الأحد، 28 فبراير 2010

أعراس وقطع رأس


أعراس وقطع رأس

حنيف قريشي/ترجمة: رولا فتال عبيد

جمعت معداتي وهاأناذا بانتظارهم. لن يتأخروا، فهم لا يتأخرون.
أنت لا تعرفني شخصياً. وجودي لم يخطر على بالك .لكني أراهن أنك قد رأيت عملي من قبل أو بعضه على أقل تقدير، لقد تم بثه في أنحاء العالم وعلى معظم القنوات الإخبارية . بإمكانك أن تجده الآن على الإنترنت إذا أردت ذلك وإن كنت تستطيع احتمال النظر إليه.
لا تتوقع أن تلاحظ أسلوبي أو بصمتي الفنية أو شيئاً ما من هذا القبيل فأنا أصور رؤساً مقطوعة وهذا شيء عادي في هذه المدينة التي دمرتها الحرب، مرتع طفولتي.
كشاب عاشق للسينما، لم يكن طموحي في يوم من الأيام تصوير أشياء كهذه.كما لم تكن من أمنياتي أيضاً أن أصور أعراساً رغم ندرتها هذه الأيام حالها حال احتفالات التخرج والحفلات .لطالما تمنيت أنا وأصدقائي أن نصنع أفلاماً حقيقية، بممثلين من لحم ودم وحوار ونكت وموسيقا كما كنا نفعل ونحن طلبة. الآن لم يعد أي شيء من ذلك ممكناً.
كل يوم نكبر فيه نشعر بأننا نستهلك. نحن فنانون قبل كل شيء والحكايات لا تزال هناك بانتظار أن تروى. لكن (صناعة الموت) طغت على كل شيء.
لقد وقع علينا الاختيار لنقوم بتلك الوظيفة، وليس بإمكاننا سوى القبول، لا نستطيع الادعاء بأننا نقوم بزيارة لأقربائنا أو بأننا نعمل في غرفة المونتاج. بإشارة عاجلة يطلبوننا وفي ساعات مختلفة، عادةً ما تكون في الليل، دقائق قليلة وبعدها يكونون في الخارج ومعهم أسلحتهم يضعوننا في سياراتهم ويغطون رؤوسنا.لاوبما أنه لا يوحد سوى واحد منا يعمل في مثل هذا الوقت، فإن السفاحين يساعدوننا في حمل المعدات. وبما أنه يجب علينا أن نضبط الصوت والصورة وأن نشغل الكاميرا ونقوم بتحضير إضاءة المشهد، فقد طلبت منهم أن يحضر معي أحد المساعدين، فما كان منهم إلا قدموا شركائهم السفاحين الغلظاء ولم يكن لديهم أدنى فكرة عن أي شيء ولا يستطيع مسح عدسة دون أن إحداث مشكلة.
أعرف ثلاثة أشخاص آخرين يقومون بنفس المهمة.ونحن نناقش ذلك فيما بيننا ولكن لايمكن أن يخطر على بالنا أن نتحدث بهذا الأمر لأي شخص آخر وإلا فسوف تزهق أرواحنا أمام الكاميرا .
حتى وقت قريب صور أقرب صديق لي رؤساً مقطوعة رغم أنه ليس بمخرج فهو مجرد كاتب، صدقوني. ليس لدي أي تعليق عليه غير أنني لا أثق به وبيده الكاميرا. فهو ليس متمكناً من طريقة عمل تلك المعدات. ككيفية وضعها وتشغيلها ثم بعد ذلك إدخال المواد المصورة إلى الكمبيوتر ومنها إلى الانترنيت. إنها مهارة بكل وضوح.
كان هو من أتى بفكرة ابتكار بطاقات تعارف كتب عليها " أعراس وقطع راس ". عندما توجد الكهرباء، فإننا نلتقي في شقته لمشاهدة أفلام الفيديو. وعندما نفترق يقول لنا مازحاً " لاتدفن رأسك في الرمل يا صديقي. لا تفقد رأسك الآن. ارفع ذقنك!"
