت لن يحتاج إلى حذاء، وافق العم خفيدور على الاستغناء عن حذائه مقابل أن يشتري له الشاب شاهدة قبر بعد موته.. فأخذ الشاب الحذاء ومات العم خفيدور دون أن تزين قبره شاهدة..!
ويحكى أن "غاندي" كان يجري للحاق بقطار وقد بدأ القطار بالسير وعند صعوده القطار سقطت إحدى فردتي حذائه ، فما كان منه إلا أن أسرع بخلع الفردة الثانية ورماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار، فتعجب أصدقاؤه وسألوه، لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟ فقال غاندي بكل حكمة: أحببت للذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الانتفاع بهما ، فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده..
لا اذكر أبدا عن حذاء ضاق على قدمي أو تاه عني أو سبب لي مشكلة كحذاء الطنبوري الذي ضاق منه الويل وتبهدل بسببه كثيرا، لكنني اذكر جيدا حكاية مكتبة كتبي مع أحذيتي، وكان ذلك حين استبدلت مكتبتي القديمة بمكتبة أكبر ذات سعة بحيث تتنفس كتبتي بحرية دون أن تضيق بها الأنفاس، ووضعت المكتبة القديمة في زاوية من المنزل ؛ فقد عزّ عليّ التخلص منها، وبقيت عزيزة النفس في زاويتها تشكو الفراغ والوحدة بلا صوت ، وحدث أنني من النوع الذي اقتني أحذية كثيرة لكن قطعا هوسي ليس بمستوى النجمة الاستعراضية "بيلي مادلي" التي تملك أكثر من 800 حذاء للاستخدام الشخصي ، إضافة إلى 900 حذاء للاستخدامات الأخرى..!
وكلما اقتنيت حذاء جديدا، أضم الحذاء القديم إلى مجموعة الأحذية العتيقة المخبأة أسفل السرير، وإن كنت لا انتعلها إلا مرة أو مرتين حسبما المناسبة والظرف والمكان والزيّ، وحينما تفاقمت عدد الأحذية المحبوسة تحت السرير، أشفقت على حالها هناك في ظلمتها بلا أنيس ولا ونيس ولا أنفاس متجددة، فخطرت برأسي فكرة تصفيفها مكان الكتب في المكتبة القديمة، ومذاك اليوم ومكتبتي القديمة زاخرة بالأحذية بعدما كانت للكتب، والأهم من ذلك كله يسهل عليّ الوصول إليها بلا عناء، فيما كنت في السابق أواظب أحيانا حين يعييني الحصول على فردة دون أخرى ، على انتعال الحذاء بعينه ، كيفما كان أمامي عدة مرات..
***





"بقيت أتذمّر من عدم امتلاكي حذاء ، حتى رأيت رجلا بلا قدمين"
كونفوشيوس





ليلى البلوشي

الخميس، 10 فبراير 2011

ثوّار الفيس بوك



ثوّار الفيس بوك

" أنا لست بطلا ، أنا كنت وراء حاسوبي فقط ، أنا مناضل " الكيبورد " .. الأبطال هم الذين نزلوا واستشهدوا في شوارع مصر .. "
- وائل غنيم -
* * *
ثورة حديثة من نوعها ، استحدثتها جوقة من الشباب خلف حواسيب شخصية ، كل واحد منهم يتواصل مع الآخر بأريحية عصرية ، معدمين من خلالها عدوان المسافات الفاصلة والجدران الشاهقة والأسلاك العازلة ، شباب يحملون رتب غير التي يتباهى بها معظم حاملي الرتب والألقاب ، إنهم فقط متحمسون ، مناضلون ، ناشطون ، كيفما اختلفت التسمية اتفق المغزى والحلم والهدف ؛ فهي متوحدة بتوحدهم ، كبيرة ، شاهقة بشموخ أحلامهم ، تلك التي تغدو في نظر التاريخ أبسط ما طالب به الإنسانية طوال تلك القرون ..
كانت في البدء يدا واحدة ، ثم يد ثانية ، وثالثة ، فعاشرة ، حتى تفاقمت عدد الأيدي تشابكت وتكاتفت مع بعضها وهي تنقر بهمة وحماسة مفرطة على " كيبورد " ، كانت نقرة واحدة ثم مئات النقرات ، آلاف ثم جاء أوان احتشاد الملايين في قلب الحدث حيث الحواس كلها مدفوعة بعزيمة نقية صادقة ، ومن هنا كانت الحكاية التي أثبتت جدارة مفكرها ثم منفذوها وشخوصها الماثلين للعيان ..
في الشرارة الأولى للثورة اندهشت الأعين والأذان والأفواه ، كانت مباغتة لم يتوقعها الكثيرون من داخل وخارج الثورة ، حتى أن إحدى الأمهات المتظاهرين عبرت بحرارة قائلة : " لم أعتقد يوما أن هؤلاء الشباب الذين كنت أقول إنهم شباب انترنت ودلع وهيافة من الممكن أن تشكل أصواتهم عاصفة عاتية في وجه الاستبداد والظلم ، أهلا بشباب الانترنت إذن " ..
وفي وسط الحشود المتجمهرة حيث الأصوات تتعالى وتتداخل ، مسلمون ومسيحيون يدا في يد والله واحد أحد .. تسلل على الخط المستقيم " أصوات نشاز " تطالب المتظاهرين بـ " العودة إلى منازلهم " ؛ بحجة حفظ النظام وعدم إشاعة الفوضى ..!
لكن ماذا يمكن ..؟ أو ما الذي يمكن أن يوقف هذا الصهر البشري الممتد ..؟! فهؤلاء لا يعيشون في أبراج عاجية كالذين يطالبونهم بالكف ، و لا تدثر لياليهم القارصة مدافئ ، ولا كرامة في أكل العيش ، ولا سكن صحي صالح للإقامة ، بل إن معظمهم شبان عاطلون عن العمل مازالوا ضمن طابور الانتظار الدهري الذي طال وانفقأت مرارته ، فأي توقف هو متوقع من هؤلاء الشباب في وجه نظام كان واقفا في وجوههم طوال تلك الأعوام ..؟!
" العودة إلى منازلهم " فأي عودة هذه ..؟! وإلى أي منازل هي تلك التي يتحدثون عنها ، " قبور " ، " مزابل " ، أم إلى " احباطات " ما فتأت ترافقهم في ذهابهم وإيابهم ، وهم محسوبون على حياة ضمن شعب متكون من أكثر من ثمانين ألف مليون ، كأرقام فقط أما عن الحقوق ؛ فهم محذوفون من القائمة تماما ..!
إنهم الآن على الأقل في - الوقت الراهن - غير عاطلين عن العمل من أجل الشعب بعد أن خذلتهم الحكومة ، إنهم الآن يعملون بموجب حق كمواطنين وإنسانيين ، بحرية وكرامة كانتا مخنوقتان ومسلوبتان في مخابئ الرعب والوجل كانت ما بين الفينة والفينة تدلي برؤوسها رغم القمع ، ورغم تعرضها في أي لحظة و على الدوام للشنق ، إنهم يحاربون الحياة العاطلة التي كانت من أبرز سجانيهم .. هنيئا لتونس و هنيئا لمصر بشابها وأطفالها ، والعقبى لشباب الآخرين ، شباب الظلم والطغيان والاستبداد ..
أحد المسنين علق بحزن : " الآن أنا كبير في السن والحياة فاتتني ، لكني لا أريد مطلقا أن تفوت الآخرين من الشباب .."
الكاتب " محمد الماغوط " كان قد أشار فيما مضى إلى حقيقة تاريخية أثبتت نفسها على الدوام : " كل طبخة سياسية في المنطقة ، أمريكا تعدها ، وروسيا توقد تحتها وأوروبا تبردها وإسرائيل تأكلها والعرب يغسلون الصحون " ..
اعتقد أن هؤلاء الشباب ضجروا من اكتفاء وزهد من سبقوهم بغسل الصحون فقط ..! فخرجت وجوه أصيلة ملفوفة بالضمادات ومغطى بالجروح والقطب والمراهم والاعتقالات في سبيل الحرية التي لم تمنح نفسها يوما عبر التاريخ دون ثمن ، ودون استحقاق خالد ، حرية عمر المختار وغيفارا وغسان كنفاني وناجي العلي و جميلة بوحيرد ولوركا ونيلسون مانديلا .... الحرية عينها التي تظل أبدا تترقب الفارس الانترنت هذه المرة ؛ كي يحررها من الجبن والحرب والذل والعبودية ، من كل خناق ، الأعناق والأيدي والحواس ..
* * *
" أنا وزير منذ سبعة أيام فحسب ، وحققتم مكاسب ما كان أحد يتخيلها ، كيف فعلتم هذا ..؟ جميعنا ومن هم داخل الحزب وداخل النظام السياسي اندهشوا وذهلوا من هذه المفاجأة .."

- وزير الداخلية المصرية للناشط السياسي وائل غنيم -

ليلى البلوشي

الأحد، 19 سبتمبر 2010

ذاكرة " منصور الصويم " شريرة


ذاكرة " منصور الصويم " شريرة *

" يظهر الشر عندما يسودنا الاعتقاد أن كل شيء يمتلكه الآخرون هو من حقنا " ..

- باولو كويليو -
* * *

هل ثمة بشر متجذرون من نبتة خبيثة وأخرى خيرة ..؟! ولماذا نحكم على زمرة من البشر بأنهم أشرار بينما يغدو بعض الآخر حاملي خير ..؟! من أين وكيف يتوالد الشر والخير في قلب الإنسانية .. ؟! هذه الأسئلة ولدتها في عقلي رواية " ذاكرة شرير " للكاتب السوداني " منصور الصويم " ، فأن تكون أمام ذاكرة متعفنة بالشر ، ليس بأي شر إنها ذاكرة لم تكتف بشرها ، شر الإنسانية بل قفزت إلى عوالم أخرى ؛ كي تستنهض جبروت الشر ، طوفانه ، فرعونه بعد أن اعتقدنا من أنه مات مذ زمن موسى ..
نجد تواطؤا وثيقا ، متناميا ، بين المكان والذاكرة هنا ، إنهما أشبه بتوأمين سياميين ، فالمكان هو مجموع أمكنة والذاكرة تغتذي عليها ، تكبر ، تنمو ، تثقل ، تغدو بشهية حوت وبشساعة صهريج والشر فيه ومنه وعليه أعلاه وأسفله ، كله..
تقول الذاكرة التي تقر بوجودها الخام ، ببراءتها الأولى ، بكينونتها الداخلية قبل وئدها : " أنا كسحي .. آدم كسحي .. أنصت الآن بكياني ومسامي ، بتاريخي ، وذاكرة أيامي الماضية ، أنصت إلى القطار ، إلى صافرة القطار ، إلى اهتزاز عرباته وتوجع وأنين سكته الحديد " ..
هذه ذاكرة آدم كسحي ، الطفل ، قبل أن تضيع في متاهات ذاكرة الآخرين ، قبل أن تؤثثها كل آخر على هواه ، ويختلي فيه وكأنه ملك مدفوع الثمن ، وآدم كسحي لا في العير ولا في النفير ، والذاكرة تنتشله من امرأة إلى امرأة ، وفي شرهن تتماهى ذاكرته ببصمتهن ، وما أجمل شر النساء ..!
كانت أولى نساء الذاكرة ، ذاكرة كسحي هي أمه " مريم الكراتيه " المرأة الفاتنة ذات شعر ناعم ، شبق جنود ورجالات الأمكنة كلها ، حضانته الأولى ، في حجرها والعربة تجرهما والذاكرة هنا درب ، بداية درب .. وحين يبصقها الدرب إلى حتفها يجد كسحي نفسه على ظهر وهيبة .. الأم البديلة ، وهنا الذاكرة تسترخي ، تستطيل ، تتشكل على مهل ، على ثرثرة النساء ، على دفئهن ، على أنوثتهن الطاغية وهن يكبرن حبة حبة ، كما الذاكرة المشتهاة ..
بين كل هؤلاء النسوة بأريج فتنهن هل تبقى " مريم كاراتيه " ذاكرته الأولى متشبثة بجدار ذاكرته وكأنها لم تأفل ولا ثانيه عنها ، وتتوجع الذاكرة حين ترفع صوت اعترافها : " أينسى الطفل سريعا ، يتجاوز الفقد والاحتياج ، ويتحايل على الحياة ؟ هل نسي الطفل ، آدم ، الكائن الوحيد الذي عرفه ، الذي ظل طيلة أعوامه الأولى ملتصقا به ؟ سقطت مريم العظيمة من الذاكرة ، تفرقت في روائح شتى ، وعيون عدة ، وضحكات مباغتة .. صارت ذكرى بعيدة ، تنتمي إلى زمن قديم ومشوش ، آدم ، الطفل الجميل ، ذو الوجه الملائكي ، وهب نفسه لوهيبة .. " ..
" وهيبة " المرأة الحنون انتشلت الكسحي من متاهات شر النهار لتقوده إلى أمان شر آخر ، إلى شر مسقوف ، في بيت كبير إلى غرف وصالات ، بأثاث ثقيل وخفيف ، مستورد وغالي ، المكان مدهش ومبهر ، وذاكرة الشر في بحبوحة العيش تتلمس ثلاجاتها المتعددة وتلفزيوناتها الملونة ، الغريب العجيب من الأجهزة الالكترونية والكهربية ..
وفي القاع ، في مخابئ سرية ، يهجس لسان الشر طلاسم فك السحر ، أسرار طرد الشياطين ، ردء العيش إلى حفظ ورد الأبواب السبعة بمقاطعها الثمانية والثمانين ، إنه شر مصاب بفصام الأمكنة ، فالمكان هو من ولّد هذا الشر ، وهو شر الأقنعة ، شر الشياطين ..
والذاكرة كريمة بالنساء ، خصبة بمرابعهن ، مطلقات يبحثن عن سبل لإعادة أزواجهن ، متزوجات يسعين إلى تقييد أزواجهن برباطهن إلى الأبد ، صبايا وعوانس يحلمن باستجلاب عرسان قبل احتراق العمر ، عواجيز ينقبن في حيوات لا تخصهن ويحلمن باستعادة الضائع من أعمارهن .. وكسحي يسير على خطى نصيحة الشيخ إنه يغرقهن في الوهم ؛ كي تبقى ذاكرته متوقدة بهن .. وبـ " سنية الحلبية " وهي ربق ذاكرة آدم كسحي ، ناره التي إذا ما تأججت من هولها ما انطفأت : " رغبت في تفاصيل جسدها ، مستصحبا حريق أيامي الماضية ، واهبا بعنفوان طليق لذتي لأولى النساء ، وأكثرهن قدرة على الإشباع ، المعلمة الأولى .." ..
وتتراجع ذاكرة النساء ، فالكسحي يهرب منهن ، من الشيخ الذي استهلك جل فحولته لإطعام نسائه الجوعى ، يهرب إلى مكانه الأول ، فالذاكرة والمكان في شراك عناق أبدي ، ولا يتوق الهرب سوى إلى موطنه الأول ، حداثة عهده ، ذاكرة الذاكرات : " هناك عند المثلث أعود مثلما كنت .. منكفئا على نفسي ، عيناي مغمضتان ، أبعدني بطيئا عن أصوات العربات ، وعن الأبواق الهادرة ، وعن روائح الاحتراق ؛ أغوص بداخلي وأنقب بقلب واجف عن صدى أيام غابت إلى الأبد " ..
وهناك في عراء أمكنة الشمس تتقدس ذاكرة النساء في " مريم العذراء " تستغيث بها الأمان المفقود ، فثمة عيون مأفونة بالشر تكاد تلتهمه بل التهمته : " مريم الرسولة تواجهك باسمة وشحوب الزمن قد اعتلى ثوبها الأحمر المتموج .. تبتسم لها قبل أن تلتقي عيناك بالعيون الشريرة المحدقة بك في ظفر .. الحذاء الضخم يضغط بقوة على صدرك .. العصي المكهربة تتأرجح قرب وجهك " ..
إنه شر وليس شر .. شر الطيبين ، العاجزين ، المنكسرين ، الظمأى ، الجائعين ، معاقي الحرب ، المجذومين .. شر يحبل بالنهار على ضوء الشمس لينسى في الليل عتمته و ثقله بغفلة النوم وغفلة اللذة ما استرقه النهار من براءته ، من حريته ، من مبان شاهقة ما كانت قاماتهم لتطولها ؛ فلفظتهم وألقت بهم في حفر الشماسة والطين وعفن السلسيون ، واستجداء لا ينتهي ، يتوالد بأكثر من طريقة ، بألف وجه ، بألف يد ورجل لكنه لا يموت ، يخنق من حرياته كما الأسد عن عرينه بين جدران موصدة الأبواب ، حبس مؤقت عن وطن لا وطن ، عن وطن خلق لهم وحدهم مذ انتشلتهم أمهاتهم من ظلمة الرحم إلى ظلمة العالم الشرير ، ذاكرة الكسحي وذاكرة الشماسة والمتسولين هي ذاكرة عالم ولد ليكون شريرا ؛ لأنه يبغي أن يحيا كما يحيا كل آدمي على سطح أرض صلبة ، ولكن الفارق هي أن أرضهم مذ الوطأة الأولى هشة ورغم ذلك أقدامهم ما انفكت ملتصقة بها حتى آخر رمق رغم هشاشة الموطن ..
والشر ، الشر كله دائما إذا ما وعد وفى ؛ فالشر لا يخلف مواعيده أبدا ، وآدم كسحي أيقونة عالم شرير وعدنا بعوده ، بعد ذاكرة امرأة ملعونة وأدته مؤقتا ..

