الجمعة، 29 أغسطس 2014

التاريخ يسنيقظ في غرف النوم ..!

التاريخ يستيقظ في غرف النوم ..!

جريدة الرؤية ..

تفجر من وقت قريب خبر عن نية الكاتب الصحفي " ويليام ستادييم " على نشر قصة حياة " مدام كلود " الشخصية الأسطورية التي عرفت في باريس في الستينيات بالسيدة الأكثر حصرية في العالم ، والمدام كلود كانت المومس الأشهر في باريس وكان لها دار للدعارة تديره في الشانزيليزيه ، في زمنها لم يكن ينظر بازدراء إلى زيارة المومسات في ذلك الوقت ؛ ومدام كلود يبدو أنها امرأة غنية بالأسرار عن زبائن كثيرين من الغرب ومن العرب أيضا دأبوا على زيارتها باستمرار في دارها ، وقد صرحت من وقت قريب أن من ضمن زبائنها الدائمين كان كل من الرئيس الليبي الراحل " معمر القذافي " وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق " موشي ديان " والرئيس الأمريكي الأسبق " جون كنيدي " صرحت بأسمائهم وهي معبّرة بقولها :  "هناك شيئين سيظل الناس ينفقون المال للحصول عليهما هما الطعام والحب الجاهز للبيع .. وأنا لا أتقن إعداد الطعام" ؛ لهذا كان زبائنها من الأثرياء وذوي نفوذ أولئك الذين ينفقون الملايين على شهواتهم ، ويبدو أن حياة الرؤساء والسياسيين والطغاة كانت على وجهين ، وجه صارم وقبضة حديدية أمام جمهورهم من الشعوب ووجه غارق في ملذاته الخاصة في أقبية مظلمة حافلة بالأسرار ..!
في كتاب " نساء الطغاة " للفرنسية " ديان دوكريه " تسرد فيه حكايات ورسائل حب وإعجاب تلقاها طغاة معروفين في العالم من أمثال " هتلر " و " موسيليني " و " تشاوتيشسكو " و" ماو " وغيرهم ..
وقد حظيت مقدمتها اهتماما برسائل " هتلر " حيث تشير إلى أن الزعيم النازي كان أسطورة النساء في عصره ، النساء الألمانيات الشابات كن مغرمات به ، وكانوا يرونه القائد الوسيم ، لدرجة أن رسائل الإعجاب والحب التي تلقاها " هتلر " في زمنه من المعجبات تفوق رسائل التي تلقاها كل من " ميك جاغر " و" البيتلز " ، ومن حجم وكثافة تلك الرسائل عين " هتلر " مستشارا خاصا يتلقى تلك الرسائل ويقرأها ؛ كي يتعرف على أوضاع البلاد من خلال أولئك النسوة وأحاديثهن ، معظم تلك الرسائل التي كانت تعبر عن إعجاب بالنازي وشخصيته كقائد للبلاد بالنسبة لهن ، و" هتلر " كان يولي أهمية لما تقوله نساء وطنه عنه وهو القائل : " في السياسة يجب الحصول على دعم النساء ، أما الرجال فيتبعونكم لوحدهم " ..
ولم يكن من عادة الدكتاتور النازي من أن يرد على رسائل المغرمات به ومعبوداته أولئك اللواتي كن يترقبن بلهفة ولو سطرا واحدا من خط يده ، ولكن حين كان يستلم رسالة من معشوقة يجد أن لها نية على زيارة إلى برلين لتعبر عن حبها لقائدها المقدس وجها لوجه كان يطلب من مستشاره حينئذ أن يكتب ردا مقتضبا ليقطع نية قدومها إلى حيث هو ، وفي إحدى تلك الرسائل كتب مستشاره : " سيدتي ، أفيد بهذه الرسالة باستلام كتابك إلى القائد وأبلغك بأن هذا الأخير لن يورط نفسه من حيث المبدأ في أي قضية خاصة " ..
و من فرط عشق إحدى معجباته قامت بإرسال وثيقة زواج موقعة من قبلها وكتبت فيه : " بهذه الشهادة الموقعة تتخذك الآنسة آن ماري رسميا زوجا لها " على أمل أن يوقع " هتلر " الوثيقة فيكونان زوجان ..
بل حين كانت تصله رسالة مذيلة بأبيات شعرية تمجده كقائد متوحد كمثل هذه الرسالة التي تقول : " كلنا نهتف لهتلر / الذي يؤّمن لنا السلام والأمل / أنت ، يا مخلّصنا ! / نتحمل الأعباء واللوم ، ولا ننسى غايتك !/ عاش أدولف هتلر / العالم كله يصرخ عاش هتلر / البطل العظيم المحبوب ، وفاؤك وفاؤنا / لنحمده معا ، لنرفع سواعدنا ولنصرخ بصوت واحد " عاش هتلر"  .."
حينئذ كان مستشاره يرد على كاتبة الأبيات الشعرية نيابة عن " هتلر " والتي بدورها تنم عن غموض شخصيته كطاغية تمجده نساء بلده بشكل مفرط : " السيدة العزيزة ، يبلغك القائد شكره الصادق على رسالتك ، مع الأسف ، لا يمكننا أن نسمح لك بنشر هذه القصيدة ، فإن القائد يرفض ، من حيث المبدأ ، أي شكل من أشكال التمجيد لشخصه " وهذا الرد الغريب من الدكتاتور النازي يجعلني أستعيد شخصية الزعيم الكوري الشمالي والذي عرف عنه أنه يشتري شعراء بلده ؛ كي يمجدوه و أسلافه في قصائد عصماء وليس هكذا فقط ، بل يجبرهم على هجاء وذكر نقائض أعدائه في كوريا الجنونية ، باعترافات أدلاها الشاعر الكوري الشمالي " جانغ جين سونغ " بعد أن هرب من دكتاتورية الزعيم في كتاب أطلق عليه اسم " عزيزي الزعيم " وهو من ضمن آلاف الزعماء والرؤساء عبر العالم العربي والغربي يشترون شعراء لتمجيدهم ..!