من عدة أسابيع مضت بدا عليه الاضطراب الشديد. فعلى الرغم من أن الكاميرات التي تم الاستيلاء عليها من الصحفيين الأجانب كانت من نوعية جيدة إلا أنه وهو يقوم بإضاءة المشهد احترقت إحدى اللمبات في الكشاف الوحيد الذي كان لديه ولم يستطع استبدالها بأخرى، في هذه الأثناء تم إحضار الضحية. صديقي حاول ابلاغ الرجال "العتمة شديدة ولن تظهر الصورة وبالتالي فلن يكون بإمكانكم أن تعيدوا اللقطة مرة أخرى" ولكنه لم يفلح في حثهم على الانتظار، كانوا على عجلة من أمرهم و قد بدؤا يقطعون الرقبة. من شدة ذعره أغمي عليه ولحسن الحظ كانت الكاميرا تعمل فظهرت اللقطة لكن بإضاءة ضعيفة طبعاً، فماذا كانوا يتوقعون ؟! أعجبتني أسميتها لينتشيان.أما هم فقد انهالوا عليه بالضرب عند الرأس المقطوع ولم يطلبوه مرة أخرى بعد ذلك.
كان محظوظاً. ولكن أتراه سيجن، فقد قام في السر بالاحتفاظ بنسخ من صور الرؤس المقطوعة والآن يلعب بهم على الكمبيوتر، يقطعهم ويعيد منتجتهم مرة أخرى، يجعلهم يتراقصون على موسيقى الأوبرا، الجاز أو الأغاني الكوميدية. يبدو انها الطريقة الوحيدة التي يستطيع أن يمارس بها حريته.
قد تندهش لو علمت أننا نتقاضى أجوراً، يعطوننا دوماً شيئاً يسمى "بدل أتعاب" وقد تندهش أيضاً لوعلمت أنهم يلقون بالنكت كأن يقولوا مثلاً "سوف تحصلون على جائزة في المرة القادمة. يا الشباب ألا تحبون الجوائز والتماثيل وأشياء كهذه؟
مهمة كريهة، الطريق الطويل إلى هناك وأنت تحمل الكاميرا والحامل على حجرك، رائحة الحقيبة، الأسلحة، وتتسائل إن كنت أنت الضحية هذه المرة. عادة تقطع الطريق وأنت تشعر بالغثيان ثم تجد نفسك في المبنى ثم في الغرفة، تعد الأجهزة وتسمع أشياء من غرف أخرى تجعلك تتسائل إذا كانت فكرة الوجود على الأرض فكرة جيدة.
أعرف أنك لا تريد تفاصيل كثيرة ولكن القيام بقطع رأس أحد الأشخاص عمل بمنتهى الخطورة إذا لم تكن جزاراً.وهؤلاء الشباب ليسوا مؤهلين لذلك إنهم فقط متحمسون، هذا ما يحبون القيام به. حتى تأخذ لقطة جيدة فمن الأفضل أن تنظر بشكل مباشر في عيني الضحية قبل أن يتم تغطيتهما. في النهاية يحمل الشباب الرأس المقطوع والدماء تنفر منه وهنا ربما تحتاج لأن تستخدم كاميرا محمولة حتى تستطيع التقاط كل شيء. عليك أن تضبط المشهد ضمن الكادر بعناية فائقة فليس من صالحك أن يضيع منك أي تفصيل ( في الواقع يجب أن يكون لديك حامل يتحرك رأسه بحرية وسرعة وهذا شيء أمتلكه ولن أعيره أبداً لأحد).
يحتفلون ويطلقون الرصاص في الهواء أثناء قيامك بإعادة الشريط لإلقاء النظر عليه. بعد ذلك يضعون الجسد في كيس ويلقون به في مكان ما قبل أن يأخذوك بالسيارة إلى مكان آخر حيث ستقوم بإدخال هذه المواد في الكمبيوتر ومن ثم بثها.
كثيراً ما أتسائل عن وقع كل ذلك علي. أفكر بمصوري الحرب الذين يقولون إنهم لينئوا بأنفسهم عن الواقع المؤلم والموت نحن أبرياء. لكن هؤلاء الشباب اختاروا أن يقوموا بهذا العمل لأنهم يؤمنون به.
يوماً ما أحب ان أصنع فيلماً حقيقياً ربما سيبدأ بقطع رأس يحكي الحكاية التي تقود لذلك. إنها الحياة التي تثير اهتمامي. أما الأشياء التي أقوم بها الآن فستستمر لبعض الوقت. بعض الأحيان أتساءل إن كنت سأصاب بالجنون، أم أنني لن أحظى بهذا أيضاً.
من الأفضل لي أن أذهب الآن। هناك أحد ما أمام الباب.