* * *
" هل يموت الشر ؟
هل للخير
في زحمة الشر
سمات ومزايا ؟ "

_ عبدالله البردوني _

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· رواية " ذاكرة شريرة " للروائي السوداني منصور الصويم ، الحاصلة على جائزة الطيب صالح للرواية في عام 2005م .

الاثنين، 30 أغسطس 2010

سجين لأنه عربي ..!



سجين لأنه عربي ..!

في مقال جميل للكاتب الإماراتي " أحمد راشد ثاني " والذي جاء بعنوان " سجين اللغة الواحدة واللغتين والشقيقة " * يسرد في مقدمته اعترافا مؤلما : " للأسف ، أنا سجين اللغة الواحدة ، ولعلي أحس بضغط هذا السجن حين يتحدث أصدقائي عن اطلاعهم على مواد أو كتب باللغات الأخرى لا أستطيع الاطلاع عليها ، وبالتأكيد ، فإن الفجوة في حياتي بيني وبين التكنولوجيا وخصوصا : الهواتف النقالة والكمبيوتر ، تعود في جزء منها إلى ضغط ذلك السجن ، بل وأكثر ، فالمرء يحس نفسه معزول في بلد يزخر بعشرات الجنسيات وبالتالي اتفقت حياتهم على الحديث بلغة مشتركة ، هي في حالة دولة الإمارات ومنطقة الخليج الإنجليزية ، ولقد خسرت كثيرا من الصداقات نظرا لضعفي في التحدث بهذه اللغة أوغيرها ، وتكبد قلبي إخفاقات لا أظنها ستحدث لولا هذا الشؤم اللغوي " ..

غصّة الكاتب تذكرني بالغصّات التي شعرت بها ، كلما وقفت أمام المكتبة التي تقع في وسط " كارفور" في مركز منار في رأس الخيمة ، وأنا أرى أمامي آلاف الكتب بلغات أجنية متعددة ، أقف بالقرب منها ، لكن دون أن أدنو منها كثيرا ، دون أن أجسها بيداي وأتملى في صفحاتها كأي قارئة فضولية ؛ خشية أن يقترب مني البائع وهو يحييني بلغة اسبانية سلسة كاسباغيتهم الشهية ، ولا أعرف ببلاهة بأي لغة أرد عليه تحيته الشهية تلك ..!

وأكبر الغصّات كانت في العام الماضي في معرض رأس الخيمة للكتاب ، وأنا عابرة بخفة بين ممراتها ، لأجد أمامي جمهرة من الكتب ، مغلفة بشكل مثير لعين الرائي ، اقتربت منها ، حملت إحدى تلك الكتب وكأني أحمل قطعة أثرية ثمينة ، قلبت بشغف أوراقها الناصعة بالكتابة ، آلاف الكتب متراصة على انتظار ، تتلهف من يمد لها يدا حانية ولكن لا احد سواي ، لأن صفحاتها تتحدث باللغة الأوردية ، ولم استغرب عدم وجود البائع متربصا مشتريه ؛ لأنه يعرف جيدا أن تلك الكتب وضعت في مكان وبيئة خطأ ، أم أننا نحن المخطئون ..!

تجرعت يومئذ سؤالي المحطم وأنا والجة الجناح الإيراني ، تفاءلت خيرا حينما حياني المسئول عنه بلغة عربية دون أن يغادر صوته بحّة الحروف الفارسية ، رددت تحيته بأفضل منها مع ابتسامة تقول له بأنها تأمل الحصول على مبتغاها ، كتاب يتحدث عن إيران كمدينة وتاريخ وجغرافيا ..
حوطني بابتسامة أكبر أشعرتني باطمئنان كبير ، بينما صوته يسحبني خلفه إلى كتاب ضخم ، عريض الصفحات وسميك الغلاف ، متنوع ، مليء بالصور ، تحفة حقيقية تحكي بعمق عن إيران ومدنها وتاريخها وجغرافيتها وبشرها ، يستعرض عنها كما أريد تماما ، كما كنت آمل تماما ، لكن ليس بلغتي بل بلغتهم هم ..!
ولكن تلك الغصات لا تموت ، بل إنها ترافقني في كل معرض كتاب أي أنها " غصّات سنوية " ، ففي معارض الشارقة وأبوظبي لطالما جنبت زوايا الكتب المعروضة بلغات عالمية ، ينتصب بالقرب منها مترجمو اللغة ومتحدثوها ، بينما أمرّ عبرهم كسيرة الجناح والفؤاد واللغة ..
والغصة ليست على مستوى القراءة والتثقف الأدبي ، إنها قائمة وموجودة على كافة المستويات في كل الدول العربية أخصها بالخليج ؛ فالخليج غدت اليوم قبلة شعوب العالم المختلف ، متفتحة عليها من أصعدة عدة .. لكن ماذا أخذ منها شعبها ..؟!
هل ساهم هذا الاختلاط بكل تحدياته في إشكالية التغير ..؟ هل عرف أهل الخليج كيف يتكلمون اللغة الهندية والانجليزية والفلبينية والفارسية وغيرها من اللغات رغم التحاشد المستمر عبر تلك السنوات ..؟!

يحاول العربي أو الخليجي تحديدا إلى أن يخاطب الآخر بلغته ، حتى وإن كانت الحروف تخرج منه مكسرة ولا يفهم منها سوى الإشارات كأنه يخاطب أخرسا ..!
لأننا وبكل بساطة مطلقة نؤمن بتفوقهم علينا ، هذا التفوق الذي يشعر به كل عربي عندما يرمق بإعجاب أصحاب اللغات الأخرى ؛ والدليل أن كل شخص لديه أكثر من لغة ، هو شخص متفوق ، ولديه مستقبل ، في دولنا العربية من يجيد لغة يجيد حرفة ..
لكن بالمقابل هل الأجنبي مهما كان انتماؤه فرنسيا أو يابانيا أو ألمانيا فكر يوما ما ، رغم أن الكثير منهم مقيم في دول عربية إلى تعلم اللغة العربية ، أو محاولة إتقانها ..؟!
إنه لا يريد أن يتعلمها ؛ لأن اللغة العربية بالنسبة له لا تشكل تفوقا في دولته ، فماذا يفعل الفرنسيون أو الايطاليون أو غيرهم باللغة العربية ..؟!
لهذا على العرب كي لا يخسروا رهان التفوق ؛ عليهم بالانفتاح من خلال إتقان لغات العوالم الأخرى ، ومن كانت له لغة واحدة فهو سجين العالم ..!

العربي يشعر بالعجز في مدينة لا يتقن لغة أهلها ، لكن العكس بالنسبة للأجنبي في بلاد عربية ، فإن شعور العجز لا يكاد يطفو ؛ لأنه سيرى مترجما أمامه يحتفل به وبلغته ، ولأن على العربي أن يتنازل كي يتحدث معه بلغته والمفروض العكس لأنه في بلاد عربية ، حتى العمال الآسيويون نتحدث معهم بلغتهم ، ولم يحدث أن بادرونا بلغتنا العربية ..!
يكتب أدباء اللغات الأخرى بلغات عوالم أخرى ، يتسابق اليابانيون والصينيون الكتابة باللغة الفرنسية ، والاسبانيون والتركيون باللغة الانجليزية ، لكن هل سمعنا بأدباء من لغاتهم بادروا إلى كتابة رواياتهم باللغة العربية إكراما للشعب العربي ..؟!

لولا الانفتاح على مستوى الترجمة في الوطن العربي ، لما وصلنا شيء من لغات أخرى ، حتى الكتاب العرب المترجمون منهم حين يطلبون من كاتب لغات أخرى ترجمة أعماله إلى العربية ، تقبضه نعرة مفاجئة من الطلب ويعلق مندهشا أكثر منه مغتبطا : حقا ، لم أكن أعلم أن ثمة قراء من العرب يهتمون بقراءة أعمالي ..!
ولا نكاد نحيط بمغزى تعليقه أهو سذاجة أم براءة أم ماذا ..؟!

إذن على العربي أن يخبئ مرارة تفوق اللغات الأخرى في قلبه ؛ كي يرمم عقدة النقص لديه ، عليه أن يتعلم لغتهم ؛ كي يأمن شرهم كما أمرنا بذلك رسولنا الكريم ..

ولعل الحكمة هو أن نحذو حذو مراهقة أخبرتني عنها زميلة مقربة ، وهي واحدة من أولئك اللاتي جرفتهن حمى متابعة مسلسلات يابانية بلغتهم الأصلية ، والجميل في هذه التظاهرة هي أن ابنة أختها المراهقة مذ أبهر لبّها هذه المسلسلات ، لا يفارقها معجم اللغة اليابانية مع كراس من حجم كبير ، تسجل فيه كلمات باللغة اليابانية ، ثم تحاول فك طلاسمها من المعجم الذي بين يديها ، ومن ثم تسجيلها ومحاولة حفظها في كراسها الخاص الذي بات لا يفارقها ، ونجحت بالفعل في تحقيق معجزة إتقان بعض عبارات باللغة اليابانية ؛ والسر في تعلم اللغة هي أنها عزمت السفر إلى اليابان والعيش هناك ، وهي تستعد لحلمها - بدأب لا ينقصه الهمّة - مذ هذه المرحلة ..!

ويختم الكاتب " أحمد راشد ثاني " مقالته بسخرية رائقة وبحلم من هو سجين لغة واحدة ؛ فهو يريد أن يصاب بما يسمى بـ " متلازمة اللهجة الأجنبية " كالتي أصابت امرأة تدعى " سارة كولويل " كما حكى عنها في المقال ، ففي صباحات أحد الأيام استيقظت ولسانها يتحدث الصينية بطلاقة ، رغم أنها لم تزرها مطلقا .. كل هذا نتيجة صداع نصفي أثر في الدماغ بطريقة ما كما فسر العلماء جعلتها تتحدث بلغتهم ، والجدير بالذكر أن "سارة كولويل " البريطانية لا يعجبها تحدثها باللغة الصينية ؛ ولطالما شعر البريطاني وأمريكي والفرنسي بالتفوق على الصيني المسكين الذي هو الآخر يعاني من عقدة الأوروبي ..!
بينما كاتب المقالة أمنيته أن يصاب بهذه العلة ، ولكن بشكل أشد بـ " متلازمة لغات أجنبية " ؛ فأحلامه كثيرة لا تكتفي بلغة واحدة ؛ كي يصحو في الصباح يقرأ باليابانية صفحات من رواية لكاواباتا ، وعند الظهيرة يخرج إلى مقهى مطل على البحر ؛ كي يقرأ سونيتات شكسبير باللغة الانجليزية القديمة ، وليس لديه مانع أن يتحدث الفلبينية مع نادلة تدعى " بيتي " وهي أقدم نادلة في أبوظبي ، وأن يقرأ قصيدة الشاعر " ادغار آلان بو " بلغتها الأصلية ، وفاوست " جوته " باللغة الألمانية .....، ولا تكف سلسلة أحلامه اللذيذة الغارقة في أدبيات اللغات الأخرى ॥


ولي أنا الأخرى أحلام متعددة كأحلامه ولكن بطريقة أخرى ، حلمي أن أجلس مع الكاتب " باولو كويليو " وهو يحكي لي حكاية فيها الكثير من الحكمة بلغة عربية سلسلة ॥ وأن أتمشى مع الكاتب التركي أورهان باموق على أرض تركيا الخلاب ، بينما هو يحدثني بلغة عربية صافية عن آخر مشاريعه الكتابية ..


أن تفاجئني الكاتبة " ايزابيل الليندي " بكتابة رواية باللغة العربية وتطلب مني مراجعة كلماتها العربية .. وأن أثرثر مطولا مع الكاتبة " الفريدة يلينيك " على موقعها الالكتروني .. وأن يلقي الشاعر الأمريكي " تشارلز سيميك " قصائده الرائقة بحس عربي أصيل لا تشوبها شائبة .. وأن أستمع إلى تجربة الكاتب الصيني " داي سيجي " لإعادة تأهليه في الثورة الثقافية بصوته الصيني ولكن بلكنة عربية ، وأن أتوسل إلى الكاتبة " هيرتا موللر " أن تكفنا ذل انتظار رحمة المترجمين لأعمالها بلغتها ، وتقوم هي بهذه المهمة ؛ من أجل عيون قراءها العرب .. وأن أطالع مؤلفات " نيتشه " و" هاروكي موراكامي " و" جوته " و" بورخيس " و" مارسيل بروست " و " دوستويفسكي " و" كافكا " وغيرهم ، دون أن توسوسني مدى صحة الترجمات التي نقرأ بها أعمالهم العظيمة .. وأكون ممتنة لو أتابع في دور السينما فيلما لـ" انجلينا جولي" ، وهي تتحدث باللغة العربية وإلى ........ لا آخره ..
والأحلام لا تنتهي أبدا ، فمن يطارد حلما كيف يرتاح ..؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقال للكاتب " راشد أحمد ثاني " ، نشر في جريدة " الاتحاد الثقافي " ، العدد 172 .

