‏إظهار الرسائل ذات التسميات غيمة تمرح على أرجوحة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غيمة تمرح على أرجوحة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

القاصة أزهار أحمد في " أنا ويوكي " والحصان الذي فقد ذاكرته " ..



القاصة أزهار أحمد في " أنا ويوكي " و " الحصان الذي فقد ذاكرته " ॥

القاصة " أزهار أحمد " من الكاتبات اللاتي يشهد لهن بجهودهن الكبيرة في مجال ارتقاء ونهوض أدب الطفل في سلطنة عمان ، ليس على مستوى الإصدارات الطفولية الموجهة للطفل والتي صدر لها منها حتى الآن مجموعتين ، بل يضاف لها جهودها المتفرقة الشخصية للاهتمام بالطفولة في مجالات عدة ، توثقت بعضها في إنشاء ورش خاصة للأطفال تعنى بتعليمهم أساليب الكتابة القصصية ، وكل هذا يجعلنا أمام كاتبة طموحة ومعطاءة ولها غايات كاشفة كالشمس للارتقاء بالطفولة في مجالات شاسعة ..

* * *

* استثمار وقت الفراغ في " أنا ويوكي " 1

" أنا ويوكي " مجموعة تخاطب الناشئة ما بين 12 إلى 18 سنة ..
فالكاتبة وظفت شخصيتين لسرد مجموعة حكايات ، تمر بهما ذينك الشخصيتين في أحداث الحياة اليومية ، وهما في العقد الثاني من عمرهما ، التقيا في معهد للدراسة بمدينة " يورك " جنوب بريطانيا ..
لسان الحكاية الفعلي هي " ندى " وهي فتاة خليجية من سلطنة عمان ، تحكي قصصا ووقائع مختلفة جمعتها وصديقتها من أصل ياباني " يوكي " ..

ومن خلال ذلك نرى أمامنا مجموعة قصصية اعتمدت في سير أحداثها على بؤرة الشخصيات ، بمعنى أننا أمام قصة شخصيات ، وفي مثل هذا النوع من القصص تكون الشخصية هي في واجهة العمل القصصي ، وذلك يستدعي من الكاتب جهدا كبيرا ؛ كي يدعم شخصياته بشكل جيد في سرد الأحداث والوقائع يوظفها معها جنبا إلى جنب ، حتى تكون مؤهلة للقيام بدورها الحيوي الفعال ويضيف إليها من الخيال والمرح والحماسة ؛ لتؤثر في كيان الطفل وتدفعه دفعا إلى متابعتها بتشويق كبير ..

ومن جانب آخر نجد عناية بالأسلوب التحليلي حيث جاء على وفاق مع الشخصيتين ؛ فقد وصفتهما الكاتبة ورسمت حالتهما النفسية في مواقف مختلفة ، فثمة انفعالات محتشدة من الفرح إلى الدهشة إلى الحزن إلى الخيبة إلى الفزع إلى الضحك ، وهكذا جاءت خليط تلك الانفعالات بمرتبة مثيرات توقظ أحاسيس الطفل وتحرك مشاعره ، ليكون بذلك متعاطفا معها سعيدا لسعادتها وخائفا لخوفها .. انفعال فرح في قول ندى : " وقبل أن نسمع نداء القطار شعرت أني سعيدة وأكاد أطير من الفرح " ..
وانفعال حزن : " نظرت يوكي إلى نظارتها الجديدة المحطمة بحزن .." .
ولكي تضفي الكاتبة مصداقية أكبر وتفاعلا من قارئها الصغير ، فإنها جعلتهما تتحدثان بضمير المتكلم ..
وتكاد تخلو المجموعة من صراعات كبيرة التي تتأزم بها الأحداث ، فمعظم الأحداث هي خلق حياة يومية ، جاءت عادية لكنها في الوقت نفسه عرفت جيدا كيف تحول عاديتها إلى عوالم لا تخلو من الدهشة والفرح والامتلاء ، لتعطي بذلك انطباعا بهاجس الإمتاع ، ولعل خلو المجموعة من أزمة العقد الكبيرة والصراعات الممتدة هذا ما حررها من عناصر الثبوت في المكان والزمان ، فنحن هنا أمام مجموع أمكنة ومجموع أزمنة ، يختلف تعاقبهما تبعا للأحداث المختلفة ، وعنصري المكان والزمان هنا تشكلان انفتاحا على عوالم الكبار ، فمكان هنا هو : معهد الدراسة / سينما / سوق / رحلة إلى البدو / شاطئ ..الخ .
كما الزمان : الصباح / مساء ..

أيضا لا أفكار محددة ، بل هي خليط من أفكار طارئة بالتحديد نظرا ؛ لأن الشخصيتين هما في سن البلوغ تعشقان المغامرة وتحبان التجريب ، تحرصان على إنجاب أفكار مغامرة وضجها مع الأحداث اليومية ، هي أفكار خاصة ، مستقلة ، وكأنهما تخاطبان الطفل على أن يجيد طرح أفكاره الخاصة ، وأن يعرف جيدا كيف يصنع من أفكاره عالما مستقلا بالدهشة والجمال ..

والمجموعة هنا عنيت بأطفال تعدوا مراحلهم الطفولية الأولى وهم على أعتاب المراهقة والبلوغ ، وهي مرحلة حرجة جدا في حياة الطفل تصاحبها تغيرات على عدة أصعدة نفسيا وجسديا ، كما أنها مرحلة انتقال الطفل من طفولته إلى عالم يضج بالكبار ، ومن المهم جدا أن نهيئ الطفل لعالمه الجديد ، أن ننبهه إلى جماليات ومتع هذا العالم بكل اختلافاته وتغيراته ؛ فهي مرحلة عمرية لا تقل إمتاعا وأهمية عن المرحلة الطفولية التي كان فيها بأحلامه وتطلعاته ، بأحاسيسه ومشاعره ، بكافة مزاجياته وتقلباته ..
جاءت أحجام الحكايات متفاوتة من حيث عدد الصفحات ومعظم الحكايات تتعدى الصفحة الواحدة مع حوارات قصيرة نراها هنا وهناك في عمق الأحداث وبذلك نحت نفسها عن مطب الترهل ، رغم أن ذاك السرد الطولي مع معظم أحداث المروية يتماشى مع المرحلة العمرية ، فالقصص هنا لا تحاكي أطفال ما بين الرابعة والتاسعة ، بل ناشئة على أعتاب المرحلة الطفولية المتأخرة مثلما أوضحنا سابقا ؛ ويبدو أن الكاتبة أدركت نهجها الحكائي مذ البدء حيث أنها نوعت في حواراتها رغم قصرها إلى حوارات خارجية وأخرى داخلية ، الحوار الخارجي في مثل قول : " أخذنا هدايانا ويوكي تقول بامتعاض : يا لها من مفاجأة ، أما أنا فكنت هادئة وصامتة وقلت في خوف : كدت أجربه ، هل تصدقين ..؟ " ..
والحوار الداخلي : " قلت في نفسي : ها يوكي أنت الآن لست غاضبة وتأكلين حلاوتي أيضا " ..
وتعاقبت أساليب ما بين الإنشائي والخبري خصوصا في افتتاح مطلع الحكايات ، ففي الحكاية الأولى من المجموعة المعنونة بـ " أنا ويوكي في مقاطعة البحيرة " تقول الكاتبة على لسان الشخصية بأسلوب خبري : " حين كنت في العشرين من عمري وكانت يوكي أكبر مني بعام واحد ، التقينا في معهد للدراسة بمدينة يورك جنوب بريطانيا .."
بينما الإنشائي تبدى في قصة " أنا ويوكي نلعب البولينج " وتقول افتتاحية القصة : " هل تعلمون شيئا ..؟ في هذه القصة ستحبونني كثيرا .." ..

كما عنيت الكاتبة بلغتها جيدا ، فجاءت راقية ، موحية ، حركية ، منفعلة حيث يستدعي الانفعال ، لغة مطرزة بالصور التشبيهية والكنايات : " كان يقف كالتمثال ضاما يديه إلى صدره " ، " الجبال مكسوة بالأزهار والبحيرات مغطاة بالطيور والسماء جميلة وصافية " ، " كأننا ثبتنا بمسامير في الرمال " ..

يضاف لهذه المجموعة " أنا ويوكي " ؛ أنها تعلّم الطفل كيف يستثمر وقت فراغه ، كيف يحوّل أحداث اليومية العادية في حياته إلى أخرى مضمخة بالتشويق والدهشة ، إنها تضج فيهم حب الحياة وتجريبها على نحو ممتع قدر المستطاع ، وقد وظفت الكاتبة رسالتها هذه في ثنايا حكاياتها ودعمتها بعنصر مهم وهو الطرافة ، وهذا بدوره قضى على رتابة عادية الأحداث كما أنها غلفتها بعنصر آخر لا يقل عن الأول أهمية وهو عنصر الضحك ..


* عناوين مبتكرة وأفكار عصرية في " الحصان الذي فقد ذاكرته " 2

ما يثير لوهلة أولى في هذه المجموعة التي تتناسب وأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 5 و 14 عاما ، هو العنوان المعنون به المجموعة بـ " الحصان الذي فقد ذاكرته " ؛ هذا العنوان ينجب دفقة من التساؤلات المدهشة التي ستطرأ على عقل قارئها مهما كان سنه ، ولا يتوحد هذا العنوان الذي يشكل مفتتح القصص كلها في عامل الحفز ، فثمة عناوين أخرى في المجموعة نفسها تتميز بقدرتها العالية على الإثارة والجمالية والغرابة في الآن معا ، على نحو: " صائد الأحلام " ، " العلكة السحرية " ، " مصباح أديسون " ، " السمكة المنفوخة " وغيرها من العناوين في مجموعة واحدة من شأنه أن يخلق إبداعه المتفرد ، ولعل من أهمها هي الحيرة التي يجد القارئ الصغيرة نفسه أمامها ، فأي قصص المجموعة سيبدأ في التهامها مشبعا به شغف فضوله ، أيبدأ بقصة التي انتقتها الكاتبة لتتصدر غلاف المجموعة أم بقصة الأولى أم الثالثة أم الأخيرة ..؟ أتوقع أن حيرة كهذه غرست بشكل أو بآخر في عقل القارئ الصغير ..

العناوين المبتكرة جذب معه أفكارا متعددة وشخصيات متعددة بتعدد أفكارها ، ففي القصة الأولى من المجموعة والتي عنوانها " صائد الأحلام " بطله صبي في 12 من عمره ، يريد أن يصيد الأحلام ويجمعها في علب ، ثم يصنع منها سلعا رائعة ملونة ..
وفي قصة " العلكة السحرية " ثمة دمية على هيئة كلب ، لديها القدرة على الكلام وتمضغ علكة سحرية تقوم بأفعال سحرية حيث تطير مع صاحبتها إلى غيمة ..
بينما قصة " مصباح أديسون " بطلها طفل مر بتجارب مؤلمة حيث مات معظم أقربائه ؛ وهذه التجارب الموجعة عن الموت جعلته يتحدى الموت بشتى الأشكال ردحا من الزمن في حياته ، وهذه القصة تطرح تساؤلات فلسفية بريئة في ذات الوقت يحاول فيها الطفل أن يعرف ماهية لغز الموت من خلالها حيث يقول : " ما هو شكل الموت ..؟ متى يأتي ..؟ وهل هناك أناس يختارهم ..؟ هل يتربص بأحد معين ..؟ " ولكنه في ختام القصة يعرف أن العمل وحده هو ما يجعل الإنسان يتغلب على شعور الموت ، بالروح يبق المرء لا بجسده وحده ..
في حين تصدمنا القصة التي انتخبتها الكاتبة لتتصدر غلاف مجموعتها القصصية " الحصان الذي فقد ذاكرته " فنجد أمامنا حصانا اسمه " الأبيض الأسرع " رائع الجمال ، ممشوق ، لونه كالثلج ، ومن أذكى الأحصنة وأنشطها .. ولكم ينخدع الطفل بهذا الوصف الافتتاحي الذي أطلت به القاصة بطلها في المجموعة ، لتصدمه على حين فجأة بأن هذا الحصان نفسه التي تحدثت عنه بكل تلك الروائع يعاني في إحدى الصباحات من فقدان ذاكرته ، ولم يكتف بذلك بل طفق يقوم بممارسات تخالف واقعه المخلوق كحصان ..!
وتستمر قصص المجموعة في عرض أفكارها التي تتصف معظمها بالغرابة ، كما وظفت الكاتبة فيها جرعات من الخيال في كل قصة بمقاطع من الأحداث تنافي الواقع ، تستفز عقل الطفل تدفعه إلى التخيل الابتكاري ..

ويمكن وصف هذه الأفكار التي انتقتها الكاتبة لعرض أحداث قصصها بأنها أفكار عصرية ، تحاكي الواقع الحالي الذي يعيش فيه الطفل ، حيث العولمة غدت مثل محقق الأمنيات بالنسبة له ، فما يكاد يتمنى شيئا حتى يجده منتصبا أمامه بطريقة أو بأخرى ، فعالم الطفل اليوم زاخر بأشياء كثيرة على مستوى البرامج الترفيهية والألعاب الالكترونية والمواقع المعروضة والمسابقات القائمة كلها تخاطب الطفل وتهيئ له مطالبه ، لهذا على كاتب الأطفال أن يراعي هذه التطورات وأن يكون جاريا لها ، كي يحقق أهدافه التربوية من عرض قصص تلامس في الطفل فضوله ، تضج خيالاته بأفكار إبتكارية تصنع منه طفلا مبدعا ، يفكر ، يخترع ، ينظر إلى الحياة نظرة مغايرة تحفز فيه ممارسة دوره بأي شكل من الأشكال ؛ ليغدو صانع مستقبله مذ هو طفل صغير .. هذا ما يؤكده " فيشر " : " إذا كان على أطفالنا أن يتوقعوا إشكالية التغيير، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي ، وأن يتغلبوا عليها ويتعلموا مواجهتها ، فإنهم بالإضافة إلى حاجتهم إلى تعلم كيفية التأقلم مع المستقبل ، فإن عليهم أن يتعلموا كيف يشكلون أيضا إذا كان إعداد الأطفال لمواجهة التغيرات السريعة هو أحد تحديات التربية ، فإن تعليمهم التفكير بإبداع يصبح حاجة ملحة " ..