*كتب حنيف قريشي قصة "أعراس وقطع رأس" عام 2006 وحوِّلت إلى فيلم قصير من إنتاج القناة الرابعة في بريطانيا। وفي عام 2007 حصلت على الجائزة الوطنية للقصة القصيرة التي تقيمها البي بي سي।
المترجمة كاتبة ومخرجة مسرحية من سورية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حنيف قريشي :

ينتمي حنيف قريشي إلى عائلة من المهاجرين الباكستانيين. ولد في 1954، في مقاطعة «كنت» جنوبي إنكلترا لأب باكستاني وأم إنكليزية. درس الفلسفة في جامعة لندن. بدأ الكتابة وهو لا يزال في سن المراهقة. كتب سيناريوات أفلام ومسرحيات وقصصاً قصيرة، هذ فضلاً عن الرواية. عرف الشهرة باكراً بعدما رُشِّح فيلم «مغسلتي الجميلة» في العام 1984 لجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو، وكتبه قريشي. كذلك، نال فيلم «الحميمية» المأخوذ عن رواية بالاسم ذاته له، جائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين. وعلى رغم إصداره روايات منها: «الألبوم الأسود»، «الجسد»، و «هدية غابرييل» وسواها، إلاّ أن الرواية التي نالت الشهرة والرواج، أكثر من غيرها، هي «بوذا الضواحي» 1990، وفيها يتحدث عن أحوال المهاجرين، وعن الهوية، والتعددية الثقافية، وبدت الرواية توثيقاً لتجربة شخصية. ترجمت أعماله، التي تصدر عادة عن دار «فابر آند فابر» إلى اللغة العربية وكان لدار «ورد» السورية الدور الأبرز في هذا المجال.

الاثنين، 22 فبراير 2010

حماقة تنين نيرون ولهاث ليليث


حماقة تنين نيرون ولهاث ليليث

" لا شيء تبقى لنا غير الحب " هكذا تسلسلني نغمة " جاك بريل " ، وهو يتموسق في لهاث مع الحب والأحلام ، وأنا بنزاهة ألجم روحي ، أرابط نسرا جاحدا بشراهة اللحم يقتطع مني ربلة ربلة ، كلما عصى الفؤاد كان السبق هو النصل ..
أنازل خطوي .. مذ دهر الذاكرة .. لم اشرع أبوابي في لعنة الشبهة ، أجدني جبانة .. مسكونة برهبة أبدية .. والحياة ربق أنفاس ..
وأنت تلك المسافة البُرهة .. والابتسامة التي لا يغسلها الشمس سوى لفرح من نوع أصيل ، كصهيل فرس يمتطي حسه النبيل في ثوان تكفيه ليشربك العالم من أقصاه إلى أقصاه في فوضى ما بعدها سوى سيرة تعلج ، تتعنعن ، تحك ، تتورم ، تنتفخ ولا تنتهي .. يتشامخ حضورها مع يباب الأرض ، تتماهى في مواسم الصحو والمطر ، وفي الصحاري والينابيع والهضاب والوديان تدوزن كصهريج شرّه بالقنابل لا يخرس عن الفرقعة ..
كنتني أُتبّلك لوليمتي الليلية .. كان فورانا عارما ذاك الذي طبّل شراشفي الباردة .. حريري كمنامتي المزركشة بكروشيه الشهوة .. وحشتك حضور طاغ ، لاواعي ، زلزلي ، كمنبه حاضر العقارب أبدا .. جِنيّ الوقت لا تفوته ثواني الحضور ، ولا تستدعيه سوى رضاب حارق يشاكسها هواء التكييف كيما يحرق أوارها همجيتي المتلبسة فيك ..
في أماس كثيرة تتضمخ اللذة كغيبوبة يفوق أنينها المائة الفهرنهايتية ، وكم أودني لو أنهشك قطعة قطعة ، لو ألوك كبدك بالشراهة التي مضغت بها أنياب هند بنت عتبة كبد حمزة .. أوااه ، مذ فسحة وأنت تتآكلني كدود ، تصنع من دمي مصاصات يستلذ بحلاوتها ألسنة مكلومة بالشبق ، تشذبني تميمة في عنق النار ..
بلى ، كلانا متوحشان في اقتناص الومضة ، بلى مازلت أشعر بقبضتك وهي ترجني خلخال حب ، تستدعي بجنونيات ولهك كل الفصول لتحتسي نخب حنينها مع رقصة الرومبا تحت عنق المطر ، مطرهما ، إلى علو أبدي ينصهر بنا ذاك الوابل الرطب ، ذاك المنطاد المنفوخ بشبق لم تعاصره آماد الخليقة بعد ؛ لأنها مشغولة بتسطيح الريق ، ما تزال تتوق إلى سذاجة الحيوان المرابط ، المهزوز ، هناك في دواخلهم يتسرمد ، يعلو يهبط بهم في جهم الأرض .. ساذج ذاك العار حين يتسلل من جيب الخفاء ، تضيق مسامات أنفاسه بل تخبو وتموت برتابة في نقاب القنص ، وكأنها حبة بخور تداركتها لحظات من الاحتراق فترمدت إلى أبد الآبدين..
لن يحفظوا التعويذة أبدا ، البشرية إياها تقتنص من الجحر ذاته ليس مرتين بل قرون مرات .. سيرة الرذيلة إياها تتوجس كجذام في أجسادهم ، تستطيل بجبروت على هامة كوكب ضال يظل فيه الرجل ماء و الأنثى طحين ، ويظل الشبق عقيما مهما تشقلبا في آماد الصحاري المتعطشة في أجوافهم البئرية ..
تعال ..
إنهم بحاجة إلى كلينا .. أنا وأنت .. كوكبان من رذيلة لم تحتكا بأهل الأرض بعد ..
تعال ..
تلك النياجارا فلتهطل بركتها في تجاويفهم الكالحة ، فثمة عطشى كثيرون لم يرتووا بعد .. تلك المضخة قد تشبع ليليث المفروشة في جسد كل أنثى ، تلك المضخة قد تهمد الوحش النيروني قبل أن يزفر تنينه حماقة التاريخ الكبرى ، فتتيه الأرض وكل ما عليها فان ..
فتطفح تلك الأنهار الشاهقة فينا إليهم ..
أنا وأنت سنتصافى مع قلوبنا مدينة فضلى انقرضت البشرية عنها ..
تعال ..
فلنترك ليليث ونيرون لهم ..
تعال ..
لم يتبق لي سواك ..
تعال ..
إني .....................