ويقال إن " هتلر " كان يتضايق على الرغم من كل شيء من آلاف الرسائل التي كانت تصله ويراها بأن رسائل من نساء بلا حياء ، بل كان يرى معظمهن أشبه بنساء رخيصات ومومسات حين يصرحن بحبهن بشكل مبتذل وعلى وصف المؤلفة " دوكريه " : " تكززه التصاريح المجردة بالحب وتشله " ..!
ولكن أيضا التاريخ يثرثر عن علاقة مشبوهة بابنة أخته المدعوة " جالي " فتاة شابة صغيرة من عمرها كانت تساكنه في المنزل نفسه ، وكان يرفض أي رجل يحاول الاقتراب منها ، أو أي نوايا لخطبتها ، فقد كان يستأثرها لنفسه بل رسمها عارية واحتفظ برسوماته عنها في مكان سري ؛ كي لا يورط نفسه في فضيحة مشبوهة ، وهي التي انتحرت في النهاية بسبب معاملته المتقلبة وحبسه لها في عالمه الغامض  ..!
ولم يجد مهربا من حبه الغريب لابنة أخته " جولي " والتي حين قام بدفنها عبر بأسى بأنه قد " دفن عواطفه وتابوتها في الآن معا " سوى أن يختار " إيفا براون " عشيقة له ، كان كثيرا ما يعاملها بفظاظة بل يمنع مجيئها إلى برلين حيث يتواجد واختصر حبه لها أن يكون في ميونخ ؛ وهذا يؤكد انشغال الزعيم النازي الكلي بتحقيق غاياته في المجالات السياسية ، وإن كان ذلك على حساب حياته الشخصي ومتطلبات قلبه ، وهو الذي كانت نساء ألمانيا الشابات الجميلات مغرمات به ، وكن يتلهفن نظرة منه ، أو إشارة كي يخضن خضوعا كاملا للرجل الذي يرونه استثنائيا وقاعدا عظيما ، لكنه سبق وأعترف لرجل مقرب منه ، من أنه بعد الحرب سيتخذ " إيفا براون " زوجة له لأنها امرأة حياته الوحيدة ولكنه كان يسعى قبل ذلك دائما لإخفائها عن حياته السياسية دائما والاجتماعية أحيانا قائلا لها : " إيفا أنت لم تخلقي لمثل هذه الحياة الاجتماعية ، أنت غالية علي للغاية ، علي أن أحمي براءتك ، برلين هي مدينة الخطيئة ، العالم الخارجي قذر ومبتذل " ..!
وفي أحلك ساعات حصار برلين حين تخلى عنه كل أتباعه والعالم الذي تصوره في خياله السياسي الخصب ، لم تكن معه سوى المرأة التي أحبته ، واتخذته هاجسها الكلي والشامل ؛ لدرجة اللحاق به إلى برلين حيث الحرب والحصار ، في ذاك المخبأ أدرك " هتلر " الطاغية والمهزوم بأن " إيفا براون " عاشقة وصديقة حقيقية وتستحق عن جدارة في أن تكون امرأة حياته ومماته ، فتزوجها ، وفي الليلة نفسها أنهيا حياتهما بسُّم ثم بطلقة ..!
ولكن هناك دائما نساء سريات في حياة الرؤساء ولا يعرف عن وجودهن أحد ، بل ثمة هالة تسور وجودهن في حياتهم ، وكانت المرأة " ماغدا " في حياة " هتلر " تشكل الجانب الأكثر خفاء في حياته وتاريخه السياسي ، هذه المرأة التي كانت رفيقته وطباخته أيضا والمعنية بشؤونه السياسية وكانت السيدة الأولى بكل معنى الكلمة ، ولكن كان عليها أن تتزوج أحد رجال حزبه النازي ؛ كي تلعب دورها في حياته ، وكي تقنع العالم وقتئذ بوجودها قربه ، كان زواجها بوزير الدعاية مصلحة وسياسة ، استأثرها " هتلر " بشارته الذهبية الحزبية وقدمه لها قبل أن ينتحر ، فكان الأمر بالنسبة لها ذروة المجد في حياتها ، كيف لا وهي المرأة الوحيدة التي ناقشها على صعيده حياته العسكرية في أمور السياسة ، وكان يعتد برأيها كثيرا ، والتي بدورها دفعت ضريبة قربها منه فانتحرت وزوجها وزير الداعية للحزب ، ولكن قبل ذلك حقنت أطفالها الستة بالسم كلعنة أبدية كان يجب أن تدفعها العائلة بكامل أفرادها ؛ فقد عاهدت نفسها على أن ترافق " هتلر " في السراء والضراء ، والمرأة حين تعدّ بشيء بدافع الحب توفي به ..!
لم تكن دعابة ما أطلقه " أرنولد توينبي " أشهر مؤرخي قرن العشرين حين قال : " إن التاريخ يستيقظ في غرف النوم "..!
وأضيف : بأنه يموت أيضا في غرف النوم بل وينتحر ..!
ليلى البلوشي