كما نرى أن الكاتبة اختارت في مجموعتها هذه التنوع على مستوى اختيار الشخصيات ، فنجد أمامنا شخصيات إنسانية كـ قصة " صائد الأحلام " ، " مصباح أديسون " ، " أنا والبقرة والتلفزيون " ، حيوانات كمال " ، " صديق الكراكي " ، " بطل الغيوم " ..
وشخصيات حيوانية كـ قصة " الحصان الذي فقد ذاكرته " ، " السمكة المنفوخة " ، " الفيل المستقرس " ..
وشخصيات أخرى أنسنتها الكاتبة كـ دمية كلوب في قصة " العلكة السحرية " ..
ومما لا شك فيه أن التعدد في اختيار الشخصيات ، يحاكي مزاجيات الطفل ، فالطفل يضجر في بعض الأحيان حين تكون المجموعة زاخرة بشخصيات من نمط واحد ، بينما تعدد أنماط الشخصيات تحاكي أذواق الأطفال المتفاوتة والمختلفة بين كل مرحلة ومرحلة ، فالمعروف أن أطفال في مراحلهم الأولى تلاقي الشخصيات الحيوانية النسبة الأكبر من اهتمامهم ، بينما أطفال في مراحلهم المتأخرة يميلون إلى قصص ذات شخصيات إنسانية ؛ لكونها بالنسبة لهم واقعية أكثر مهما غدت غريبة في عرض أفكارها ..

ثمة ثيمة مشتركة سيطرت على بعض شخصيات المجموعة ، وهذه الثيمة هي " ثيمة الأحلام " فبعض الشخصيات شكلت الرؤى التي يراها في الليل دورا كبيرا في هامش حياته ، كما نجد في القصة الأولى من قصص المجموعة " صائد الأحلام " ، وقصة " أنا والبقرة والتلفزيون " ، وقصة " صديق الكراكي " ، " حيوانات كمال " أخيرا قصة " السمكة المنفوخة " ..
وهؤلاء جميعا جعلتهم أحلامهم يتصرفون بتصرفات غريبة ؛ على سبيل المثال بطلة قصة " حيوانات كمال " يتخلى عن تناول جميع أنواع اللحوم ويصبح نباتيا ؛ لأنه حلم بكابوس مخيف يرى فيه فلاحا ضخما يسحب حيواناته من مزرعته يذبحها ويرميها في مرجل كبير يغلي ..

هناك قصة من قصص المجموعة تدعى بـ " قصة شادي الطويلة " ، نلامس أن هذه القصة وجودها خطأ في المجموعة الزاخرة بشخصيات متنوعة وأفكار مثيرة ، فهذه القصة موجهة للكبار وليست للصغار ، والشخصيات التي انتقتها الكاتبة هما اثنان شاب وشابة بالغان يناقشان أمورا يعنى بها الكبار سواء من حيث الاهتمام أو التصرفات ..
ولعل هذا يلفتنا إلى شيء مهم في قصص الموجهة للأطفال ، فسوف يلاحظ معظم الكبار الذين يقرؤون القصص لأطفالهم أو التي يقرأها الطفل بنفسه ، بأنهم دائما يركزون على الشخصية التي تكون في مثل سنهم ، فإذا ما كانت الحكاية زاخرة بشخصيات متنوعة من كبار وصغار ، فإن الطفل يركز جل اهتمامه في الحكاية على شخصية الطفل في القصة ؛ لأنها تحاكيه ، ولأنها تغري فضوله ، ولأنها تحرك غيرته نحوه فهو يريد أن يكون مثله بغض النظر عن الدور الذي يؤديه ، إذن الأطفال ينجذبون إلى شخصيات تماثلهم في المراحل العمرية ، وفي الاهتمامات ، وفي حس المغامرة ؛ لأنها وبإضافة ما ذكرنا من أسباب تمثل بالنسبة له قدوة يقتدي بها ..

تفاوتت القصص في تقديم شخصياتها في مفتتح حكاياتها ، فبعض القصص تقدم الشخصية في قالب تعريفي للأطفال ؛ وهذا من شأنه أن يوثق العلاقة بين الطفل القارئ وصاحب الشخصية كقصة " مصباح أديسون " : " يعيش سامي حياة هادئة مثلكم مع والديه وإخوته وأقاربه ، يذهب إلى المدرسة ولديه أصدقاء ومعلمات ومعلمون ، يحب السباحة والوجبات السريعة والآيس كريم ..." .
وبعضها الآخر تدخل في موضوعها مباشرة دون تعريف بالشخصية كقصة " كليلة والأستاذ سعيد " : " بينما كانت البعوضة كليلة تطير وتصورت عند نافذة بيت الأستاذ سعيد ، رأت بقعة حمراء كبيرة على طاولة .."

ولا يغيب عن المجموعة التوافق بين رؤى الكاتبة للأشياء وتصوراتها لها وبين رؤى الأطفال لها ، ومن المهم جدا أن يراعي الكاتب قصص الأطفال هذا التصور التعبيري للأشياء .. ولكل قصة زمن ومكان وحدث وصراع وشخصيات ، ويمكن وصف العقد في القصة لم تكن في الأحداث ولكنها جاءت للأفكار الغريبة الطارئة التي يفكر بها كل شخصية ولهذا تتماثل شخصيات الكاتبة هنا في غرائبية خيالاتها ، كما اتضح عناية الكاتبة بلغتها حيث أنها لغة متمكنة في إيصال أفكارها للطفل ، وموصوفة بأبعادها الواقعية والشاعرية في الآن معا ..

الحكايات هنا تحاكي البيئات القريبة من الطفل ، والطفل حريص على أن ينبت إبداعه في هذه البيئة ؛ لرغبة التفرد في الانجاز وللتمتع ، وتحرضه على التفكير الإبداعي ، وتقول له بحب كبير أن ثمة متع في الحياة جديرة بصيدها كما الأحلام ..


على هامش النقد الفني :

مجموعة " أنا ويوكي " جاء غلافها متوافقا مع المرحلة العمرية المخصص لها ، الصور متناثرة في الصفحات وتفاوت الألوان ، لكنها جاءت غامقة توحي بأجواء الكآبة أكثر منها بالفرح ، فالأطفال في كل مراحلهم الطفولية يميلون غالبا للألوان المبهجة والفاتحة في درجاتها ، كما نوع الخط جاء متعبا للعينين ..
بينما نجد المجموعة الثانية " الحصان الذي فقد ذاكرته " أن المجموعة هنا استوفت الشروط الملائمة لكتاب الطفل من حيث الغلاف السميك غير قابل للتمزق مطلقا ، والخطوط الواضحة والألوان والرسوم المليئة بالفرح والمعبرة بشكل جيد عن شخصياتها ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ " أنا ويوكي " حكايات للناشئة والشباب ، أزهار أحمد ، الغلاف واللوحات الداخلية حسني مجاهد ، المراجعة اللغوية هشام حمزة ، مطبعة المستقبل ، أبوظبي ، ط1 ، 2007م .
2 ـ " الحصان الذي فقد ذاكرته " ، أزهار أحمد ، رسوم ابتهاج ، النادي الثقافي ، ط1 ، 2010م .



ليلى البلوشي

السبت، 17 يوليو 2010

أطفالنا بين جاذبية المجلات الالكترونية وحميمية المجلات الورقية


أطفالنا بين جاذبية المجلات الالكترونية وحميمية المجلات الورقية
استطلاع : إيهاب مباشر
جريدة الوطن " الأشرعة " ..

نشأت مجلات الطفل في العالم العربي عام 1870م بعد مرور أربعين عاما على صدور أول صحيفة للأطفال في العالم في فرنسا ، وأولى هذه المجلات العربية حملت عنوان " روضة المدارس المصرية " وكان يشرف عليها رفاعة الطهطاوي ، وبعدها صدرت مجلة " روضة المعارف " في لبنان ، ومجلة " الصبيان " في السودان ، مذ ذاك التاريخ توالى صدور مجلات الأطفال في العالم العربي ، وتربعت المجلات الورقية على عرش صحافة الطفل ، فنشأت " حميمية " من نوع خاص بينه وبين إصداره الورقي ، وبعد التطور التكنولوجي الهائل وثورة المعلومات والاتصالات ، توالى صدور المجلات الالكترونية الخاصة للطفل بشكل " جذاب " أغراه على التخلي – ولو بشكل مؤقت – عن مجلته الورقية ، ومنذ ذلك الوقت نرى أن الكثير من الأسئلة طرحت نفسها ، تماشيا مع هذا التطور ، وهذه الحرب الخفية بين الإصدارين ، فهل ستبقى المجلة الورقية محافظة على موقعها وتواصلها مع الطفل أمام المجلة الالكترونية ، أم سيأتي اليوم الذي تتلاشى فيه المجلة الورقية لحساب المجلة الالكترونية ؟ وما الدور الذي تقوم فيه مجلات الأطفال ، لبناء شخصية الطفل العربي ؟ وكيف يتواصل الطفل مع ما يتقدم له من أدب ، على المواقع الالكترونية ، وماذا عن تواصله مع المجلات الورقية ، محليا ، إقليميا ، عربيا ؟ وما الذي يميز المجلة الورقية وتفتقر إليه المجلة الالكترونية ؟ وهل يميل الطفل إلى المجلات الكترونية ، التي توجه إلى جمهور محدد من الأطفال ، وهل بعض المجلات الالكترونية ذا توجه إسلامي ، تقدم وجبة ثقافية كافية وكاملة للطفل ؟ وهل المواقع العربية الالكترونية للمجلات الورقية ، ومواقع المجلات الكترونية ، تلبي حاجات الطفل العربي ؟ مجموعة لا بأس بها من الأسئلة التي حملناها إلى كتاب أدب الطفل والمهتمين به ، فكان استطلاع " أشرعة " الذي حمل عنوان " أطفالنا بين جاذبية المجلات الالكترونية وحميمية المجلات الورقية " فإلى تفاصيله ..

أفضل حظا

بداية كانت مع الكاتبة ليلى البلوشي ، لبحث مصير المجلة الورقية وهل ستظل محافظة على موقعها وتواصلها مع الطفل أمام المجلة الالكترونية ، وما الدور الذي تقوم به المجلات الورقية لبناء شخصية الطفل العربي ؟ وكيف يتواصل الطفل معها ، فجاء جوابها من صميم تجربة واقع معاش ، فقالت : ( أطفال اليوم أفضل حظا بكثير من أطفال الزمن القديم ، حيث لم يكن ثمة وسيلة تثقيفية سوى الكتب المدرسية وترفيهية سوى التلفاز بقنواته القليلة وبعض مجلات التي تجمع ما بين التثقيف والترفيه ؛ رغم ذلك لا تجد طريقها إليهم إلا نادرا ..
طفل اليوم هجمت عليه وسائل العلم والمعرفة والتسلية دفعة واحدة ، فهناك مجلات متنوعة يجدها في أقرب بقالة لمنزلهم ، والتلفاز أصبح يدللهم فالبث مباشر على أربعة وعشرين ساعة يوميا بلا كلل يقدم رسوما متحركة وبرامج للأطفال متنوعة ، وهناك جهاز صغير وهو اختراع هذا العصر بكبسة زر واحدة يمسك الطفل بالكون في عولمة صغيرة هي عالمه الخاص ..
وكل جديد هو جاذب للطفل ، مادة اغرائية يبقى أثرها لفترة طويلة المدى ، لكن ما مدى استفادة الطفل الحقيقي من هذا الشيء الذي يراه مدهشا .. ؟
لا تتوقعوا مطلقا أن الطفل حينما يقابل شاشة الحاسوب أن يفكر بتنمية ثقافته ، أو أن يضغط على أزراره السحرية ليفتح أبواب المعرفة ، بل إنه على خلاف ذلك نراه ينطلق وبلا تردد ليتعرف على عوالم التسلية ، ومن لعبة إلى لعبة يشبع لديه حافزه الحركي ، وآخر ما يفكر فيه هو أن يلج مداخل المجلات الالكترونية المخصصة لمخاطبته ، فهو إلى اليوم لا ينكر وجود تلك المجلة الورقية ..