الجمعة، 19 فبراير 2010

السبت، 13 فبراير 2010

قلوب فارغة


قلوب فارغة

19

مات فالانتاين ، ملأ تاريخ قلبه بالحب ، لكنه أورث العالم قلوبا فارغا ، تحتسي نبيذ خذلانها في كل عام ..!
يحتفلون بذكرى فالانتاين ، والأحمر كشلال التهم كل الألوان المتبقية في كل مكان ، كل شيء سابح في الاحمرار ..
لكنني ربما الوحيدة التي تخلت عن اللون الأحمر ، ليس لأنه عيد الكفار ونحن - مسلمين - ، وليس لأنني أبغض اللون الأحمر رغم أنه شبيه بلون الدم ، وليس لأنني امرأة عنيدة تتبع قاعدة ( خالف تعرف ) ، وليس لأنه اللون الذي يهيج الثيران في اسبانيا ..
لا أدري ، لكن الأسباب التي رصفتها في الأعلى ألا تكفي لإقناعكم ..؟!

الأحد، 7 فبراير 2010

عازف


عازف

" في المرة القادمة لن أمّر عليك

ستبقى تعزف الموسيقا

يا حبيبي

إلى أن تفقدني

وأنت تعزف

كل ما تريد "

خالد الراشد

الأربعاء، 3 فبراير 2010

كبسولات مدرسية .. ق . ق . ج


كبسولات مدرسية
ق . ق . ج


نبوءة

تداعى صوت المعلم وسط طلابه ، وهو يشير لخارطة العالم :
- كوكبنا معّرض لمخاطر احتباسات حرارية ، وهذا لن يكون أقل تأثيرا على المحاصيل الزراعية والحيوانية بشتى أنواعها في السنوات القادمة ..
قطع تلميذ نجيب حديث الدرس قائلا :
- لا داعي للقلق يا أستاذ ؛ فالأجيال القادمة سيكونون من آكلي لحوم البشر ..!


قبل وبعد

( 1 )
المعلمة قبل الزواج

تدخل الفصل بوجه متجهم وشعر مشعث ، بينما تهديداتها تسبقها :
- ولا كلمة ، احبسن أنفاسكن جيدا ..!
تدوّن على السبورة بتأن :
العنوان ، التاريخ ، حكمة اليوم ، ملخص الدرس وحديث مسهب عنه ..
أثناء الشرح :
- عائشة ، تحجبي جيدا ، ويلك إن وقع عيني على خصلاتك الملونة مرة أخرى .. !
- وأنت ِ يا منى ، آخر مرة أراك في هذا المريول الضيق .. !
- و ما هذا الطلاء الأحمر على أظافرك يا سارة ، هل نحن في حفل .. ؟!

( 2 )
المعلمة بعد الزواج

تدخل الفصل بابتسامة تشقها نصفين ، تخربش عجلى على السبورة ..
تتثاءب وهي تعتذر :
- عذرا يا تلميذات ، لا مزاج لدي لشرح درس اليوم ..
و تتابع :
- واااو يا عائشة ، لون شعرك جميل ، ما الصبغة التي تستعملينها.. ؟!
- ياااااي يا منى ، مريولك المخصر تفصيله رائع ، هل لي أن أعرف من أي خياط تم تفصيله .. ؟!
- وأنت يا سارة ، طلاء أظافرك الأحمر مدهش من أين اقتنيته .. ؟!