الاثنين، 11 أغسطس 2014

أمريكا كما يراها " هنري ميللر " ..

أمريكا كما يراها " هنري ميللر "

قال " والت ويتمان " مرة عن أمريكا : " أعظم ما يتعلق بأمريكا أنها أرض الفرص الثانية يأتي إليها الناس لصنع بدايات جديدة ، أسلافك ربما فكروا في هذا أيضا .. هي أرض تحب أن تغفر ، أن تدع الإنسان من جديد بعد أخطائه الكثيرة "
ولكن " هنري ميللر " هذا الكاتب ، المواطن الأمريكي له رأي آخر تماما عن موطنه والذي لم يجد فيه ربما السلام الروحي الذي وجده في باريس مدينة النور فهاجر إليها ، ففي روايته " كابوس مكيف الهواء " يضع " هنري ميللر " في استهلاله رأيه الجاد والصريح والكلي عن الأسطورة الأمريكية ويفتح شرايينها على مرأى من العالم ، فيقول عن موطنه نيويورك حيث عاش : " وانتابني اتجاه نيويورك الشعور الدائم – بأنه المكان الأشد بثا للرعب على أرض الله ومهما تكررت مرات هروبي منه أعود إليه كعبد فار وفي كل مرة مع إحساس بالامتعاض منه وبالكراهية ، يزداد باطراد " ..
عاش " هنري ميللر"  في زمن متطاحن بالحروب ، وفي الزمن نفسه كان حلم كل فنان أو مبدع هو الذهاب إلى أوروبا حيث مهبط الفن والإبداعات الخلاقة في وقت كان يرى أن أمريكا لا مكان فيها للفن وللفنانين : " لكي يصبح المرء فنانا عليه أن يكون مجذوما أخلاقيا ، منبوذا اقتصاديا ، ومعاقا اجتماعيا ، وخنزير يقتات على الذرة يستمتع بالحياة أفضل من كاتب خلاق أو رسام أو موسيقي والأفضل أن يكون المرء أرنبا " ..
لكن نظرة " هنري ميللر"  للهوية تتباين عن نظرة الآخرين لها ، عن نظرة مواطن عادي ، فهو كاتب وفنان خلاق لديه شعور بأنه إنساني وعالمي أكثر من كونه منتم لهوية وطنية واحدة بحد ذاتها أي مواطنا كوسموبوليتانيا وهذا ما يؤكده بقوله : " إن ما أحاول أن أقول هو ما يلي : على الرغم من أني أمريكي بالولادة وعلى الرغم من أني أصبحت ما يسمى المهاجر من وطنه ، فإني أنظر إلى العالم ليس كموال لهذا البلد أو ذاك بل كأحد سكان الكرة الأرضية " ..
ربما كون الإنسان متعدد الهويات وكونه لا يؤمن سوى بالإنسانية هذا ما يجعله يقف بكل ثبات ويبرز موقفه الصارم تجاه كل ما هو نابع من سلطة ديكتاتورية مستبدة ، يجعله يرشق كل طاغية بجسارة حتى وإن كان في موطنه ، فهو يرى أن ثمة أسباب غزيرة لظهور الطغاة الأوروبيين والآسيويين ولكن الطغاة في أمريكا هم متعددو الرؤوس أولئك الذين يعتقدون أن الوسيلة الوحيدة للقضاء على من يجسدون الشر هو تدميرهم ؛ ليكسر الزجاج العازل الذي غلفته أمريكا نفسها طوال تلك القرون ، ويكشف عورتها ، ويفضحها ، لينهار القناع الأمريكي بقوله : " نحن متعودون على التفكير في أنفسنا بوصفنا شعبا متحررا ، نقول إننا ديموقراطيون ، محبون للحرية ، متحررون من الضغائن والكراهية ، هذه هي البوتقة ، موطن التجريب الإنساني العظيم ، كلام جميل ، مفعم بالنبل ، وبالعاطفة المثالية ، في الواقع نحن رعاع سوقة وقحون ، يمكن حشد انفعالاتنا بسهولة عبر المهيجين والصحفيين والمتدنيين الدجالين والدعاة ومن شابههم " ثم يضيف وجهة نظرة بعبارات تدعو إلى التأمل في التاريخ الأمريكي : " إن وصف هذا بأنه مجتمع من أناس أحرار كفر ، ماذا لدينا نقدمه للعالم غير الغنائم الوافرة التي نسلبها بتهور من الأرض تحت تأثير الوهم المسعور بأن هذا النشاط المجنون يمثل التقدم والتنوير ؟ " ثم يعود ليؤكد بأن أمريكا التي يراها العالم بأنها أرض الفرص أضحت أرض العرق والكفاح العبثيين ، والمشكلة كما يرى " ميللر " ليس في تحول هذا الكفاح بل في غايته : " إن الهدف من كفاحنا كله نسيناه منذ أمد بعيد ، لم نعد نرغب في التخفيف عن المضطهدين والمشردين ؛ فليس هناك متسع على هذه الأرض الشاسعة ، الخاوية .."
كأنه يذكر لا العالم بل أمريكا نفسها التي قامت على أرض كانت للهنود الحمر – السكان الأصليون – أولئك الذين سلبت منهم أرضهم واعتبرتهم همجيين ومنبوذين ، ليتهم أمريكا نفسها وينعتها بالصفات عينها بغضب إنسان يؤمن بالحق ولا يخشى من الاقرار به : " إننا لسنا فقط جهلة ، ومتطيرين وأشرارا في سلوكنا مثل الهمجيين الجهلة والمتعطشين للدماء الذين جردناهم من ممتلكاتهم وأعدمناهم لدى وصولنا إلى هنا – بل نحن أسوأ بما لا يقارن ، لقد انحللنا ؛ حططنا من قيمة الحياة التي سعينا إلى تأسيسها على هذه القارة "
ويضاعف لها اللوم حين يقر بأوضاع المشردين في بقاع القارة الأمريكية  : " نحن أغرز الأمم إنتاجا في العالم ومع ذلك عاجزون عن إطعام وإلباس وإيواء أكثر من ثلث سكانه " بمساحات الشاسعة لتي سلبتها أمريكا من الهنود تحولت مع الوقت إلى أرض يباب بسبب الاهمال واللامبالاة والطمع والتخريب وكأنه يؤكد أن أمنا الأرض تنتقم لسكانها الأصليون ، أولئك الهنود التي جردتهم أمريكا من ممتلكاتهم وأهلكتهم وحولتهم إلى مرحلة من الحضيض ليكونوا منبوذين ، أولئك الهنود كما يرى " ميللر " كانوا يبجلون الأرض ، فالغايات كانت سليمة والتربة غنية وخصبة ، وقد عاشوا في تناغم مع الطبيعة في وقت كانت ترى أمريكا بأنها حياة بدائية وهمجية وذات مستوى معيشي هابط ..!
لكن الضربة الموجعة على رأس السياسة الأمريكية حين يقول : " وخلال ألف عام من الحرب المتواصلة تقريبا لم تفقد أوروبا ما فقدناه نحن في غضون مئة عام من السلام والتقدم " هذا السلام الذي فقدته أمريكا كما يذهب " ميللر " لكي يعرفه الإنسان عليه " أن يجرب الصراع ، عليه أن يمر بالمرحلة البطولية قبل أن يتمكن من التصرف كحكيم ، يجب أن يصبح ضحية انفعالاته قبل أن يتمكن من التعالي عليها ، ولكي يستنهض طبيعة الإنسان الانفعالية لتسلمه إلى الشيطان وتخضعه للاختبار الأسمى ، يجب أن يجري صراع يتضمن شيئا أكثر من الوطن والمبادئ السياسية والأيدولوجيات "  ..
فــ" هنري ميللر " يؤكد بحزم بأن العالم الجديد لا يصنع ببساطة بمحاولة نسيان القديم ، العالم الجديد يصنع بروح جديدة ، بقيم جديدة قد تكون أمريكا قد بدأت بهذه الطريقة ولكنها اليوم مشوهة فهي عالم الأشياء ، الماديات التي تلهث خلف صناعة وتوفير كل ما هو سطحي وشكلي بينما الداخل يبدو كبئر مليء بالقذارة ومظلم وموسوس ومهترئ .. فهي حولت الإنسان من جسد وروح إلى آلة منتجة تسعى إلى ضخ الماديات والمنافع في مجتمع رأسمالي واستهلاكي ، قضت على الإنسان وعلى روحه ، ففي وسط عالم يلهث نحو الرفاهية من سيلمح المرارة في القلب ، ونزعة الشك ، والسخرية ، والخواء ، والعقم ، واليأس ، وانعدام الأمل الذي ينهش العامل الأمريكي ..؟ حتى الفرد الأمريكي نفسه لا يريد أن يرى في نفسه هذا ؛ لأنه ممتلئ بالبؤس ولأنه يريد وسائل الراحلة القاتلة وأنواع الرفاهية ويتبع خطاها كما جميع الحشد بلا وعي وبلا هدى وبتهور ..!
الأمريكي الذي يقف أمام حاجز المكوس تحت رمزهم الوطني المجيد فإن أول سؤال يطرح عليه هو كم معك من النقود ؟ فإذا لم يكن بحوزته نقود – كما يقول ميللر – بل فقط حب حرية ، فعليه أن يتمتم صلاة رحمة على شفتيه ، فإنه سيمنع من الدخول ويعود إلى المشرحة منبوذا كمجذوم .." هناك شيء واحد تمنحه أمريكا وهو ما يتفقون عليه كلهم حوله : المال " ..! بمعنى يمكن للإنسان الذي جيوبه فارغة أن يعيش في كل بقعة من العالم سوى أمريكا مهبط الماديات ..!
" ميللر " يرى أن التجربة الإنسانية التي ينشدها لن تنجح ما لم يكن هناك رجال حقيقيون " وخلف مفهوم الرجل يجب أن تكمن العظمة ، لا يوجد حزب سياسي قادر على جلب مملكة الإنسان ، يمكن لعمال العالم أن ينظموا ذات يوم إذا كفوا عن الإصغاء إلى قادتهم المتعصبين ، أخوية الإنسان " ..
ولكن يجب أن يكون الفرد إنسانا حرا وندا في الوقت نفسه ؛ فالعبيد لا يستطيعون الاتحاد والجماهير الغفيرة لا تستطيع الاتحاد والجهلة لا يستطيعون الاتحاد ، هذا الاتحاد الذي لا يحقق غايته إذا عجزنا عن إطاعة أرقى دوافعنا كما يؤمن الكاتب الأمريكي " هنري ميللر " ..