وسيط

وتضيف ليلى البلوشي : ( والطفل لا يفكر كما يفكر الكبار على أساس أن النشر الالكتروني بديل عن النشر الورقي ، بل كل له بروزه وكل ما يزال يحتفظ بمكانته ، الاختلاف يظهر حين يتوقف وصول المجلة المفضلة لديه ، فيكون النشر الالكتروني بديل بالنسبة له ، هذا إن كان الطفل تواقا للمعرفة .. وهنا نشير إلى دور الوسيط المجتمعي المحيط به ؛ فهذا المحيط إن كان يولي أكبر اهتمامه بالمعاملات الالكترونية فمن الطبيعي أن ينتقل الطفل تدريجيا إليها ، فكثير من المدارس اليوم تحتم على كل طفل أهمية وجود جهاز حاسوب خاص به ؛ كي يستقبل الفروض والمهام المدرسية من خلالها ، وكما أن معظم أمهات اليوم يتابعن مستوى أطفالهم في المدارس من المواقع الالكترونية التي تخصصها المدرسة لتلاميذها .. وقد يقرأ الطفل مجلة ورقية ثم يقابله في نهاية الموضوع الذي قرأه إحالة للمراسلة أو تعرف المزيد من خلال موقع الالكتروني للمجلة نفسها ، فكل هذه العوامل ذا تأثير كبير على تحول الطفل من النشر الورقي إلى النشر الالكتروني .. )

تجربة

( ومن موجب تجربتي الشخصية مع تلميذاتي بدأت أتماشى مع العصر الجديد ، فألزمت تلميذاتي على إرسال الملفات والفروض المدرسية على بريد مخصص لهم ، لكن من جانب آخر أحرص في حصص الاستماع والتحدث وهو فرع من فروع مادة اللغة العربية على اختيار قصة مناسبة من المكتبة وجعلها مصدر دراسة وتحوير ..
فما تزال المجلة الغنية بالصور والحكايات المثيرة محببة لقلوب الصغار ، ولكن لا ذنب لهم في أن العصر في كل يوم ينجب لهم اختراعا جديدا ، وكل جديد يحمل معه دفقة فضول ، وفضول الصغار أكبر بكثير من فضول الكبار .. ولا يمكن أن نلغي أهمية مجلات الطفولية للصغار ، فما تزال لمجلة ماجد الصدارة في حب الأطفال لقراءته كل أربعاء ، ولا يمكن أن ننكر مطلقا دورها الريادي الكبير في تنشئة الأطفال من جوانب عدة ، وغيرها من المجلات ذات تأثير على فكر الطفل ، وحب الأطفال لهذه المجلات هي من يبقيها حية إلى اليوم ، وإذا ما انطفأت رغباتهم نحوها ؛ فإن هذا سرعان ما سيؤثر عليها .. )

تفضيل

( ويأتي عامل التفضيل إذا ما اتصفت المجلة الالكترونية بعوامل يجعلها متفوقة على النشر الورقي من المؤثرات الصوتية والصور المتحركة ، لكنه يظل تفضيلا مؤقتا وليس له ثوابت ؛ لأن لا وجود للثوابت مع الكائن الصغير الذي نتعامل معه ، فهو حركي ، متقلب المزاج ، مرن ، من الممكن جدا أن يبدل رأيه بأسرع مما نتصور ، كاللعبة الجميلة التي يبكي من أجل امتلاكها وحين تشترى له يشبع منها بعد مدة زمنية قصيرة فيتخلى عنها بالتمزيق أو إهدائه لصديقه .. وإذا ما كانت ثمة ثوابت في حياة الطفل لخسرت دور النشر ، ولأعلنت كل محلات الألعاب إفلاسها ..!
و ثمة قاعدة مهمة موجودة في حسبان الطفل ، وهو أنه لا يلغ أي فن ، ولكن يتبع فضوله إلى كل ما يثيره ، فإذا ما كانت القصص مؤثرة ؛ فمن الممكن جدا أن يفضلها على ألعاب الحاسوب وهلم جرا ..)

ساحة شاغرة

(عندما نتحدث عن الطفل العماني نرى فجوات عديدة ، ماذا قدم المجتمع له ؟ من يكتب له ؟ هل هناك مؤسسة تعنى به ؟ هل هناك مجلات وملاحق تخاطبه ؟ وما دوره في مجتمع الكبار ؟
هناك جهود متفرقة ، يتيمة ، يقوم بها أنفار من الكتاب ، وهؤلاء الكتاب أيضا بحاجة ماسة لإلقاء الضوء عليهم كي لا يتخبطوا في ظلام الإنكار ، كي تستحيل جهودهم الصغيرة إلى مفاجآت كبيرة ، كي تنقل خطواتهم من حيز ضيق إلى حيز واسع ..
ساحة الطفل العماني ميدانيا ما تزال شاغرة ، وإذا ما انتقل إلى النشر الالكتروني وتعلق به فله عذره ؛ لأن العالم المحيط به لم يوفر له بدائل أخرى ، فلا مجلة تخاطبه ولا جهة معنية توفر ما يتطلبه ، فلا يبق أمامه سوى المجال الالكتروني ، هذا إن كان هذا الآخر متوفرا لديه ..ثم هل هناك مناسبات تختص بأدب الطفل سواء كتابات يكتبها الكبار للأطفال أو مسابقة لأقران صغار يكتبون لأطفال مثلهم ..؟ كل هذه الخطوات هي التي تدعم سياسية وفنية أدب الطفل في كل دولة ، وإن لم يكن لها وجود فمن النادر توقع نهوض هذا الأدب بشكل يسير ، فهذه المسابقات تحفز الكتاب ، وتخرج أسماؤهم إلى النور ، وتدفع بعجلة الأدب نحو التقدم ..)

مزايا

المزايا التي تتسم بها كل من المجلة الالكترونية والمجلة الورقية كانت مدخلنا للحديث مع الكاتب حسن اللواتي فقال : ( هناك مجموعة من المزايا التي تتمتع بها كل من المجلة الورقية وأرى أن العديد من المجلات الورقية تتمتع بالتبويب الجيد والقدرات الإخراجية والفنية المتميزة إذ تشجع على متابعة المواد المنشورة وتحقق نوعا من الفائدة والمتعة ، وأحجام بعض المجلات يساعد على سهولة التصفح وفي المقابل فالمجلات الالكترونية تستخدم وسائط مختلفة تتمثل في الصوت والصورة والحركة والقدرة على التفاعل والتواصل المباشر بالإضافة إلى تجدد الموقع من ناحية الإخراج والمضمون ومزايا أخرى مثل سهولة التصفح وسرعة التحميل والعودة إلى المجلة في أي وقت مع الحصول على بعض أعداد قديمة وبالتالي هذا الأمر يساهم في استقطاب مزيد من القراء ..)

خصوصية

وعن توجهات بعض المجتمعات العربية والتي تنعكس على إصدارات الأطفال فيها ، وهل هذا يخدم أطفال العرب بشكل عام يقول الكاتب حسن اللواتي : ( الكثير من المجلات العربية تتمتع ببعض الخصوصيات الثقافية والاجتماعية المختلفة ، وربما يحق لها أن تقدم خدمات مثل هذه ولكنني مع المشاريع والأنشطة التي تخدم أكبر عدد ممكن من أبناء الوطن العربي خاصة أن العوامل المشتركة التي تجمعنا أكثر بكثير وهناك بعض المجلات التي تخدم قطاعا كبيرا من أبناء المجتمع العربي مثل مجلة أحمد الصادرة عن دار الحدائق اللبنانية ومجلة ماجد الصادرة عن شركة أبوظبي للإعلام ..) ..

طموح

وعن مدى استفادة من المواقع الالكترونية ، وهل تلبي الطموح ، يقول حسن اللواتي : ( المجلات الإلكترونية تعتمد على التقنيات الحديثة وتحتاج هذه المواقع إلى تكاثف مجموعة من الجهود والطاقات التي لديها إلمام ومعرفة متكاملة بهذه التقنيات بالإضافة التي لديها وعي بثقافة الطفل واحتياجاته وبالتالي يمكننا الجمع بين الاثنين بين الشكل الجذاب والمضمون الهادف والمتميز وهناك حاجة إلى فريق عمل من كتاب وفنانين ورسامين وأصحاب الخبرة في مجال تصميم المواقع وهندستها بالإضافة إلى أسرة التحرير الاعتيادية والمكونة من رئيس التحرير ومدير التحرير والمحررين والعالم العربي لم يستغل شبكة الانترنت كما ينبغي ..)

توجهات متنوعة

هناك بعض مجلات الالكترونية ذات توجه الإسلامي ، موجه للأطفال ، فهل تقدم هذه المجلات وجبة ثقافية كافية وكاملة للطفل ؟ ولماذا ؟ سؤال موجه للكاتبة خديجة الذهب ، فأجابت قائلة : ( في الحقيقة الاهتمام ينصب في اتجاه واحد لا يكفي للطفل ، وبالطبع التوجه الإسلامي لمجلات الأطفال ، توجه مطلوب وضروري لثقافة الطفل ، ولكن هذا الطفل بحاجة إلى مجلات ذات توجهات وأهداف متنوعة ، شاملة ومتكاملة في مختلف المجالات ، حتى تسهم هذه المجلة في إمداد الطفل بالمعلومات والمعارف التثقيفية والعلمية المتنوعة ، التي تثري حصيلة الطفل المعرفية وتغرس القيم الإسلامية والتربوية في نفوس الأطفال ، وتمدهم بكل جديد ومفيد ، ضمن حدود تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف ، فإذا توافرت للطفل المجلة ذات التوجهات التثقيفية الشاملة ، والمعارف المتنوعة ، عادت على الطفل بالفائدة لإشباع فضوله ، ورغبته في البحث والاستكشاف عما يدور حوله من الأشياء التي تثير فضوله وتزيد من رصيده المعرفي ، بما يتوافق ويتناسب مع اهتماماته وميوله ؛ فتترسخ المعلومات في ذهنه منذ الصغر ، ويختزنها في ذاكرته ، فتنمو مداره المعرفية ومهاراته وقدراته المختلفة ، التي تعبر من أهم المؤثرات في تكوين شخصية الأطفال ، ومساعدتهم على التفوق الدراسي ..
وبذلك يتحقق الهدف المرجو من هذه المجلات ، في إعداد جيل بناء ، متسلح بالعلم والإيمان ، وتتكون شخصية الطفل المفكرة والإبداعية ، القادرة على مواجهة الحياة في مختلف مراحل عمره ؛ فيصبح فردا فعالا مفيدا لوطنه وأمته .. )

تشويق وإبهار

وعما يجذب الطفل في المواقع الالكترونية تقول خديجة الذهب : ( أول ما يجذب الطفل ويشد انتباهه ويجعله يقبل بشكل لافت على الموقع شكل الموقع العام والجذاب ، وما يحتويه من عناصر جذب وتشويق وإعجاب ، عبر الصورة والصوت والحركة من صور ورسومات معبرة بالألوان الزاهية ، وصور معبرة ذات مستوى فني وجذاب ، من مواد ومعلومات سهلة الأسلوب ، لغتها بسيطة ومشوقة ؛ تسهل استيعاب الطفل لها ، وتغريه بالإقبال عليها ، وتحقق في نفس الوقت المتعة والتسلية له ، المجلة الورقية والمجلة الالكترونية ، لكل منها وسيلة للتواصل عن الأخرى ، ولكل منهما فائدتهما الخاصة ، فالمجلة الورقية هي الأكثر انتشارا بين الناس ، لما لها من مزايا وسحر خاص ، بتوفير الحميمية والألفة ، التي تربط الطفل بمجلته التي يمكن حملها ، والانتقال بها من مكان إلى آخر ، مثلا عند جلوسه بين أفراد أسرته ، أو في فراشه قبل نومه ؛ مما لا يستلزم وضعا ولا تجهيزا خاصا لجلسة القراءة ، فيبدأ بتصفح مجلته ، واستيعاب من معلومات متنوعة بداخلها ، وهذا ما لا توفره المجلة الالكترونية ، التي لا تمكن الطفل من لمس وتقليب صفحاتها بيديه ، أو وضع خط تحت مقطع ما شد انتباهه ،
كما أن المجلة الالكترونية بما تحتويه من غزارة في المعلومات ، وتنوعها صور ورسومات ملونة وأصوات صادرة ، بالإضافة إلى سرعة التنقل من موضوع إلى آخر ، فضغطة واحدة على زر تفتح له أبوابا متنوعة ، كل هذه العوامل المثيرة والشيقة ، تجذب الطفل ويتفاعل وينسجم معها ، وقد تشتت انتباهه وتجعله غير مركز على موضوع معين ، وبذلك يقضي الطفل أوقاتا أطول في التصفح واللعب والاستمتاع أمام شاشة الكمبيوتر ، ويمكن القول إن المجلة الورقية موجودة ولا غنى عنها ، والمجلة الالكترونية موجودة أيضا ولا غنى عن وجودهما معا تماشيا مع التقنيات الحديثة ومتطلبات العصر ..) ..

الثلاثاء، 22 يونيو 2010

لماذا فرضت قصص الأطفال نفسها على مسرح الطفل ..!


لماذا فرضت قصص الأطفال نفسها على مسرح الطفل..!