الأربعاء، 25 أغسطس 2010

تذوق الكاري الهندي مع جومبا لاهيري



تذوق الكاري الهندي مع جومبا لاهيري

" جومبا لاهيري من نوع الكتاب الذين يجعلونك ترغب في أن تمسك بأول شخص تراه وتحثه على قراءة هذا الكتاب "

- آمي تان -
* * *

أول قصة قرأتها للكاتبة الأمريكية هندية الأصل " جومبا لاهيري " هي قصة " القارة الثالثة والأخيرة " يعود ذلك إلى عام 2006م من مجلة البوتقة _ مجلة فصلية تعنى بالأدب الانجليزي – تقدمها هالة صلاح الدين حسين ..
وهي قصة روتها -لاهيري - عن والدها الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية مذ ثلاثون سنة ، ليقيم عند سيدة عجوز تناهز المائة وثلاث سنوات ، وقد حكت لاهيري قصة تلك المرأة والأجواء التي مر بها والدها خلال تلك الفترة حيث كانت هي ما تزال طفلة صغيرة ، وقد استغرقتها كتابة هذه القصة حوالي ستة أشهر باءت معظم مسوداتها بالفشل ؛ إضافة إلى جهود مضنية للحصول على نسخ من صفحات جريدة الباسطون جلوب من 20 يوليو 1969م ، وهو يوم هبوط سفينة الفضاء أبوللو II على القمر ، لكنها تمكنت في النهاية من مفاجأة والدها بالقصة التي خرجت بحلة فنية رائعة ..
تعد " جومبا لاهيري " كاتبة مهاجرة ، ورغم أنها ولدت في لندن ومن ثم ترعرعت في الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أنك حينما تطالع مجموعتها القصصية " ترجمان الأوجاع " تستشعر كأنما الكاتبة انبثقت بذرتها من صميم التربة الهندية ، فلم يفلح اغترابها عن وطنها الأصلي عن زعزعة تلك الأصول الهندية الكامنة في أعماقها ..
واذكر عددا لا بأس به من - الكتاب المهاجرين – استقطبتهم عوالم الحياة في أمريكا ؛ لتتفق تجاربهم مع تجارب " جومبا لاهيري " في عرض قصصهم ورواياتهم عنهم ، واستحقوا عليها جوائز عالمية من أمثال الكاتب الدومينيكي " جونو دياث " التي فازت روايته " الحياة الوجيزة والرائعة لأوسكار واو " بجائزة " بوليتزر 2008م " وهي الجائزة عينها التي فازت بها لاهيري لمجموعتها التي نحن بصدد عرضها " ترجمان الأوجاع " عام 2000م ، والكاتبة الأمريكية روسية الأصل " لارا فابنيار " وهي مؤلفة لمجموعتين من القصص القصيرة ، الأولى بعنوان " البروكولي وقصص أخرى عن الطعام والحب " 2008م ، والثانية بعنوان " هنالك يهود في بيتي" 2004م ، و رواية بعنوان " مذكرات شاعرة " 2006م .. وفي بريطانيا الكاتبة الهندية " كيران ديساي " كانت لها رواية تحكي فيها عن أوضاع المهاجرين وعزلتهم في بلاد الغرب ، وحصدت روايتها تلك على جائزة " بوكر " الرفيعة في الأدب ، والكاتب الأمريكي الصيني الأصل " ها جن " في مجموعته القصصية الأخيرة " سقطة طيبة " خاض في غمار تجارب المهاجرين من الصينيين ، أولئك الذين استقروا في حي فلشنج في كوينز بنيويورك وآثار هجرتهم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ..

في " ترجمان الأوجاع " نجد في هذه المجموعة مع فنيتها المبسطة وحيوية حواراتها ، عادات هندية احتفظ بها المهاجرون بشدة ، كما تحتفظ المرأة الهندية المتزوجة بالمادة القرمزية ما بين مفرق شعرها .. لعلنا نشير إلى بعض منها :

* نلمس حب الهنود لبعضهم البعض في الغربة ؛ فالهنود يميلون لعيش ضمن جماعات كخليات النحل وقوافل النمل ، وكان ذلك جليا في قصة " عندما أتى السيد بيرزادة لتناول الطعام " فالقصة تحكي عن رجل وامرأته وطفلة في العاشرة من عمرها ، كان الرجل والمرأة يعيشان في حي لا يزورهم الجيران مطلقا إلا بدعوة ، ولا كان الأطباء يستجيبون لنداء المنازل ، تلك الوحشة هي التي دفعت الزوجين للبحث في سجلات جامعة " بوسطن " عن قادمين جدد يحملون جنسيات هندية ، ومن خلال كشف الأسماء تعرفا على " السيد بيرزادة " الذي جاء من " دكا " حيث ترك بناته السبع مع زوجته هناك ؛ لإجراء دراسة عن أوراق النبات في ولاية " نيو إنجلاند " ، فاتصلا به ليقيما بدعوته إلى منزلهم .. وهكذا كان " السيدة بيرزاده " يزورهم في كل مساء ؛ لتناول العشاء ومشاهدة التلفاز ..

* القصة عينها تحكي عن الانقسام الذي حصل 1947م ، الذي تحرر فيه الهنود من الاستبداد البريطاني ؛ ليغرقوا في وحل الحروب الأهلية بين المسلمين والهندوس .. كما جاء على لسان الأب وهو يوضح لابنته الفكرة بالإشارة إلى الخريطة التي أمامهم : " مثل الكعكة .. الهندوس هنا ، والمسلمون هناك ، ولم تعد دكا تابعة لنا " وتتساءل تلك الطفلة التي يدهشها هذا الانقسام رغم أن السيد بيرزاده ووالدها يتحدثان اللغة ذاتها ، وتضحكهم النكات ذاتها ، ناهيك عن التشابه في ملامحهم ، وجميعهم يأكلون المانجو المملح مع وجباتهم ، ويتناولون الأرز بأيديهم كل ليلة في طعام العشاء .. : " إن السيد بيرزادة بنغالي ، لكنه مسلم ، وهو لهذا يعيش في شرق باكستان ، وليس في الهند " هكذا فك والدها عقدة دهشتها من حيال هذا الوضع .. إذن الغربة هنا ذوّبت الاختلافات الطبقية والطائفية ، ليحل الحب وتقبل الآخر كما هو محلهما ..

* يعيش الهنود غربتهم على طريقتهم ، بل نقول إنهم يفرضون على الغربة هنديتهم المهاجرة ، كما نرى في قصة " منزل السيدة سين " زوجها أستاذ جامعي حيث يعمل مدرس مادة الرياضيات ، تقضي " السيدة سين " معظم وقتها وحيدة ، لهذا تنشر إعلانا عن استعدادها لرعاية الأطفال ، وهكذا تجد نفسها ترعى الطفل " إليوت " وهو صبي في الحادية عشر من عمره ، في أثناء اعتنائها بالطفل تدأب " السيدة سين " على طبخ الأكلات الهندية ، بل تحرص في الذهاب إلى محل خاص لشراء السمك وتتفق معهم في حال وصول أسماك طازجة بمهاتفتها بذلك ، وكانت في أثناء فترة الطبخ هذه تسترسل في أحاديثها مع الطفل " إليوت " فتحكي له عن أمور وذكريات مرت بها في الهند ، فحكت له مرة عن قصة النصل الذي أحضرته من الهند : " كلما كان هناك زفاف في العائلة ، أو احتفال كبير لأي سبب ، كانت أمي ترسل لإخبار كل نساء الجيرة ، كي يحضرن أنصالا كهذا النصل ، ثم يجلسن في دائرة هائلة على سطح منزلنا ؛ يضحكن ويثرثرن وهو يقطعن خمسين كيلو جراما من الخضروات ، ويبقين على هذا الحال طوال الليل " .. بينما تجد في صوتها وحشة كبيرة عن الخواء المحاط بها وهي تسأل الطفل " إليوت " بقولها : " إليوت .. لو أنني شرعت الآن أصرخ بأعلى صوت ممكن .. هل تظن أحدا سيأتي إلي ؟ " فنراها تستأصل من ذاكرتها الجواب في حال إن كانت في الهند : " في بيتنا .. هذا هو كل ما يجب عليك فعله ، فليس لدى الجميع هواتف ، فيكفي أن ترفع صوتك قليلا ، أو تعبر عن حزن أو سرور ، وسوف تجد كل جيرانك ونصف جيران جيرانك قد أتوا ليشاركوك الخطب ، أيا كان ، ويساعدونك في الترتيبات " .. فيدرك " إليوت " أن كلمة "بيتنا " التي ذكرتها السيدة سين تعني بها بيتها في الهند ..
والحزن يكابدها حين يصلها خطاب من كلكتا ، يخبرها بأن أختها وضعت طفلة جميلة وهكذا تدرك بأنها لن تستطيع رؤيتها ربما لسنوات فلا تتعرف الطفلة على خالتها وقتئذ ..! وحين يطالبا أهلها في الهند بإرسال صور يبرز منها حياتها الجديدة يتأزم فيها الحزن بشكل كبير ..


* قصة " القارة الثالثة والأخيرة " وهي آخر قصص المجموعة تكاد تكون غنية بالعادات الهندية التي بثتها " جومبا " هنا وهناك ، فنجد في البداية أن الأب الذي سكن لوحده في أمريكا لم يفكر قط في أن يخون زوجته مع امرأته أخرى ، بل نقول تغيب في المجموعة كلها علاقات غير الشرعية التي يقوم بها الرجال في حال ابتعادهم عن زوجاتهم ، وكذلك الحال مع المرأة الهندية .. يفوح في هذه القصة تحديدا روائح الكاري الهندي مع البيض الذي يطبخه الزوج لزوجته حين قدومها من الهند ، دون أن يفوتهم تجريب بعض الوجبات الأميركية نحو وجبة " كورن فليكس " مع الحليب ، الذي دأب الزوج على تناوله في فترات الإفطار عوضا عن الأرز الذي اعتاد عليه معظم الأزواج البنغاليين كوجبة إفطار أساسية .. كما نرى التزام المرأة بالملابس الهندية الساري أو الشروال حيث كن النسوة الهنديات في أمريكا تحرصن على ارتدائه وتفضيله على الملابس الغربية ..
كما برز مبادئ الزواج التقليدي الذي يفرض على الرجل ، ففي القصة كان الزوج قد تزوج بناء على اختيار أخيه وزوجته اللذين كانا مقيمين في الهند ، دون أن تتدخل الغربة التي يعيشها في التخلي عن هذه العادة ..

" ترجمان الأوجاع " .. مجموعة أشبه بقطار تحفل فيه كل مركبة من مركباتها نوعا من الحياة ، لكنها تتفق بطريقة وأخرى في الروح التي تفرقع في سماواتها تلك الحكايات ، استرسلتها الكاتبة في تسع قصص بلغة سهلة تتسرب إلى القلب بهدوء ، وهو الهدوء ذاته تسرد به الكاتبة معظم قصصها القصيرة ..

والمجموعة أشعلت فيني – شخصيا – إضافة إلى - حكاياتها الطريفة - الرغبة في أن أذهب إلى أقرب مطعم هندي واطلب الكاري بالدجاج مع طبق من السمك بمتبلات هندية على طريقة جومبا لاهيري ..



الأحد، 25 يوليو 2010

تحولات الشحوم ودلال الكسل



تحولات الشحوم ودلال الكسل

( 1 )

" التبلاح "

" التبلاح " : مصطلح يستخدمه عائلات منطقة - تندوف - بأقصى جنوب غرب الجزائر ، ويعنى بها تسمين الفتيات المقبلات على الزواج ، كي يغدون يوم زفافهن في أبهى صورة .. وهي عادة موغلة منذ القدم فحين تبلغ الفتاة سن السابعة والثامنة عشرة ، تدخل العائلة في حالة طوارئ ؛ لأن الفتاة تكون على عتبة الزواج ، ويتطلب تجهيزها بدنياً لذلك .. دون أن تقف النصائح الطبية بتفادي السمنة ومخاطرها في وجه بقاءها حتى الآن ..
وتتبع في تسمين الفتيات سلسلة من التدابير التقليدية أهمها اختيار أنواع من الأكل تعتمد على لحم الإبل وشحمها ولبنها ، وخبز الشعير فضلا عن التمر ومواد سكرية ..
ويشرف على هذه المهمة مسنات مجربات وعارفات بخبايا الأغذية التي تفيد في إحداث السمنة وطرق استعمالها ، وتخضع الفتيات المقبلات على الزواج لوتيرة معينة من الغداء كما ونوعا ، ويتناولن عادة طبقا غنيا بالدهون يتكون من شحم الإبل المذوب والبيض المقلي في الزبدة والنشا ، وهو حساء تقليدي خال من التوابل .. وشريحة لحم الإبل المجفف ويسمى باللغة المحلية " تيديكيت " ..
بينما أولئك اللاتي يرغبن بالطرق السريعة لزيادة الوزن ، يتناولن كل يوم خليطا من بيض الدجاج النيئ وزيت الزيتون على مدى أربعين يوما ، من أشد أيام الصيف حرارة وتسمى هذه الأيام بـ " السمايم " ..
ويرجع أهمية تسمين الفتيات عند هذه القبائل إلى رغبة رجالهم في فتيات مملوءات القدّ وموفورات الصحة وكاملات ، بينما النحيفة فلا حظوة لها في الزواج عند هذه القبائل حتى تسمن نفسها ..!


( 2 )

" تحولات الشحوم " *

مؤرخ الجسد والأستاذ الجامعي الفرنسي " جورج فيغاريللو " في كتابه الصادر حديثا تحت عنوان " تحولات الشحوم " يتحدث عن تاريخ البدانة من العصور الوسطى حتى القرن العشرين ..
فيغاريللو وكما أشار في كتابه إلى أن في العصور الوسطى ظهر ما يسمى بـ " الشخص الأكول " الذي كان يتمتع بحياة اجتماعية ومادية مرفهة ؛ فـ " كرشه " المتدلي دليل قاطع على نأيه عن هوة الفقر ، فالبدينون كانوا غالبا من فئات الإقطاعية في الحالات الطبيعية ..
ولكن النظرة التشككية بدأت حيال البدين منذ القرن السادس عشر – بدايات عصر النهضة الأوروبية – حيث ظهر ما يسمى بـ" غياب مفهوم الاعتدال لدى الأكولين " تبناها نقاد كثيرون .. وقد أشار المؤلف إلى شخصيات شكسبير الهامشية ، والتي كانت تتصف بالبدانة مثل شخصية السكير " فلاستفال " الذي حظي بتوصيفات مثل " صاحب البطن الضخم " و" شحم كبد الإوز " و " الآنية الاسبانية المدورة " .. ومع هذا القرن غدت البدانة نوعا من التخلف ..
و في القرن الثامن عشر ظهرت كلمة " البدانة " في قاموس " فورتيير " الصادر عام 1701م وجاء توصيفها القاموسي باعتبار البدانة حالة مرضية ، وعليه فرض عصر التنوير خطابا يدين فيه صراحة اكتناز الشحوم في الجسد الإنساني ..
واعتبارا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين ، اشتاحت العالم حمى إنقاص الوزن وظهر ما يدعى بـ " دكتاتورية المظهر " ؛ فزيادة الوزن هي " خطيئة جمالية " بمقدار ما هي " خطيئة صحية " ، وغدت البدانة دلالة من دلائل " الفقر " ؛ بسبب تناول كميات كبيرة من النشويات بعد أن كان دلالة ثراء في العصور الوسطى ، ومع طغيان ظاهرة " الكرش البرجوازي " واكبه أهمية " الميزان " في المنازل وظهور برامج غذائية " الريجيم " ، فالبدانة وكما يرى فيغاريللو أصبحت إحدى المشكلات الاجتماعية والصحية والجمالية ، التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار ؛ بسبب آثارها العامة فضلا عن آثارها الفردية ..


