الاثنين، 12 يوليو 2010

فتاة صغيرة اسمها روان


" سأضع يداي على رأسي حتى لا أكبر " *
كتبت هذه العبارة في مقال لي كان بعنوان " شيخوخة ماركيز " ، هذه العبارة التي استفتحت بها المقال هي مقولة تلك الطفلة في قلب كعكعة ميلادها ..
الأطفال ملهمون حقيقيون لأشياء كثيرة في الحياة ، ولعل من أكثرها أهمية : " البراءة " التي نكتسبها من صحبتهم ، وقيم أخرى تتيه عنا في زحمة الحياة ...
* الصورة لابنة أختي في يوم ميلادها الذي كان البارحة ..

الثلاثاء، 6 يوليو 2010

الخلطة السرية لأسطورة سلفادور دالي ..


الخلطة السرية لأسطورة سلفادور دالي ..

" إذا كنت تقوم بدور العبقري فسوف تصبح عبقريا في يوم من الأيام "

هكذا كان ديدن سلفادور دالي السريالي الذي قلب الفن رأسا على فوضى ، لا قوائم ولا مساحات ولا أحجام ولا أشكال ، مكونا عالما افتراضيا متلونا بالأحلام الصاخبة والملامح الغرائبية أشبه ببهلوان يسير بقدميه على حبل متدل ، بينما يداه تصبغان على أعين العالم أسطورته الشخصية بدهشة كبيرة ..
هذا الفنان العبقري المجنون الهذياني الذي شعر بالإهانة في طفولته ، حينما اكتشف أنه ليس سوى نسخة عن شقيقه الذي فارقه قبل ولادته بعامين ، وكان يرتدي ملابسه ، يتكلم ويمشي مثله ويحلم كما كان يحلم ، ولأن شقيقه مات بعد نزلة برد حادة جعلت نظرات عائلته الثاقبة تترصده خشية أن يكون مصيره كمصير سابقه ، فكانت تصيح فيه باستمرار :" سلفادور فليبي جاسانتو " لا تمت مرتين ! " ..
دالي هو صاحب نظرية " البارانويا النقدية " وكان يسير على خطى سرياليين المقدس " لا شيء هو كل شيء " ، عزى البعض أسطورته إلى مسمى " جنون العظمة " وهو الذي لم ينف عن نفسه التهمة حين ذكر في إحدى صفحات مذكراته قائلا : " ما أكثر الناس وبخاصة في أمريكا الذين يسألونني عن الطريقة المثلى للنجاح ، وهذه الطريقة موجودة واسمها عندي " طريقة جنون العظمة في ذروتها " أو " البارانويا المتأزمة " ، اهتديت لأكثر من ثلاثين عاما وأمارسها دون أن أعرف حتى هذه اللحظة ، ماذا تكون ..؟ " ..
لكن أسطورته لا تعزى إلى - جنون العظمة - بقدر ما تعزى إلى قانون كوني بدأ يشق دربه المضيء بقوة في فضاء العالم ، يعرف هذا القانون بـ " طاقة الكون " أو بـ" قانون الجذب " ، هو قانون عجائبي ذا طاقة هائلة ، يعمل كمغناطيس جاذب ، ويستطيع من خلالها الإنسان أن يجذب كل الأمور والأمنيات والأحلام التي يريدها إليه ، وفق أفكار يعقد بها سلسلة حياته كيفما يرغب ، فلكل فكرة تردد يبثه الكون ، وحين يطلب الشخص ، فإن أفكاره تتحول إلى وقائع ملموسة من خلال ثلاث كلمات مختصرة هي : " اطلب " ، " آمن " ، " تلق " ..
ومن خلال قراءتي لكتاب " السر " رأيت أن سلفادور دالي هو أكثر شخصية يمكن من خلالها أن نستنتج قوة هذا القانون وفعاليته ؛ فمعظم أفعال المنجزة في حياته كانت أقوالا مقترنة بتنظيم دقيق ، حتى غدت أفكاره الخطيرة تلك التي كانت تتملكه ثمارا آتت أكلها ، ومن تلك الأقوال التي اقترنت بالأفعال :

* " كنت أحب أن يقول الناس عني " سلفادور دالي " رسام لا يمكن نسيانه ، فقد كان يعنيني أن أكون " سلفادور " الذي يولد يوم يموت " هذا الاسم الذي يتموسق حتى الآن على ألسنة الجميع باحتفاء بالغ ، وادعى مثال على ذلك لوحاته التي تناثرت اليوم كتاريخ في عواصم العالم تحكي عن حكاية هذا الإنسان العبقري ، فعند متحف " لوهافر " الفرنسي عبارة ذهبية اللون تقول : " هنا جناح الاسباني الكبير " سلفادور دالي " الرجل الذي كان يرى في كل زائر له صديقا ، وفي كل صديق لوحة ، وفي كل لوحة خيال غض وشاسع نحو ما لا نهاية " .

* " إذا كنت تقوم بدور العبقري فسوف تصبح عبقريا في يوم من الأيام " .. وقد لمسنا هذا المفهوم متجذر بقوة عميقة في حياة " سلفادور دالي " الحافلة بالأقوال التي اعتاد الإقرار بها بين حين وآخر ، يتداعى من خيال خلاق ، ذاك الخيال الذي لبس واقعه وكأنه الواقع نفسه ، فقد طمح في يوم من الأيام أن يكون في شهرة " نابليون بونابرت " ، ومذ ذاك لم تترهل طموحاته عن الازدياد والنمو ؛ ولأنه لم يكن مثل الكثيرين محاطا بسر هذا القانون الذي كبر من خلاله طوال أعوام التي أعقبت ؛ فقد عزى مثل الكثيرين أسطورته إلى " جنون العظمة " معتقدا كذلك لأنها ؛ وكما كان يرى وراء دفق نجاحاته المتتالية في عوالم الفن ، تلك الطاقة الهائلة التي كانت تنبعث منه مقيدة أفكاره إلى طريق التحقيق ، كما كان يرغب بها تماما ..