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

شيخوخة الكيان الصهيوني ..!

شيخوخة الكيان الصهيوني ..!

رفع بعض من اليهود لافطات تندد بما يمارسه الكيان الصهيوني في حربها على غزة متخذين موقفا كيهود عن رفضهم عما تمارسه إسرائيل باسم اليهود جميعا ، ذائبة إياهم تحت كيانها الصهيوني وهذا يبرز الفارق ما بين أن تكون يهوديا وبين أن تكون صهيونيا ..
مع العلم لا يتمتع كل اليهود بالامتيازات التي يتمتع بها الصهاينة وبقية اليهود ، وقد وصف الكاتب اليهودي " عاموس عوز " في روايته " قصة عن الحب والظلام " طبقات اليهود في المجتمع الإسرائيلي بأنه قد ذاق الخناق ببعض اليهود من الامتيازات المستثنية لبعض الطبقات مما حدا إلى الكثير منهم مغادرة أرض الميعاد إلى ميعاد بديل لهم وهي " أمريكا " ..
وقد أكد هذا القول المحامي اليهودي الأمريكي " فرانكلين لام " وهو من الكتاب الذي بشروا بزوال قرب إسرائيل ؛ حيث أشار في تقرير قد نشر له بأن أكثر من نصف اليهود المقيمين على الأرض يودون من مغادرة إسرائيل في الأعوام القليلة القادمة في ظل استمرار تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية لكثير من اليهود وقد أكد ذلك قائلا : " هناك نسبة كبيرة من المستعمرين الصهاينة في فلسطين التاريخية هم الآن على أهبة الاستعداد لاستعمال حقهم الطبيعي للمغادرة وفي نفس الوقت هناك مجموعة كبيرة من الفلسطينيين أصحاب الأصول التاريخية في البلاد أصبحوا ضحية التمييز العنصري وهم أيضا الآن على أهبة الاستعداد لاستعمال حقهم في العودة " ..
فالمحامي اليهودي يؤكد أن الحلم الصهيوني الذي قام في القرن التاسع عشر من أجل استعمار فلسطين كي تكون ملجأ آمنا ليهود أوروبا بعد حجة الهولوكوست أصبح اليوم في قرن الحادي والعشرين فاشلا ؛ فمعظم اليهود اليوم يرون في أوروبا وأمريكا الملجأ الآمن لهم أكثر من أرض فلسطين ولهذا بات الكثير منهم يتطلع في الهجرة إلى الغرب ..
وهو رأي يؤيده الكاتب الإسرائيلي " جدعون ليفي " في مقال له نشره في صحيفة هآرتس حين كتب موضحا : " إذا كان آباؤنا حلموا بالحصول على جواز سفر إسرائيلي للفرار من أوروبا ، فإنه يوجد الآن بيننا كثيرون ممن يحلمون بالحصول على جواز سفر ثان يفرون به إلى أوروبا " ..
ويبدو أن الأجيال الجديدة في إسرائيل ما عادت تتبع سياسة الصهاينة ولا تلقي بالا لأهدافهم في أرض فلسطين مما عزز فكرة الهجرة عند كثير منهم ، ولعل هذا ما جعلت إسرائيل تقر على ضرورة تدريس اللغة العبرية في مدارسها ، ولمزيد من الحرص والخوف يلجأ كثير من الأهالي من اليهود أولئك الذين يجيدون لغات أخرى غير العبرية ، نظرا لانتماءاتهم الأوروبية يحرصون على مخاطبة أبنائهم باللغة العبرية وحدها على الرغم أن كثير منهم يتحاورون فيما بينهم بلغتهم الأم دون أن يعلموها لأطفالهم ، وذلك خشية من هجرتهم إلى دول أوروبا وأمريكا ..
والمحامي اليهودي " فرانكلين لام " يؤكد أن تحول إسرائيل إلى دولة فاشية أضعف من أنصارها في المجتمع الدولي بل وسبب الذعر والاشمئزاز في نفوس كثير من اليهود في العالم الذين باتوا اليوم يتبرؤون من إسرائيل – الدولة التي أبادت القيم والأخلاق اليهودية العليا – حسب تعبير جماعة من اليهود المتحدين ضد الصهيونية ..
أما الصحفي " يوئيل ماركوس " فقد أشار قائلا بأن " الزمن لا يعمل في مصلحة إسرائيل ، سيحل الوقت الذي يبدأ فيه الجمهور يفهم فيه أن حكومته لا تحكم بل تحارب من أجل استمرار وجودها "
وقد عبرت إحدى فتاوي الحاخامات الإسرائيلية في نص من نصوصها مشيرة إلى أن إسرائيل تسمح بقتل غير اليهود سواء أكانوا رجالا أم نساء أم أطفالا لتحقيق غاياتها في البقاء على الأراضي الفلسطينية " اقتلوهم وجردوهم من ممتلكاتهم لا تأخذكم بهم رأفة لا تتركوا طفلا ، لا تتركوا زرعا أو شجرا ، اقتلوا بهائمهم من الجمل حتى الحمار " وهي فتوى أصدرها " مردخاي الياهو " ..!
وهذا يتفق مع ما أعلنه منذ وقت قريب الحاخام " دوف ليور " مبررا لارتكاب المزيد من المذابح في قطاع غزة وكان آخرها مجزرة الشجاعية بأن " إسرائيل مرجعنا ولذا ممكن قتل المدني بغزة دون التأكد أنه مهاجم " ..!
ولأجل استمرار وجودها فإن إسرائيل مستعدة حتى التخلص من اليهود ومن وزرائها الإسرائيليين حين يهددون خطرا على وجودها ؛ فـــ" مردخاي الياهو " أباح قتل وزراء إسرائيليين إذا ما وقعوا أو تنازلوا عن بعض الأراضي الفلسطينية ..!
وهذا ما يجعل حاليا حالات التنديد المستمرة من جرائم إسرائيل ضد الإنسانية تلك التي يعترض عليها الجيل الجديد من شباب اليهود اليوم ، موضحين للعالم الأجمع موقفهم من وحشية الكيان الصهيوني ونبذهم لكل السياسات التي تمارسها إسرائيل باسم اليهود لتحقيق مآربها الصهيونية وعدم ثقتهم بقياداتهم الإسرائيلية الفاسدة جعلهم يعلنون للعالم وللمسلمين والعرب موقفهم بكل وضوح : " نحن جيل شباب من اليهود الذين لن نصمت ولن نسمح لرؤساء الحكومات الاسرائيلية بالتحدث ونرى أن بإمكانهم أن يتحدثوا فقط في المحكمة الدولية فهي التي تحاكم مجرمي الحرب " ..
هؤلاء الشباب أنفسهم بدأوا يعون ويقتنعون أن أرض الميعاد ما عادت وجهتها في أرض فلسطين بل نحو أوروبا وأمريكا بحثا عن الأمان الشخصي والوطني المفتقد في ظل عدم وجود ثقة واحترام بين اليهود وزعمائهم الصهاينة ؛ ولهذا يؤكد المحامي اليهودي " لام " أن بعد 63 عاما على وجود الكيان الصهيوني وبإقرار معظم الكتاب من الإسرائيليين أصبح لدى قياداتهم تخوف كبير من " شيخوخة " دولتهم ومن زوال كيانهم ..
علما أن المفكر المصري الدكتور " عبدالوهاب المسيري " طرح عدة مؤشرات مهمة لقرب زوال الكيان الصهيوني وكان من ضمن تلك المؤشرات هي زيادة عدد النازحين لخارج إسرائيل واستمرار المقاومة الفلسطينية ..