جيل عصري

المعلمة : ما هي طموحاتكن في المستقبل ؟
التلميذة الأولى : أن أصبح مغنية كنانسي عجرم ..
التلميذة الثانية : يا سارقة ، هذا طموحي أنا وليس من حقك أن تطمحي إليه .. ؟!
التلميذة الثالثة : أنتِ السارقة ، بل هو طموحي أنا ؟
الرابعة : لا ، إنه طموحي ؟
الخامسة : إنكن سارقات أنا التي طمحت لذلك ؟
السادسة : كيف هذا وأنا أقدركن لهذا الطموح ؟
الصف كله : لا .. أنت .. اسكتي .. نعم .. هااا .. تبا .. خرقاااء .. الخ .. !
تلميذات الصف كلهن تشابكن في عراك صوتي وجسدي ..
والمعلمة ضاع صوتها عبثا بين طموحاتهن .. !



صوتها عورة

ران على طباعها الصمت ، بل إن زميلاتها في الفصل أكدن للمعلمة أنهن لم يسمعن حسها أبدا ، وحين عجزن باقي المعلمات إخراجها عن صومعة صمتها المقدس ، لم تثنِ المعلمة الجديدة عزائمها ، وبعد عدة محاولات شاقة معززة إياها بإغراءات مادية ، تمتمت حنجرتها المتيبسة صوتا ضئيلا ... وحين بدت عبارتها غير مسموعة ، طلبت منها المعلمة أن تعيد ما تقولته ، فأعادت العبارة بصوت خانق هزّ صداه المدرسة كلها :
- يقول أبي دائما : " اخرسي يا بنت .." ..!



2008م

الجمعة، 29 يناير 2010

الرابحة


الرابحة

عزة رشاد

وحدك لم تتغيري "أيتها الماكرة"، بينما أكلتنا الكهولة، سعاد سمنت وترهل جسمها بعد أن امتلأت بطنها وأفرغت حمولتها أربع مرات، نصفهم أولاد ونصفهم بنات، هذا بخلاف آلام الظهر والمفاصل التي اقتنصت ضحكتها القديمة المميزة، أما هند فعودها النحيل لم يتغير لكن الهموم والتجاعيد تجعل من يراها يعطيها عشر سنوات فوق عمرها، وأنا، والحمدلله على كل شيء، أخذت بعضاً من هند وبعضاً من سعاد، فالمرء على دين خليله كما تعلمين।

أنتِ الوحيدة التي مازلتِ جميلة وشابة، بشعرك الأسود الطويل تعقدينه "ذيل الحصان" بشريط وردي، وعينيك الواسعتين المندهشتين، وساقيك الطويلتين المنفلتتين من تحت المريول الكاكي، كما شهدتك ساحة المدرسة، وأنتِ لم تبلغي بعد عامك السادس...
ستة أكف متشابكة في أغنية البنات الطفولية:
إحنا التلاتة.......... سكر نباتة
تظهرين أمامنا وحيدة ومرتبكة، في أول يوم لك بالمدرسة، تدورين حول نفسك:
دوخيني يا لمونة دوخيني...
أفك تشابك يدي من يد سعاد وتلتقط كل منا إحدى كفيك الصغيرتين ونعدل غنوتنا:
إحنا الأربعة أجمل أربعة

نقطع عود العسلية إلى أربع قطع متساوية، ونقسم حبات الحرنكش على أربعة، ونمرر الدومة المعسلة علينا، كل واحدة قضمة، ونفرش فوق حصى الحوش وشاح هند لنعمل غديوة في فسحة المدرسة بتشاركنا سندوتشات الجبن القريش والحلبة المحوجة والبطاطس المحمرة والحلاوة الطحينية.
لكننا، بعد فترة قصيرة، سنقذفك بنفس الحصى ونجرسك بالصياح
يا فاطرة رمضانيا خاسرة دينك
كلبتنا السودة هتقطع مصارينك