* " لم أكن أطيق فكرة أن لا يتعرف علي الناس " فعلى مستوى علاقاته كان شخصا يجر خلفه أضواؤه الصاخبة ، فهو لم يطق فكرة ألا يتعرف عليه الناس يوما ما ، وقد كانت أقواله لا تناقض رغباته ..

* خطط أن يكون مليونيرا ، حتى أن " أندريه بريتون " اتهمه بـ" عبادة الدولار " ، فرد عليه دالي بأن حكمته منذ الصغر نصحته أن يسعى رويدا لأن يصير مليونيرا ، وقد أضيف حلمه هذا إلى حيز التحقيق كما خطط بإرادته ..

* كما كان يسعى إلى تسلق الكمالية ، و يشير " تشارلز هانيل " وهو أحد المشاركين في تفسير نظرية قانون الجذب قائلا : " الحقيقة المطلقة هي أن ضمير " الأنا " تام وكامل ؛ وأن ضمير " الأنا " الحقيقي هو روحي ولا يمكنه بالتالي أن يكون أقل من مثالي ؛ ولا يمكنه مطلقا أن يعتريه نقص أو قصور أو مرض " ، وكان هذا الضمير نغمة دالي التي كثيرا ما كان يدندنها في حياته قائلا : " أنا أؤمن بأني أعظم رسامي عصري " وقوله كذلك : " أنا خال من العيوب، أنا السريالي الوحيد غير المنتمي، لم ينجح لا اليمين ولا اليسار في إغوائي " .. وبشهادة فرويد الذي قال عنه : " لم أرى في حياتي لاسبانيا أعظم كمالا من سلفادور دالي " ..

* ولأن من أولويات هذا القانون أن يكف الإنسان عن ترديد الأفكار السلبية ، وغرس عوضا عنها أفكارا ايجابية باستمرار ثم مصّها من طاقة الكون ، فقد كان سلفادور يبدأ يومه بلذة لا تضاهى : " حين استيقظ في الصباح، اختبر لذة لا تُضاهى: إنني سلفادور دالي ، وأسأل نفسي ما الذي سيفعله اليوم هذا الإنسان المعجزة، سلفادور دالي" .. فكيف تتوقعون صباحات رجل يدلل يومه بلذة يسيرها له الكون بلمسة منه ..؟!

من هنا نستطيع القول بأنه كان أنموذجا إنسانيا يتمتع بصحبة نفسه متدفقا بالحب ، فانعكس ذلك بحبور كبير على كل العوالم التي كانت تحيط به من حوله ، والتي جلبها بملء إرادته ..
هذا هو " سر " هذا الفنان العبقري الذي استحق عن جدارة حياته الحافلة بالإثارة ، ودهشة الانجاز ، والتميز الابتكاري ، ونيازك الشهرة والثراء والحب ، وكل ذلك كان نتاج أفكاره التي ارتقاها سلما سلما ، كان يطلب ويؤمن ويتلقى ببساطة مطلقة ..