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 22 يوليو 2014

يوم يغدو الشارع امرأة ينتهي سفك الدماء ..!

يوم يغدو الشارع امرأة ينتهي سفك الدماء ..!

جريدة الرؤية

في فيلم " The book of Eli " دينزل واشنطن تدخل عليه الفتاة المكفوفة فيسألها : " هل أنت مبصرة ؟ " و تجيبه : أن لا .. فيرد عليها : " من الرائع أنك لم تشاهدي هذا العالم " ..!
ما الذي يجعل إنسان له عينان مبصرتان يغبط فتاة مكفوفة لا تبصر هذا العالم من حولها كما لو أن العمى أصبح نعمة يُغبط عليها الآخر ..؟! إنها الحرب .. رحى الحروب التي لم تورث سوى الكوارث الإنسانية البشعة والهائلة حيث ويلات الروح وخسارات الجسد ..
الحرب لعنة لا تعرف متى تهجم عليك ..؟ أو كيف تهجم عليك ..؟ أو بأي حق تهجم عليك ..؟! فهي حين تأتي تباغتك ؛ كي تضاعف من هلعك ، ومن خيباتك ، وتضعك أمام واقعها الأليم لمزيد من التشفي ، وأمام ذاك الواقع تعدد خساراتك التي لا تحصى ، إما أن تكون في مرتبة المحظوظ فتغادر كابوسها ميتا قضت الحرب على كل ما فيه وأحرقت تاريخه ، لتكون في النهاية مجرد رقم في قائمة الشهداء أو الضحايا الذين غادروا وراكموا حزن رحيلهم في غمضة عين أولئك الذين نجوا .. !
نعم في الحرب إما أن تكون ميتا أو تكون حيا بروح ميتة تحصد أرواح من سلبتهم الحرب اللعينة منك ، من وجوه ، من قلوب ، من ذكريات ، من حصيلة أحلام جمعتك بهم ، من أشياء لا تعد ولا تحصى .. أي أن تلك الحرب التي تعتقد بأنك نجوت منها بجسدك فإنها لا تكف عن خنق روحك الهزيلة بوجع المغادرات فتموت في اللحظة الواحدة مئات المرات وأنت في غمرة استعادة كل ما لا يعوّض ..!
من قال إن الحرب تشبع ..؟! إنها لا تكتفي بخسائر التي ألحقتها بك بل تسعى بكل جبروت إلى التهام راحتك ، إلى قذف روحك في حالة من الشتات الأبدي ، وكلما سعيت إلى بناء روحك تجدد نفث لعنتها فيك ، إنها الحرب التي لا تهدأ ، إنها الحرب التي لا تستكين ، إنها الحرب التي عرفت جيدا كيف تشغل العالم الأجمع كي تضاعف جبروتها لتورث الإنسان مزيدا من ويلاتها ..!
الحرب هي شكل من أشكال الجنون كما يرى الكاتب " هنري ميللر " وهو نفسه الذي صنف حالة الفرد الذي يقاتل في زمن الحرب : " أن تقاتل يعني أن تعترف بأنك مشوش ؛ إنه تصرف يدل على اليأس وليس على القوة ، يمكن لجرذ أن يقاتل بشكل رائع عندما يتورط ، فهل يجب أن نحاكي القرد ..؟" ..
لعل من ظلمات الحروب أن من يديرونها ومن يكونون وراء اشتعالها يغدون في صفقة الحرب تلك مجرد متفرجين على بشر أبرياء وجدوا على حين غفلة مدفع الحرب موجهة نحو صدورهم ؛ الضحايا الذين يكونون حطب الحرب وهم لا يعلمون متى ستكف الحرب نارها عنهم فذلك قرار يتخذه الساسة ، ساسة الحرب ، فالملوك والسياسيون والرؤساء ورؤساء الوزراء هؤلاء – ساسة الحرب – لا يذهبون إلى الحروب التي يكونون مبعث اندلاعها ، أما الأشخاص العاديون البسطاء الذين لا صلة لهم بقتل الناس فهم الذين يذهبون إلى الحرب ليقتلوا وليُقتلوا ..!
فحين تعلن المصلحة أنها حققت غايتها يتباكون كمنافقين على كم الجثث التي خلفتها الحرب الطاعنة التي كانوا وراء الجحيم الذي خلفوه ..!
ولا أحد من أولئك الجنود ، المطيعين للساسة لديه الجسارة على سؤال : لماذا نسفك دماء أولئك الأبرياء ..؟ فالحرب دائما تجد حججها ودائما تتقن بمهارة في حشد أسباب قيامها ، فالحرب تدرك بمكر أن أولئك الساسة عرفوا جيدا كيف يسكبون الولاء الآلي في أفئدة وعقول جنودهم ، ترى ماذا كان سيحدث لو أن أولئك الجنود وعبر قرون التاريخ في ساحات الوغى أعلنوا العصيان ، عصيان الحرب وعصيان دمارها والوقوف في وجه لعنتها ..؟
هل من جندي ، قائد شجاع وقف في وجه حماقة طاغية ، طاغية مستبد ، غارق في الذاتية ، في جبروت الحياة وتعاليها ليعلن كسر ولائه له كي ينعش أرواحا طاهرة قدر لها أن تدفع ثمن حماقات الطغاة والمستبدين ..؟
وللشاعر اللبناني " أنسي الحاج " حكمة تستدعي الكثير من التأمل حين أعلن بقوله : " قبل أن نكره الحرب يجب أن نكره الرجولة ، هذه الكتلة الصماء ، عنتر والزير وأبو زيد الهلالي .. السيف والرمح شوارب الكرامة الكاذبة وحواجب الإرعاب الهزلي .. يوم يغدو الشارع امرأة ينتهي سفك الدماء " ..
كم يعوز هذا العالم ، العالم الغارق في ظلمات الحروب أن يعلن حالة عصيان وطنية يفرضها ضمير إنساني حي ، نابض بروح المسؤولية كي نخمد نيران الحروب ..!
ربما هذا العالم العصيّ ما عاد يثق برجال أوغاد ساهموا في دمارها وتشويه روحها ؛ فهل يستنجد العالم نفسه يوما بامرأة ..؟



ليلى البلوشي

الاثنين، 21 يوليو 2014

أن تكون كاتبا في عهد زعيم دكتاتوري ..!

أن تكون كاتبا في عهد زعيم دكتاتوري ..!