حدث هذا بعد أن ضبطتك هند تقضمين الرغيف الساخن وهو خارج من الفرن قبيل المغرب في أول يوم بحياتنا، نصومه كاملاً احتجاجا على اتهام الكبار لنا "أبناء أولى ابتدائي" بالضعف وقلة الاحتمال تجاه البأس الذي يحتاجه صوم الشهر الكريم.
تثورين على اتهامنا وتبررين فعلتك الجبارة بعبارة خرجت من فمك صادقة تماما، فأخمدت ثورتنا، لكنها جعلت أمي تنحني من الضحك والعجب حينما ذكرتها لها:
ـ أنا ذقته. بس مابلعتهوش
تثورين على سخريتنا وتتعاين على لعبتنا وغنوتنا وتفكين كفيك وتبتعدين. تدورين في خيلائك البعيد وفي الوسعاية الممتدة تحت البيت:
دوخيني يا لمونة دوخيني....
وتدارين تقصيرك في حفظ القرآن في كتّاب الشيخ إبراهيم بعبارة تفسطنا من الضحك وتكف يده عنك:
ـ الذنب مش ذنبي। ده ذنب مخي. هوة اللي مابيعرفش يحفظ.

نداري ضحكاتنا في ثنايا أكمامنا "كنا صغاراً وليغفر المولى لنا ولكِ"، بينما ينظر الشيخ إبراهيم لبراءة وجهكِ حائراً وعاجزا عن التصرف، وعصاه المرفوعة في وجهك ترتد إلى جانبه، ويده التي ضربت كل من أخطأت في كلمة أو حتى حرف واحد تنجحين في جعلها تقتصر عنك أيتها الماكرة. الشيخ إبراهيم الذي تجهم وجهه ولم يستطع أن يأخذ منك حقاً ولا باطلاً لن يسعفه لسانه قبيل انتهاء الدرس سوى بالصياح بعبارة واحدة:
ـ اللي مخه مابيعرفش يحفظ ما يورينيش وشه تاني.

ورحنا نكبر ويكبر معكِ عنادك، فتناكفين أبلة وداد مدرسة الفيزياء:
ـ مابأحبش الفيزياء. غصب عني
تنظر لكِ مندهشة وهي تفكر بعبارتك عاجزة عن الرد إلا بعد برهة طويلة وتدهشنا بصوتها المنخفض وغير الحاسم:
ـ مفيش في المدرسة حاجة اسمها بأحب وما بأحبش.
تربحين هذه الجولة أيضاً بمفاجأة غرمائك وإرباكهم فيعجزون عن النيل منك.
تسألك سعاد:
ـ مابتحبيش الفيزيا! طب بتحبي إيه؟
كان حلم سعاد تصبح طبيبة تداوي المرضى فيمطرونها بالأدعية الطيبة، وكان حلم هند أن تصبح معلمة تربي النشء على السلوك القويم، وكان حلمي أن أصبح داعية لدين الحق، يصل صوتي إلى كل حدب وصوب.
ـ وأنتِ؟
ـ نفسي أبقى.....

ـ نفسي أبقى.....
ـ ها؟
بعد أن تطلّعي روحنا تفاجئينا، وأنت تميلين فوق الجسر يمينا وياسرا، بتلك الإجابة العجيبة التي تميتنا من الضحك
ـ نفسي أبقى عروسة النيل
إجابة متعجلة أسعفتك بها رؤيتك للماء يجري تحت الجسر أم كان إلهاما من المولى عز وجل؟
ـ ومين قالك يا اختي إن النيل ناقصه عرايس!!
تغضبين من سخريتنا قليلاً ثم تتحينين الفرصة لمصالحتنا في اليوم التالي، لكن كله كوم وحكايتك مع أبلة رقية، مدرسة الثانوي، كوم:
ـ الجونلة دي لازم تطول شوية. حطي ف عينك حصوة ملح!
وفيما تلتف عيوننا حول ساقيك الممشوقتين تفاجئيننا بدوي حنجرتك المنفلت:
ـ الملح خلص من زمان. أعملك إيه؟
سعاد، التقية منذ طفولتها، عندما لاحظت نمو نهديها غطت جسدها كله بالعباءة الفضفاضة، وهند التي كان شعرها أجمل ما فيها غطته بخمار طويل، وأنا الغيورة على ديني راعيت أن أكون قدوة للأخريات فرفضت لبس البنطال والثياب القصيرة وحافظت على حجابي وهو لم يجب عليّ بعد، فيما أنتِ مستمتعة بهدهدة ذراعيكِ المكشوفتين :
ـ اللهم دمها نعمة واحفظها من الزوال.
أتأمل ذراعيك المكتنزتين البديعتين ثم ألتفت مبتعدة بعيني عنهما وأستغفر الله عنكِ وعني।