( 3 )

" كرش المثقف "

من وصايا الكاتب " وليام سارويان " للكاتب الشاب : " تنفس بعمق ، وكل بأقصى ما تستطيع من شهية ، ثم نم نوما عميقا وأضحك كالجحيم " ..
يبدو أن " القراءة والكتابة " سببان رئيسيان لفتح الشهية ، أو لنقل حمل لقب " أصحاب الوزن الثقيل " .. فأن تقبع في مجلسك على أقصى درجات الاسترخاء وبين يديك كتاب ، وأنت في سباق لاهث معه ؛ كي تنتهي منه لتبدأ بوليمة أخرى ، ومن خلال تلك الساعات خصوصا عند المنصرفين تماما عن العالم الخارجي من حواليهم تقديسا لمادة القراءة ، لا يقطعها سوى مواعيد الصلاة لأولئك الملتزمين بها – وما أقلهم – أو ارضاء فطريا لقعقعة المعدة التي لا تستغني عن حصصها من الطعام لعيني كتاب مهما كان قدره ..!
فتكون أشبه بفواصل إعلانية تنأى عينيك المرهقتين قليلا عما استحوذ عليك لبّك .. تلتهم وجباتك ، فالشهية بابها مفتوح على مصراعيه والقراءة تحتاج إلى عقل والعقل يحتاج إلى وقود قوامه في الزاد الذي يتدحرج إلى معدتك بسلاسة لذيذة .. فلا أسهل من عمليات البلع والمضغ والجرش والطحن والقرمشة والفرم والمص حتى آخر نتفة من القصعة التي أمامك ، بهمّة نملة تعد عدتها لشتاء شرير مقبل عليها .. !
وحينما تنتهي من وجبتك الرئيسية الثقيلة ، فإنك تدلل نفسك كما يدلل الدانمارك أبقارهم تماما ، فأنت ويا للإرهاق ..! قابع في جلستك المجهدة وجسدك يحفر في تربة أفكار غائرة في الكتاب الذي تقرأه أو الذي تعكف عليه تأليفا ، وأفكار ما بين كرّ وفرّ فلا مانع خلال ذلك استدعاءً للأفكار من جرش الفول السوداني المحمص أو طحن المكسرات بأنواعها المتبلة بطريقة عربية ، أو قرمشة برينكوز من عبوات الشبيس الكبيرة أو رقائق " ليز " فميزتها أنها تتلاءم وصفحات الكتاب الضخم الذي تمعن فيه بكل جد ، وإن كان الجو حواليك يغلي على درجة المائة الفهرنهايتية ، فإن آيس " باسكن روبنز " برعشته الباردة تدغدغ طاقتك لمجهود أكبر ، دون أن تحرم نفسك من صرعات الوجبات الجديدة فـ " آندومي " بخلطة الدجاج أو الخضروات هي الوجبة التي تحب أن تسحبها إلى جوفك بسلاسة مطلقة ، بينما أنفاسك تلهث خلف لهفة تخطف أبصارك في موضع مما تقرؤه .. ولا مانع من استرخاء على نحو آخر مع قطع من " الجالاكسي " الذي يذوب في الفم بنشوة مدهشة وقد تتضاعف الكمية ؛ فالدراسات أثبتت أهمية الشوكولاتة لتحسين المزاج وتنشيط الطاقة .. بينما قد يطلق الكتاب المنسجم معه عنان خياله فترتشف " الـ " ريد بول " لتحلق بجناحين من الطاقة مشاطرا بذلك خيال الكتاب ، ناهيك إلى مشروبات حارة ، ليكون " الشاي " مع سكر زيادة أو " النيسكافيه " مع حليب كامل الدسم وسيلتان لتنبيه ما لبس على العقل في جرم السهر ..
مع الأيام تغدو مثقفا حقيقيا وقارئا كبيرا مع شاهدين لا يكذبان أعين الآخرين قط فـ" كرشك " الكبير و" فخذيك " المشحمين خيرا دليل ..! مع رفيقين على ما يبدو سيرافقانك لزمن ممتد " السكري " و" الكوليسترول " وقد لا يغادرانك أبدا كلما فرط تدليلك لعادات القراءة ..!
لكنك تستطيع أن تستيقظ من هذا الكابوس بتخصيص – ساعة يوميا - تطلق فيهما ليس قدميك فقط ، بل عقلك لمتعة الانطلاق والصحة والرشاقة لتغدو كاتبا وقارئا يتمتع بصحة جيدة ..
ومجال الحرية شاسع بين الأخذ بنصيحة الكاتب " وليام سارويان " وبين ما تناوله المقال ، دون أن يفوتني تذكيركم بكابوس مرعب يدعى " شبح السمنة " اجعلوه نصب أعينكم كلما سولت لكم أنفسكم تدليل الكسل ..
وما ألذّ تدليله ..!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت قراءة مفصلة عن هذا الكتاب الصادر حديثا في باريس للمؤلف " جورج فيغاريللو " في ملحق " مسارات " التابعة لجريدة البيان الإماراتية ، العدد 104 ، 2010م .



الثلاثاء، 8 يونيو 2010

حكاية الجنس اللطيف في اليابان


حكاية الجنس اللطيف في اليابان *

حين تقرأ في تاريخ اليابان تستولي عليك دهشة مفرطة عن سمو هذا التاريخ سليل إمبراطوريات شتى كان لها التأثير الأكبر في قلب العالم ، وحين تمعن النظر إلى تلك العادات المتأصلة ، البراقة كسيف ياباني يعزز مكانة صانعه الذي نقش عن دراية كبيرة شهرته على مقبض سلاحه ؛ ليثير الجدل عن حدته وعن أصالته المطلقة حتى اليوم ..
تناهى إلينا الكثير عن نظام الحياة في اليابان ، عن التزام شعبها بقوانينهم مهما غدت صارمة ، وهو التزام جبل عليه الجميع الصغار والكبار والشيوخ .. وذلك ليس بغريب على شعب يعيش على أربع كلمات كما أشار المعالج النفسي " إبراهيم الفقي " في إحدى برامجه المذاعة وهي : " صباح الخير " ، " كيف حالك " ، " التحسن المستمر " ، " المرونة التامة " ..
وحين تدنو من الرجل الياباني والمرأة اليابانية ترى حياة حافلة بمتغيرات عديدة ، تجد تناقضات صارخة كانت سائدة في العلاقة بين الرجل والمرأة ؛ بينما أعنف تفريق على مستوى الوظائف بينهما هو أن معدل أجر المرأة أقل بالنصف من معدل أجر الرجل ، وعلى مستوى العلاقات الجنسية فإن المرأة اليابانية مطالبة بالوفاء لزوجها والإخلاص له ، بل إن بعض العادات تحتم على المرأة المتزوجة ألا تتبرج ولا ترتدي ملابس جميلة أمام رجال آخرين ، وقد تبالغ إحداهن حتى يصل بها الأمر إلى تلطيخ أسنانها البيضاء بالفحم ؛ كي لا تلفت نظر الغريب إليها ، ويعد اتصال الزوجة بأي رجل من خارج العائلة أمرا خطيرا ..
بينما الرجل يمارس كافة حقوقه بحرية مطلقة ، فليس من الغرابة أن يرفّه الرجل عن نفسه بقضاء بعض الوقت في إحدى البارات قبل أن يذهب إلى منزله ، والمدهش أن نظرة اليابانيين إلى هذه الخطيئة باعتبارها في مقام تناول وجبة طعام الذي يتمتعون به في المكان المناسب ، فلم تعد قضية تعدد العلاقات الجنسية مشكلة في حد ذاتها أكثر من الشذوذ الجنسي ؛ لأنها علاقات يبيحها المجتمع .. !
ولا تتوقع مطلقا ثناءً من الرجل الياباني على المرأة اليابانية ، بل إنه يوصمها أمام الآخرين بـ " الزوجة الغبية " ؛ انتقاصا لشأنها ، وردود أفعاله تجاهها تكون جافة ومقتضبة ، هكذا كان سائدا في الطراز القديم وعند بعض الأزواج في الوقت الحالي ، والرجل الياباني ليس كالرجل الغربي فهو لا يوصف مشاعره علانية تجاه زوجته في الأماكن العامة ، ولربما ذلك راجع إلى أسس الزواج في هذا المجتمع ، فالزواج يكون تقليديا يتولاه الأبوين باختيار الفتاة لابنهم وفي حال الموافقة يتم اجتماع الأسرتين ؛ كي توثق بينهما الصلة لإتمام الموضوع وليس من الضروري أن يكون أساس التوافق في الزواج راجعا إلى إعجاب متبادل أو وجود رابطة حب ، فطالما كان الزواج محددا باحتياجات الأسرة وليس نتيجة وجود صلة إعجاب أو حب بين طرفين فهو بحد ذاته كافيا ، ورؤية كل منهما الآخر قبل الزواج ليس شرطا أساسيا ، بل تقوم مقامها عادة صورة متبادلة بين الأسرة الخاطبين ..
والأسرة اليابانية تحرص على تربية الفتاة وتنشئتها تنشئة صالحة ؛ لتكون عنصرا قيما لا تشوبه شائبة في سوق الزواج ، وهذا حدا بعض الفتيات إلى إهمال دراستهن الجامعية التي تتعدى أربع سنوات من أجل الزواج والتفرغ له ..
والفتاة حين تتزوج ، بعض الأسر اليابانية يعدونها بمثابة الميتة ؛ لأنها تكون طيعة في يد حماتها ، وهي حين تكون زوجة تتقلص حياتها الاجتماعية وتكرس حياتها بإيثار تام لرفاهية عائلة زوجها تحت إشراف حماتها الصارم .. وتظل هكذا إلى أن تزوج ابنها لتتولى زوجته دورة حياتها ، بينما تمارس هي حقوقها الاجتماعية التي حرمت منها قبل ذلك ..
بينما فترة قبل الزواج هي فترة الحرية بالنسبة للفتاة ، وهي الفترة عينها تمارس فيها حياتها الاجتماعية ..
وكل هذا بسبب تأثير فلسفة - الكونفوشيوسية – فمازال للمأثورة القديمة بعض الشرعية والتي تقول : " أن على المرأة أن تطيع أباها في صباها ، وعندما تصل إلى سن الرشد عليها أن تطيع زوجها ، وتطيع ابنها في سن الشيخوخة "..
وهي نتاج المجتمع الأبوي الصيني المؤمن بسادة وقوة الذكر ، والتي كانت تنظر إلى النساء باعتبار أن وظيفتهن هي الحمل وتربية الأطفال وتخليد الأسرة أكثر من كونهن شريكات للرجل في الحياة أو موضوعا للحب ، ولا يدهشنا ذلك ؛ لأن قوام فلسفة كونفوشيوسية تقلص من حق الرومانسية على أساس كونه ضعف والجنس مجرد عملية آلية للحفاظ على استمرارية العائلة .. وغدت المرأة في المجتمع المتحضر " المهذب " في فترة حكم توكوجاوا وصيفة خاضعة تماما للرجل ووسيلة من وسائل الترفيه عنه ..
لكن المرأة الريفية لكونها تعمل جنبا إلى جنب مع زوجها في الحقول ؛ فإنها ظلت محافظة على وضعها نظرا لاستقلالها المادي ..
وإذا كانت مكانة الرجل في اليابان تقاس بالمؤسسة التي يعمل بها وترنو أهميتها إلى أهمية كيانه الذكوري في المجتمع ، فإن المرأة اليابانية هي جنة المنزل الياباني وهي المؤسس والمدبر الأساسي له .. وهو تناقض صارخ يضاف إلى تناقضات فاغرة الدهشة لهذا الشعب ، فلا تعرف معنى غرابة الأطوار حين تكون في اليابان ..!
كما قالت الكاتبة أميلي نوتومب* في روايتها الصادرة عن اليابان " ذهول ورهبة " : " الأنظمة الأكثر استبدادا تتسبب في حالات انحراف عجيبة تجعلها تتسامح مع الظواهر الشاذة ، ولن نعرف معنى غرابة الأطوار حتى نلتقي مع ياباني. إن اليابان بلد يعرف معنى أن (يطق) الإنسان من القهر" ..
فالمجتمع الياباني هو " مجتمع أمومي " مذ أصالته الأولى ، يتميز بقيادة الأم للعائلة في طبقات المجتمع الدنيا ، وكانت " الشمس الإله " هي السلف الأسطوري للسلالة الإمبراطورية ، حيث كانت زعامة الإناث شائعة في القرن الثالث الميلادي ، وكانت هناك إمبراطورات تولين الحكم في القرن الثامن الميلادي ، وكن النسوة يرثن الممتلكات ويؤدين دورا هاما في النظام الإقطاعي .. وهنا انبثق تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية للحد من حرية النساء لكون المرأة بعد تخطيها مرحلة التدريب ليس لها القدرة على حمل السيوف كقدرة الرجل ، ولعل هذا الحد هو الذي جعل المرأة اليابانية تستعيض عن تقلص مكانتها في المجتمع إلى دورها المهم في البيت الياباني ، هو ما جعل اليابان مجتمعا أموميا بامتياز _ وهو النظام الذي ينسب فيه الأبناء لأمهاتهم – وعليه فإن المرأة هي التي تتولى كافة شؤون البيت ، فالرجل يضع راتبه كله في يد الزوجة ، وهي التي تقضي كل حاجيات البيت وتشتري السيارة وتعطي الرجل مصروفه ، ونرى كيف أن تأثيرات هذا النظام الغريب الذي قل من شأن الرجل في المجتمع الياباني ، فالرجل أي الأب رغم أنه هو الذي ينفق على الأسرة فإنه في الواقع أقرب ما يكون إلى الرمز ، لا نفوذ له في شؤون الأسرة ، والأم هي التي تدير ميزانية الأسرة بصورة قاطعة ، والأم هي التي تعنى بشؤون الأطفال وتنشئتهم تنشئة صالحة ، والجدير بالذكر أن المرأة اليابانية المتزوجة حين تكون عاملة ، إن رزقت بطفل فإنها تستقيل من وظيفتها ؛ كي تتفرغ كليا لتربية الطفل وحين يبلغ سن المدرسة ، فإنها تعود لعملها مرة أخرى .. و قد لا تجد أما تعتني بتربية أبناءها مثل الأم اليابانية ؛ فهي ومنذ فترة رضاعة طفلها ، تبدأ بسرد القصص والأحاديث التي تنمي لدى طفلها الأخلاق الفاضلة ، وتغرس فيه حب الوطن والخير، وعشق البطولة ، وتمجيد الآخرين ومن هم أكبر سنا ، إنها حقا أشبه بمدرسة فاضلة ..
واليابانيون لا يعرفون نمط الأب المتسلط المستبد المعروف في مدرسة فرويد لتحليل النفسي ، لكنهم يعرفون صورة ارتباط الذكر القوي بالأم ، واعتماده الشديد عليها حتى ليصل وصفه ارتباطا مرضيا بالأم على المستوى السيكولوجي ..
حتى أن الزوج نفسه أحيانا يغدو وكأنه الطفل الأكبر لزوجته الذي يحتاج منها رعاية لطيفة وتدليلا ، وهذا يتبدى جليا ضعف شخصية الرجل الياباني في أسرته وعادة هذا ما يكون مبعثا لمشاكل أسرية .. بينما في الوقت نفسه ينتظر من الزوجة أن تكون " سيدة محترمة " توفر حياة هنيئة لأسرتها ..
وهذا الجانب هو الذي يعزز من مكانة المرأة في هذا المجتمع الغريب والمدهش والمتناقض ، وفي السنوات الحالية نرى كيف أن المرأة اليابانية استطاعت أن تخوض عدة تحديات ، وغدت إلى جنب الرجل تمارس دورها في داخل وخارج المجتمع الياباني الذي ينحو في اتجاه تطوري نحو اكتساب قيم ومفاهيم عدة من الآخرين ،فقد أعطى القانون الياباني المدني في عام 1946م المرأة وضعاً مساوياً للرجل في كل مظاهر الحياة على عدة أصعدة ، ولعل من أهمها منح المرأة حق الانتخاب في البرلمان والمجالس المحلية ، وتخصيص مقاعد لهن في مجلس النواب ، ومنهن من ترأس المجالس البلدية والقروية ، وفقاً لمبدأ المساواة بين الجنسين ..
وتجد في الوقت نفسه تجدد قديمها بطريقة لا ينقصها الأصالة ، فالكيمونو اللبس التقليدي للمرأة لم يبق كما هو ، فالمرأة اليابانية اعتنت به بحيث أصبحت أقمشته تجاري ما هو مطروح في الأسواق الحديثة ، ولأن الكيمونو يستدعي من المرأة مبلغا طائلا لتفصيله ؛ فإن بعض النسوة غدون اليوم يرتدينه في أوقات المناسبات فقط ، وأولئك اللاتي يعشن في ترف اجتماعي ..
ويبدو أن المرأة اليابانية متوحدة في سماتها وفرادة خصوصياتها ، ولن تشبه قط أي امرأة في أرجاء العالم ، لا في غرابة وضعها ، ولا في أصالة قيادتها لأسرتها ، ولا في أمومتها المثالية تجاه أفلاذ أكبادها ..
فلا عجب حين تقول إحدى أمثالهم : " إن اليابان جنة الرجل " ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( * ) يمكن القراءة بالتفصيل عن هذا الموضوع وغيره عن المجتمع الياباني في كتاب " اليابانيون " تأليف أدوين رايشاور ، ترجمة ليلى الجبالي ، مراجعة شوقي جلال ، عالم المعرفة _ وهي سلسلة ثقافية شهرية تصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ، 1978م ..
( * ) رواية " ذهول ورهبة " للروائية البلجيكية أميلي نوتومب ولدت الكاتبة البلجيكية في عام 1967 م في مدينة كوبي اليابانية ، من أب كان يعمل سفيرا لبلجيكا، تنقلت معه بين الصين وروما ونيويورك واليابان ، فاشتاقت إلى مراتع طفولتها اليابانية ، فعادت إليه ، وعملت هناك في وظيفة ، والرواية تشير إلى اسمها الحقيقي ، وهي انطباعات روائية صدرت عام 1999 ونالت عنها جائزة الأكاديمية الفرنسية الكبرى، حيث سردت عن جوانب التناقض السائد عند اليابانيين ، تحكي عن بطلة تعيش في اليابان وترتكب أخطاء كثيرة ، فتقديم الاستقالة في اليابان يعد إهانة للأعراف اليابانية ، وحين تهنئ البطلة رئيس شركتها على بلوغ طفلته سن الثالثة نراه يتذمر لكونها كشفت " عورة عائلة " ...الخ ، الرواية صادرة عن وزارة الثقافة في دمشق ، 2010م ..