الاثنين، 28 يونيو 2010

بحب أقول : شكرا للجميع خصوصا للمتلصصين


بحب أقول : شكرا للجميع وخصوصا للمتلصصين

أحب القراء على قلبي هم القراء العاديون ، أولئك الذين يسألونك ببراءة كبيرة عن معنى كلمة أو عبارة غامضة على معجمهم الشخصي ، وسأترك جانبا المتابعين من الأدباء والأديبات ليسجوا إعجابا عابرا أو ليناقشوا في قضية عامة أو خاصة خطرت على خواطرهم ..
بعض المقالات يصلها كم هائل من الرسائل المغلفة الكترونيا وبعضها أقل ، ولكن نسبة لا بأس بها ترسل لي رسائل صفحاتها أكثر طولا من الموضوع الذي نشر فأقول في نفسي : " اللهم زد وبارك " .. احترم هؤلاء ، أقدر بشدة الوقت والجهد والتركيز الذي خصصوه لي ، أعجب بحماستهم المفرطة في طرح وجهات نظرهم .. وأحيانا تصل إليك ردودا عن مواضيع قد مر على نشرها وقت طويل حتى تناسته الذاكرة ، لكن طارقا بريدك كطيف غيمة أعاد ذاكرتك إليها وتتذكر أننا في عالم عولم كل شيء بطريقة مثيرة حقا ..
المسائل تتفاوت ولكن هناك قراء في النهاية يخبروني بأن موضوعي الفلاني نشر في الصحيفة الفلانية ، والحقيقة أقول أعرف من خلالهم أن موضوعي نشر ..
دون أن أسقط من شكري هذا ، أولئك الذين ينتشلون كتاباتي التي انشرها في الصحف أو في مدونتي ، فأراها على حين صدفة وهي موقع عام أو في مدونة خاصة أو معادة نشرها في صحيفة لم اسمع بها أو مواقع لم أتوقع أن أرى قلمي مبحرا فيها ، بعضهم يدق بريدي ليستأذن بأدب جم وبعضهم ينشر ثم يبعث لي بحب كبير الموقع الذي نشر فيه ، وبعضهم يستولي عليها دون علمي مع حفظ الحقوق طبعا ، لهذا حين ترون كتاباتي في مكان ما عدا مدونتي اعلموا أن زائرا مر من هنا ووضعه هناك ، وأنا على يقين أن غايتهم من ذلك سامية ..
لكن من أكثر المواضع التباسا حين نشرت مقالا في صحيفة ورقية واتفاجأ في اليوم التالي برسالة من إحدى زميلاتي تثني على المقال الذي قرأته ذاكرة اسم صحيفة أخرى ، أخذتني الدهشة يومئذ ، وكان يجب من أن أصحح موقفي لرئيس التحرير الذي نشر لي الموضوع نفسه بيوم أسبق فبررت ذمتي واعترفت له ببراءتي المطلقة من هذا ، ويبدو أن ظني كان في محله ومرافعتي لنفسي أفادتني كثيرا لتصحيح موقفي ؛ فرئيس التحرير قال لي : " أنا أيضا تساءلت وأخذتني الظنون " .. وما أبشع الظنون حين تجرفنا مع تياراتها ..!
أشكر كل قرائي الأعزاء ، وكل قارئاتي العزيزات - وما أقلهن - ولكن لا أنكر وجودهن رغم قلتهن البتة .. وأحيانا للنساء أسباب غريبة للمتابعة ، ومن أغرب ما سمعت حين عبرت قارئة ما في يوم ما اعترافها لمتابعتي ؛ هو أنني أضع في صورتي الشخصية حجابا ( شيلة ) قد أعجبتها لونها ..! وهي قارئة ليست عادية على فكرة ، بل شهرتها غدت تفوق شهرتي بكثير .. وأنا ممتنة لها كثيرا بما أننا نتحدث عن فضائل القراء ؛ فهي من أنشأت لي هذه المدونة بحب كبير وبقلب أكبر .. فشكرا لها كثيرا جدا ..
وأشكر هداياهم كذلك ، أعني بها ثناؤهم الطيب واحفازهم لي على المتابعة في درب الكتابة الشاق وثقتهم بي ، أشكر قرائي على وصلات الموسيقا الميلاد التي وصلتني في عيد ميلادي الماضي ، ولا اعرف حتى اليوم من أين عرفوا بأني من مواليد شهر فبراير ونحن في زمن لا يذكر فيه الأقرب إليك من الحبل الوريد تاريخه ..؟!
واذكر قارئا أديبا أرسل لي معزوفة راقية وهو يحثني على الهدوء الذي اتصف به ، وبما أني لا استمع للموسيقا وخبرة ضئيلة جدا في هذا المجال أخبرتي ابنة أختي أنها معزوفة لعازف عالمي يدعى " ياني " ، والحق أقول إنه بهرني حتى لكأنني شعرت وأنا استمع إلى عزفه وكأني على سطح بناية كبيرة يصل طولها عنان الغيم وحيث رحابة السماء أتنفس هدوء الحياة ، والحق أزيد بأني مع الموسيقا الهادئة والرقيقة حتى علماء النفس ينصحون بها بشدة ، تلك التي تساعد على الاسترخاء والتأمل والتفكر ، وضد الأغاني الرخيصة جدا ، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع ..
كما بعثت لي قارئة ويبدو أنها تتابعني باهتمام وعرفت جيدا مدى اهتمامي بالأدب الياباني حاليا ، فبعثت لي مقطوعة غنائية لمغنية يابانية تدعى " shimatani hitome " كما كتب ، وقد أعجبتني موسيقاها وشكلها الخارجي لوجه أنثوي يوحي بالأنفة والإغراء الصامت ( انظروا إليها في الصورة أعلاه أليست فاتنة ) ، رغم أنني لم افهم شيئا من كلماتها اليابانية المنسابة بصخب شلال .. والموضة الدارجة الآن بين المراهقات هو حمى متابعة الأفلام والمسلسلات اليابانية ، فالتركية يشاهدها اليوم أصحاب الدقة القديمة ووالدتي إحداهن ..
ولا يفوتني شكر المتلصصين ، أولئك الذين يقتفون أثرك بدأب غريب ، من زاوية ما في هذا العالم يطلّون عليك بخفّة لص ماهر ، يكتمون آراؤهم ، يحتفظون بها في خزائن أنفسهم ، فهي ثمينة بالنسبة لهم ، أثمن من أن يبدوا بها ، وحيث هم أرحب بهم بامتنان كبير ..
ولن انس فئة الآباء والأمهات الرائعون ، أولئك الذين كنت أقرأ في رسائلهم اهتماما مفرطا وحرصا عميقا على تربية أبنائهم بطريقة مثيرة للاهتمام ، أولئك الذين اعتقدوا حين قرءوا مقالاتي في أدب الطفولة بأنني خبيرة في تربية الصغار ، فإحداها تسألني عن كيفية تعامل مع طفلها الذي يشتم ، وآخر يبغي نصيحتي لتربية طفلته العنيدة ، وآخرون يتوقعون بأن أطفالي سيكونون سعداء الحظ معي - " فليأتوا أولا " - لكني أخشى أن أقول كما قال " جان جاك روسو " : " قبل أن أتزوج كانت لي ست نظريات في تربية الأطفال ، أما الآن ، فعندي ستة أطفال ، وليس لي أي نظرية في تربيتهم " ..!
أريد أن أعلمهم بأن كل آرائي عن الأطفال هي شخصية وأنني أطرحها من معين آرائي الذاتية ، وإذا ما كانت ذا فائدة فسأكون ممتنة حقا ..
لكن أحلاها على قلبي تلك الدعوات الطيبة التي يرسلها سهام قلوبهم الحنون إلي ّ حيثما كانوا ..
وصديقاتي دائما وإلى ما لا نهاية ؛ فهن مظلتي حين السماء تهطل حمما ..