القصة القصيرة مصدر أدبي تثقيفي مهم جدا للطفل لتنمية جوانب السرد لديه، ويشكل جنبا إلى جنب مع الشعر ثنائيا رائعا محببا لقلوب الأطفال.. ولكن ما الذي جعلهما أعمدة أدب الطفل..؟!ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القصة في بعض الأحيان كثيرا ما تحل محل الكتاب المدرسي الذي يرفّه عن الطفل ، بل هو مهربه الوحيد المتوفر أمام الطفل كوسيلة تسلية ولعب بموافقة الآباء ؛ فهم يطمحون بأن يكون أطفالهم على درجة من الذكاء ، وعلى قدر من المعرفة والثقافة ، وهم على إدراك تام أن ذلك لن يتأتى إلا من خلال توفير قدر من الثقافة المتوفرة لتحقيق هذا الأمل المرجو ، لهذا تكون القصص المنشورة هي بديل يقدمه الكبار لصغارهم من أجل تثقيفهم ، فبما أن الطفل يهرب من كتبه المدرسية ، إذن لا حل في رفع مستواه الفكري ، إلا من خلال ما ينشر لهم من فنون السرد والشعر..ولا عجب إذن أن تحتل فنون القصة والشعر المراكز الأولى من أهمية للطفل ، فهو لا يوفر ما يريده بنفسه بل رغبات الكبار هي التي تفرض عليه ما ينبغي قراءته ، وهنري ميللر من الكتاب الذين أدركوا هذا الجانب حين حكى عن طفولته مع الكتب قائلا: "الكتب التي يقرأها المرء وهو طفل مفروضة عليه، محظوظ الطفل الذي لديه أبوان حكيمان"..وبما أن القصص يمكن توفيرها بسهولة بغض النظر عن جودتها ، والشعر الغنائي تبرعت بعض قنوات الأطفال المذاعة للأطفال في انتشاره بينهم ، ولعل أشهر تلك القنوات هي "الجزيرة للأطفال ، وmbc3 ، وطيور الجنة، وبراعم، ونيكولوديا، واسبيس تون...الخ" ، مما لا شك فيه أن الفضل يعود لمعظم هذه القنوات في إرساء شعر الأطفال وتمريره بشكل سريع بين هذه الفئات ، مع الإشارة إلى أن الطفل حين يمارس هذه الفنون يمارسها بجهد فردي ، فالآباء لن يضطروا حين يقدموا لطفلهم الذي يجيد القراءة والكتابة قصة بتبديد أوقاتهم لقراءتها له ، ولا أن يقضوا ساعات طويلة أمام التلفاز مع أطفالهم وهم يستمعون للأناشيد المطروحة ، لهذا كانت القصة وكان الشعر بديلا سهلا التوفر وخاضعان لشروط يريدها الكبار..!بينما مسرح الطفل وسينما الطفل ظلما في منظومة رغبات الكبار؛ نتيجة حاجة هذين الفنيين إلى تكاتف الكبار مع صغارهم ، فالمسرح له مكان خاص يذهب إليه الصغير كي يشاهد ما يعرض على خشبته ، وكذا الحال مع السينما ، فهل الكبار سيخضعون لصغارهم حينئذ في عصر تسبقه مبرراته..؟!في العام الماضي ضمن فعاليات الملتقى الأدبي للشباب في البريمي 2009م عرضت ضمن جدولة هذه الفعاليات مسرحية للأطفال للكاتبة "حصة البادي" ، ولكن حين حضرنا لم نجد إلا عددا ضئيلا جدا من الأطفال للأسف..!وهذا حال معظم مسارح الطفل في معظم الدول العربية ، باستثناء حين عرض على مسرح الطفل في الإمارات شخصيات "أم خماس" على مسارحهم بعد أن كانت شخصيات كرتونية في التلفاز ، اكتظت مقاعد المسرح حتى لم يجد الجمهور مكانا لموطئ قدم ؛ والسر ليس في اهتمام الكبار لرغبات أطفالهم بقدر اهتمامهم برغباتهم الشخصية ؛ لأن هذه الشخصيات حصدت قدرا كبيرا من الشهرة وغدت محبوبة بحيث ناهضت حافز الكبار قبل الصغار لمشاهدتها..!هنا نشير إلى التظلم الذي يتعرض له الطفل العربي في كل مكان ، فهو طفل خاضع لقوانين الكبار ورغباتهم..!وهل هناك وعي كاف من المجتمع ناهيك عن دور المدارس الحكومية للأطفال..؟!قلة من يعي أهمية أخذ الطفل للمسرح وأقول "أخذ" عوضا عن "ذهاب" ؛ لأن الطفل عاجز عن الذهاب بنفسه والكبار هم من يقومون بهذه المهمة ، وأهمية السينما لما يوفره من فنون جديدة تساهم بشكل جدي في ارتقاء العقل ؛ فهي فنون تحاكي البصر والسمع وتدعم أخيلتهم بشكل ايجابي ، ولكن الوعي المجتمعي ما يزال قاصرا عن أهمية كل هذا ، وهذا القصور امتد إلى مدارس الأطفال ، ومن ثم إلى بيوت الأطفال.. أوليس من الضروري على المجتمع أن يوسع حلقات اهتمامه بالطفل في إرساء أهمية المسارح لدى هذه الشريحة ، هذا إلى أهمية دور المدارس في توفير مسرح لهم ، فمعظم المدارس لا تولي أدنى أهمية بتثقيف هذا الجانب عند الطفل ، بل بعضهم يرى أن في هذا مضيعة للوقت وللحصص الدراسية ، ولعل المعلمين لا ذنب لهم حين لا توفر المدرسة فسحا لإرساء مثل هذه الفنون ، في المقابل ترى المدارس إلى أن التقصير ليس منها ؛ لأن هيئات وزارة التربية والتعليم أقصى ما يهمها هو سير على خطط جدولة المناهج التدريسية..!بل إن معظم الأنشطة المطروحة للصغار هي نفسها درجت عليها الأجيال السابقة ، ويبقى التجديد فقط قاصرا على المناهج الدراسية ، متناسية هذه الهيئات أهمية الفنون الأخرى من الرسم واللياقة البدنية والمسرح والسينما وصحافة الطفل إلى أن تكون وسائل تطبيقية تساهم بشكل ايجابي كبير في تخريج جيل طفولي بنّاء يساهم في نهضة الوطن..فإذا كان الأمر كذلك ثمة بدائل أخرى لغلق باب الأعذار ، فالمدارس من المفروض حين يتناهى إليها وجود عروض مسرحية مقدمة ، عليها أن تسعى إلى اقتناص هذه الفرص ، بتدعيم رحلات تشجيعية لمشاهدة عروض هذه المسارح من خلال استدعاء الصغار من مدارس مختلفة لهذه الفعاليات ، فهي في النهاية مقدمة لهم ، كمنهجها التشجيعي الذي تتبعه في تنظيم رحلات للطلبة إلى معارض الكتاب التي تقام في كل عام ، وبهذه الطريقة سننمي عند الطفل في هذه المرحلة المتقدمة من حياته أهمية وحب فن المسرح وضرورته ، وهذا يحقق عدة فوائد ، لعل من أكثرها أهمية هو تشجيع ممثلي مسرح الطفل وعروضهم وتحسيسهم باهتمام المجتمع لما يقدمه ؛ فهنالك متابعين لهم من الصغار والكبار على حد سواء ، وهذا التحفيز بدوره ينشّط من الحركية المسرحية على ساحة الطفل في تقديم عروض على درجة من الأهمية والجودة وتفعيل أنشطتهم في هذا الجانب ككل ، بل إن استيعاب الطفل لهذه الحالة الحضارية وتعويدها عليها في كل مرة قد يجعله ناقدا لما يقدم له من عروض .. ومن جانب آخر يمكن أن نتساءل: لماذا لا يسع الكبار في مسرح الطفل إلى تشكيل فرق مسرحية ، تقوم بعرض مسرحياتها على خشبة مسرح الطفل في المدرسة ، وهذا التساؤل هو دعوة بمثابة اقتراح قابل للتنفيذ من قبل لجان مسرح الطفل بالاتفاق مع المدرسة..بينما سينما الطفل ، فهو غالبا منسي في عقلنة الطفل العربي ، وليس هذا من الدهشة في شيء ؛ فنظرة بعض الآباء قاصرة له ، فهم يرون إلى اليوم بأن السينما فن معيب ويعرض ما يخدش للحياء ، وهذا خلق نوع من التخوف بين تلك العقليات المسطحة التي يتسرب إليها بسهولة كل ما يتناهى إليها ، وأشدد هنا إلى أهمية دور المدرسة في تحسين هذه النظرة ، واستبدالها من خلال توفير فرص للصغار بارتياد هذه الأماكن ؛ كي يكون فنا كأي من الفنون المطروحة له .. فكيف يريدون إنشاء جيل من ممثلي المسرح والسينما على درجة عالية من الموهبة وهذه الفنون مذ نعومة الصغار مفقودة ، بل تعد فنونا جديدة بالنسبة لهم ، لم يتعودوا عليها ، ولن يتقبلها معظم الناس كمواهب يمارسها أطفالهم رغم أصالة المبدأ..؟!إذن فلنعوّد صغارنا على فنون جديدة ؛ لنخلق عقولا جديدة مسايرة لروح العصر ، مع التشديد على أهمية جودة ما يقدم له ، إلى جانب أهمية توفير قدر من الحرية للطفل في اختيار ما يريد دون تدخل من الكبار أو فرض رغباتهم عليه ، و هي من أبسط حقوقه لتكون له كينونة مستقلة .. ولا ننس قط إلى أن أطفالنا في دول الخليج العربي ، يعيشون في أجواء صحية ومستقرة على كافة الأصعدة ، وذلك كفيل بحد ذاته في خلق سمو فكري سليم..

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2009

قصص للناشئة ( أوراق / من جديد ) للقاص حسن أحمد اللواتي


قصص للناشئة ( أوراق / من جديد ) للقاص حسن أحمد اللواتي *
بين صناعة الإبداع وصقل فلسفة المفاهيم /
ليلى البلوشي

سعدت أيما سعادة حين استقبل بريدي قصصا موجهة للأطفال ، وتضاعفت سعة فرحتي حين رأيت انتماءها لقاص عماني يخاطب فيها أطفالا صغارا ، أدب الطفل في سلطنة عمان الذي لا نكاد نلمس خطوطا واضحة عنه ، وعدد كاتبيه بالنسبة للمبدعين الذين يكتبون للكبار محبط جدا ويمكن عدّها على الأصابع ، ويستمر هذا الشعور بالإحباط حين لا نجد مجلة خاصة تخاطب الطفل العماني على مدى تلك السنوات ، وكأن الطفل العماني ليس كميثله من الأطفال في أرجاء الخليج والوطن العربي والعالم الأجمع ، فقد كان من المفروض وأنا أتناول هذه المجموعة بالدراسة أن أقارن بينها وما تحتويه مكتبة الطفل العماني من قصص ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك والمفاهيم ما تزال غير واضحة وخطوط مبعثرة .. ولكن هذا لا يمنع من أن نتناولها كنقطة تحفيز لهذا الأدب الناشئ هو الآخر كالطفل الموجه له بالبحث والدراسة ؛ كي يجد ساعدا يقوده نحو إكمال درب الإبداع ..
فقد آن الأوان لرسم خطوط أولية لنهضة أدب خاص بالصغار ، وأنا شخصيا أعد هذا الكتاب وبعض الكتب المعدودة التي سبقته لبنة نحو ذاك التنهيض ، فعسى أن يكون غد الطفل العماني زاخرا بآمال كثيرة ..


* صناعة الإبداع في قصة ( أوراق ) :

من القراءة الأولى لكيلا النصين في مجموعة القاص حسن اللواتي قصص للناشئة ، يمكن أن يلاحظ المتلقي أن كل منها يندرج تحت فئة عمرية مختلفة عن الأخرى ، فالقصة الأولى ( أوراق ) في العمل القصصي تخاطب أطفالا ناشئة تتراوح أعمارهم ما بين ( 13 ـ 18 ) :
في هذه المرحلة يكون الطفل مهيئا لولوج مرحلة النضج على مستويات عدة تشمل النضج الجسدي والفكري والنفسي والعاطفي ، مع تلكم التغييرات تتفتق الطموحات لتواكب أحلاما جديدة نحو منطقات عدة تضع الطفل مكانه الصحيح في خانة المستقبل ..يؤكد هذا قول " فيشر " : ( إذا كان على أطفالنا أن يتوقعوا إشكالية التغيير ، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي ، وأن يتغلبوا عليها ويتعلموا مواجهتها ، فإنهم بالإضافة إلى حاجاتهم إلى تعلم كيفية التأقلم مع المستقبل ، فإن عليهم أن يتعلموا كيف يشكلون أيضا إذا كان إعداد الأطفال لمواجهة التغيرات السريعة هو أحد تحديات التفكير بإبداع يصبح حاجة ملحة ) .

وأهم ما يميز هذه المرحلة شعور الطفل بمواهبه ، فتظهر الهوايات وترجع أهميتها إلى كونها تعطي الفرد فرصة للتعبير عن فرديته وميوله واهتماماته ، وتعطي له الشعور بشخصيته ووجوده ، فيميل إلى كتابة قصص ذات طابع طفولي ، وإن كانت تعبر عن مكنون المشاعر طريق الكتابة تفجيرها ونشرها ، وهذا عائد إلى التغييرات المصحوبة التي تعايش معها الطفل ، فالنضج العاطفي يكون في أوج قمته ..

في قصة ( أوراق ) نجد أمامنا شابا محبطا يدعى ( طلال ) كل ما حوله يشي بهذا الإحباط ، بدءا من الشعور المؤرق الذي قبض على ليلته ، وأقض مضجعها تلك الأوراق الحبيسة في درج مكتبه مذ أكثر من ست سنوات ، نصوص وقصائد تلمست بعضا منها طريقها إلى النور حين نشرت في صفحات الصحف والمجلات وظلت بعضها حبيس ظلمتها ، ولوهلة نرى أن كل شيء حول طلال منغلق على نفسه ، فالنافذة التي يطل منها المرء على العالم الخارجي كانت مغلقة وحين فتحها تفاجأ بالهواء الساخن القوي الذي بعثر الأوراق في فناء غرفته المغلقة ، العالم الخارجي طاحن في حركة دائمة بينما طلال وأوراقه في عزلة عنها ، من تلك الأوراق التي تدلت مع الريح صفعت ورقة وجه طلال وكاد أن يرميها من النافذة لكن شيئا ما فيها لفت نظره ، كان جوفها يحوي كلمات مكتوبة بخط جميل ورشيق ، وتلبّس على ذاكرة طلال كاتبها وهذا يفغر عن المدة الزمنية للأوراق وهي حبيسة في درج المكتب ، تسري تنهيدة في صدر طلال ثم يجد نفسه يقرأ تلك السطور التي تتمحور حول مسمى المستحيل واليأس والفرق بينهما على مستوى المضمون ، وكما تقول الورقة أنهما يعطيان نتيجة واحدة والفارق بينهما هو أن المستحيل يقترن في البداية بعدم الإمكان لفقدان الوسيلة ولكنه يفاجئ بموانع غير متوقعة ، والمستحيل لا يشكل صدمة لأنه ينبثق عن أمل ، أما اليأس فالصدمة فيه تعني مصرع أمل ॥ ثم تختم الورقة قولها : ( عرفت في حياتي الكثير من الكتاب ولكن الذين أثبتوا وجودهم واستمروا حتى النهاية هم في العد لا يتجاوزون أصابع اليد ) .. هذه الجدلية هي التي تهيمن بقوة على كيان طلال ، فهو الآن وصل مرحلة متزعزعة ما بين اليأس والمستحيل والأمل جامد بينهما ..