الثلاثاء، 16 مارس 2010

سيرة النسيان


سيرة النسيان

" أ . هل كنت مريضا ؟ هل شفيت ؟
ولكن من كان طبيبي ؟
كيف استطعت نسيان هذا ..!
ب . الآن فقط ، أظنك شُفيت .
لأن من ينسى ، في صحة جيدة يكون "

- نيتشه -

* * *

في أحايين كثيرة نرغب لو أن رؤوسنا خاوية من ذاكرة تسمم حياتنا كلها ، فتلسع أول ما تلسع القلب هذا العضو الحساس الدافق بأعصاب متمددة ، المرن بنبضات تجري حينا كالأرنب وتبطئ حينا آخر كالسلحفاة ، فالذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة إذ بمقدار ما تتيح له سفرا نحو الحرية فإنها تصبح سجنه .. على حد تعبير الروائي عبد الرحمن المنيف ..
قيد الذاكرة هذا يجعلنا نرغب لو نغدو كالمولودين الجدد ، أو كالقطط الذين ليس لهم مشاعر ولا ذاكرة ، نتمنى لو نستطيع أن نقفل كافة حواسنا الخمسة تجاه محسوسات العالم ؛ لئلا نشرع الذاكرة على مزيد من ويلات الذكرى التي تكون لربما مؤرقة تقرصنا بقية عمرنا ، وما أكثر الأمور التي نفشل في دحضها عن تاريخ الذاكرة المثقلة بخيبات أثقل ، ماذا عن مساحات جغرافية التي تحوي سيرة تفاصيلنا ، كلما نأينا عنها ازددنا قربا منها فتأنف عن النسيان ॥!

يقول فرويد : " إن الذاكرة خوانه " ..
فلا تشطب من حدودها سوى البقعة المعشبة بأنبل الذكريات التي كانت تمدنا روحا إلى أشخاص ، إلى أماكن ، إلى تفاصيل ، كان لها قسط من حفنة فرح ، بينما المساحات التي تربو على أقاص جرداء لا يهطل على أراضيها سوى حمم من ذكريات خائبة تحرق القلب وتكمد الجوارح ، فإنها حينئذ تحتفظ بالوفاء كوشم أبدي والذاكرة منها حادة كالمسامير ॥ !

وللهرب من دبابيس الذاكرة المؤلمة خصصت الكاتبة " أحلام المستغانمي " كتابا عن النسيان ، تخاطب فيها أولئك اللاتي قهرهن النسيان فعلق ذاكرتهن على سماء مثخنة بآلامها ، فتطالب بنات جنسها بمساواة أنفسهن مع الرجال في ذاكرة النسيان ؛ لأن المرأة بطبعها لا تنس بسهولة ، بينما الرجال على نقيض ؛ لأن النسيان يمهد لهم الطريق للبحث عن علاقة جديدة ، بينما الأنثى فهي تطرد النسيان عن وكرها ؛ لأنها تخشى خوض تجربة جديدة على أساس ذاكرة في اليد خير من نسيان على الشجرة كما وصفت ..!

والغريب أن الروائي " نيكوس كازانتراكيس " صاحب رواية زوربا ، يرى أن الرجل حبيس ذاكرته ، بينما المرأة تنسى بسرعة ولا يمكن أن تذكر أحدا من عشاقها القدامى ، وحين تكون معها يحمر وجهها خجلا وتضطرب كما لو أنها ترى رجلا لأول مرة في حياتها ، وفي كل علاقة تخرج عذراء الذاكرة والجسد ..!

يبدو أن النسيان سيقف وقفة محايدة ، بينما أجناس النساء والرجال تتعنصر حوله في اتجاهات معاكسة .. !
بينما يهمنا نحن هو شراء النسيان ، فمن يريده يتجه رأسا إلى المكسيك ، تحديدا عند السحرة المكسيكيين أو شامانيه كما حكى الروائي " باولو كويليو " ذات مرة .. فهم يقدمون وصفة تطبيقية في النسيان يعنونونها بـ " آلية النسيان " فحين تثقل عليهم الذاكرة التي تحمل أطناب حياتهم التي مروا بها ، يمضي السحرة أو الشامان أشهرا يستذكرون فيها أقل ما يمكن من تفاصيل لكل حدث في حياتهم ، وتقضي بعض التقاليد أن يمضي أحدهم ساعات في التحدث عن كل شيء مر ّ به بصوت عال أمام آخر وكوب ملئ بالماء ..
وبهذه الطريقة تغادر القصة ذاكرتهم وتذهب إلى الماء الذي يجب أن يرمى في النهر مباشرة بعد الكلام ، فهذا الفعل يُخلي فكرهم ليستطيعوا تعبئته بأشياء جديدة ..

بعد هذه الوصفة المدهشة لا نملك سوى أن نتنفس ملء ذاكرتنا لندلق النسيان في النهر نفسا بعد نفس ، لكن ماذا لو أن وصفة السحرة المكسيكيين كفيلة بالتدمير الشامل للمخ الذي يحتوي على جهازين للذاكرة ، جهاز خاص بالوقائع العادية وجهاز ثان خاص بالوقائع المشحونة عاطفيا .. ونخرج بعدها بذاكرة فقدت هويتها الأصلية ..؟
التجربة جديرة بالمغامرة ، خصوصا لأولئك المثقلين بكراكيب تستعصى على النسيان ..!


الثلاثاء، 19 يناير 2010

الأدب السوداني تارة أخرى ..


الأدب السوداني تارة أخرى ..

لم أتوقع لمقالتي المعنونة بـ " الأدب السوداني نضجته الشمس وغافلته الريح " أن تتلقى ذاك الكم الهائل من الاهتمام والنشر ، فإذا بأضواء من صحف ومجلات ومثقفي العرب يحتفون بالمقالة وبنشرها في معظم المواقع والصحف ، كان هدفي من تلك المقالة هو إبراز رأي شخصي عن أدب يحفل بالكثير وأدباء من قطر عربي موسومين بالدهشة ، وكنت أتوق بشدة أن يغدو هذا الرأي الشخصي رأيا عاما ..
لقد وصلتني ردود كثيرة ، كما وصلتني كتب وقصص وروايات تتناول الأدب السوداني ، ولكن الأروع من ذلك كله هو الاحتضان السوداني الجميل لبعضهم البعض ، فمعظم تلك القصص والروايات أرسلها لي بعض قراء سودانيين محبي للأدب والفكر ، وكل واحد منهم كان يسعى وبكل حب أن يمدني باسم كاتب جيد ويستحق الإشادة والمتابعة في تلك القطعة الجغرافية من العالم ..
والرائع أيضا أن مقالتي التي تحدثت بشكل عام عن الأدب السوداني ووضعه الراهن ، ثم خصصت الأديب " عبدالعزيز بركة ساكن " كنموذج من أدب السوداني المميز ، ولهذا أبدت بعض الصحف والمجلات رغبتها في التعرف على هذا الكاتب وإنتاجه الإبداعي ، ولقد أسعدني كثيرا ما جاء على لسان الأديب بركة ساكن في أثناء مشاركته في بعض الملتقيات : (هذه الدراسة التي كتبتها الأستاذة ليلى البلوشي، بلا شك فاتحة خير للكتابة السودانية بشكل عام، و لقد نشرت حتى الآن في عشرات المواقع العربية، ولدى مختلف التيارات الفكرية و الجهوية، و احتفى بها أناس شتى، ولقد كان حظي منها وفيراً، لأن الكثير من المجلات المرموقة قد اتصلت بي تريد أعمالي، وقلت يا بركة من جاه الملوك تلوك ) ..
بهذا أستطيع القول بأن المقالة قد حققت ما كنت أطمح إليه ..

ومن الردود الجميلة التي وصلتني من الأستاذ " عبدالله الطاهر " يحكي فيها عن إشكالية الأدب السوداني وحقه المهضوم في الانتشار :

( حضرة الأستاذة ليلى البلوشي .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعساك بالخيرات ..
وردتني ضمن مجموعة الجزائر الثقافية مقالة لك حول الأدب السوداني وأعجبتني أيما إعجاب ، واتفق معك أن الإشكالية الرئيسية لعدم معرفة العرب بالأدب السوداني يرجع لإشكاليات تتعلق بالاستقرار السياسي ، لكنني فوق ذلك أحمّل جزء كبير من المسؤولية للعرب ، هم غير منفتحين على السودانيين بشكل كبير ، إنما انفتاحهم منصب على دول بعينها ، وتوقفوا عند الطيب صالح كأنما حواء السودانية توقفت عن الإنجاب ، لأنهم لا يريدون أن يعرفوا أكثر مما عرفوا ، بل بالعكس كان يمكن أن يقودهم معرفتهم بالطيب صالح للتساؤل مادام هذا هكذا فماذا يوجد غير ذلك ، ربما يكون هناك أكثر من ذلك ، قد لا تصل لقامة الطيب صالح لكن على الأقل فربما تكون هناك كتابات بمستوى عال ، قليلون هم أمثالك الذين بحثوا وقرءوا .. إشكالية أخرى يمكنك إضافتها وهي أن المجتمع السوداني أثرت فيه الصوفية بشكل كبير فجعلته أقرب إلى الزهد والتقشف والابتعاد عن تعظيم الذات ، وقد تنزلت هذه القيم عند الكتاب والمثقفين السودانيين ، فجعلتهم لا يميلون كثيرا للتواصل مع الآخر الخارجي ، ولا يميلون إلى نشر مخطوطاتهم ، وأثر الصوفية في السودانيين كبير على مستوى كل المجالات ، لقد دخلت الصوفية السودان منذ فترات تاريخية قديمة من المغرب العربي ، وكانت فيها ممارسات أقرب إلى أهل هذه المناطق ودخل في ذات اللحظة الإسلام فارتبط الإسلام بالانتماء إلى طريقة صوفيه ، فكل من يدخل الإسلام عليه أن يختار طريقة صوفيه محددة كي ينتمي إليها ، وكان ذلك هو السبب الرئيسي بها وتتأسس وفقه الكثير من الممارسات التي كانت سببا في وضع حدود لانطلاق وانتشار الأدب السوداني .. حضرت ذات مرة مؤتمرا لمجمع اللغة العربية في السودان ، وكان يرأسه العالم الجليل البروفيسور " عبدالله الطيب " – يرحمه الله – وفي فترة الاستراحة أقام المجمع مأدبة غداء فذهبنا ، وهناك رأيت البروفيسور " عبدالله الطيب " وهو يحمل أطباق الأكل ويتحرك هنا وهناك بتواضع عجيب ، منذ حينها وأنا أفكر في هذه التأثيرات التي تركتها الصوفية في التركيبة السودانية ، ولعلك تعلمين تواضع الأديب الراحل " الطيب صالح " وحديثه الكثير عن أنه لم يفعل شيئا يستحق ، ورغم طيبة قلبه وصلاح دواخله ، فقد ذكر ذات لقاء في " التلفزيون السوداني " أن اسمه لا يعبر عنه فهو لا طيب ولا صالح ، وقيسي من ذلك على العديد من الأدباء السودانيين ، وقد كتب الأستاذ " محمد المكي إبراهيم " وهو من الشعراء السودانيين المفوهين ودبلوماسي قدير ، أيام دراسته الجامعية في ستينيات القرن الماضي ، كتابا حول " الفكر السوداني أصوله وتطوره " كتب أن من التأثيرات السلبية للتصوف على السودانيين قصر النفس الكتابي ، وإن كنت لا أتفق معه في ذلك ، فهناك العديد من المؤلفات والمخطوطات التي وردتنا منذ تواريخ سحيقة ، ولكن الإشكالية في النشر ؛ لأن السودانيين لا يميلون للنشر ، رغم توفر العديد من المخطوطات ، وأمس القريب كان يحدثني زميل لي عن " بركة ساكن " ثم تطرق الأمر إلى عدد من الذين يكتبون ويملكون مخطوطات لم تنشر ، فقلت له لدينا مشكلة في ثقافة النشر في السودان ..
المهم .. لقد أعطت الخلطة العربية الإفريقية في دماء السودانيين مسحة خاصة في أدبهم جعلته عميقا وحنينا ، وقد أثرت فيهم السياسة لتجعل في كتاباتهم الكثير من الرفض والخروج والتمرد .. لن نلوم أنفسنا ولن نلوم الآخرين ، على مقربة منك في قطر يوجد الصديق الرائع " عبدالغني كرم الله " وهو من أميز الكتاب الشباب ، سأحاول خلال الأيام القادمة أن أرسل لك عددا من القصص له ولغيره .. بالمناسبة الحوار الذي أشرت إليه مع الصديق العزيز " محسن خالد " كنت قد أجريته معه أنا في عام 2005م ، ونشر في مجلة أوراق الجديدة التي كنا نصدرها أيام وجودي في السودان ، حاليا أنا مقيم في هنا في مملكة البحرين ، وبإذن الله سنعقد في الفترة 4 ـ 6 فبراير المقبل ملتقى حول الأديب الراحل " الطيب صالح " يقيمه النادي السوداني بالتعاون مع مركز عبد الرحمن كانو الثقافي وسنصدر عددا خاصا من مجلة " حضارة سودان " وهي مجلة تصدر هنا عن النادي الثقافي السوداني في مملكة البحرين ، وأرغب في إذنك بنشر مقالك حول الأدب السوداني في المجلة ..)