وليس آخرا أهمس لكم بصدق : في هذه الحياة لن ترى رفيقا أكثر وفاء وصدقا وعرفانا وحرية من كتاب وقلم وشاشة حاسوب ..
الحياة تستحق منا كلمة امتنان ؛ الحمد لله ..
والنصيحة بجمل ..

الخميس، 24 يونيو 2010

أنا فلسطينية


أنا فلسطينية

لي جوقة من الصديقات من أهل الشام ، من فلسطين تحديدا دائما يلححن علي الذهاب إلى أعراسهم ، ولا أبالغ كن يرسمن لي بخيالاتهن الجامحة مدى روعة مناسباتهم الاجتماعية التي تختلف كليا عن مناسبات أهل الخليج ، مذ يومين تحديدا عرفت مدى سذاجتي ومدى تفويتي لفرص جميلة في الحياة ، أحيانا المرء لا يستغلها بشكل جيد ..
فقد اتصلت علي صديقة مقربة وقالت لي جهزي نفسك بعد ساعة سأكون واقفة أمام باب منزلكم ، وأغلقت كل بيباب الأعذار في وجهي معللة قولها ؛ بأنه زفاف أعز صديقة لنا وكلهن سيحضرن ..
في البداية اعتقدت بأني سأكون غريبة ؛ لأن جميعهن من فلسطين وسوريا ولبنان ما عداي طبعا ، ولكن أول ما دخلنا في أجواء العرس الفلسطيني تلاشى كل التردد الذي كان محيطا بي ، وشعرت مع الدبكة الفلسطينية وهي تزف العريس والعروس وكأنني في قلب فلسطين ، بعد أن قدم العريس العروس ذهب تاركا إياها مع قريباتها وصديقاتها ليرقصن على راحتهن ، فالعروس ترقص لتعبر عن فرحتها وعار كبير إن لم تفعل ذلك على نقيضنا نحن أهل الخليج ، وحتى الصديقات يرقصن ، وأنا جالسة في مقعدي وسط تلك الزوبعة تقدمت مني امرأة خمسينية – عرفت فيما بعد أنها أم العريس – خاطبتني والبهجة لا تسعها : ليه ما ترقصي يا بنتي ، وومي انبسطتي لصاحبتك ..
قلت لها مجارية لكنتها : مَعْرَفِشْ ارقُص ..
قالت على مسامعي : يا حيف عليكن يا بنات فلسطين والله الغربة وعمايلها ..
.......................!
المدهش حقا أن أهل العرس اعتقدوا بأني فلسطينية ، وهي المرة الثانية التي يصادف فيها وصفي على أنني فلسطينية في هذا العام تحديدا .. !
لكن يشرفني حقا ، أن انتمي إلى أرض أنجبت محمود درويش ، وناجي العلي ، وغسان كنفاني وإلى لا آخره ..
" انبسطت عن جد " .. قلت لصديقاتي الفلسطينيات ، والتجربة قابلة للتكرار في المستقبل ..

الثلاثاء، 22 يونيو 2010

لماذا فرضت قصص الأطفال نفسها على مسرح الطفل ..!


لماذا فرضت قصص الأطفال نفسها على مسرح الطفل..!