وتحتملين، في ذلك اليوم، من عصا أبلة رقية عشر ضربات، خمس على كل كف، دون أن تنزل دمعة من عينك، ثم تلوميننا في المرواح لأننا لم نقف معكِ ضدها، هذا لأنكِ لن تلاحظي الغضب الذي منحته عبارتك المستخفة لعينيها، لم تلاحظي انتفاضة عضلات وجهها وكم التوتر الذي عانته بسببك، أنتِ، الشريك المخالف كما كان يحلو لها أن تصفك مفسرة سلوكك المدهش بالرغبة التافهة في لفت الأنظار ليس إلا.
حكاية العصي العشر كانت ستصبح الموضوع الأكثر ذيوعاً بالمدرسة لعدة أيام تالية لولا أن غطت عليها حكايتك الأخرى.. عندما ركلتِ شاباً، كان متزعماً زميليه في معاكستنا في الطريق بسبب جونلتك القصيرة، ركلته ركلة أسفل بطنه جعلته يتلوى ويصرخ متألماً فيضطر زميليه لنقله للمستشفى ويغدو حديث البلدة كلها هو توبة الشبان عن معاكسة البنات بفضل البنت ذات الساقين الطويلتين وتربحين هذه المرة أيضاً، بفضل رب العباد الذي ينقذك كل مرة وبدلاً من أن تدركي خطورة بدعك ومغامراتك تسخرين من نصائحنا عن أمان البنت بالالتزام واجتناب الشبهات، وتتمادين في خرقك لكل مألوف فيزداد ترجيحي بصحة تصور أبلة رقية عن ولعك بلفت الأنظار الذي تؤكدينه بردك المستهتر عندما نحذرك من عاقبة سفورك وتبرجك:
ـ اللي يبان مني.. زكاة عني
عبارة لو قالتها غيرك لاستحقت في نظري القتل، غير أن الجيرة وصداقة الأهل وزمالة الفصل، وربما أسباباً أخرى، تجعلني أتمتم بالاستغفار لي ولكِ.

لكن الذنب هو ذنب الأبلة "شادية" موجهة الفنون التي حضرت معنا حفل المدرسة الثانوية..
أعددت نفسي لتلاوة آيات من الذكر الحكيم كافتتاحية للحفل، كما جمعت سعاد بعض الحكم والمواعظ ونبذة عن الإسعافات الأولية وتطوعت هند بعمل السندوتشات والكيك والشاي..
ـ وأنتِ؟
ـ مش عاملة حاجة
ثم تفاجئينا قبل نهاية الحفل، عندما أخذ الولد تامر، أخو زميلتنا هالة، يعزف على الأوكورديون، تفاجئينا بتلك الخطوات البهلوانية التي سايرت إيقاع الأوكورديون بشكل أثار بهجة أبلة شادية فقفزت نحوك مصفقة ومهللة، وراحت تلوم مديرة المدرسة:
ـ معقول تهملوا المواهب الأصيلة دي!؟
ينشال أبوكِ وينهبد : فرقة فنون شعبية؟ عايزة تبقي رقاصة يا بنت الحاج علي؟
تلوي سعاد شفتيها بأسى: يخلق من ضهر العالم فاسد !
تقفين على أطراف أصابعك وتدورين بطول الصالة وعرضها، تحسبين والدتك الطيبة ستقتنع بموهبتك المزعومة وتدعم موقفك أمام أبيك الحاج علي:
ـ موهبة إيه! وزفت إيه! عايزة تفضحينا في البلد؟
ترقيكِ والدتك وتدور تبخر البيت من الفجر حتى الضحى كى يبتعد عنه الشيطان الرجيم؟
أتذكر عبارة أبلة رقية، فأهمس لأبيك ألا يضخم الأمر كي لا تتشبثي به أكثر، باعتبارك الشريك المخالف، لكن أباك يعود ويلومنا مؤكدا أن موقفه غير الحاسم زادك ولعاً وتمسكاً بمبتغاكِ اللعين।

لم يهدأ للحاج علي بال حتى ذهب بنفسه إلى المدرسة ووبخ المديرة على الفكرة المبتدعة كما سمعنا أنه ذهب في ذلك حد تهديدها بتحرير محضر شرطة ضدها إذا لم تسحب اسمك من فرقة الفنون.
أما أنتِ فقد رفضتِ نصحنا وسخرتِ من تحذيراتنا:
ـ عايزة تعرضي جسمك للناس؟
ـ البنات بفرق الفنون والرقص عمرهم ما يوردوا على جنة
تصيحين بغيظ:
ـ إيش عرفك؟ خطفتي رجلك لغاية هناك وشفتي مين في الجنة؟ ومين في النار؟
نستغفر الله عنك ونتضرع له أن يغفر لكِ وأن يهديكي سواء السبيل.
لا أعرف كيف سارت الأمور بينك وبين الحاج علي، غير أن إذعانك للأمر الواقع كان جلياً في انكسارك واقتصارك عنا. نصلي وندعو لكِ بالهداية والغفران
ـ خليكم في حالكم أحسن
كل ما قلتيه وما فعلتيه لم ينجح في جعلنا نتخلى عنكِ، ولم يزعزع إصرارنا على هدايتك قط.
احنا الأربعة أجمل أربعة