كامل احترامي
عبدالله إبراهيم الطاهر
مدير تحرير صحيفة النبأ
مملكة البحرين
مدير تحرير مجلة حضارة السودان

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

الأدب السوداني .. نضجته الشمس وغافلته الريح




الأدب السوداني
نضجته الشمس وغافلته الريح ..

اعترف بأنني كنت أطلّ على الأدب السوداني من نافذة ضيقة ، لم يتجاوز ذوقي في عبوره سوى على أعمال الطيب صالح ، وحين انتهيت من قراءة كل أعماله ، وذلك مذ سنوات اعتقدت وكم كنت قاصرة المدى باعتقادي ذاك أن الأدب السوداني انتهى عند الطيب صالح ..
وحين استوقف عبوري على حين صدفة قصة بعنوان : " ود أمونه متبلا " وذلك من فترة قريبة لكاتب سوداني كان مجهولا بالنسبة لي يدعى " عبدالعزيز بركة ساكن " ..
فإذا بود أمونه يقودني إلى " امرأة من كمبو كديس " والتي بدورها أحالتني إلى " فيزياء اللون " ثم إلى " دراما الأسير " ، فإذا بكل قصة تقودني إلى أخرى ، حتى وجدت أمامي غنيمة كبيرة للكاتب وهي رواية " الطواحين " تلك الرواية المدهشة التي طبخت على نار هادئة ..

" عبدالعزيز بركة ساكن " هذا الذي حين تتأمل صورته ، لا يمكن أن تسقط عن ذاكرتك ابتسامته المضيئة وهي متواطئة بطريقة مدهشة مع حكاياته ، فلا تكاد تغوص في عوالمه القصصية حتى تستشعر بالابتسامة ذاتها تضيء عقلك بلذة لا تضاهى على حين غرة .. هو صاحب قصص وروايات عدة ، و روايته " الجنقو _ مسامير الأرض " حازت مؤخرا على جائزة الطيب صالح الروائية في دورته الأخيرة ..

الصفة الاستثنائية التي يتمتع بها الأدب السوداني هي أنها متوالدة ، فما تكاد تفرغ من نص ما ، حتى تغوص في لهاث مستحكم لمتابعة نصوص أخرى للكاتب عينه ، ولا يهدأ اللهاث عند نقطة معينة بل يتجاوزها حين تتكشف حواراته عن أسماء أخرى في جغرافية البلد نفسه ، وكانت ذاكرة قارئها فقيرة حيال معرفتها ..
هذا القاص والروائي قادني بلذة الحكايات التي عجنها إلى تفتيش وتمحيص في ردهاته ، فإذا بي أرى أن النافذة التي كنت أطل عليها على الأدب السوداني ضيقة جدا ، لأن قصة عبدالعزيز بركة ساكن لم تكتف بكوة النافذة الضيقة ، بل شرعت أمامي أبوابا عديدة ، قصصا وروايات وأسماء شامخة في تاريخ الأدب السوداني ..
وتلاحظ أن نرجسية الأنا تخبو خلف ظل لا نكاد نتحسسه من خفوته ، فعلى سبيل المثال هذا الحوار الذي أجري للكاتب عبدالعزيز بركة ساكن ، يعدد فيها أسماء كتاب من المعين السوداني بطريقة تلقي الضوء على تجاربهم ، ويستقبلها القارئ كفلاشات وامضة : ( وتعلمت من النصوص السودانية، عمق عيسى الحلو في ذات الإنسانية، عذوبة سرد الطيب صالح، سحرية إبراهيم اسحق وجنون بشرى الفاضل ..وحاولت فوق كل ذلك أن احدد بصمتي الخاصة .. )
وحين سئل عن موقفه من المنجز الإبداعي السوداني استرسل قائلا :
( إذا تجاوزنا جيل الرواد في فترة الثمانينيات والتسعينيات ، فالرواية تتأرجح ما بين الضعف الفني والمغامرة ، فما بين الجدة والأصالة (أعني بالأصالة العمق) فهناك أسماء مثل : منصور الصويم وابكر أدم إسماعيل ، وحمد المك والحسن البكري ومحسن خالد .. هؤلاء استطاعوا أن يحفروا أنهراً كثيرة وان يشيدوا أعمالاً جميلة ..) .

والصفة الاستثنائية الأخرى هي إلمام الكاتب بنتاج بيئته المحلية ، فتجده متابعا له بشكل مكثف يكاد يكون أشبه بالإخطبوط ، وهي صفة لمستها عند معظم الكتاب السودانيين ، فيقول عبدالعزيز بركة ساكن عن كتاب أضافوا الجديد إلى صفحات الأدب السوداني : ( مغامرة أبكر آدم إسماعيل في استخدام الحوار الدارجي ، وتوظيفه بصورة جميلة ، وعالم أحمد المك الذي يشبه حكايات وأحاجي الحبوبات ، منصور الصويم أستطاع أن يكتب رواية مغايرة في موضوعها ، ومحمد خير عبد الله الذي كتب روايات يتولى البطولة فيها (المكان) وهي روايات ساخرة ، وهو نوع جديد في كتابة الرواية السودانية ، والحسن البكري له مساهمة جيدة في استلهام التاريخ في روايته " سمر الفتنة " .. ) ..
وسئل مرة الأديب " بشرى الفاضل " عن متابعته لما ينشر فاعترف قائلا : ( أنا متابع لما ينشر، وفي حقيبتي كتاب المبدعة الكاتبة استيلا من الجنوب، وكتاب آخرين التقيتهم هنا وفي مدني، وبعض كتابات أرسلت لي من قبل كاتبيها، ومتابع لما ينشر في الصحف، هنالك بالتأكيد كتاب لديهم مجوعات قصصية مدهشة بالنسبة لي، فمن الأنماط القصصية التي توقفت عندها، أن يكتب كاتب ما عن موته الشخصي، وتأكيداً تملك الأجيال الجديد رؤية أكثر تشعباً كنتيجة طبيعية لتضخم عدد السكان الذي يدفع للإجادة أكثر، أنا أعرف كل الروائيين الشباب ولي صله بهم، منهم حسن البكري، أبكر آدم إسماعيل، وغيرهم ...) .
فمن خلال تلك الحوارات يستطيع القارئ أن يلتقط عدة أسماء سودانية مبدعة ، فبجانب تلك القامات الأدبية الرفيعة نضيف محمود مدني ، مختار عجوبة ، علي مك ، طارق طيب ، نصار الحاج ، مأمون التلب ، محمد خلف الله ، فضيلي جماع ، زينب علي ، نفيسة الشرقاوي ، بثينة خضر مكي ، رانيا المأمون ، ملكة فاضل عمر..... والقائمة تطول ..

وحين تقرأ لكاتب سوداني قصة قصيرة أو مقطعا من رواية ، لا يتضاءل وهجها مع الأيام ، بل ترى نفسك قارئا متلبسا بها ، وأروع ما يميز هذا الأدب تلك اللغة المتآمرة مع واقع يتشكل فيه روح البيئة بطريقة خلاقة ، وفي الوهلة الأولى تكاد تبصم بالعشر أن ما كتب هو قطعة نثرية خلابة عرف جيدا صاحبها كيف يدير أدواته ، فيتماهى العمل مع القارئ محدثا دبيبا ما في نفسه ذات أثر صاخب ..

كثير من إبداعات الكتاب السودانيين وصلت إلى أوروبا ، واتسعت أفئدة الترجمة لها ، ولكن الدول العربية مازلت لا تكاد تحيط إلا بالقلة القليلة من تلك الأعمال التي انتخبها ذوق ما ..
ولا أكاد أجزم أن يحظى أحد أدبائها بجائزة عالمية ، ونقف حينها مشدوهين تجاه الكاتب وإبداعه المجهولين عن الذاكرة العربية ، كما حصل مع الروائية " هيرتا مولر" التي حازت مؤخرا على جائزة نوبل ، فشدق العرب حين أدركوا تقصيرهم عن ترجمة مؤلفاتها التي التهمها الغبار مذ زمن غابر .. !

فهل السبب أن ذوق القارئ العربي في أقطار الوطن العربي دجن في مدى سنوات على أسماء بعينها ، وكأن الأدب وقف عند تلك الأسماء ولم يتجاوزها .. ؟!
هذا إذا أضفنا أن بعض النصوص المبدعة للأدباء تكون سجينة سقف بيئتها المحلية ولا تكاد تتجاوزها ؛ بسبب سياسة التوزيع المجحفة في حقها ، إلا حين يقتنصها ناقد فذ أو حين تلقى جائزة ما بظلالها على عمل ما ..
أم أن غياب مؤسسات متخصصة في السودان هي السبب ، وفي حوار أجري للقاص والروائي محسن خالد في عام 2005م ، يقول محسن خالد في حواره بجسارة يحترمها القارئ : ( بخصوص الساحة – النقدية- في السودان، هي بالتأكيد لن تفاجئ الساحة العالمية بابتكار مباغت ، ربما معنا من النقَّاد العدد القليل، وهذه ليست الآفة ولا المشكلة، الآفة هي أنّ هذا العدد على قِلِّه يناقش كتاباً واحداً دون ملل، "موسم الهجرة إلى الشمال" إن أحببت أن أُسمّيه لك. هم بالطبع سينتظرون نُقّاد الخارج حتى يتناولوا أسماء جديدة مثل : ( أبّكر إسماعيل) أو (بركة ساكن) أو (محسن خالد) ، ليأتوا هم بعد ذلك كالبكتريا التي تعقب الطاعِم ، فلا يخرجون إلا بما يخرج به متسقِّط الفضلات، وإن كانوا أذكياء بالفعل ومظلومين من قبل شخص مستهبل ومتجنّي مثلي، فليلعبوا لعبة جديدة ومعاكسة لمرَّة واحدة في حياتهم .. ) ..
هذا الحوار يفتح أمامنا عدة تساؤلات عن الجهود الشخصية التي يتجشمها المبدع السوداني ؛ كي ينقل أدبه من مكان إلى آخر في غياب جهود النقاد والمؤسسات .. وقد يتساءل قارئها عن مدى تغير واقع الساحة السودانية مذ ذاك التاريخ ..
وحينما مر فضولي على عدة مقالات تناولت الأدب السوداني ، لمست أن كلها اتفقت ورغم التباعد الزمني لكل واحدة منها ، أن الأدب السوداني مهّمش وحبيس بيئته ، وكان آخرها مقالة كانت منشورة في مجلة نزوى تناول فيها الكاتب أحمد شريف دراسة معنونة بـ " حول الأدب السوداني " أشار فيها إلى أن الأدب السوداني لم يأخذ حظه من الانتشار واستثنى من ذلك الطيب صالح ومحمد الفيتوري ، ولكن الأسماء قبل وبعد هذين المبدعين لم تأخذ حقها حتى الآن ؛ واستنتج أن ذلك عائد إلى صعوبة نشر السودانيين لأعمالهم ؛ وذلك للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والسبب الثاني يتوافق مع ما أورده الروائي " محسن خالد " في الحوار الذي أجري معه في عام 2005م هو اكتفاء القراء والنقاد العرب بالاسمين سالفي الذكر ..

الأدب السوداني سواء كقصاصين أو روائيين الملاحظ أن الشمس أنضجت إبداعاتهم بشكل جيد ، وما الدور سوى على الريح الكسول أن تنثر عبقها الرائق إلى أقطار شتى في العالم العربي ، فهنالك نصوص مشبعة بالمتعة والإبداع والابتكار تستحق أن تقرأ حقا ، ومنحهم صك الاعتراف ليس فعلا جبارا ؛ لأننا بكبسة زر واحدة نجمع حصيلة لا بأس بها من قصص وروايات منشورة في خفايا الشبكة العنكبوتية ، وهذا هو غرض المقال في حد ذاته ..

الأحد، 23 أغسطس 2009

الساكنات في قلوبنا



الساكنات في قلوبنا



من يتكئ مثلي مساء كل جمعة وحدقتيه مصوبتان كفوّهة مسدس على قناة mbc1 وعقرب ساعته يزنّر رقاص مؤشره على إيقاع الحادي عشر .. سيعرف أن حديثي يشمل مسلسل درامي خليجي يحبطنا في نهاية كل أسبوع بحلقة أكثر إحباطا من أختها المعنون بـ" الساكنات في قلوبنا " ..


مسلسل محبط جدا ، تدلّت حلقاته بقيود خانقة على كل من عنق المرأة والرجل .. والمرأة كالعادة كائن حبيس كعصفور مسكين في قفص المظالم والتضحيات والقلب النقي التي تتنفس على أحلامها الموبوءة وأمانيها المقهورة ..
أما الرجل هو الوحش الهمجي والسفاح والظالم الذي عيناه لا تنامان ، السيد الذي تموء له المرأة بخضوع أمرك مطاع ..!

هذا السجل العتيق في تاريخ الجينات البشرية في تكرر مستمر كدورة الحياة فكل جزء منها يتمطى في نظام دقيق ومحكم وحريص ..
طوال تلك الأعوام والمجتمع يعيد ويكرر وينبش ما دفن وترسب ولكن مع كل جيل تجدد بحذاقة في سرد أسلوب النقاش والعرض بحيل مفبركة .. ولا تفعل غير ذلك حقا !
فعلى من سنلقي اللوم .. ؟!
هل سنشهر أصابعنا بحنق على الرجل بأنه الوحش الذي لابد له من ترويضه .. أم أننا سنضّخ حناجرنا بمستوى أعلى من الصراخ الذي استنفذ منه ما استنفذ في المطالبة في فك قيود المرأة ..؟!
أم سنقف محايدين حتى تتساوى كفّة الميزان بين الطرفين ، فنعلل بأن الرجل يتصرف على ذاك النحو حرصا منه على أنثاه .. أو نعلن إن المرأة من حقها أن ترسخ وجودها في المجتمع بقواعد معينة ؟


فعبر أحقاب تاريخية ماضية كان الوضع الفطري يصنف المرأة بأنها الجارية التي تقيد بالأصفاد وتجر من عنقها شهية البياض والنعومة بأيد جلادين بلا ذنب ؛ سوى أنها إغراء يهدد سلامة المجتمع الشرقي المحافظ .. وهو ليس بالشيء المدهش وتاريخ مكرر يتكرر بأشكال وتحت مسميات مختلفة تتخفى في زي تنكري تستدعيه الحياة المتطورة ... لكن تبين في وسط دهشتنا أن " الرجل " أيضا يجرجر بالأصفاد ذاتها و للأسف هنالك جوقة من الرجال مقيدين حقا ..!