القصة القصيرة مصدر أدبي تثقيفي مهم جدا للطفل لتنمية جوانب السرد لديه، ويشكل جنبا إلى جنب مع الشعر ثنائيا رائعا محببا لقلوب الأطفال.. ولكن ما الذي جعلهما أعمدة أدب الطفل..؟!ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القصة في بعض الأحيان كثيرا ما تحل محل الكتاب المدرسي الذي يرفّه عن الطفل ، بل هو مهربه الوحيد المتوفر أمام الطفل كوسيلة تسلية ولعب بموافقة الآباء ؛ فهم يطمحون بأن يكون أطفالهم على درجة من الذكاء ، وعلى قدر من المعرفة والثقافة ، وهم على إدراك تام أن ذلك لن يتأتى إلا من خلال توفير قدر من الثقافة المتوفرة لتحقيق هذا الأمل المرجو ، لهذا تكون القصص المنشورة هي بديل يقدمه الكبار لصغارهم من أجل تثقيفهم ، فبما أن الطفل يهرب من كتبه المدرسية ، إذن لا حل في رفع مستواه الفكري ، إلا من خلال ما ينشر لهم من فنون السرد والشعر..ولا عجب إذن أن تحتل فنون القصة والشعر المراكز الأولى من أهمية للطفل ، فهو لا يوفر ما يريده بنفسه بل رغبات الكبار هي التي تفرض عليه ما ينبغي قراءته ، وهنري ميللر من الكتاب الذين أدركوا هذا الجانب حين حكى عن طفولته مع الكتب قائلا: "الكتب التي يقرأها المرء وهو طفل مفروضة عليه، محظوظ الطفل الذي لديه أبوان حكيمان"..وبما أن القصص يمكن توفيرها بسهولة بغض النظر عن جودتها ، والشعر الغنائي تبرعت بعض قنوات الأطفال المذاعة للأطفال في انتشاره بينهم ، ولعل أشهر تلك القنوات هي "الجزيرة للأطفال ، وmbc3 ، وطيور الجنة، وبراعم، ونيكولوديا، واسبيس تون...الخ" ، مما لا شك فيه أن الفضل يعود لمعظم هذه القنوات في إرساء شعر الأطفال وتمريره بشكل سريع بين هذه الفئات ، مع الإشارة إلى أن الطفل حين يمارس هذه الفنون يمارسها بجهد فردي ، فالآباء لن يضطروا حين يقدموا لطفلهم الذي يجيد القراءة والكتابة قصة بتبديد أوقاتهم لقراءتها له ، ولا أن يقضوا ساعات طويلة أمام التلفاز مع أطفالهم وهم يستمعون للأناشيد المطروحة ، لهذا كانت القصة وكان الشعر بديلا سهلا التوفر وخاضعان لشروط يريدها الكبار..!بينما مسرح الطفل وسينما الطفل ظلما في منظومة رغبات الكبار؛ نتيجة حاجة هذين الفنيين إلى تكاتف الكبار مع صغارهم ، فالمسرح له مكان خاص يذهب إليه الصغير كي يشاهد ما يعرض على خشبته ، وكذا الحال مع السينما ، فهل الكبار سيخضعون لصغارهم حينئذ في عصر تسبقه مبرراته..؟!في العام الماضي ضمن فعاليات الملتقى الأدبي للشباب في البريمي 2009م عرضت ضمن جدولة هذه الفعاليات مسرحية للأطفال للكاتبة "حصة البادي" ، ولكن حين حضرنا لم نجد إلا عددا ضئيلا جدا من الأطفال للأسف..!وهذا حال معظم مسارح الطفل في معظم الدول العربية ، باستثناء حين عرض على مسرح الطفل في الإمارات شخصيات "أم خماس" على مسارحهم بعد أن كانت شخصيات كرتونية في التلفاز ، اكتظت مقاعد المسرح حتى لم يجد الجمهور مكانا لموطئ قدم ؛ والسر ليس في اهتمام الكبار لرغبات أطفالهم بقدر اهتمامهم برغباتهم الشخصية ؛ لأن هذه الشخصيات حصدت قدرا كبيرا من الشهرة وغدت محبوبة بحيث ناهضت حافز الكبار قبل الصغار لمشاهدتها..!هنا نشير إلى التظلم الذي يتعرض له الطفل العربي في كل مكان ، فهو طفل خاضع لقوانين الكبار ورغباتهم..!وهل هناك وعي كاف من المجتمع ناهيك عن دور المدارس الحكومية للأطفال..؟!