ولعل هذا التضارب وفي حمية اليأس نجده يجمع تلك القصاصات القديمة ويضعها في كيس مهدا لحرقها ورميها وليمة للريح ، فلا جدوى من الاحتفاظ بها كما عبّر عن ذلك ..
وحين كوّمها في الكيس نرى أن دقة الساعة تنبهه إلى وضعه الخارجي حين ينظر في المرآة فتكشف المرآة التي لا تكذب عن جسم ضامر ووجه شاحب ، وفقد مضى عليه أكثر من شهر وهو لم يذهب للمزين .. وهذا شعور متحالف مع الركود الذي لزم طلال وأوراقه تلك ، وأكثر ما يشي بذلك الشعور الجامد ككل في مستوى حياته ..
لكن الجمود يتحرك ببطء السلحفاة يعزوه مشاعر أخرى ، نتعرف فيها على شخصية طلال من جوانب أخرى وهو في مواجهة العالم الخارجي ..

عندما حمل طلال معه الكيس الذي يحوي أوراقه وهو خارج من بيته ، لفحه هواء ساخن متواطئ مع الغبار أي أن الأفق والأرض في انشغال تجددي فرضته ظروف الطبيعة ، وأوراق أشجار النخيل تصدر أصواتا قوية تمتزج مع زقزقة العصافير ، وجوه كثيرة تشرق وتغرب ..كل هذه الدلالات الخارجية توحي بالحياة النابضة في الخارج بينما داخل طلال عالم ساكن يقود دفته اليأس ..

وها نحن نرى طلال وهو تائه في متاهة البيوت القديمة والجديدة والأزقة الملتوية والمتعرجة وهذا يكثف شعور الضياع المسيطر عليه مذ البدء .. ويستمر هذا الشعور حتى يجد نفسه أمام دكان المزين .. يدخل ويلقي التحية على الحضور ، ونرى تصوير القاص لسلوكه : ( جلس على مقعد صغير ، تصفح بعض المجلات ) .. في سلوكه هذا ما يزال طلال راكدا ، يقطع دروب الكلام المباشر مع الآخرين ، والحدث إلى هنا مجرد استرسالات نفسية تتخبط بها الشخصية ولوحدها وهكذا حتى نجد تصادما آخر ، فطلال عندما تفارق عينيه المتصفح تتسلق نظراته إلى المرآة أمامه ، ولوهلة رأى ابتسامة تترصده وباهتمام كبير ، شعر طلال بالاستغراب ؛ لأن صاحب الابتسامة غريب عنه ، وبعد فترة قصيرة وقف الشاب صاحب الابتسامة وألقى عليه التحية ثم صافحه بحرارة كبيرة ، حاول طلال أن يجد في ذاكرته ما يلوح عن معرفة بهذا الغريب ولم يعثر على شيء ، وقال له الشاب : ( اسمي نواف وقد شاهدت صورتك في الجريدة وأعجبني ما كتبته ، لقد مررت بعدة تجارب في الحياة واكتب منذ سنة تقريبا ... ) هذا التصادم قلب كيان طلال خصوصا حين طلب منه نواف أن يقرأ ما كتبه من خواطر ، فذهب نواف مسرعا إلى بيته القريب وأحضر أوراقه ووضعها في يد طلال ، تناولها طلال وسط إرباكه المفاجئ وقرأها ، ولكن لم تثر إعجابه وحاول أن يخفي شعوره ، بينما نواف متحير يريد أن يسمع رأيه مخاطبا طلال : ( قل لي بصراحة هل هذه الخواطر والأشعار صالحة للنشر ؟ إذا لم يعجبك ما كتبته فلن استمر في الكتابة ) ..
فكر طلال قبل أن يدلي بدلوه ثم نظر إلى نواف وقال له : ( سلم الكتابة طويل وقد وضعت رجلك على الدرجة الأولى ) ..
قاطعه نواف بدوره : ( هل سأتمكن من الوصول إلى ما هو أعلى من ذلك ؟ ) ووضح له طلال كيف أن وضع قدم على الدرجة الأولى انجاز جيد بحد ذاته عجز عنه الكثيرون ، ثم بحث عن إجابة أفضل ، فأدخل يده في الكيس واخرج منها قصاصة قديمة ، وأخبر نواف بأن المشرف على صفحة بريد القراء في إحدى المجلات كتب هذا التعليق له قبل ست سنوات : ( بداية جيدة في مجال الكتابة ، عليك بالمحاولات المتكررة والمران المستمر لكي تنضج تجربتك ) وضع القصاصة في يد نواف ثم خرج من دكان المزين وهو يعانق الكيس ، هبت ريح قوية اضطربت معها الأوراق في الكيس غير أن طلال احكم قبضته عليها ؛ كي لا يلتهمها الهواء ، داهمه شعور جديد بأنه لا يحمل قطعا جامدة من الورق وعاد إلى بيته وهو يحمل حياته وذاته معه ..

على مستوى الأعمال الأدبية الطفولية نجد أن معظم القصص في مضمونها تقف على قوائم ثلاث :
( فكرة القصصية / الحدث / الشخصية ) قد يأتي كل منها على حدا ، وقد يستبد عنصر على آخر وهذا عائد لطبيعة النص وماذا يريد منه الكاتب ؟
فقبل الكتابة يجب أن يعي الكاتب هذه المضامين ثم يخطط نصه وفق ما يلائمه ، في قصة أوراق نجد أن القاص حسن اللواتي ركز على بؤرة الشخصية ، فطلال هنا هو الذي تحكم في الأحداث وسيرها حتى نهاية القصة ، والشخصية هنا مرت بعدة مراحل نفسية على وجه الخصوص : ( فنجد طلال المحبط / طلال الضائع / طلال الحائر / طلال مع عزم التجديد ) ،
ولا نكاد نجد حدثا دون طلال ، بل الحدث هنا كان راكدا لركود الشخصية اليائسة ، وقد تعاون المكان في القصة مع الشخصية مع الحدث ، ونرى طلال في تمهيد القصة في غرفته والنافذة مغلقة ، الغرفة هنا رمز لفضاء ضيق ، والنافذة المغلقة رمز الانغلاق عن العالم الخارجي الزاخر بالهواء والأشخاص وأشجار النخيل وزقزقة العصافير فكل هذه الرموز تعبر عن تجدد المستمر في عالم عازل عن طلال ॥ يمر الحدث المكاني ويتوسط العالم الخارجي حين يخرج طلال من بيته معه كيس أوراقه ، ورغم الطبيعة المتحركة فإن طلال يساوره شعور بالضياع والتيه وسط تلك المكنونات الخارجية ، إلى أن يدخل إلى بيئة مكانية أقل ضيقا من غرفته دكان المزين ولا يحاول أن يحاور أحدا ويفضل تصفح مجلة عن ذلك ، إلى أن يظهر نواف ، ونواف هنا هو الذي كسر جليد الصمت والجمود المحاط بطلال ، جرى بينهما حوار ، حوارا كان يخفي في داخله استفهامات كانت منغلقة في جوف طلال الحائر ، ومن خلالها استطاع فك بعض رموز الغموض التي كانت تهيمن على شعوره بالضياع والإرباك ..

دخول نواف في وسط عالم طلال الشائك كان الحبل الذي سحب طلال نحو التغيير ، فمن خلاله شعر طلال وإن لم تعبر عنها القصة بشكل مباشر أهميته ككاتب يقرأه القارئ الآخر ويتابعه ويعجب بما ينقله له من نصوص ، وهو القارئ عينه الذي يريد أن يعرف سر نجاح كتاباته ونشرها في الصحف ، وهنا يتلمس طلال أولى خطوات نحو التغيير ونحو الخطوة التي كان يجب أن يقوم بها ، فنرى في الختام يقرر الاحتفاظ بقصاصاته ..


ما أبعاد هذه القصة على نفسية الأطفال ؟

عادة الأطفال الذين يرسم البلوغ علاماته عليهم ، يبدأ ذلك بالتخلي عن أشياء ينعتها بالطفولية كما يراها من معجمه الفكري الذي بدأ يعي ويعبر عن نضج ، فالبنت تتخلى عن الدمية ؛ لأن ثمة اهتمام آخر عوض عنها ، والولد يتخلى عن لعبته السيارة ؛ لأن لعبة أخرى حازت على اهتمامه ، و تلك الاهتمامات تندرج تحت مسمى الهوايات والإبداعات ومنها الكتابة والرسم والسباحة ...الخ .
معظم الهوايات كالكتابة والرسم تبدأ ضحلة ثم شيئا فشيئا مع الممارسة تتضح أكثر ، لكنها تأخذ صورتها الكلية وتغدو كاهتمام وشغل شاغل أو هدف في الحياة أو جزءا من الأحلام من خلال مثابرة الشخص ووجود يد تقوده نحو الأمام ..
مهم جدا على مستوى الهوايات أن ينمي الطفل هوايته وذلك لا يتأتى إلا بوجود بيئة وأشخاص ووسائل تساهم في عملية الدفع الإبداعي نحو ما يريده .. فكم من مواهب لم تجد طريقها الصحيح وسط جلبة المجتمع وطغيان اهتمامات أخرى أخذت الطفل تدريجيا نحوها ..
فعلى المجتمع والأسرة وملاحق الصحف التي تستقبل كتابات الناشئة تحديدا أن تعزز مفاهيم الثقة وتبني فيه الشعور بالأمل والاستمرارية الفعل الممارس نحو مستقبل كتابي يتجدد مع كل ممارسة ومثابرة ..
من هنا جاءت أهمية فكرة هذه القصة والحيرة التي تنتاب صاحبها في وسط مرحلة عمرية حساسة ومهمة جدا في حياة الناشئ ..

* صقل فلسفة المفاهيم في قصة ( من جديد ) :

وهي قصة يخاطب فيها القاص أطفالا أقل سنا من المرحلة السابقة لقصة أوراق .. ويمكن تقديرها ما بين عامي ( 5 ـ 10 ) سنوات ..
نجد أمامنا عجوز متكئ على عكازه رغم أن القاص لم يعبر عنه باللفظ تحديدا ، لكن الذي يلقي النظر على الصورة المرسومة يجد أمامه شيخا كبيرا بشعيرات بيضاء ووجه مجعد ..
كان العجوز يسير في الشارع يسترسل في حديث نفسي ويفكر في الريح التي تمحو خطواته فوق الرمل ، ثم فجأة يقفز في ذهنه سؤال : ( هل يمكن أن تعيد المآسي بناء الحياة من جديد ؟ ) لكن صراخ طفلة صغيرة قطعت فكرته تلك ،فإذا الطفلة تهتف : ( لا تدس على الرسم يا عماه ) ..

توقف العجوز ونظر إلى الأسفل ، فرأى فتاة صغيرة ترسم شمسا بألوان قوس قزح على الرصيف ॥ جلس بقرب الطفلة وسألها : ( هل الشمس تحرق ؟ ) وهتفت الطفلة بحماس بأنها تحرق ثم وضعت يدها على الشمس المرسومة وسحبتها بسرعة ، فأخذ العجوز يدها في راحته لفت نظره أصابعها البارزة والملونة بأصباغ ثم قال لها : ( آه ، هذا حرق خطير ) سحبت الفتاة يدها بسرعة وضحكت بمرح قائلة : ( لقد كذبت عليك يا عم ، وعادت إلى الرسم ) .. مرّ مجموعة من الناس وصرخت فيهم الطفلة لكنهم بلا مبالاة داسوا على الرسم وتابعوا السير ، نظرت الفتاة مبتسمة إلى العجوز وهي تقول : ( لا بأس يا عماه ، سأرسم الشمس من جديد ) ضغط العجوز على عكازه بقوة وغرق في تفكير أعاد التساؤل الذي طرحه في بداية القصة عن بناء الحياة من جديد ، فالشمس كما عبرت الطفلة الصغيرة يمكن رسمها من جديد وكذلك ستنمو نباتات الربيع على الأرض التي دفن فيها موتى وسيبني اليتامى والأطفال والأرامل والعجائز المدينة من جديد ..

القصة هنا رمزية ، ومن الرموز التي استخدامها القاص وتواطأت مع عنوان القصة :
1 ـ الريح : رمز للتجديد كما عبر العجوز فهي تمحو خطاه على الرمل .
2 ـ الشمس : رمز للتجديد كذلك ، فالشمس في كل يوم تنجب لنا يوما جديدا .
تمثلت أهمية الرمزية هنا في أن المفاهيم التي زعزعت نفسية العجوز كانت فوق مستوى الطفل ، فكان لا بد من وضعها على لسان حكيم كشخصية العجوز الذي عايش تجارب وخبرات عديدة في الحياة ، بينما وجود الطفلة الصغيرة مع رمزية رسم الشمس قد هيأ بداية تفسير للفلسفات التي طرحها العجوز وحاول الإجابة عنها أو كشف نقابها في نهاية القصة ..
تلك الجدلية الفلسفية التي شغلت العجوز عن إعادة المآسي بناء حياة جديدة ، هي بحد ذاتها تعبّر عن نفسية العجوز الطافحة بالحيرة مشوبة مع شعور الحزن واليأس ..

وحين يقابل الطفلة الصغيرة يتجدد في العجوز شعورا آخر قابل للتجديد والأمل ، فالشمس التي رسمتها الطفلة الصغيرة ومنعت العجوز من وطئه ثم وطأه آخرون وموقف الطفلة الصغيرة من ذلك لم يواكبها شعور باليأس ، بل على العكس ابتسمت في وجه العجوز عن إمكانية إعادة رسمه من جديد ..
وهنا تتضح صورة التساؤل الذي شغل العجوز في بداية القصة ، عن نمط التجديد في الحياة بعد المآسي التي تواكب عليه جيلا بعد جيل ..
وأهم ما يميز هذه القصة الحوار الحيوي ، الذي جرى على لسان العجوز والطفلة الصغيرة وكان ذكيا في حد ذاته ، عادة في القصص التي تخاطب أطفالا في مثل هذه السن يلعب فيه الحوار دورا حيويا مهّما ، يقضي فيه على رتابة السرد الطويل الذي لا يفضل أن ينفرد في عمل قصصي موجه للأطفال ، بل من الأجمل أن يتناوب كلا أسلوبين في الطرح ..