الرجل كائن بشري وجد نفسه في مجتمع مضمخ حتى أعلاه بالقيم الاجتماعية المتسلسلة ببعضها في دوران لا نهائي .. في دوران محكم الأقفال .. وثمة صوت أعلى منه يأمره بالرجولة المنفوخة بالعنف والقسوة والسيطرة ، فإن عصا غدا فأرا وإن ترققت مشاعره أحتقر إلى قائمة بلا شخصية ..!


إذن الرجل مكبل مثله مثل المرأة تماما .. فلماذا نحاكمه بالمقصلة وحده في هذا الواقع المطوق بالمتاريس ؟!
والرجل ليس ملام حين يتصرف على ذاك النحو ؛ لأن تلك التصورات الخاطئة حفرت فيه منذ خشونة أظفاره فانتشر فيه السوس .. فما نتيجة سعي المرأة إلى الخروج من أقفاص والمطالبة بالحرية إن كان العقل الذكوري مبرمج على تفكير آلي كهاتف محمول درج على تقنية ثابتة ..؟!


مازلنا نبرر قولنا في كل مرة بأن الوعي هو هدف تلك الدراما المعروضة .. وهل بعد ذاك الكم الهائل من العرض عبر تلك القرون أفلحنا في إعدام سوء الظن على مستوى الأجيال ؟!
المجتمع ككل متآمر على ترسيخ تلك الغمزات اللاذوقية في الحدود الفاصلة بين الرجل والمرأة والتي لوثتها إكراهات الموروث وأصفاد التناقضات التي تتصافح بأيد مرفهة بقفازات الرياء .. حتى في مجال الإعلانات التجارية دائما تسعى إلى تشييء المرأة كدمية والتي تثير شبق الرجال .. فلماذا هذا السعي الملّح على حفر مثل هذه الصور المتكررة وتحطيم مُثل الثقة المتبادلة بين الرجل والمرأة ..؟!
ثمة عقد اجتماعية متوارثة لا غرض منها سوى أن تكون البنت كأمها وجدتها ويكون الرجل كوالده وجده كساعة مهما طرأ تغيير على شكلها الخارجي تبقى عقاربها لاهثة بالطريقة المكررة نفسها ..!


فالمجتمع العربي وكما عبر المستعرب الشرقي الياباني " نوبوأكي نوتوهارا " في كتابه " العرب من وجهة نظر يابانية : " مشغول بفكرة النمط الواحد على غرار الحاكم الواحد ، والقيمة الواحدة والدين الواحد وهكذا ، ولذلك يحاول الناس أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم ، وتحت هذه الظروف تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين ، أعني يغيب مفهوم المواطن الفرد لتحل مكانه فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد ، في هذه المجتمعات يحاول الفرد أن يميز نفسه بالنسب كالكنية أو العشيرة أو بالثروة أو بالمنصب أو بالشهادة العالية في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود القمع وتذوب استقلالية الفرد وقيمته كانسان يغيب أيضا الوعي بالمسؤولية " ..


كثير من النساء تشامخن إلى أعلى مراتب الوظائفية مثلها مثل الرجل ، لكن هل كفّ الرجل عن ممارسة تسلطه عليها ؟
ماتزال أعداد مهولة من النساء يعانين على أيدي الرجال على كافة الأصعدة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية .. فهل مراكزهم الوظيفية فعلت شيئا ؟
وإن فعلوا كان فعلهم بإتباع سياسة الإكراه .. وليس على أساس من الود الإنساني والتفاهم .. أي أن الرجل لم يفعلها عن طيب خاطر وتفهم منه .. بل ربما خضوعه كان يقنِّع وراءه دوافعا شخصية ..!


المطلوب أن يعامل كلاهما آخره بإنسانية مطلقة على دعائم التكامل لا كمنافس لابد من قهره ، فلكل منهما أحلامه التي يسعى لتحقيقها ولكل منهما أحاسيسه وطموحه وأهدافه في الحياة .. والكف عن الضغط الوعظي الذي يتقاذفه كل طرف على الآخر بطريقة همجية ..
هنالك صراع مخيف بينهما في تصاعد بركاني تتسارع خطواته ولا تبطئ .. تتسع ولا تضيق .. ثمة فوضى أخلاقية تتبهرج في عرض مفاتنها .. فغرت فوهة التأرجح المضني الذي سبرنا فيه دون أن نحدد مسارنا بين أحكامنا الأخلاقية الصميمة والأحكام الاجتماعية المتوارثة حتى وقعنا في فخ التناقض .. !


المجتمع ليس بحاجة إلى تحرير لا المرأة ولا الرجل .. قبل تحرير ذينك الجنسين يجب تحرير الأفكار المتعفنة المتكئة على ترسبات ديناصورية التي تجتر تعاليمها كشيء مقدس لا يمكن الحياة من دونها ..
السر في القلب هذا العضو العضلي الممتلئ بالحجارة ، هذا العضو الذي يحلم بالشمس ونفض الغبار وخيوط العنكبوت التي تشابكت حوله كغابة مهجورة تغصنت فيه الأحاسيس كفروع متخدرة مشلولة لا روح فيها .. فعندما نضخ الحياة في القلب سيطلق أحاسيسه بعفوية دون رهبة سرعان ما يضخ طاقة هائلة في الأدمغة التي كانت معطلة عن التفكير الإنساني كجبل هامد .. إن مجتمعاتنا بلا عافية ؛ لأننا لا نعرف كيف نحب كما عبر الشاعر نزار قباني .. ينقصها الرحمة والرأفة ، بل ليس لديها ما يكفي من الدين ليجعلهم على وفاق مع بعضهم البعض ..
المطالبة بالكف عن ترميم القيم الاجتماعية المحنّطة .. إن التلميع يعلو كل شيء سوى المشاعر الإنسانية يتفشى فيها الصدأ يوما بعد آخر ..
المطلوب ترقيع منطاد الثقة التي انفقأت فتخبطت في فوضى السقوط .. نحن نعيش في مجتمع مطارد بالشك بامتياز .. أشرك بغرسه في تربة عقولها كلا الجنسين بلا تبرئة أي منهما ..


فالأم على سبيل المثال في بريطانيا تقول لابنتها التي تسير في الشارع : ( انتبهي وأنت تسيرين في الشارع ، فأنت لا تعرفين من هو الرجل الذي ستقابلينه عند المنعطف فقد يكون ذلك الرجل هو فارس الأحلام ) .. والأم في خليجها إلى محيطها تقول لابنتها التي تسير في الشارع : ( احذري وأنت تسيرين في الشارع ، فأنت لا تعرفين الرجل الذي ستقابلينه عند المنعطف فقد يكون دنيئا وقد يخطفك ويغتصبك ) ..!
وكل جيل يترعرع على الاستفهامات نفسها : لماذا الرجل مطارد بسوء الظن دائما ؟ هل حقا هو كائن متوحش ؟ ولكن ماذا عن آبائنا واخوتنا وكل رجل قريب لنا أو تعاطينا معه ؟ وهل حقا المرأة مصلوبة أبدا على سجية السقوط في مستنقع الرذيلة بسهولة ..؟ هذا ما يدعى بسياسية التعميم المرضي التي ماتزال مترئسة بجدارة في برمجة عقول الشرقيين .. فيتفاقم من جيل إلى جيل بالتوارث دون أن نحرك ساكنين .. !

ثمة خوف .. فالرجل الذي يكون كالخاتم في يد المرأة ، لا يكون كذلك إلا بدافع خوف .. والمرأة التي تكون جارية في يد الرجل لا تكون إلا بغريزة الخوف الذكوري المتسلط عليها كذلك .. !


ثمة جهل .. ومعظم الذين تتصف أدمغتهم بالجهل هم طبقة المتعلمين للأسف ، الأميّ أكثر مرونة في التقبل من المتعلم حامل درجة دكتوراه .. فالأول ينطلق من بساطته والأخير من دكتاتورية الأنا ..


إنها أنفاس حق لدعم المجتمع الأسري على قواعد الثقة وأسس الحب والتأثيث النقي .. بعد نبذ التورية الاجتماعية وردم الأفكار الجاهزة التي يرتوي عليها الأجيال بالتناوب فالكل يلج من الدهليز نفسه ويتوه فيه دون الجرأة بإسدال القناع عن حقيقة قذارتها ؛ من أجل بناء جيل جديد له رؤاه وحريته و التحرر هنا لا يعني تحررنا من أخلاقنا وثيابنا وعاداتنا والمثل الاجتماعية الأصيلة ، بل التحرر هنا مصلوب على الآلية في ممارسة قوانين اجتماعية متوارثة تخلو من أي معنى انساني .. تحرر العقول المحشوة بالأفكار السلبية التي ليس منها غرض سوى أنها تعلن تعبدها للأزلام الجاهلية التي عفى عليها الدهر والتي ما تزال تؤدي فروض طاعتها بصورة ساذجة تتكشف عن هشاشة أصحابها وتناقضاتهم .. لنعبّد ذاك الدهليز وليكن الطريق أمامنا فيسحا باستقامة كالصراط المستقيم ..

الأربعاء، 22 يوليو 2009

شيخوخة ماركيز



شيخوخة ماركيز ..


« سأضع يدايّ على رأسي حتى لا أكبر « هكذا قذفت ابنة أختي الصغيرة والتي لا يتعدى عمرها الميلادي أربع سنوات عبارتها في وجهي ؛ اعتقدت في البدء إنها تداعبني بروحها المرحة كعادتها معي ، ولكن حين أكدت لي بامتعاض حقيقي أنها لا تريد أن تشيخ أبدا كالمرأة المسنة التي صادفتها في المشفى وهي تجر بقدميها الثقيلتين أعوامها الطويلة .. فابتكرت بفطنة طفولية طريقة لذلك هو أن تضع كل يوم يديها على رأسها كي يتوقف نموها عن الكبر .. فأعييت لحظتذ أن حديثها ليس ضربا من المزاح .. !


يبدو أن كثيرا من البشر يرعبهم الزحف الزمني ؛ لأن ذاك الزحف يترتب عليه تغييرات كاشفة كالشمس .. فالبشرة التي كانت وضاءة بالوسامة يخربشها الزمن بريشته كيفما يشاء فيحفر أخاديدا بخطوط مبعثرة .. سرعان ما تتعدى حدودها تلك الخطوط الملتوية لتشمل الجسد كله كلوحة مقلمة .. كما أن بناء الأسنان يتداعى ويسقط السين ثاء .. ويقل مستوى جودة التقاط كاميرا العينين فيختصر رؤيتنا للعالم بحدقتين زجاجيتين .. والخطوات فتتباطأ وقد يضطر أحدهم أن يستعيض عنهما بعكازين يثبتان خطوات أقدامه في الأرض وربما يعجز عن ذلك فيوكل أمره لكرسي بعجلات متحركة .. أما العقل فيتقلص حجم الدماغ وتتلون الذاكرة بلون رمادي سرعان ما يهمِّشه الزهايمر .. ويتضاءل معجمنا اللفظي فكثيرا ما نعيد الحكاية نفسها آلاف المرات دون أن يتربص بنا ضجر ما والذي بالمقابل يقتل مستمعنا ..


ولهذا كثيرين ينبذون نبذا باتا أن يلجوا هذه المرحلة فيتحايلون على الزمن كل بطريقته ، فالمرأة التي تفضحها التجاعيد تقدم وجهها في طبق لمشرط طبيب تجميلي وبعد شد وتنفيخ يهندسها وكأنها ابنة خمسة عشر عاما ، بينما الرجل عندما ترعبه فكرة تقلص وظائفه الرجولية ، فيشمر بأقصى طاقاته كي يجد علاجا ناجعا ليثبت من خلالها للجميع أنه ما يزال متمتعا بكافة قدراته ..


مرحلة الشيخوخة .. يخال للبعض أنها مرحلة الموت البطيء وكأن عزرائيل لا شغل له سوى أن يتربص عاجلا أم آجلا ليقذفه إلى بيته الأخير المطبق ضيقا وظلمة المسمى بالكفن .. ولعمري أن الموت حين يؤمر لا يعرف الفرق بين طفل في المهد وبين كهل على حافة القبر .. !


فلماذا هذا التصور الشبحي الكارثي الذي يلاحق مرحلة طبيعية جدا يفطر عليها كل الأجيال ..؟! فنحن لم نسمع قط بجيل سرمد مرحلة الشباب بينما امتدادت السنون تعبر طريقها السوي ..


إذن مرحلة الشيخوخة هي مرحلة وزنها كوزن أي مرحلة في الهرم الحياتي .. فنحن نبدأ مشوارنا من رحم موصول بحبل السرة إلى وطأة الحياة الفسيحة صغارا نغدو منبهرين من الزهرة التي تتفتح ومن النخل الذي يشمخ علوا ومن طول عنق الزرافة ومن ضآلة حجم النملة ..


هذه المرحلة المدهشة من حيواتنا سرعان ما تنتهي ، لتقلنا القافلة فتنتشلنا محطة أخرى حيث يزداد طولنا ويطرأ تغييرات بيولوجية على وظائفنا الجسدية ليشمل كلا الجنسين الذكر والأنثى ، ويزداد حجم اكتشافاتنا وتجاربنا وفي خضم الصخب الذي يستوطن أجسادنا ، نترعرع في تضخم عجائبي يمتد لنتسلق من خلالها إلى عوالمنا الخاصة شجرة بفروع متأصلة تتشعب معطاءة .. إلى أن يهدأ كل ما حولنا في سكون مرحلة جديدة تابعة ومكملة لنقص ..مرحلة الشيخوخة هي مرحلة اكتمال .. فالهرم الحياتي لا ينتهي بمرحلتي الطفولة والشباب فقط ..


والانسان الذي يشاء عمره بمشيئة من الله تعالى أن يصل إلى حد هذه المرحلة هو انسان حقق تكامله البشري على المستوى البيولوجي .. وإذا كانت الطفولة هي أرجوحة التي تأرجحنا بمرح مندهشين من حجم العالم وعجائبه التي ينجبها لنا كل يوم ، و الشباب هو منطاد يهيم بنا إلى فضفاض الحياة ومفاجآتها ، فإن الشيخوخة هذه المرحلة الجميلة لابد أن نستعد لها بهمة ألذ ؛ لأنها امتداد حقيقي لمراحلنا الأولى ، ففي الشيخوخة نقف مفاخرين أمام الأجيال التي خلفناهم وراءنا .. وبعين رضا نرنو إلى الأعمال التي سيكملها عنا جيل آخر سرعان ما يسلم بدوره الأمانة إلى آخرين يحملون عن كاهلهم أثقالها ..