قلة من يعي أهمية أخذ الطفل للمسرح وأقول "أخذ" عوضا عن "ذهاب" ؛ لأن الطفل عاجز عن الذهاب بنفسه والكبار هم من يقومون بهذه المهمة ، وأهمية السينما لما يوفره من فنون جديدة تساهم بشكل جدي في ارتقاء العقل ؛ فهي فنون تحاكي البصر والسمع وتدعم أخيلتهم بشكل ايجابي ، ولكن الوعي المجتمعي ما يزال قاصرا عن أهمية كل هذا ، وهذا القصور امتد إلى مدارس الأطفال ، ومن ثم إلى بيوت الأطفال.. أوليس من الضروري على المجتمع أن يوسع حلقات اهتمامه بالطفل في إرساء أهمية المسارح لدى هذه الشريحة ، هذا إلى أهمية دور المدارس في توفير مسرح لهم ، فمعظم المدارس لا تولي أدنى أهمية بتثقيف هذا الجانب عند الطفل ، بل بعضهم يرى أن في هذا مضيعة للوقت وللحصص الدراسية ، ولعل المعلمين لا ذنب لهم حين لا توفر المدرسة فسحا لإرساء مثل هذه الفنون ، في المقابل ترى المدارس إلى أن التقصير ليس منها ؛ لأن هيئات وزارة التربية والتعليم أقصى ما يهمها هو سير على خطط جدولة المناهج التدريسية..!بل إن معظم الأنشطة المطروحة للصغار هي نفسها درجت عليها الأجيال السابقة ، ويبقى التجديد فقط قاصرا على المناهج الدراسية ، متناسية هذه الهيئات أهمية الفنون الأخرى من الرسم واللياقة البدنية والمسرح والسينما وصحافة الطفل إلى أن تكون وسائل تطبيقية تساهم بشكل ايجابي كبير في تخريج جيل طفولي بنّاء يساهم في نهضة الوطن..فإذا كان الأمر كذلك ثمة بدائل أخرى لغلق باب الأعذار ، فالمدارس من المفروض حين يتناهى إليها وجود عروض مسرحية مقدمة ، عليها أن تسعى إلى اقتناص هذه الفرص ، بتدعيم رحلات تشجيعية لمشاهدة عروض هذه المسارح من خلال استدعاء الصغار من مدارس مختلفة لهذه الفعاليات ، فهي في النهاية مقدمة لهم ، كمنهجها التشجيعي الذي تتبعه في تنظيم رحلات للطلبة إلى معارض الكتاب التي تقام في كل عام ، وبهذه الطريقة سننمي عند الطفل في هذه المرحلة المتقدمة من حياته أهمية وحب فن المسرح وضرورته ، وهذا يحقق عدة فوائد ، لعل من أكثرها أهمية هو تشجيع ممثلي مسرح الطفل وعروضهم وتحسيسهم باهتمام المجتمع لما يقدمه ؛ فهنالك متابعين لهم من الصغار والكبار على حد سواء ، وهذا التحفيز بدوره ينشّط من الحركية المسرحية على ساحة الطفل في تقديم عروض على درجة من الأهمية والجودة وتفعيل أنشطتهم في هذا الجانب ككل ، بل إن استيعاب الطفل لهذه الحالة الحضارية وتعويدها عليها في كل مرة قد يجعله ناقدا لما يقدم له من عروض .. ومن جانب آخر يمكن أن نتساءل: لماذا لا يسع الكبار في مسرح الطفل إلى تشكيل فرق مسرحية ، تقوم بعرض مسرحياتها على خشبة مسرح الطفل في المدرسة ، وهذا التساؤل هو دعوة بمثابة اقتراح قابل للتنفيذ من قبل لجان مسرح الطفل بالاتفاق مع المدرسة..بينما سينما الطفل ، فهو غالبا منسي في عقلنة الطفل العربي ، وليس هذا من الدهشة في شيء ؛ فنظرة بعض الآباء قاصرة له ، فهم يرون إلى اليوم بأن السينما فن معيب ويعرض ما يخدش للحياء ، وهذا خلق نوع من التخوف بين تلك العقليات المسطحة التي يتسرب إليها بسهولة كل ما يتناهى إليها ، وأشدد هنا إلى أهمية دور المدرسة في تحسين هذه النظرة ، واستبدالها من خلال توفير فرص للصغار بارتياد هذه الأماكن ؛ كي يكون فنا كأي من الفنون المطروحة له .. فكيف يريدون إنشاء جيل من ممثلي المسرح والسينما على درجة عالية من الموهبة وهذه الفنون مذ نعومة الصغار مفقودة ، بل تعد فنونا جديدة بالنسبة لهم ، لم يتعودوا عليها ، ولن يتقبلها معظم الناس كمواهب يمارسها أطفالهم رغم أصالة المبدأ..؟!إذن فلنعوّد صغارنا على فنون جديدة ؛ لنخلق عقولا جديدة مسايرة لروح العصر ، مع التشديد على أهمية جودة ما يقدم له ، إلى جانب أهمية توفير قدر من الحرية للطفل في اختيار ما يريد دون تدخل من الكبار أو فرض رغباتهم عليه ، و هي من أبسط حقوقه لتكون له كينونة مستقلة .. ولا ننس قط إلى أن أطفالنا في دول الخليج العربي ، يعيشون في أجواء صحية ومستقرة على كافة الأصعدة ، وذلك كفيل بحد ذاته في خلق سمو فكري سليم..