* على هامش النقد الفني :

في دراسة عن أدب الأطفال عبر الدكتور أحمد هيتي قائلا : " بأن الطفل قارئ غير متحيز ؛ فهو لا يبحث اسم الكاتب عندما يختار كتابا لنفسه ، كما يفعل الكبار بل إن اسم الكتاب وشكله وطريقة عرضه هي الأمور التي تشد الولد إلى كتابه " ..
إذن يمكن القول بأن الشكل الخارجي لكتاب الطفل موطئ مهم للنجاح بالنسبة لكاتبه ..
وجاءت مجموعة قصص للناشئة للقاص حسن اللواتي التي تحوي قصتين في شكل أنيق ، الغلاف متماسك وملائم لطبيعة الطفل ، والأوراق زاخرة بالرسوم التي يستطيع الطفل من خلالها رسم تصور واضح عن مضمون الأحداث ..

ثمة بعض الهنات ليس من شأنها تقليل من أهمية العمل ولكن يمكن أخذها بعين الاعتبار في المرات القادمة للكتابة الطفولية :

1 ـ مراعاة علامات الترقيم ، تكاد القصة الثانية تحت عنوان ( من جديد ) تخلو من أهم علامات الترقيم من فاصلة وعلامات الاستفهام والنقطتان الرأسيتان في حال كل حوار يعقبه استفهام .. مع عدم إغفال تشكيل الكلمات بالحركات ..
2 ـ تحديد الفئة العمرية ، في المجموعة قصتان وكلاهما ينتميان لمرحلة عمرية مختلفة ، من المهم على كاتب الطفل اعتبار أهمية هذا التحديد ، فمن خلالها تسهل على الطفل القارئ اختيار ما يلاءم وعمره ، ومن ناحية أخرى تقضي على حيرة الوالدين أثناء اختيار النمط القصصي المناسب لسن طفلهم الذي يريدان تثقيفه ..
3ـ حبذا لو كتبت العناوين القصتين في كل منهما في صفحة على حدا ، مع مراعاة فصل بين كل قصة وأخرى بصفحة يكتب فيها عنوان القصة الأخرى ؛ لأن الطفل سيخطر بعقله لوهلة أن قصة ( من جديد ) تابعة لقصة ( أوراق ) بينما هي منفصلة حدثيا وقصصيا عنها ..

تلك الهنات ما هي إلا خطوة نحو التجديد ، نحو الإبداع الطفولي ، نحو مزيد من الإنتاج الإبداعي من أجل عيون أطفالنا الصغار ، وقلوبهم النابضة بالحياة ، وعقولهم المتدفقة بالبراءة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قصص للناشئة ( أوراق / من جديد ) حسن أحمد اللواتي ، دار الإرشاد للنشر ، سوريا ..

الأحد، 16 أغسطس 2009

رؤية نقدية تحليلية لـ " قصة سلامة " للكاتبة الإماراتية أسماء الزرعوني




رؤية نقدية تحليلية لـ" قصة سلامة " للكاتبة الإماراتية أسماء الزرعوني (*)




" عندما وجدت كتب أطفالنا في المكتبات مجرد صور بلا معنى هدفها الربح المادي ، حملت على عاتقي وبجهد ذاتي هم رفد الطفل بالفائدة .. ".


" أسماء الزرعوني "

كاتبة إماراتية تحمل في داخلها هاجس الكتابة الإبداعية للطفل ، وهي الحاصلة على جائزة الشرف من دائرة الإعلام والثقافة بالشارقة في مجال الكتابة للطفل عام 1996 م ، كما أنها تسهم في مجال أدب الطفولة من منطلقات عدة ، وقد اختيرت مجموعة من قصصها لمقررات وزارة التربية والتعليم والشباب في دولة الإمارات ، ومن بينها هذه القصة التي وضعت تحت ضوء التحليل ..


" ملخص قصة سلامة " :


( ترعرعت سلامة بين الرمال الذهبية والعشب الأخضر ، جمعت بين شموخ البداوة والكرم ، وصادقت سفينة الصحراء وشربت حليب البقر .
كانت سلامة في الثانية عشرة من ربيع عمرها ، كانت تعشق المغامرة وتبحث عن الجديد في العلم والمعرفة ، ولها أخوان هما خالد وسيف يكبرانها بسنوات ، ويدرسان في القرية المجاورة ، أما سلامة فقد كانت تدرس في مدرسة القرية مع زميلاتها ..
وفي أيام العطلات كانت سلامة تتولى مهمة رعي الأغنام ، لتساعد أبويها ، هكذا نشأت سلامة تقضي يومها بين العلم والعمل ، وكانت أمنيتها في أن تكون طبيبة ، حيث كانت تذهب لجارتها أم خلفان لتتعلم على يدها الكثير من الطب الشعبي .
كان حلمها في أن تصبح طبيبة يراودها في الليل ، أما في النهار فكانت تسرح وتمرح بين المراعي والأغنام ، وفي ذات يوم وبينما هي تلهو وتمرح مع صديقاتها ، فجأة سمعوا صوتاً غريباً ، فانتبهت سلامة للصوت فذهبت وزميلتها موزة صوب مصدر الصوت ، فوجدوا سيارة ترجل منها رجل وامرأة ، فقال الرجل :
أنا طبيب وزوجتي طبيبة ، جاء تعييننا في قريتكم ؛ رحبت بهما سلامة و أحست بسعادة تفجرها ، ولم تستطع مقاومة فرحتها فقالت : أنا سعيدة بلقائكما وسنأتي لزيارتكما ، فأنا أحب مهنة الطب ..
فعادت سلامة إلى المنزل والسعادة لا تسعها ، وذلك لشعورها بأن حلمها بدأ يتحقق ، و أخذت سلامة بالتردد على المستشفى دائماً وعملت كمساعدة فتعلمت أموراً كثيرة منها إعطاء الحقن للمريض ، وعملية تدليك القلب والإسعافات الأولية ... الخ .
ومرت العطلة ، فبدأت معها الدراسة وفي أحد الأيام نظمت المدرسة رحلةً ترفيهية إلى مزرعة قريبة من القرية ، فجأة في الحديقة أصيبت موزة بلسعة سامة والكل أصيب بالذعر ما عدا سلامة ، فإنها قامت بإعداد الإجراءات الأولية ، وأخذوها إلى أقرب عيادة وانتشر الخبر في القرية وهنأ الجميع سلامة وقدموا لها الهدايا وكذلك كرمتها المدرسة ، هكذا كانت سلامة محبة للعلم والعمل وعاشقة للصحراء ورمالها الذهبية .. )

هذه القصة بأحداثها الاجتماعية ركزت على ثلاثة محاور : الأسرة / البيئة / العادات ، ومن خلال هذه المرتكزات تمضي أحداث القصة بتسلسل وترابط تتخللها العقدة ثم يُسدل الستار نهاية مضمناً بحلٍ مناسبٍ يترك أثراً طيباً في نفس الطفل ..
والقصة موجة لأطفال ما بين ( 9- 12 ) سنة ، وموضوعها يدور حول أسرةٍ تعيش في بيئةٍ ريفيةٍ ، تتراءى لنا الطفلة سلامة وهي محور الحدث ببساطتها و أحلامها الطفولية بين أرجاء هذه البيئة الريفية التي تطغى عليها البداوة بعاداتها وتقاليدها السائدة .
وتظل الأحلام ترسم طريقها وتستقر بدورها في مخيلة سلامة ، ويظل أملها الوضاء في أن تصبح طبيبةً يتغلغل في أعماقها ويأسر كيانها ، وتمضي أيام الطفلة سلامة بروتينها المعتاد ما بين تسريح الأغنام واللهو والمرح وبين أسرتها وتقديم العون لهم ، حتى يأتي اليوم الذي تتغير فيه الأمور وتتقلب الأحداث ، ويقترب حلم سلامة بالطب فيخرج من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة والواقع بقدوم الطبيب مع زوجته الطبيبة للعمل في القرية ، فكانا هما بؤرة الخير وسفينة العبور لسلامة نحو تحقيق جزء من حلمها وذلك بالسماح لها بالعمل كمساعدة في العيادة مع الطبيب ، فتعلمت من ذلك الكثير من الأمور الطبية مثل حقن المرضى وعملية تدليك القلب و أسماء بعض المسكنات والإسعافات الأولية .. الخ .
وبهذا التسلسل المنطقي تدور الأحداث ، إلى أن نصل إلى لحظة تأزم الموقف ، ويكون ذلك عندما تنظم المدرسة رحلة ترفيهية قريبة من القرية ، وفي أثناء الرحلة تصاب موزة صديقة سلامة بلسعةٍ سامةٍ أثناء لعبها في المكان ، فتبادر سلامة لمساعدتها ، فينتشر الخبر في القرية ويسعد الجميع ، فيتم تكريم سلامة على الملأ ، هكذا كانت سلامة الطفلة المحبة للعلم والعمل تمضي بتفانٍ نحو تحقيق أحلامها ..

إن هذا التسلسل في الأحداث ، وهذه المنطقية في تصوير الموضوع ، ألبس القصة ثوب الواقع ، ولقد نجحت القاصة في نقل هذه الواقعية بصورةٍ لائقةٍ مناسبة لمستوى عقل الطفل والمرحلة التي يمر بها ، فخط سير الأحداث كان في تلقائية ميسرة وكأن الكاتبة استوعبت عقلية هذا الصغير ، فلم تسكب الأفكار دفعةً واحدةً بل على شكل جرعات وتزيد هذه الجرعات بكميات موزونة في لحظات مناسبة ..
وبهذه الواقعية تجري الأحداث وتكمن أهمية نقل الواقع بصورة فنية في كونها " تؤسس وتبين شخصية الطفل من خلال تعريفه بسلبيات وإيجابيات هذا الواقع " ..

قلنا إن القصة تسير سيراً تدريجياً من بدايتها لنهايتها ، و اعتماد الكاتبة أسلوب السرد المباشر ، وهو الأليق في قصص الأطفال و أنجح الوسائل لرسم الشخصيات بالصورة التي نريد نقلها للطفل ، فهو يعطي القلم الحرية في الحركة ، والانسيابية في التعبير وهذا ما وصلت إليه الكاتبة ، فكان ذلك جلياً من خلال عرض المقدمة التقليدية ، فهي تسرد الأحداث فتصف لنا الأجواء والأحوال السائدة ، ومن خلالها تعّرف الطفل منذ نقطة الانطلاق ولحظة البداية حقائق الأمور ، فتعطيه فكرة بسيطة عن الشخصيات المحورية في القصة ودورها في نضوج الأحداث ، كنحو: " ترعرعت سلامة بين الرمال الذهبية والعشب الأخضر ... " وأيضا " كانت سلامة في الثانية عشرة من عمرها ، أخذت الجمال من السمار الخليجي ، وازدان جمالها الطفولي بضفيرتيها الطويلتين " .

وكأن الكاتبة من خلال هذه المقاطع تعطي للطفل تمهيداً عن الشخصية التي سترافقه إلي نهاية الأحداث ، وهذه المقدمات غالباً ما تكون عليها قصص الأطفال ، فندر أن تبدأ قصص الأطفال بحوارات بين الأشخاص ، ولعل ذلك عائد إلى أن عقلية الطفل لا تزال غضة لا تستوعب الأمور على حقائقها ، فلو بدأت القصة مثلا بحوار على لسان الشخصية الرئيسة وهي محرك الأحداث ، ولم يوضح القاص أهم الجوانب التي يمكن أن تعرف الطفل وتعطيه لمحةً ولو بسيطة عنها ، فهل يا ترى ستنجح هذه القصة وبهذه المقدمات في جذب الطفل وعقله الطفولي وأفكاره البسيطة وخياله المحدود لتقبل الفكرة ؟!
أفلا يشعر بغموض الأحداث وملامح الشخصيات وأن هناك خيط مفقود ؟ خصوصا إذا كان من صفات العقل أن نحكي له يريد أن يلم بالقصة من السطر الأول وليس من الصفحة الأولى ..

إذن فالمقدمة في القصة التي نستعرض أحداثها جاءت موجزة وموضحة لما سيأتي بعدها ، حيث تتابعت الوقائع بطريقة منطقية ، وخطوط الأحداث تكاد تنفك بسهوله عن بعضها وبمنتهى الذكاء يسفر عن قدرة الكاتبة وخبرتها في هذا المجال ، فإذا كانت هذه إيجابيات أسلوب السرد المباشر في قصص الأطفال ، فإن كاتبتنا المربية الفاضلة أعطت الحوار حقه في تثبيت الفكرة وتوضيحها ، بل إنه يقوم بدور المنفذ ، فالطفل يتعب من القراءة القصص ذات السرد الطويل ، قد تنفره عن القراءة وبالتالي يكون الحوار المنفذ والسبيل ليتنفس هذا القارئ الصغير ويتتابع الأحداث مع هذه الاستراحات اللطيفة ، فعملية التوازن والتراوح ما بين السرد والحوار مهم جداً في قصص الأطفال خاصة مع المرحلة العمرية التي تناسب و أطفال هذه القصة ، فهذه العملية تتباين مع كل مرحلة عمرية يعيشها الطفل ، فتحقق التوازن هنا يصبغ القصة بصبغة حلوة يتعايش معها الطفل .