تلك المرحلة ليست مرحلة ترهل ؛ بل توهان رائع في الحب والعطاء بعد ذاك الامتداد الصاخب ، ففي هذه المرحلة علينا أن نشاكس الحياة التي طالما أغرتنا بشقاوتها ؛ وآن لذاك الكهل أن يلقنها درسا في الحكمة ولذة التأمل .. فكم التجارب كفيل أن يكسبه الكثير جدا من الروائع في فن الحب والعطاء والتجدد ..مرحلة علينا أن ندلل فيها أنفسنا .. نتمتع بكل لحظة من لحظاتها بأساليب نتحايل فيها على عقرب الزمن لنمتطي هدوءه الذي طالما سلبت منه ذواتنا في رحلة التكوين ..


والشيخوخة الحقيقية ليست كهولة وجه وانطفاء بعض الوظائف البيولوجية بل هي حين تعجز قلوبنا عن عطاء الحب وحين تتوقف شرنقة أرواحنا عن الهيام في ملكوت الكون كفراشة .. فلطالما القلب رفراف بحب الحياة وأفقها مضرج بحمرة الروح ، فإننا سنختال في مزيج طري من عفوية الطفولة وغنج الشباب مع دلال الكهولة ..


هكذا تحصد ذاكرتي التي ما تزال طرية مفاخرة بشبابها موقفا طريفا يعود إلى ماركيز صاحب رائعة « مئة عام من العزلة « حكى يوما أنه قابل زميل دراسة في قاعة انتظار في أحد مطارات كولومبيا وكان في مثل عمره .. فبدا له أنه أكبر من سنه الحقيقي بمرتين .. وماركيز بعينيه الثاقبتين تيقن أن سبب شيخوخته المبكرة ليست واقعا بيولوجيا بقدر ما هي مجرد إهمال من صاحبه .. ولم يكبح ماركيز نفسه حين أذعن في وجهه مؤنبا أن سوء حالته يعود لإهماله وليس من الرب وأن من حقه أن يطلق تأنيبه في وجهه ؛ لأن إهماله لا يجعله وحده يشيخ وإنما يجعل جيله كله يشيخ .. !

الأربعاء، 10 يونيو 2009

الحياة على طريقة خوان ميّاس


الحياة على طريقة خوان ميّاس

كيف سيغدو شعورك حين تعيش يوما سابقا عن بقية البشر ؟ فتعرف الأخبار قبل أن يعرفها الناس بيوم .. تعيش أنت الأربعاء والعالم كله من حولك يعيشه على أنه الثلاثاء .. وفي يومك الأسبق هذا يصادفك أحداث كثيرة تلم بها وتحياها بترحها وفرحها قبل الآخرين بأربعة وعشرين ساعة .. فعلى سبيل المثال رأيت في يومك الأسبق خبر وفاة أمك ولازالت بالنسبة للباقين حية ترزق أو قرأت خبر نشوب حريق في مكان ما أو حدوث زلزال قبل أن يحدث .. هذا بالنسبة للأخبار المرعبة ..
أما الأخبار المفرحة فأنت تحتفي بها قبل غيرك فرأيت أن ابنك عين طبيبا في إحدى المشافي فانفقأت فرحا ولكنك لم تشعر بالفرحة في وقتها .. أو ابنتك حصلت على الوظيفة المنتظرة فأمسكت نفسك عن إعلامها ومشاركتها معك الخبر السعيد ..


بطل القاص الإسباني خوان ميّاس في قصة (سأموت غدا ) تعبره هذه الأحداث العجائبية ، حيث أنه يكتشف أنه يعيش يوما أسبق عن بقية البشر ، فيعرف الأخبار خيرها وشرها قبل الآخرين بيوم واحد ، يستمر على هذا النحو دون أن يشعر الآخرين به .. ونتيجة ما يمر به من أزمة غير طبيعية يعاقر الخمر وذات يوم حين يكون في البار بمفرده يتجرع كأسه فإذا بامرأة تجلس بجانبه فيتحاوران ويعترف لها بمشكلته المؤرقة التي قلبت حياته على رأسه على عقب .. فتعترف المرأة بدورها أنها تمر بأمر شبيه بذلك ، ولكنها تسبق الناس بيومين لا بيوم واحد ، فكان يوم الأربعاء بالنسبة له ويوم الثلاثاء بالنسبة لبقية البشر ويوم الخميس بالنسبة للمرأة .. فسألها .. هل لقاؤهم هذا يشمل اليوم أم الغد ؟ فردت عليه بأنه اليوم بالنسبة له والأمس بالنسبة لها .. ومن هنا يسألها عن أحداث الغد التي تسبق معرفتها بها عنه .. فتحكي له بأنه سيذهب معها إلى السرير فهي تسكن قريبة من البار .. لكنه سيصاب بأزمة قلبية عندما يبدأ في خلع ملابسه وهي تحمله وترميه في المصعد حيث يجدونه هناك ميتا صباح الغد ، فتعثر الشرطة على جثته ويحققون فينكر الجميع علاقتهم به .. فيرد عليها مخمورا بأنه لن يذهب معها ولكنها تقوده حتى يصلا الشقة وعندما يبدأ في خلع ملابسه يشعر بألم في كتفه وسرعان ما يتسرب إلى صدره وعندما تنتبه هي لحالته تلبسه ملابسه وتحمله إلى المصعد وترميه هناك .. ولكنه في المصعد قبل أن يموت بلحظة يسترد إحساسه الطبيعي بالزمن ورغم أنه مات في يوم الأربعاء إلا أنه مازال يعيش في يوم الثلاثاء .. فيذهب للبيت ويحبس نفسه في غرفته ويشرع بكتابة هذا النص دون أن يلقي الذنب على أحد فيما حدث ..!

فلو كنت أنت كبطل خوان ميّاس ولديك ميزة يوم أسبق عن بقية البشر وعلمت قبل الآخرين بحدوث حريق أو زلزال .. فهل ستذهب إلى قسم الإطفاء أو قسم الكوارث الطبيعة فتعلمهم بما رأيت في يومك الأسبق وتستغيثهم عن إطفاء حريق لم يقع بعد أو منع الزلزال من الحدوث قبل أن يحدث ؟!

سؤال يجبرنا على التفكير فيه بحكمة كبيرة ..

الأربعاء، 13 مايو 2009

ألا فاسقني خمراً ..!


( ألا فاسقني خمراً) ..!



ما أكثر الشعراء الذين تغنوا للنبيذ والذي مايزال يضارع المحبوبة الإنسية رونقا وأنسا ، بل لعّل بهاء المرأة المعشوقة لا ينضج في حيّز أخيلتهم إلا برشفة من قدح يزدان به .. أحمر .. أصفر كيفما كان امتزاج شهوة الألوان .. وحين يحلو الحديث عن الخمر فإن ( أبي النواس ) هو أستاذ فن الخمرية في الشعر العربي ببذخ سواء من حيث الكمية أو من حيث الكيفية ، فقد عاش للخمر يتغنى بها كما يتغنى للمرأة المعشوقة كقوله :

فـالخمرُ ياقوتةٌ والكـــأس ُ لؤلؤة ٌ فـي كف ِّ جارية ٍ ممشوقة القدِّ
تسقيك من يدها خمراً ومن فمها خمرا ً فما لك من سُكرين من بُدِّ

وإذا كان الشعراء قديما وحديثا خصوا الخمر همسا خاصا وتغزلا أشبه بالمحبوبة المعشوقة ، فإن ذلك لم يحرر الخمر في الناحية الشرعية من تهمة التحريم وهو أمر مفروغ منه ، أما الطب فلا يشفع قط الأضرار التي تتفاقم من تناول الكحول ومنها : التهاب الكبد الوبائي / سرطان الجهاز الهضمي / حرقان فم المعدة / قرحة المعدة / سرطان المستقيم والذي ينتج من تناول البيرة / أما إذا امتزج لذة الكحول مع لفافة رشيقة فإن احتمالية الإصابة بسرطان الفم والمريء عالية ..


وإن كانت هذه الأضرار لطالما أعياها الشخص المتعاطي على مدار تلكم السنوات ، فإن دراسات ومراكز البحوث الأمريكية تبشر بضرر جديد فقد توصلت من خلال تجارب عدة أن الأشخاص الذين يتعاطون الكحول ولو بكميات قليلة أو متوسطة لديهم أدمغة أقل حجما من الذين لا يتعاطونها مطلقا .. ومن الطبيعي أن يتقلّص الدماغ بكمية صغيرة محددة مع تقدم العمر ، بيد أن تقلص الدماغ بكميات أكبر في بعض مناطق الدماغ له علاقة بالجنون ..

وحين أجرت الباحثة " كارول بول " دراسة علمية في جامعة بوسطن كانت تأمل من خلالها أن تكشف أن الخمور تلعب دورا إيجابيا في الوقاية من تقلص الدماغ المحدود المرتبط بتقدم العمر الإنسان .. وجاءت نتيجة البحث مضمخة بخيبة ضاربة آمال " كارول بول " عرض الحائط وفي ذلك أقرّت : ( الحقيقة هي أن أي قدر من استهلاك الكحول يؤدي إلى تدهور حجم الدماغ ) ..


ومن نتائج الدراسات التي أجريت على 839 ،1 فردا متوسط أعمارهم حوالي 61 عاما ، رأت أنه كلما زادت كمية الخمور التي يستهلكها الإنسان كلما قل حجم الدماغ وأن الذين لا يتعاطون الخمور مطلقا لديهم حجم دماغ أكبر ..

فهل بعد هذا سيتغنى الناس بالخمر كما على لسان أبي النواس : ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ..؟! أم أن أولويات الصحة العامة ترضخهم على رفع شعار : لا للكحول بعد الآن .. على حساب لحظات تحليقهم عن مستنقع الواقع ..!

الأحد، 3 مايو 2009

أعاقبك لأني أحبك





أعاقبك لأني أحبك



لست مع الذين يعاقبون أعداءهم ، ويتشغفون الفرص للنيل منهم بشراسة آكلي لحوم البشر مع بني جلدتهم .. ولأنه على رأي " نيتشه " : (حذار من مقاتلة عدوك الشرس ؛ لئلا تكون أشرس منه حين تتغلب عليه ) أضيفوا عليه قول شاعرنا العربي :
اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله ** فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله



لذا صنعت قناعة في ذاتي أن لا أتعارك مع أعدائي مطلقا .. كيفما كانوا وأينما أضحى عتادهم مني ؛ كي لا أورِّث نفسي وحشيتهم الطاغية محتفظة حتى آخر رمق بالبراءة في داخلي .. غير أنني وبشدة مع معاقبة الذين نحبهم بصدق وعمق ؛ لأن امتدادهم عبر شراييننا الدموية الدافقة بهم كان أغور مما يمكن قياسه أو حتى تصوره بأدق مجاهر هذا القرن دقة وتقنية ..!



طافحين بأمان هناك حيث مساحات وفائنا الروحي لهم .. وعليه وجدت لذة خارقة في معاقبة إحدى صديقاتي .. اللاتي لهن منزلة شامخة في طيات روحي .. فجفاءها قدحا من الزمن ومض وجع الحزن في أيامي المتبقية دونها ، وأهمّ الصداقة الوثيقة التي كانت حبائلها ممتدة بيننا .. ولما كان يوما مشمسا من أيام يوليو أدهشني على حين فجأة رقمها .. وكانت المسافة بيني والهاتف فاصلة بحيث حاجز اهتزازاته عن مسمع أذنيّ ؛ لذا ظل رقمها يضيء بلا مجيب على شاشة هاتفي .. ولما أعياها ردي .. بَعثتْ رسالة ملفوفة كباقة برقة أنثى حديثة العهد بالصداقة شبيهة برسائل المحبين المراهقين .. وكأن بكبرياء البعد المتراخي بيننا مدّ عنادي قليلا فوق مستوى لهفتي بها ومهاتفتها فإذا بي أفسح الوقت متسعا في الرد عليها ..




فهاتفت مضمخة بالفرح عوضا عنها صديقة أخرى ولما تناهى بيننا الكلام حتى شارف نهايته .. أخبرتني بأن صديقتنا المغضوب عليها هاتفتها البارحة فأنزلت عليها عتابا حارا شغف جوفها حسرة وتأنيبا عن تقصيرها في وصالنا معا .. وإذ ذاك أدركت بعد أن أخذني الإحباط مأخذه أن إلحاح اتصالها كان نتيجة ما تلقته من صفعة مؤلمة من قبضة صديقتي هذه .. !




فرقص الشيطان الرجيم في فكري .. وتلبسني مسّه المجنون .. ولأن النسيان حرفة يتقنها المهملون فقط ؛ هكذا أطل عتابي في رسالة قصيرة منفوخة جمرة حنقي وإن كنت في داخلي أعلم أن نوعا من العبث ما كنت أنا فاعله .. وظل عتبي هذا يفاجئها لمدة أسبوع كامل ببهرجة الرسائل الكوابيسية التي تقض مضجع الجن قبل الإنس وتنذر الكبير قبل الصغير .. بمضامين موجعة جدا عن الفراق والخيانة وتفشي عرى الصداقة بيننا .. وغرني الشيطان الذي زين خطتي بجنهم التعذيب والتأنيب .. محتفية مع كل رسالة متفجرة بعبث أغراني بمزيد من الويل .. لكن العبث الذي تغلب عليه الجد في النهاية حرك شجوني هو أن الذين نحبهم لابد من معاقبتهم كلما تراخت مساحات النأي بيننا مهددة ؛ لأن الذي نحبه ليس من حقه أن يختار قدر النأي عنا بعد أن أغرانا بفضائله وعلقّنا بشموخ نقائه .. فبجفوته يحرم علينا مصافحة نعاته الجميلة التي طالما بهرنا بها فيه .. ولطالما طفنا حولها هائمين كالنحلة وهي تلثم عبق أريجها .. متلذذة وفرحة في آن ..



ولأن الذين نحبهم .. بهم افترشنا الدرب الصعب زهرا فواحا .. وبهم كانت أيامنا حية .. تتخللها لحظات حلوة كمذاق الكرز .. نقية ببياض أحاسيسهم الحميمة .. ولأن الذين نحبهم هم من بذروا فينا شجرة الوفاء الحقيقي .. ولذة عتب اللذيذ في زوبعة الخصام ... وهم من علمنا أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا وحيدا دون أن يشاطره أحد ما همساته ويشاغبه جنونه .. يحتفي مع أفراحه وينغص لأتراحه .. هائمين يدا بيد ونبضا بنبض .. رفيقين يعانق جبينهم شمس الصداقة الحقة وآثارهم معا على رصيف الوصال الأبدي لا يمحوه زهايمر الزمن في سرمدية الآتي..



وإذا بصديقتي يملأها العقاب خلقا جديدا في فضائل الصداقة .. وعبرة أن العهد الذي يكون بين الرفقاء ليس من حق أحد الطرفين المتعاهدين عليه مذ البدء أن يُعري شفافيته ويهتك بكارة وفائه .. وإذ ذاك عاد الود ما بيننا على ما كان بل زاد حبتي مسك ..



و شاعرنا المجهول يطوق كلينا بنظمه الشجي :
( نحن / أنا وأنت / مثل إبرتي ورق صنوبر / تجفّان / تسقطان / لكن لا تفترقان أبدا ً )
لكن ................. ، بالله عليكم .. هل لي بحل ناجع يكفني إزعاجها اليومي لي ..؟!