انتشرت خلال مباراة كأس العالم بين فريقي الجزائر وكوريا الجنوبية صورا لزعيم كوريا الشمالية " وهو يرتدي وشاحا لعلم الجزائر ليؤكد تشجيعه لفريق الجزائري على نظيره كوريا الجنوبية ..!
ولمن يعرف علاقات الحرب المتوترة التي تسود بين كل من الدولتين الآسيويتين الجارتين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية فلن تدهشه تصرف زعيم كوريا الشمالية الدكتاتور ..!
ويبدو أن زعيم كوريا الشمالية يسير على مبدأ ميكافيلي وهي أن الغاية تبرر الوسيلة من خلال الحرب التي يشنها على كوريا الجنوبية ، كما جاء في كتاب صادر حديثا عنوانه " عزيزي الزعيم " للشاعر الكوري الشمالي " " جانغ جين سونغ " وترجم متقطفات اعترافية منه وقيّمة المترجم " أحمد شافعي " ، في هذا الكتاب الذي ترجمه عن الانجليزية " شيرلي لي " يعترف الكاتب الكوري الشمالي والذي حظي مكانة سامقة في عهد الزعيم بعبارة مهمة بقولة : " لكي تكون كاتبا في كوريا الشمالية يجب أن تغير اسمك " فيبدأ الكاتب الحديث عن طفولته في المدرسة ، في ظل هذا الزعيم حيث تكون جل المناهج الدراسية باختلافها تعظم الزعيم الأوحد ، والتلاميذ الذين يتماهون في تطبيل هذا الزعيم هم أكثر تفوقا ونجاحا في الدراسة في وقت كان فيه ذا مستوى ضعيف في هذا الشأن ، فآخر ما كان يهتم به هو تعظيم الزعيم الأوحد في واقع لا حقيقة فيه إلا تاريخ الزعيم الأعلى الثوري ..!
وهذا الاعتراف يعيد ذاكرتي إلى الصين تحديدا في عهد الزعيم الشيوعي " ماو تسي يونغ " حين كان طلاب المدارس يعظمونه وصورته الكبيرة التي تكون في واجهة السبورة تماما كشيء مقدس كما حكت كثير من الروايات الصينية حين سقط زعيمهم الأوحد بعد ذلك بزمن كرواية الصينية " فتاة الوشاح الأحمر " للكاتبة " جي لي يانج " والتي كتبت في ختام الرواية التي جاءت كسيرة ذاتية تتناول مرحلة حياتها في عهد الزعيم ماو اعترافا بقولها : " سألني الكثير من الأصدقاء عن أسباب عدم كرهي للزعيم ماو أو للثورة الثقافية في تلك الفترة ، بعد كل ما عانيته ، وإجابتي على ذلك بسيطة تماما : كانت أدمغتنا مغسولة .." وتضيف : " بالنسبة لنا كان الزعيم ماو عبارة عن إله ، فهو يسيطر على كل ما نقرأ ، وكل ما نسمع ، وكل ما نتعلم ، ومن ثم كنا نصدق كل ما يقول .. بطبيعة الحال لم يصل إلينا إلا كل ما هو جيد عن الزعيم ماو وعن الثورة الثقافية ، وما غير ذلك كان خطأ الآخرين ؛ أما ماو فلا لوم عليه " ..
ورواية " الأزاليا الحمراء " للكاتبة " آنتشي مين " ورواية " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " للكاتب الصيني المقيم في فرنسا " داي سيجي " وغيرهم ..
وهو الكلام نفسه الذي اعترف به الشاعر الكوري الهارب من دكتاتورية زعيم الكوري الشمالي الذي حظي كما قلنا سابقا بمكانة عظيمة عند الزعيم ؛ لأنه كلف بكتابة ملحمة شعرية تعظم أهمية كوريا الشمالية وزعيمها الأوحد بالنسبة لسكان كوريا الجنوبية ، كحرب نفسية يديرها الزعيم الأوحد بوسائل قائمة على الخداع والمؤامرة ؛ باعتراف الشاعر " جانغ جين سونغ " فحين طلب منه حاشية الزعيم مهمة تأليف تلك القصيدة الملحمية كلفته في الوقت نفسه بتغيير اسمه من مواطن كوري شمالي إلى مواطن كوري جنوبي بحيث يظن الجميع كتمويه بأن كاتب القصيدة هو شاعر من كوريا الجنوبية ، وقد نالت القصيدة المدبجة التي ألفها الشاعر إعجاب زعيم كوريا الشمالية ، فأصبح بموجبها مقربا منه ، بل نال شرف أن يكون واحدا من أمراء الشعراء الستة ، والتي وفرت له حصانة فحتى أعلى سلطات جمهورية كوريا الشمالية – كما يعترف – الشاعر لم يكن بوسعها مساءلة أو استجواب أو مقاضاة أو إيذاء أحد من المعترف بهم ..
ولكنه فر هاربا حين ارتكب خيانة وتتمثل خيانته تلك والتي كلفته مغادرة البلاد هو أنه أعار صديقا له كتابا محظورا من بين محتوياته سيرة لــ" كيم إل سونغ وكيم جوننغ إل " كتبها أكاديمي من كوريا الجنوبية ، وقد تناول فيه مروقات دينية وعنيفة في أسرة كيم والتي تتناقض مع صورة التاريخ الثوري التي عرضوها أمام الملأ .. وحين علمت سلطات الزعيم بمخالفته الشنيعة والمحظورة والمنحلة لم يملك سوى النفاذ بجلده ، فقد كان الاطلاع على أي ثقافة أجنبية في كوريا الشمالية هو جريمة " انحراف " ؛ فما بال حين تصب في صلب الزعيم وتاريخ عائلته في بلد تكون فيه اللغة المستخدمة في الإشارة إلى الزعيم الأعلى معزولة عن بقية اللغة لها نحو مستقل ومفردات خاصة فــ" كيم إل سونغ " دائما " العظيم " و" العظمة " لابد أن تبقى للزعيم الأعلى وحده ..!