وتتحرك شخوص الشخصية عبر هذه الوقائع حركة حيةً هادفةً تحقق المراد والغاية من العمل ، فتنقسم هذه الشخوص إلى قسمين و تشمل " الشخصيات الرئيسة " ، وهي التي تخدم الهدف الذي كتبت لأجله القصة وتمثلها سلامة ، هذه الشخصية التي تحاط بها المثالية من كل صوب ، كيف لا ؟

وهي الطالبة المثالية في المدرسة ، وفتاة المطيعة والمرحة بين أفراد أسرتها ، وهي المثقفة الطموحة تسعى وتعمل بجد لتحقيق حلمها في أن تصبح طبيبة ، وقد رسمت الكاتبة هذه الشخصية بصورة نامية ، بحيث تتطور تدريجياً ، فسلامة تحب مهنة الطب وهذا دفعها إلى أن تذهب إلى أم خلفان لتتعلم منها و تأخذ بعض المعلومات عن الطب الشعبي ، هكذا تسير الشخصية مع هذه الوقائع المنطقية إلى أن تلتقي بالطبيبين فتقوم بوظيفة المساعدة لديهما ، هذه هي الشخصية الرئيسة بمحورها ، وكلنا يدرك مدى أهمية هذه الشخصية عند الطفل ، فالطفل يتعايش مع شخصية سلامة ويرى نفسه من خلال طموحها ومثاليتها ، وحلمها ورغبتها و أملها في بلوغ المجد ، وهكذا يعيش الطفل ويشعر بل ويتحدث مثلها تماماً في أثناء القصة .


ومن هنا نقول إن شخصية سلامة تخلو من العيوب ، شخصية مثالية وتكاد تصل إلى الكمال ، وكان بإمكان الكاتبة أن تدخل بعض السلوكيات غير اللائقة على الشخصية ، فلماذا سعت الكاتبة أسماء برسم سلامة بكل هذه المثالية ؟!
لابد و أن هذا السؤال بدأ يتحرك ويدور يمنه ويسرة في أذهانكم ، ولكن سنؤجل الإجابة عنه إلى موضع عرض القيم المستمدة من هذه القصة ، فالحديث عنه سيطول ويحتاج إلى مساحةٍ أوسع من هذه المساحة ..

والشخصية الرئيسة في القصة تتمحور حول الأحداث بطريقةٍ ترضي الطفل وتسهم في تعايشه معها لمراعاة الجوانب النفسية والتربوية ، ولقد برز ذلك في عدة مواقف فقولها : " جلست سلامة تفكر في مخلوقات الله من جبال و أشجار .. " وقولها أيضا : " استيقظت سلامة على صوت أمها ، فأسرعت نحوها تقبل رأسها وتعتذر عن تأخرها في النوم " فهذه المواقف تشف عن القيم النفسية التربوية الكائنة في ثنايا هذه الشخصية ، أما بشأن الشخصيات الثانوية وهي التي تساعد في رسم الهدف ، فكثرت في القصة والمتمثلة في الطبيب وزوجته ، الوالدين ، أم خلفان، وصديقات سلامة "عفراء ، موزة ، نورية ، اليازية .. الخ " ، وكلها سُيرت بحيث تخدم وتساند الشخصية الرئيسة ..

وكل هذه الشخصيات تناسب البيئة الريفية التي تدور حولها الأحداث ، فالشخصيات بأحداثها وخط سيرها ونموها وكل ما يحاط بها تمثل البيئة الريفية في منطقة الخليج بعامة والمجتمع الإماراتي بخاصة ، ولعلنا نبرز بعض هذه المظاهر من خلال القصة ، فنبدأ أولاً من ناحية رسم الشخصيات ، فشخصية " أم خلفان " يمكن أن نقول بأن هذه الشخصية التقليدية ووجودها منطقي وضروري فرضته طبيعة بيئة الريف ، " فأم خلفان " هذه المرأة كانت تقوم بدور الطبيب في القديم ، فمعرفتها الطب الشعبي وهو المداواة بالأعشاب الطبيعية منحها هذه الوظيفة ، فنظراً لصعوبة العيش في القديم ، وعدم توافر المواصلات للذهاب إلى المستشفيات التي كان مقرها المدن ، كل هذه المظاهر والصعوبات جعلهم يلجئون إلى الطب الشعبي ، وقد كان هناك بعض النسوة يقمن بعملية ولادة النساء ومداواتهن ، كما كن يقمن بمعالجة الأطفال الصغار وكانت عدتهن في ذلك أدوات بسيطة، ومن هؤلاء شخصية " أم خلفان " فبخبرتها كانت تقوم بهذه الأدوار المهمة حالياً ..

ولا تزال القصة مكتظة بملامح بيئية أخرى مثل مهنة رعي الأغنام والمواشي ، وحلب الأبقار ، والإفطار المكون من الخبز والعسل الطبيعي والحليب الطازج ، الأطعمة التي وضعت في الصرة ، انتشار أشجار السدر والنخيل ، وكل هذه المظاهر بيئة عاش بينها آباؤنا و أجدادنا ..

بل إن أسماء الشخصيات منتقى من البيئة أيضاً نحو " سلامة ، عفراء ، يازية ، موزة ، نورية .. الخ " .
ومن هذا المنطلق نقول بأن الكاتبة وفقت في إحاطة القصة بإطار بيئي تقليدي ، فالإطار يحيط بالشيء من كل جوانبه وكذا الكاتبة عملت على رسم البيئة رسماً ماهراً بمظاهره وشخصياته ، فكل ما يحيط بالشخصية بملامحها الصحراوية و ألبستها التراثية وعقليتها وطبعها كلها مستمدة من البيئة الإماراتية القديمة ، فأحدث اتصالاً وثيقاً رائعاً بالبيئة المكانية والزمانية والتي كانت واضحة كالشمس في نهاره ومتلألئة كالقمر في ليله ..

وتستمر الأحداث في النمو حتى تصل إلى العقدة بحبكتها الفنية ، ولقد برزوا في القصة بشكل واضح ، و كان ذلك في تسلسل الأحداث وبدئها بمقدمةٍ سريعةٍ من خلالها تنتقل سلامة بين الرمال وحبها للعلم وشغفها برعي الأغنام وميلها للمرح والبهجة ، ثم بدأت العقدة بتفكيرها بمستقبلها و أمنيتها بأن تكون طبيبة حتى وصلت الأحداث ذروتها وذلك بتحقيق حلم سلامة بأن أصبحت مساعدة مؤقتة للطبيب ..

أما الحل الذي كان بمثابة مرسى للسفن بعد رحلةٍ بحريةٍ شاقة ملاءى بالمغامرات ، فالطفل الصغير يهمه أن يعرف نهاية كل مغامرة ، فهو يتعايش مع القصة منذ لحظة الانطلاق والبدء والتي تتخللها أحداث إلى أن وصلت إلى النهاية ، فكان ختام القصة بنهاية سعيدة ، تتمثل بتكريم المدرسة سلامة وتقديم الهدايا برهاناً على مثاليتها و عملها بجدٍ واجتهادٍ ، وهذا الحل إيجابي منطقي يتوافق وأحداث القصة وخط سيرها ..

وبعد هذه النهاية السعيدة المبهجة تبقى التساؤلات حول القيم التربوية والسلوكية التي يمكن أن تستقر في نفس الطفل ، كما أننا نضع علامة استفهام حول نوعية هذه القيم التي تم غرسها ، فهل هي أخلاقية ، اجتماعية ، وطنية ... الخ ؟

* فمن القيم التربوية والسلوكية في القصة :

1 ـ وجود القدوة الحسنه الممثلة في شخصية سلامة وهذه قيمة من القيم الأخلاقية ، ولعلكم تذكرون التساؤل الذي طرحناه سابقا والذي يدور حول سعي الكاتبة إلى رسم الشخصية الرئيسة بكل هذه المثالية ؟
نقول أن سعيها انطلاقاً من قولها : " ماذا أقدم لكم في زمن الانترنيت و الفضائيات التي أبعدت أطفالنا عن القراءة ".
فهي تسعى من خلال هذه المثالية المرتسمة في الشخصية بأن تقرب الأطفال إلى القيم وهذه المثالية حتى يتخذوها قدوةً صالحة لهم ، و كان بإمكانها أن تصور لنا القصة في بيئة غير بيئة الريف وكما كان بإمكانها أن ترسم شخصية مغايرة تماماً لشخصية سلامة ، ولكن التطورات السائدة وظهور التقنيات المتطورة ، أخلق فجوة بين تمسك الطفل بعاداته وقيمه وبين مسايرة التقدم ودعاوى التطور نحو الأسوأ ، ومن نتاجها تقليد الأطفال وانطباعهم وميلهم للعادات الغربية ، استيراد أفكارهم الهدامة ، فصارت الشخصيات الغربية نحو " باربي ، والت ديزني .. الخ " هي القدوة للأطفال و أصبحت الصغيرات يقلدن باربي في شكلها وملبسها.. وما إلى ذلك ، و كأنه حصار أحيط بأسوار وعوالم أطفالنا ، وهذا ما أكدته القاصة حينما قالت : " وكم أشعر بالأسف حين أرى القارئ الصغير مأخوذاً بالغرب وشخصياته حتى رسمها على دفاتره و أقلامه ، ولم نقدم نحن لكم شيئا جميلا فأحببتم باربي وشخصيات والت دزني المستوردة .. ".
فكانت شخصية سلامة بعاداتها وتقاليدها وبملامحها البسيطة خير نموذج وأمثل قدوة للأطفال في هذا العالم الذي بات إنذار خطر لأطفالنا جميعا ، فكان دافعاً لإبراز الصفة المحلية ومدى تأثيرها ..

2ـ ومن القيم الرائعة شعار يكاد يلمحه الجميع بأن تحقيق الأماني لا يكون إلا بالإرادة والعزيمة القوية .

3 ـ والقيم الدينية تمثلت في تقوية الروح الإيمانية الصادقة ، وكان ذلك من عدة مواقف
مثل :
* جلوس سلامة تحت شجرة السدر فأخذت تأكل منه ثم حمدت الله وشكرته على أنعامه .
* وتأملها في مخلوقات الله عز وجل من جبال وأشجار .. الخ

4ـ ومن القيم الاجتماعية ، عدم مخالطة الغرباء وأخذ الحيطة والحذر منهم ، ذلك من خلال مجيء الطبيبين ، فأخذت موزة تتجه تجاه السيارة لكن سلامة حاولت منعها من ذلك لعدم معرفتهم بهم .. وسيادة روح المحبة والألفة بين سلامة و أخويها وصديقاتها وكل من كان حولها ..

5 ـ أما الأهداف والقيم الوطنية والتي حاولت القاصة من خلالها تثبيت المفاهيم التقليدية الأصيلة في نفوس الأطفال فتمثلت في عدة مظاهر تهدف في مكنونها إلى تعريف الطفل بأسس مجتمعه ..
وبعد تناولنا للجانب النقدي الأدبي ، ننتقل إلى الجانب الفني ، ويشمل الإطار الخارجي المحيط بالقصة ..

* النقد الفني :

القصة ذات حجم متوسط ومناسب جداً والمرحلة العمرية التي كتبت لأجلها ، هذا بالإضافة إلى أن الغلاف جاء سميكاً وجيداً غير قابلاً للتمزيق بسهولة ، كما أنه يتضمن العنوان المكتوب بصورة مفهومه وبحروف كبيرة وواضحة بحيث يقرأها الطفل بسهولة ..
و أضافت الألوان الجذابة مع الصور اللافتة في القصة خيالاً جمالياً في غاية الإبداع ، فكانت الصور معبرة تُغني الموضوع وتثريه ، بحيث يفهم الطفل من خلال هذه الرسوم الجميلة حقيقة كل موقف وطبيعة كل شخصية مرسومة ، والذي زاد من جمالية هذه اللوحة المبهرة الملونة بألوان الطبيعة وضوح الأحرف والكلمات مع تناسب المسافة بين الأسطر بحيث يتابع الطفل قراءته بكل متعة ومرح ..
لكنها لو شكلت الكلمات بالحركات لكان أفضل حتى يقرأها الطفل و يتفهم مواضع اللغوية للكلمات ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( * ) : هذه الدراسة التحليلية مختصرة من كتاب ( أدب الطفل في دولة الإمارات ) ، ليلى البلوشي وأخريات ، نشر مشترك بين المجلس الأعلى لشؤون الأسرة – إدارة مراكز الأطفال والفتيات ، ودائرة الثقافة والإعلام ، الشارقة ، ط1 ، 2007 م .

الاثنين، 22 يونيو 2009

تنمية المحاكمة العقلية لدى الأطفال


تنمية المحاكمة العقلية لدى الأطفال



تقوم الدعائم الجوهرية لحياة الإنسان على خواص طفولته ، والعوامل المؤثرة بتلك الطفولة ، حيث يكون الإنسان الراشد محصلة تلك المؤثرات على اختلاف أنواعها : نفسية وخلقية وعقلية وجسمية ، إذ فيها يتكون الضمير أو الوازع الخلقي من علاقة الطفل بأبيه أو بمن يقوم مقامه الأب .

وفيها تتكون أغلب الاتجاهات النفسية والخلقية والعقلية التي تهيمن بعد ذلك على ذات الإنسان ، وفيها تظهر مبادئ التكيف الأولى التي تستمر في التأثير في مفهومات حياته طوال صباه ورشده وشيخوخته ..!
لهذا كانت الطفولة _ ومازالت _ ميدانا خصبا لأبحاث عدة تتقاسمها علوم مختلفة ، ولهذا أيضا اهتم بفهمها ودراستها الساسة الذين يريدون توجيه الجيل الناشئ نحو هدف خاص معين يرون فيه المثل الأعلى للمواطن الصالح ، واهتم بفهمها ودراستها علماء التربية والمدرسون والآباء ليتخذوا من المميزات النفسية للطفولة أساسا يسيرون بهديه في تنشئة الأجيال .