السبت، 19 يونيو 2010

سقوط الملاك


سقوط الملاك


" قدّر الشخص الذي يتميز بالجمال ، أن يتقبّل كل قبح العالم "


يوكيو ميشيما

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

حكاية الجنس اللطيف في اليابان


حكاية الجنس اللطيف في اليابان *

حين تقرأ في تاريخ اليابان تستولي عليك دهشة مفرطة عن سمو هذا التاريخ سليل إمبراطوريات شتى كان لها التأثير الأكبر في قلب العالم ، وحين تمعن النظر إلى تلك العادات المتأصلة ، البراقة كسيف ياباني يعزز مكانة صانعه الذي نقش عن دراية كبيرة شهرته على مقبض سلاحه ؛ ليثير الجدل عن حدته وعن أصالته المطلقة حتى اليوم ..
تناهى إلينا الكثير عن نظام الحياة في اليابان ، عن التزام شعبها بقوانينهم مهما غدت صارمة ، وهو التزام جبل عليه الجميع الصغار والكبار والشيوخ .. وذلك ليس بغريب على شعب يعيش على أربع كلمات كما أشار المعالج النفسي " إبراهيم الفقي " في إحدى برامجه المذاعة وهي : " صباح الخير " ، " كيف حالك " ، " التحسن المستمر " ، " المرونة التامة " ..
وحين تدنو من الرجل الياباني والمرأة اليابانية ترى حياة حافلة بمتغيرات عديدة ، تجد تناقضات صارخة كانت سائدة في العلاقة بين الرجل والمرأة ؛ بينما أعنف تفريق على مستوى الوظائف بينهما هو أن معدل أجر المرأة أقل بالنصف من معدل أجر الرجل ، وعلى مستوى العلاقات الجنسية فإن المرأة اليابانية مطالبة بالوفاء لزوجها والإخلاص له ، بل إن بعض العادات تحتم على المرأة المتزوجة ألا تتبرج ولا ترتدي ملابس جميلة أمام رجال آخرين ، وقد تبالغ إحداهن حتى يصل بها الأمر إلى تلطيخ أسنانها البيضاء بالفحم ؛ كي لا تلفت نظر الغريب إليها ، ويعد اتصال الزوجة بأي رجل من خارج العائلة أمرا خطيرا ..
بينما الرجل يمارس كافة حقوقه بحرية مطلقة ، فليس من الغرابة أن يرفّه الرجل عن نفسه بقضاء بعض الوقت في إحدى البارات قبل أن يذهب إلى منزله ، والمدهش أن نظرة اليابانيين إلى هذه الخطيئة باعتبارها في مقام تناول وجبة طعام الذي يتمتعون به في المكان المناسب ، فلم تعد قضية تعدد العلاقات الجنسية مشكلة في حد ذاتها أكثر من الشذوذ الجنسي ؛ لأنها علاقات يبيحها المجتمع .. !
ولا تتوقع مطلقا ثناءً من الرجل الياباني على المرأة اليابانية ، بل إنه يوصمها أمام الآخرين بـ " الزوجة الغبية " ؛ انتقاصا لشأنها ، وردود أفعاله تجاهها تكون جافة ومقتضبة ، هكذا كان سائدا في الطراز القديم وعند بعض الأزواج في الوقت الحالي ، والرجل الياباني ليس كالرجل الغربي فهو لا يوصف مشاعره علانية تجاه زوجته في الأماكن العامة ، ولربما ذلك راجع إلى أسس الزواج في هذا المجتمع ، فالزواج يكون تقليديا يتولاه الأبوين باختيار الفتاة لابنهم وفي حال الموافقة يتم اجتماع الأسرتين ؛ كي توثق بينهما الصلة لإتمام الموضوع وليس من الضروري أن يكون أساس التوافق في الزواج راجعا إلى إعجاب متبادل أو وجود رابطة حب ، فطالما كان الزواج محددا باحتياجات الأسرة وليس نتيجة وجود صلة إعجاب أو حب بين طرفين فهو بحد ذاته كافيا ، ورؤية كل منهما الآخر قبل الزواج ليس شرطا أساسيا ، بل تقوم مقامها عادة صورة متبادلة بين الأسرة الخاطبين ..
والأسرة اليابانية تحرص على تربية الفتاة وتنشئتها تنشئة صالحة ؛ لتكون عنصرا قيما لا تشوبه شائبة في سوق الزواج ، وهذا حدا بعض الفتيات إلى إهمال دراستهن الجامعية التي تتعدى أربع سنوات من أجل الزواج والتفرغ له ..
والفتاة حين تتزوج ، بعض الأسر اليابانية يعدونها بمثابة الميتة ؛ لأنها تكون طيعة في يد حماتها ، وهي حين تكون زوجة تتقلص حياتها الاجتماعية وتكرس حياتها بإيثار تام لرفاهية عائلة زوجها تحت إشراف حماتها الصارم .. وتظل هكذا إلى أن تزوج ابنها لتتولى زوجته دورة حياتها ، بينما تمارس هي حقوقها الاجتماعية التي حرمت منها قبل ذلك ..
بينما فترة قبل الزواج هي فترة الحرية بالنسبة للفتاة ، وهي الفترة عينها تمارس فيها حياتها الاجتماعية ..
وكل هذا بسبب تأثير فلسفة - الكونفوشيوسية – فمازال للمأثورة القديمة بعض الشرعية والتي تقول : " أن على المرأة أن تطيع أباها في صباها ، وعندما تصل إلى سن الرشد عليها أن تطيع زوجها ، وتطيع ابنها في سن الشيخوخة "..
وهي نتاج المجتمع الأبوي الصيني المؤمن بسادة وقوة الذكر ، والتي كانت تنظر إلى النساء باعتبار أن وظيفتهن هي الحمل وتربية الأطفال وتخليد الأسرة أكثر من كونهن شريكات للرجل في الحياة أو موضوعا للحب ، ولا يدهشنا ذلك ؛ لأن قوام فلسفة كونفوشيوسية تقلص من حق الرومانسية على أساس كونه ضعف والجنس مجرد عملية آلية للحفاظ على استمرارية العائلة .. وغدت المرأة في المجتمع المتحضر " المهذب " في فترة حكم توكوجاوا وصيفة خاضعة تماما للرجل ووسيلة من وسائل الترفيه عنه ..
لكن المرأة الريفية لكونها تعمل جنبا إلى جنب مع زوجها في الحقول ؛ فإنها ظلت محافظة على وضعها نظرا لاستقلالها المادي ..
وإذا كانت مكانة الرجل في اليابان تقاس بالمؤسسة التي يعمل بها وترنو أهميتها إلى أهمية كيانه الذكوري في المجتمع ، فإن المرأة اليابانية هي جنة المنزل الياباني وهي المؤسس والمدبر الأساسي له .. وهو تناقض صارخ يضاف إلى تناقضات فاغرة الدهشة لهذا الشعب ، فلا تعرف معنى غرابة الأطوار حين تكون في اليابان ..!