مما جعل الشاعر في الكتاب نفسه يعترف بصوت نابع من ضمير حازم قائلا : " أعرف أنه لا نجاح لدكتاتورية بالقوة وحدها ، قد يستعمل الدكتاتور عقيدة دينية ما تنزهه عن المساءلة وتخول له الطاعة من الجميع ، أو يعمد إلى أسطورة سمو عرقي فيعزز ولاء الكثرة لقضية أنانية واحدة ، وكوريا الشمالية ليست استثناء من الاستبداد في العصر الحديث ففيها المعسكرات السياسية الغاشمة التي تجهز فعليا على حياة الشعب الكوري الشمالية ، ولكن فيها كذلك دكتاتورية العقل ، أعني السجن السياسي الذي يخنق الفكر والتعبير ، ولا يمكن أن تنتهي دكتاتورية القوة الكورية الشمالية المفروضة على الشعب – بنظام دولة بوليسية ونظام مراقبة لا فكاك منه وخضوع حزبي تام لإرادة الزعيم الأعلى – ما لم تنته أولا دكتاتورية العقل الطاغية ..، لا يمكن للشعب الكوري الشمالي أن يتحرر ما لم يدرك كل واحد فينا أن تاريخ الزعيم الثوري لا يمثل واقع كوريا الشمالية الحقيقي " ..

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 1 يوليو 2014

أمريكا التي تؤمنون بها ..!

أمريكا التي تؤمنون بها ..!

جريدة الرؤية العمانية

" العالم تسوده الفوضى .. إذن الوضع جيد "
-       ماوتسي تونغ –
***
حكى صاحب الحكايات الغريبة والمدهشة وتلك التي تحمل رؤى علمية ومعرفية وفلسفية وتبشيرية الكاتب العظيم " إدواردو غليانو " في كتابه " أبناء الأيام " عن فقرة حكائية تحمل عنوان " أفريقياي " حيث كتب أنه في أواخر القرن 19 اجتمعت القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى في برلين لتتقاسم أفريقيا .. وكما يصف " إدواردو " عن أن الصراع بين تلك الدول الكبرى كان حافلا وشاقا للاستيلاء على الغنيمة الاستعمارية التي هم في صدد بلعها ، فهناك الأدغال و الأنهار ، الجبال ، الأراضي وباطن الأرض ، إلى أن رسمت الحدود الجديدة ، وفي عام 1885م تم التوقيع باسم الرب كلي القدرة على المحضر العام ..
الأسياد الأوربيون كانوا سليمي الذوق ولم يذكروا الذهب والماس والعاج والبترول والمطاط والقصدير والكاكاو والبن وزيت النخيل ، وفي الوقت نفسه سعوا إلى إطلاق تسمية " جمعيات خيرية " على الشركات التي تزود السوق العالمي بلحم بشري ، مع الإعلان بأنهم يعملون بدافع الرغبة في مصلحة تطور التجارة والحضارة ، وكي لا يكون هناك أي شك أوضحوا أنهم يعملون من أجل زيادة الرخاء الأخلاقي والمادي للشعوب المحلية ، وبهذه الطريقة وبهذا الأسلوب اخترعت أوروبا " خريطة أفريقيا الجديدة " مع العلم أنه لم يكن هناك أي أفريقي ولو على سبيل الزينة في اجتماع القمة ذاك ..!
هذه الرؤية الاستعمارية التي قادتها أوروبا في تلك الفترة والتي تقودها اليوم أوروبا وأمريكا جنبا إلى جنب ، بل ربما الحصة الأمريكية هي الأكبر اليوم ، أمريكا التي قامت دولتها العظمى على أنقاض هنود الحمر السكان الأصليون ، أولئك الذين كافحوا بكل ما يملكون لاستعادة أرضهم وعرضهم من الغاصبين والمغتصبين ، ولكن أمريكا لم تكتفي بسلب أرضهم بل قامت بتصفيتهم بأفظع الوسائل والطرق البشعة ، فدمروا حضارة بكاملها ، لغتها ، عاداتها ، مثلها ، طقوسها ، دينها ، انسانيتها بالذبح والتشريد والنهب ، أما الذين نجوا منهم فقد أجبروهم بكل وسائل الهوان والذل البشري على الخضوع لشروطهم فقاموا بتغيير أسمائهم وقلدوهم أسماء تنم عن الوحشية والهمجية وأجبروهم على تغيير ملبسهم وطعامهم وكل ما يمت حضارتهم العميقة بصلة ..!
أمريكا نفسها اليوم وكما ذهب الشاعر " تميم البرغوثي " في تغريدة له على تويتر : " إذا كنت من مدمني تقسيم الناس سنة وشيعة ، فإن أمريكا تسلح " السنة " في الشام ضد " الشيعة " وتسلح " الشيعة " في العراق ضد " السنة " .. فاعتبر يا بصير " ..!
لهذا لا تتعشموا خيرا يا – عرب – من أمريكا وحدقوا جيدا في تاريخها الدموي قبل أن تفكروا بذلك ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