واهتم بها _ كذلك _ الأخصائيون الاجتماعيون والأطباء وعلماء النفس : كل يحاول أن يفهم في الطفل استجاباته ونواحي حياته المختلفة ، ليقيم بذلك الأسس النظرية التي يقوم عليها حياة الطفل في ألوانها وضروبها المتباينة .
كان لابد لتلك الدراسات أن تتعرض _ عن قريب أو بعيد _ لدراسة النمو العقلي ، ومراحل ذلك النمو وخصائصه ، وكان بين تلك الخصائص : المحاكمة العقلية وكيفية تنميتها ؛ لأنها إحدى مظاهر الشخصية والمنطقية لعالم الكبار ، وفيها تتكون لديه أولى مبادئ التعبير عن الرأي ونقد الذات ونقد الآخرين ، وفي نهايتها يتخلص الطفل من التبعية العمياء لآراء الراشدين وأفكارهم ، ويكون لنفسه منطقا خاصا عن الحياة وعن الوجود ، وتتبلور عنده المبادئ والأفكار الخاصة به ، حيث يبدأ بتشذيب كل ما يسمعه أو يراه ، لينتقي منها مثله العليا ، فما هي المحاكمة العقلية ؟ وكيف تتطور عند الأطفال ؟

المحاكمة كما يعرّفها علم المنطق : هي مجموعة من القضايا مرتبة في مقدمات تحصل عنها نتيجة .
أما علم النفس فإنه يدرس المحاكمة في واقعها النفسي ويعطي مثالا عليها المحاكمات العاطفية ، فنحن _ مثلا _ نبرر سلوك أصدقائنا الذين نحبهم بمختلف الوسائل كما نبرر الكلام الذي يصدر عنا أثناء الغضب بمختلف الوسائل أيضا !
فالأهواء تدفعنا إلى القيام بتصرفات لا يبررها العقل ، ومع ذلك نصر على أن سلوكنا كان عقليا .
وللطفل _ كما للراشد _ محاكمته الخاصة ، وهي تختلف اختلافا جذريا عن محاكمة الكبار ، وكذلك تختلف عند الأطفال أنفسهم تبعا لعوامل عدة أهمها :

1 ـ العمر العقلي : لا يستطيع الأطفال في سنوات عمرهم الأولى القيام بالمحاكمات العقلية المنطقية ؛ لأن نضجهم العقلي لم يكتمل بعد ، ولذلك تكون أحكامهم ذات اتصال مباشر بقدرتهم على التحرر من فكرة التمركز على الذات التي تمتد من السنة الخامسة من العمر حتى الثامنة .

2 ـ الموضوع المطروح للمحاكمة : يؤثر الموضوع المطروح للمحاكمة تأثيرا كبيرا في محاكمة الأطفال ، بمقدار علاقة هذا الموضوع بهم شخصيا ، الطفل يحكم على معلمه الذي يحبه بأنه لا يخطئ أبدا وبأنه أحسن الناس ، والطفل يحكم على معلمه الذي يكرهه بأنه أسوأ كائن وأبشع الناس خلقا بينما يصدر أحكاما بريئة على من ليس له علاقة بهم .

3 ـ المستوى الثقافي : فالطفل الذي يعيش في أسرة يستمع فيها إلى مناقشات أبيه وأمه وإخوته أو الضيوف ، تتكون لديه ثقافة كبيرة عن أمور الحياة ، ويصبح قادرا على نقل صور هذه المحاكمات إلى مدرسته وإلى حياته ، بخلاف الطفل الذي يعيش بعيدا عن هذا المستوى الثقافي .

4 ـ النمو اللغوي : وهو أيضا له تأثيره المباشر في محاكمات الأطفال ، في قدرة الطفل على ربط الألفاظ بالمعاني المختلفة ، وقدرته على التعبير عن تلك المعاني .

5 ـ الخبرة : وهي أهم العوامل المؤثرة في المحاكمة العقلية عند الطفل ؛ لأنها الأساس الأول الذي يربط الطفل بالحياة ، وتجعله قادرا على فهم الأمور كلها فكل معاني الأشياء تنتج عن تكرار الخبرة ومن الاتصال المباشر بالبيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية ، ومن تفاعل الطفل معها .

6 ـ عوامل أخرى تؤثر في نمو المحاكمات العقلية عند الطفل : كالذكاء وسلامة الحواس والإدراك والفهم والانتباه والتدريب .

إننا نتحمل مسؤولية كبيرة في تمنية هذه المحاكمات لدى الأطفال ، وعلينا أن نعمل دائما على تعويد أطفالنا حسن المحاكمة في كل المجالات التي تتوفر لنا ، وعلى ضرورة تهذيبها وتنميتها من أجل تنمية الإنسان الناضج الذي لا يصدر أحكامه جزافا ، إنما يبنيها على مبادئ صحيحة لا انحياز فيها ولا تضليل .

الكاتب : عمر عبدالعزيز
المصدر : مجلة الأسرة .

الأربعاء، 27 مايو 2009

الشتائم التي بصقتها في فم ّ طفلك ..!


الشتائم التي بصقتها في فمّ طفلك ..!


" حقير " ، " أحمق " ، " ملعون " ، " تافه " ، " نذل " ، " حمار " ، " كلب " ، " خنزير " .. الخ ..
هل انفقأت ألفاظ كهذه من لسان طفلك أو طفلتك ، أختك أو أخيك الصغير ، طفل قريب لك ، أي طفل تصادفه في أي مكان .. ؟

اشحن سمعك جيدا ، ركز طبلة أذنيك على الألفاظ التي تخرج من فمّ طفلك الصغير مهما بلغ سنه ، هل قذفك يوما ما بشتيمة ذميمة أو سباب رديء ؟

حسنا .. لنغير اتجاه السؤال : هل كنت من الذين يشتمون في طفولتهم ؟ ومن أين تعلمتها ؟ هل هي في رفقة حتى اليوم مع لسانك ؟
عندما كنت صغيرة الشتيمة الوحيدة التي جذبتها بلساني هي لفظة ( غبي / غبية ) هي الشتيمة الأكثر شيوعا في قاموس لساني من الشتائم ، ولا اذكر قط استبدلتها بلفظة أخرى بديلة ؛ لأنها الشتيمة الوحيدة التي تداولت على ألسنة زميلاتي في المدرسة حين كنا صغارا ..
وهذا حال الأطفال دائما ؛ فهم يجذبون كمغناطيس الألفاظ التي تجري على ألسنة الكبار في بيئاتهم انطلاقا من المحيط الأسري إلى المدرسة إلى قائمة الرفقة إلى وسائل الإعلام وهلمّ جرا ..

فكل ما يبصقه لسانك تجده تلقائيا في لسان طفلك ، كما ترى العملية مقرفة جدا ، لكن هذا ما يحدث حقا ..!
فالطفل يعيش معك في منزل واحد وما يشيع في فضائه من ألفاظ تجده على لسان طفلك سواء مصّها من لسانك أو من لسان والدته أو إخوته أو أي شخص آخر يقيم في ذلك المنزل .. والأمر ليس محدود التأثير فتلكم الألفاظ السيئة ترافق لسانه حتى يكبر ومن ثم ينقلها بالتوارث إلى أبنائه وأبنائه بدورهم إلى أبنائهم ، والعملية في دوران مستمر من جيل إلى جيل ..

أما إذا كانت ألسنة المقيمين في المنزل نظيفة من الشتائم ، فإن طفلك نظيف اللسان إذا ما تلقى شتيمة ما من صديقه بذيء اللسان ، فإنه سيبدي دهشته ؛ لأنه لم يسمع بها قط من محيطه ، ولربما يتجهم في وجه صديقه بذيء اللسان ويخبره بأن ما ينطقه من ألفاظ سيء للغاية ؛ لأن والداه أعلماه بذلك ، وأنه سيعاقب إن نطق كما نطق لسانه ..

أما المحيط الخارجي فهنالك بعض المربين استعاضوا عن الضرب بالعصا والذي نص على منعه كأسلوب عقاب إلى لغة الشتائم التي يقذفها المعلم أو المعلمة على الأطفال ؛ كتنفيس عن غضب دون أن يدركوا خطورة هذا النوع من التنفيس على بنية الطفل الداخلية ، فهو في بيئة من المفروض أن تهندم فيه لغته نحو مثل فكرية وأخلاقية راقية ، لا أن تعول فقط على التثقيف الفكري على حساب القيم الأخلاقية .. بينما المجتمعات الغربية حرصت فيها بعض هيئات تطوير المناهج على إدخال منهاج الشتائم إلى مدراس الأطفال كقاموس يضم كافة الشتائم التي فاح تأثيرها في المجتمع ؛ حتى يخجل الأطفال من النطق بها ..

هذا إضافة إلى دور الرفقة التي تترافق مع الطفل ، والتي تتحملها الأسرة بشكل أساسي ؛ لأن الطفل الصغير يرافق أطفالا في أعمار واحدة أو متقاربة على وجه التحديد ، وهم جميعا لا يدركون مدى خطورة ما يجري على ألسنتهم من ألفاظ قد تكون هابطة جدا في مستواها والتي يلتقطونها من هنا وهناك .. فإذا ما حرصت كل أسرة على لسان طفلها فسينجم عن ذلك بيئة نظيفة وبالتالي ستتوالد عنها ألسنة نظيفة ..

ولو أننا أجلسنا طفل ما مع طفل مهذب جدا ، فسرعان ما سيتحول نسخة عنه ، ولو تركناه في الغابة برفقة الحيوانات ، فإنه سيحذو حذوهم في جلّ التفاصيل التي يقومون بها فيقلدها اعتقادا منه أن المحيط من حوله كله هكذا كـ قصة الطفل الكرتوني ( ماوكلي ) الذي وجد نفسه برفقة حيوانات وحين كبر أصبح يتصرف كالحيوانات رغم شكله البشري ..

وقطعا لن يقل مستوى التأثير الإعلامي والتي تذيع على ألسنة شخصياتها ألفاظا نابية على سبيل السخرية واللهو ، ولعلكم تلمسون أن معظم تلك الرسوم معرّبة ..

وهنا يأتي دور الأسرة بأن تفحص لسان طفلها جيدا ، وأن تزيل كافة الألفاظ السيئة ، وإن وجدوا بعد تنظيفهم له أي لفظة غير ملائمة ، أو لم ترد في سقفه الأسري فمن الضروري أن يعرفوا من أين أتى بها ، وعليهم تعليمه بلغة التحاور الهادئ بأنها من قائمة الألفاظ السيئة وليس من الجيد النطق بها ، فمن شأن أسلوب التعليم والتوجيه الصحيح أن يردعهم عن التلفظ بالشتائم في أي مكان حتى في ظل غياب الرقابة الأسرية ، وبالإمكان ابتكار أسلوب مرح في التوجيه فحينما يستخدم الطفل لفظة سيئة اطلبوا منه تدوينها في ورقة ومن ثمّ طالبوه برميها في سلة المهملات موضحين له أن مكانها هناك ، وإن كان الطفل دون سن إجادة الكتابة فيحبّذ أن يتولى أحد الوالدين القيام بمهمة كتابة اللفظة ومن ثم مطالبته برميها في سلة المهملات ..
وإن لم تجدي كل تلك الأساليب ، ولم يردع صغيركم عن تكرارها باستمرار فعليكم أن تكونوا جادين في فرض أسلوب عقابي ملائم كل لسنه وليس مجرد تهديدات تفرقعونها في الهواء فإن ذلك لا يجدي ..
ومن الجميل جدا أن تكافئوه إن التزم في كل مرة على ردم ألفاظه السيئة ..

ولأنكم تخاطبون أطفالكم فلذات أكبادكم ؛ فلماذا لا تشتمونهم بطريقة أخرى ، أو لنقل غيّروا ألفاظ شتائمكم لهم نحو : " هداك الله " / " ليأخذ الله شيطانك / " يا وردة " / " يا قلبي " / " يا فراشة " / " يا عسل " .. الخ .


عوّدوا ألسنتكم عليها حتى تتعود عليها ألسنة أطفالكم ، جرّبوها من الآن إنهم يستحقون ..

الاثنين، 4 مايو 2009

( شبره .. أمره .. شمس .. نجوم




( شبرهْ .. أمرهْ .. شمسْ .. نجومْ )



غيمة تمرح على أرجوحة :



* يختص بأدب الطفولة من جميع جوانبه الروحية والصحية والنفسية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتراثية ..

* يأخذ بيده من الروضة حتى .............. !
بالنسبة لي الطفولة تمتد إلى ما لا نهاية ، بل أطلب أن يحيي كل إنسان مهما كان عمره طفله الداخلي ؛ لأنه الوحيد القادر على الدهشة والافتنان في عالمنا الذي يمر بمرحلة " ربو " ..


ولأن الطفل فينا قد يستمر لأبعد من سن الطفولة بكثير وهذا ما جعل " مادلين لنجل " رئيس اتحاد الكتاب في أمريكا والحائزة على جائزة نيو بري أكبر جوائز أدب الأطفال في بلادها بإنشأت مجلة أطفال ووضعت شعاره : " مجلة الأطفال من سن 8 إلى سن 88 " .

* يعنى بتربية حواسه ( البصر والسمع واللمس ) ، فقد أثبتت الدراسات النفسية والتجريبية أن تربية الحواس هي الأقوى في تنمية السلوك الإبداعي عند الأطفال .


* كل مرحلة من مراحله ماذا تريد أن تقول ؛ لأن الكبار للأسف هم الذين دائما يقطعون ألسنة أطفالهم ويلصقون ألسنتهم عليها .. و " أفلاطون " يقول : ( إن الفطرة تهندس ) .



* وأشياء أخرى تطرأ على عقل أيامي القادمة ..



* كلمة ليست أخيرة :
أهلا بكل من يحب الأطفال بإسهام لهم حتى ولو كانت صورة تعبر عنهم ولهم وإرساله مع الغيمة التي تطّل عليه / عليها عابرة على العنوان التالي :

Lailal222@hotmail.com