غير أنني كنت، وليغفر المولى لي ولكِ، راغبة في قتلك عندما وشت بك خادمة سعاد..
ما الذي في الولد تامر، الذي يلبس قمصانا مزركشة ولا يبين بصوته هيبة الرجال، ما الذي فيه أو في غيره، يغريكي بارتكاب المعاصي!؟
ـ كنا بنتمشى ونتكلم عادي
ـ عادي!!! استغفري الله.
خفنا عليكِ، على رأس الحاج علي الذي تصرين على وضعه في الطين بدمٍ بارد، فاشتعلت عزائمنا على هدايتك... مهما كلفنا الأمر.
التقيناكِ قرب رأس الجسر....
كلمة من سعاد وصيحة من هند وتحذير مني، وأنت تتلقين سياطنا بوجه متجهم وتكتمين الكلمات داخلك، فقط، حسب ما تذكرت فيما بعد، كنتِ تسعين لانهاء الكلام بأسرع ما يمكن...

ـ غريق.. غريق
تلطم هند وجهها:
ـ احنا السبب. قسونا عليها
فضلنا نلومها ونؤنبها....
تبكي سعاد وهي تهدئها:
ـ قدّر الله وما شاء فعل.
في البداية تضرعت إلى الله ألا يعتبر فعلتكِ انتحاراً "من الكبائر" لأنها تعبر عن ندمك، والندم أول طريق التوبة كما يؤكد أنك لم تكوني في وعيك عندما قذفت بنفسك في النهر، ثم ظهر شاهد عيان... يروي أن سقوطك بالنهر لم يكن متعمداً بل حدث نتيجة ترنح وعدم اتزان، كما اعترف عم بسطاويسي مساعد الصيدلاني بأنه أعطاكِ مسكنا قوياً للآلام بسبب إصابة في ركبتك خفتِ أن تمنعك من حضور أول بروفات الفرقة الفنية ـ بكل إصرارٍ على استمراء المعصية ويا للعجب ـ في الصباح التالي، مؤكداً أنه أوصاكِ بسرعة العودة للبيت। لكننا التقيناكِ، واستوقفناكِ، حتى سرى بجسمك، فيما يبدو، فعل المخدر، فهويتِ، وأنتِ عند منتصف الجسر.

وسواء اخترتِ هذا المصير أم هو الذي اختاركِ فلن يمكنني إنكار أن شيئاً، لا أدري تحديداً ما هو، قد تغير بعد هذه الليلة...
المقاعد التي نجلس عليها منذ سنوات طويلة ناءت بحمولتها المرهقة، والمرايا صارت تخفي عنا لمعتها كأنها سئمت شحوبنا وتهفو لنضارة ملامح جديدة، ومن سيمتد بها العمر منا ستشهد ازدياد ثقل وجودها في أعين أبنائها. أنتِ وحدكِ ستبقين جميلة ومحبوبة إلى الأبد.
سعاد لم يؤهلها مجموعها بالثانوية لدخول كلية الطب، وهند صارت معلمة أبعد ما تكون عن تلك التي تمنت أن تكونها، وأنا لم أصبح داعية ولا أي شيء آخر، هذا أمر المولى عز وجل وله في ذلك حكم।

الجسر الذي هويتِ من فوقه أطلقوا عليه اسم: جسر الشهيدة ! والمزارعون الذين لاحظوا سخاء النهر بعد أن ابتلعك يقرأون لك الفاتحة في الذهاب والرواح ويطلقون عليكِ: عروس النيل. تماماً كما تمنيتِ، أنت وحدك التي ربحتي، وحققتي كل ما حلمتي به !!
ألست أنتِ التي تقمصتِ يدي الآن وجعلتيني أوقع "توقعين" لابنتي الصغيرة على استمارة الالتحاق بفرقة الفنون بالمدرسة، رغم معارضة أبيها، و॥ معارضتي... أيتها الماكرة।

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عزة رشاد :
كاتبة وشاعرة مصرية ، 1961م ، بكاروليوس طب وجراحة ، تخصص دبلوم أطفال .
من كتبها :
१ ـ ذاكرة التيه ، رواية دار ميريت 2003م .
२ ـ أحب نورة ..أكره نورهان ، مجموعة قصصية ، دار الشرقيات 2005م .