كم هو تعيس هذا الفلسطيني .. كم هو سعيد ..!

كم هو تعيس هذا فلسطيني .. كم هو سعيد ..!

جريدة الرؤية العمانية

في وقت استقر فيه كل من " حنّه " و" ميخائيل " في بيتهم المسلوب من الفلسطينيين في القدس وأصبحوا فيه مواطنين وملاك أرض بين ليلة وضحاها وجد كل من " حسن " و" داليا " وغيرهم من الغلابة أنفسهم مطرودين خارج أرضهم ، وبيوتهم ، وأشجار الزيتون التي غرسوها بدماء قلوبهم محبة وارتواء ليغادروها ، ليرحلوا مجبورين ، مطرودين كل ما يمت واقعهم بصله وتاريخهم إلى واقع أليم غدوا فيه مهاجرين ، منفيين ، لاجئين ..!
في وقت خسرت فيه عائلة " حسن " و" داليا " ابنهما الرضيع " اسماعيل " حين قام بخطفه الإسرائيلي المدعو " موشي " ليقدمه بضمير ميت إلى زوجته " يولانتا " التي حرمت من نعمة الأمومة ، ليبدد هذا الطفل الرضيع المخطوف من عائلة فلسطينية الرتابة عن حياتهم البليدة وليحل الدمار في قلب أم " اسماعيل " والدة الطفل المخطوف ..!
في وقت عاش فيه والد " ميخائيل " اليهودي بشيخوخة كريمة في ديار سلبها أجداده من مواطنين أصليين في الوقت نفسه يقضي والد " حسن " نحبه برصاصة إسرائيلية ؛ لأنه تسلل متخفيا إلى بيته ، وتحت شجرة الزيتون التي غرسها في شبابه نام نومته الأخيرة مقتولا .. شهيدا ..!
كل ما سبق هي شخصيات روائية ، كل ما سبق هي شخصيات من روايتين مختلفتين ، فــ" حنّه " و" ميخائيل " ووالدهم من رواية " حنا وميخائيل " للروائي اليهودي " عاموس عوز " و" موشي " و" يولانتا " وكل " من " حسن " و " داليا " و" اسماعيل " باسمه الفلسطيني أو " دافيد  " حين خطفته العائلة اليهودية من رواية " بينما ينام العالم " للروائية الفلسطينية " " سوزان أبو الهوى " ..
كم من تنازلات قدمها هذا الفلسطيني ..؟ كم من أحلام خسرها .. ؟ كم من نكبة مرت عليه ..؟ نكبة الأرض والوطن والأبناء ، نكبة الروح والتشرد والجوع والأسر وخراب الديار ، هذا الفلسطيني الذي أصبحت أشياء بسيطة تسعد قلبه المثقل بركام الأوجاع هو نفسه الذي حين يجتاز حاجز يشعر بالسعادة ، وحين يعود التيار الكهربائي يشعر بالسعادة ، وحين يملأ سيارته بالبنزين يشعر بالسعادة ، وحين يشحن هاتفه بالرصيد يشعر بالسعادة وحين ينزل الراتب يشعر بالسعادة إلى لا آخره ـ. هذا الفلسطيني الذي يشعر بالسعادة لأمور هي حق من حقوقه أولا كإنسان وثانيا كمواطن في بلده ، ولكن حين قام الآخرون بسلب وطنه وسط خرس العالم .. هذا الفلسطيني الذي تصالح مع واقعه المر كي يتحمل مرارة كل ما خسره .. لهذا عزم أن يتجاوز خرس العالم بصناعة سعادته ..!
كقارئة حين قرأت الروايتين ، الرواية اليهودية والرواية الفلسطينية شعرت بغصة عميقة في قلبي ، غصة إنسان يرى كم أن هذا العالم غير منصف ، كم أن هذا العالم البشع يلتهم حقوقك بسهولة تامة ، كم أن نكرانك لمغتصبيك هي حرب خاسرة ، هي حرب مكلفة ، هي حرب تخرج منها مقتولا ؛ فهذا العالم الكبير على مصالحه والصغير على مصالحك لن يمد يده لك ، ولن ينصفك ، ولن يأبه بك ، أو بقضيتك ، على الرغم من أنه يتحدث باسمك وباسم أهلك وأرضك وقضيتك أمام الحشد ، الصوت نفسه والنبرة نفسها تتغير بمجرد ما يكون أمامك في العتمة بعيدا عن الحشد والأضواء .. وتلقي بالعروبة التي تغنى بها أجدادك طوال تلك القرون السالفة خلف ظهرك ، فالزمن العقرب علمك معنى أن تكون متوحدا تنافح عن أرضك وعرضك وحدك وبأساليب قد تنبذها ، ولكنها الطريقة الوحيدة نحو الخلاص ، نحو حرية ما ، نحو إنسانية ما ، نحو حياة ما في وسط معترك مظلم كتلك القلوب التي تخلت عنك ..!
كم هو تعيس هذا الفلسطيني .. كم هو سعيد ..!

ليلى البلوشي