كما قالت الكاتبة أميلي نوتومب* في روايتها الصادرة عن اليابان " ذهول ورهبة " : " الأنظمة الأكثر استبدادا تتسبب في حالات انحراف عجيبة تجعلها تتسامح مع الظواهر الشاذة ، ولن نعرف معنى غرابة الأطوار حتى نلتقي مع ياباني. إن اليابان بلد يعرف معنى أن (يطق) الإنسان من القهر" ..
فالمجتمع الياباني هو " مجتمع أمومي " مذ أصالته الأولى ، يتميز بقيادة الأم للعائلة في طبقات المجتمع الدنيا ، وكانت " الشمس الإله " هي السلف الأسطوري للسلالة الإمبراطورية ، حيث كانت زعامة الإناث شائعة في القرن الثالث الميلادي ، وكانت هناك إمبراطورات تولين الحكم في القرن الثامن الميلادي ، وكن النسوة يرثن الممتلكات ويؤدين دورا هاما في النظام الإقطاعي .. وهنا انبثق تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية للحد من حرية النساء لكون المرأة بعد تخطيها مرحلة التدريب ليس لها القدرة على حمل السيوف كقدرة الرجل ، ولعل هذا الحد هو الذي جعل المرأة اليابانية تستعيض عن تقلص مكانتها في المجتمع إلى دورها المهم في البيت الياباني ، هو ما جعل اليابان مجتمعا أموميا بامتياز _ وهو النظام الذي ينسب فيه الأبناء لأمهاتهم – وعليه فإن المرأة هي التي تتولى كافة شؤون البيت ، فالرجل يضع راتبه كله في يد الزوجة ، وهي التي تقضي كل حاجيات البيت وتشتري السيارة وتعطي الرجل مصروفه ، ونرى كيف أن تأثيرات هذا النظام الغريب الذي قل من شأن الرجل في المجتمع الياباني ، فالرجل أي الأب رغم أنه هو الذي ينفق على الأسرة فإنه في الواقع أقرب ما يكون إلى الرمز ، لا نفوذ له في شؤون الأسرة ، والأم هي التي تدير ميزانية الأسرة بصورة قاطعة ، والأم هي التي تعنى بشؤون الأطفال وتنشئتهم تنشئة صالحة ، والجدير بالذكر أن المرأة اليابانية المتزوجة حين تكون عاملة ، إن رزقت بطفل فإنها تستقيل من وظيفتها ؛ كي تتفرغ كليا لتربية الطفل وحين يبلغ سن المدرسة ، فإنها تعود لعملها مرة أخرى .. و قد لا تجد أما تعتني بتربية أبناءها مثل الأم اليابانية ؛ فهي ومنذ فترة رضاعة طفلها ، تبدأ بسرد القصص والأحاديث التي تنمي لدى طفلها الأخلاق الفاضلة ، وتغرس فيه حب الوطن والخير، وعشق البطولة ، وتمجيد الآخرين ومن هم أكبر سنا ، إنها حقا أشبه بمدرسة فاضلة ..
واليابانيون لا يعرفون نمط الأب المتسلط المستبد المعروف في مدرسة فرويد لتحليل النفسي ، لكنهم يعرفون صورة ارتباط الذكر القوي بالأم ، واعتماده الشديد عليها حتى ليصل وصفه ارتباطا مرضيا بالأم على المستوى السيكولوجي ..
حتى أن الزوج نفسه أحيانا يغدو وكأنه الطفل الأكبر لزوجته الذي يحتاج منها رعاية لطيفة وتدليلا ، وهذا يتبدى جليا ضعف شخصية الرجل الياباني في أسرته وعادة هذا ما يكون مبعثا لمشاكل أسرية .. بينما في الوقت نفسه ينتظر من الزوجة أن تكون " سيدة محترمة " توفر حياة هنيئة لأسرتها ..
وهذا الجانب هو الذي يعزز من مكانة المرأة في هذا المجتمع الغريب والمدهش والمتناقض ، وفي السنوات الحالية نرى كيف أن المرأة اليابانية استطاعت أن تخوض عدة تحديات ، وغدت إلى جنب الرجل تمارس دورها في داخل وخارج المجتمع الياباني الذي ينحو في اتجاه تطوري نحو اكتساب قيم ومفاهيم عدة من الآخرين ،فقد أعطى القانون الياباني المدني في عام 1946م المرأة وضعاً مساوياً للرجل في كل مظاهر الحياة على عدة أصعدة ، ولعل من أهمها منح المرأة حق الانتخاب في البرلمان والمجالس المحلية ، وتخصيص مقاعد لهن في مجلس النواب ، ومنهن من ترأس المجالس البلدية والقروية ، وفقاً لمبدأ المساواة بين الجنسين ..
وتجد في الوقت نفسه تجدد قديمها بطريقة لا ينقصها الأصالة ، فالكيمونو اللبس التقليدي للمرأة لم يبق كما هو ، فالمرأة اليابانية اعتنت به بحيث أصبحت أقمشته تجاري ما هو مطروح في الأسواق الحديثة ، ولأن الكيمونو يستدعي من المرأة مبلغا طائلا لتفصيله ؛ فإن بعض النسوة غدون اليوم يرتدينه في أوقات المناسبات فقط ، وأولئك اللاتي يعشن في ترف اجتماعي ..
ويبدو أن المرأة اليابانية متوحدة في سماتها وفرادة خصوصياتها ، ولن تشبه قط أي امرأة في أرجاء العالم ، لا في غرابة وضعها ، ولا في أصالة قيادتها لأسرتها ، ولا في أمومتها المثالية تجاه أفلاذ أكبادها ..
فلا عجب حين تقول إحدى أمثالهم : " إن اليابان جنة الرجل " ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( * ) يمكن القراءة بالتفصيل عن هذا الموضوع وغيره عن المجتمع الياباني في كتاب " اليابانيون " تأليف أدوين رايشاور ، ترجمة ليلى الجبالي ، مراجعة شوقي جلال ، عالم المعرفة _ وهي سلسلة ثقافية شهرية تصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ، 1978م ..
( * ) رواية " ذهول ورهبة " للروائية البلجيكية أميلي نوتومب ولدت الكاتبة البلجيكية في عام 1967 م في مدينة كوبي اليابانية ، من أب كان يعمل سفيرا لبلجيكا، تنقلت معه بين الصين وروما ونيويورك واليابان ، فاشتاقت إلى مراتع طفولتها اليابانية ، فعادت إليه ، وعملت هناك في وظيفة ، والرواية تشير إلى اسمها الحقيقي ، وهي انطباعات روائية صدرت عام 1999 ونالت عنها جائزة الأكاديمية الفرنسية الكبرى، حيث سردت عن جوانب التناقض السائد عند اليابانيين ، تحكي عن بطلة تعيش في اليابان وترتكب أخطاء كثيرة ، فتقديم الاستقالة في اليابان يعد إهانة للأعراف اليابانية ، وحين تهنئ البطلة رئيس شركتها على بلوغ طفلته سن الثالثة نراه يتذمر لكونها كشفت " عورة عائلة " ...الخ ، الرواية صادرة عن وزارة الثقافة في دمشق ، 2010م ..